elwardianschool


elwardianschool

مـنـتـدى مـــكـتـبــة مـدرسـة الـورديـان الـثـانـويـة * بـنـيـن...( تعليمى.متنوع.متطور )

 
الرئيسيةالبوابةبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول
نتمنى لكم قضاء وقت ممتعا و مفيدا فى المنتدى

شاطر | 
 

  رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (201) التطور بالتنبؤ

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15143
نقاط : 25282
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (201) التطور بالتنبؤ   الأربعاء 08 نوفمبر 2017, 2:30 am

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (201) التطور بالتنبؤ


الثلاثاء 18 من صفر 1439 هــ 7 نوفمبر 2017 السنة 142 العدد 47818




التطور لا يحدث إلا فى اتجاه المستقبل والتنبؤ لا ينشغل بغير المستقبل. المستقبل إذن هو المشترك بين التطور والتنبؤ. ومع ذلك فثمة إشكالية كامنة فى هذه الصياغة وفى الإمكان صياغتها على هيئة سؤال: هل فى إمكاننا قراءة المستقبل من غير أن يكون مسجلاً فى التاريخ؟ ومع ذلك فإن هذه الصياغة ذاتها رغم دقتها إلا إنها تنطوى على تناقض وهو أن التاريخ ذاته لا يعنيه إلا الماضي. قد توحى هذه الصياغة بأن يكون الجواب بالسلب وإذا كان ذلك كذلك فالنتيجة اللازمة تكمن فى عدم المضى فى كتابة هذا المقال. ولكن ماذا لو كان الجواب بالايجاب؟ إنه يعني، فى هذه الحالة، أن يكون لدينا مؤرخ للمستقبل على غرار ما لدينا حتى الآن من مؤرخ للماضى. والذى دفعنى إلى إثارة هذا الذى أثرته هو قراءاتى أكثر من كتاب يدلل على صحة هذه الإثارة. فثمة كتاب عنوانه «مستقبل مؤسس على ايمان» (2012). وقد جاء فيه أن الاصلاح الدينى لن يكون ممكناً إذا كانت نقطة بدايته الترحال من الحاضر إلى ماض يقال عنه إنه العصر الذهبى من أجل إعادة تجسيده فى الحاضر. ومغزى هذا الشرط أن الاصلاح الدينى مرهون برؤية مستقبلية وليس برؤية ماضوية. وثمة كتاب آخر عنوانه الرئيسى «تاريخ موجز للمستقبل» وعنوانه الفرعى «جذور الانترنت». جاء فيه أن الانترنت مفتوحة على المستقبل. ويترتب على ذلك بزوغ سوق حرة خاصة بتداول الأفكار المبدعة الأمر الذى يلزم منه انهيار مؤسسة المحرمات الثقافية فى مواجهة ثورة معلومات بقيادة «الانترنت» التى يقال عنها إنها مستقبل الاقتصاد. ومن هنا صُك مصطلح homo internetus أى الإنسان الانترنيتى الذى هو تطوير لمصطلح homo sapiens أى الإنسان الحكيم. وإذا طلبت مزيداً من الإيضاح عن مصطلح «الانترنت» فجوابى أنها شبكة كوكبية مكونة من شبكات كومبيوترية. والمعنى الموجز أنها آلة كوكبية، وقد ترتب على ذلك أننى صككت مصطلحاً جديداً هو homo globus أى الإنسان الكوكبى المؤلف من كائن حى هو الإنسان وكائن جامد هو الكومبيوتر، وهو تطوير للإنسان الانترنيتي. وقد استندت فى تصور هذا التطور إلى العالم الأمريكى نوربرت وينر الذى التحق بـــ «معهد ماساشوستش للتكنولوجيا» MIT. عقد فيه ندوات على مدى عشر سنوات وكان موضوعها المحورى الاتصالات فى الإنسان والالآت. وفى النهاية اكتشف تماثلاً بين ما تقوم به الآلة من تحكم وضبط وبين ما يقوم به الجهاز العصبى للإنسان، كما اكتشف العلاقة بين الهندسة والبيولوجيا. وفى عام 1948 أصدر كتابا عن علم جديد أحدث ثورة علمية عنوانه «السيبرنطيقا: التحكم والاتصال فى الحيوان والآلة». وهذه الثورة تكمن فى أن أخصب مجالات تقدم العلوم هى مجالات العلوم البينية وفيها تنشط القدرات الإبداعية. إلا أن هذه الثورة لم تكن ميسورة الفهم لأنها مشحونة بمعادلات رياضية الأمر الذى تمتنع معه عملية الفهم. ومن هنا أصدر موجزا شعبيا فى عام 1950 عنوانه الرئيسى «الاستعمال البشرى للكائنات البشرية» وعنوانه الفرعى «السيبرنطيقا والمجتمع». لفت فيه الانتباه إلى أن التحكم والاتصال هما وسيلتنا فى محاربة ميل الطبيعة إلى تفكيك ما هو منظم وتدمير ما له معني، أى فى منع الطبيعة من أن تصاب بالانحراف. 

وفى هذا السياق أردت أن أدفع العلوم البينية إلى الوحدة فعقدت مؤتمراً فلسفياً دولياً تحت عنوان « وحدة المعرفة». وقال السير الفريد اير فى الجلسة الافتتاحية «منذ خمسين عاماً كنا ننافش وحدة العلم فى حلقة فيينا أما البروفيسير وهبه فقد ذهب إلى أبعد من ذلك إذ يريد مناقشة وحدة المعرفة». وكنت أود مواصلة السير فى هذا المسار لولا أن الرئيس السادات أصدر قراراً بفصلى من الجامعة بدعوى أننى أخطر أستاذ على النظام فى الجامعات المصرية. ومع ذلك لم تختف وحدة المعرفة إذ صدر كتاب فى عام 2016 تحت عنوان رئيسى «صعود الآلات» وعنوان فرعى «التاريخ المفقود من علم السيبرنطيقا» لمفكر انجليزى اسمه توماس رِد يتحدث فيه عن وينر وعن رؤيته المستقبلية فى شأن التداخل بين الآلة والانسان استناداً إلى أن المشترك بينهما هو التحكم فى البيئة لأن من شأن هذا التحكم منع حدوث النتوء لأن النتوء يشير إلى بزوغ الفوضى مع منع المعلومات. ومن هنا كانت فكرته المحورية لعلمه الجديد «الضبط» من أجل التحكم فى رؤية المسار القادم لذلك التداخل والذى أطلق عليه وينر مصطلح «الكائن الحى السيبرنطيقى» الذى يعنى خلق آلات حية قادرة على التفكير والتطور، ومن ثم أمكن الحديث عن الآلة بمصطلحات من علم الحياة والحديث عن الكائن الحى بمصطلحات من علم الميكانيكا. إلا أن هذا الكائن الحى السيبرنطيقى فى إمكانه اشعال الحروب ومن ثم يتحول الكومبيوتر إلى محارب وتوصف الحروب فى هذه الحالة بأنها سيبرية أى أجهزة بدون انسان. ومن هنا يكون التطور بالتنبؤ مزعجاً للانسان الكوكبى فى حربه ضد الإرهاب من حيث إن هذه الحرب لن تكون معروفة مكانياً أو زمانياً. 

والسؤال إذن: ما العمل؟ 

لن يتبق سوى تغيير الذهنية الأصولية تغييراً جذرياً بحيث نسهم بعد تغييرها فى تدعيم الثورة السيبرية ومشتقاتها وفى مقدمها «التأثير السيبرى» وهو عنوان لكتاب صدر فى هذا العام لعالمة نفسية اسمها مارى أيكن مهمومة بتغيير السلوك لأن سلوك البشر مع تكنولوجيا جديدة مغايرة تماماً لسلوكهم مع العالم الذى يعيشون فيه يحدث تأثيراً معادلاً للتأثير الناشئ من الطاقة المنبثقة عن انفجار القنبلة الذرية التى اُلقيت على هيروشيما. 

أظن أن هذا المقال لتدريب العقل على التطور. 




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15143
نقاط : 25282
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (202) ما الحياة ؟   الثلاثاء 14 نوفمبر 2017, 7:13 pm

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (202) ما الحياة ؟


الثلاثاء 25 من صفر 1439 هــ 14 نوفمبر 2017 السنة 142 العدد 47825


سؤال أثير فى القرن العشرين ويثار الآن فى القرن الحادى والعشرين. ففى عام 1944 طُبع كتاب عنوانه «ما الحياة ؟» للعالم الفيزيائى النمساوى الحاصل على جائزة نوبل ارفنج شرودنجر. وقد صدرت منه ست وعشرون طبعة. 

والسؤال إذن: هل ثمة علاقة بين علم الفزياء وعلم الحياة؟ 

والدافع إلى إثارة هذا السؤال هو التناقض القائم بين قوانين المادة فى علم الفيزياء وقوانين الحياة فى علم الحياة. وقد حاول شرودنجر إزالة هذا التناقض لسببين: السبب الأول مردود إلى اعتقاده أن ثمة «وحدة معرفة» بين العلوم المتباينة، أما السبب الثانى فمردود إلى اعتقاد شرودنجر أن القوانين التى تتحكم فى الكائنات الحية هى قوانين علم الفيزياء . ومع ذلك أثار هذا السؤال: ما الحياة؟ وكان جوابه أنها تتميز عن المادة فى أنها تؤدى حركة وتدخل فى علاقة تبادل مع البيئة الخارجية، وبذلك تحافظ على اتزانها، ومن ثم تفلت من ظاهرة «الانتروبي» أى النتوء، وقد قيل عن هذا الانتروبى إن منعه من البزوغ محكوم بقوى فائقة للطبيعة وليس فى مقدور علم الفيزياء معرفتها. 

وفى عام 1970 صدر فى فرنسا كتاب عنوانه «منطق الحياة» لعالم فرنسى اسمه فرانسوا جاكوب حائز هو أيضا على جائزة نوبل. وأظن أن عنوان كتابه صادم لمُلاك الحقيقة المطلقة الذين لا يرون للحياة منطقاً يحكمها. ولا أدل على صحة هذا الظن من قول جاكوب إنه ليس أخطر علينا من ذلك الذى يعتقد أن لديه هاجساً واحداً وهو أن الحقيقة التى يملكها ترقى إلى مستوى المطلق. ومن هنا ينتهى جاكوب إلى نتيجة مفادها أن التعصب هو سبب كل الجرائم التى ارتكبت فى تاريخ البشرية. وعلى الضد من ذلك مفهوم التطور الذى يتحكم فى حياة الفرد بحكم أنه محكوم بخطة متفاعلة مع العالم الطبيعى وبذلك تصبح الحياة عملية متواصلة لا تقتصر فقط على تذكر الماضى بل أيضا على رؤية المستقبل فى إطار تحكم الجينات بل فى إطار تحكم جهاز محكم اسمه جهاز المناعة الذى إذا ظل متزناً ظلت الحياة بلا انقطاع. أما إذا اختل الاتزان فإن الحياة تختل، ومن ثم يأتى الموت ملبياً لهذا الاختلال. ومن هنا نشأ مشروع الجينوم المحكوم بمجموعة كاملة من الجينات البشرية، وهذه المجموعة ملفوقة فى ثلاثة وعشرين زوجاً من الكروموزومات، وهى فى مجملها عبارة عن سيرة ذاتية للنوع الانساني. وقد صدر كتاب عن هذا المشروع من تأليف المفكر الانجليزى مات بردلى فى نهاية القرن العشرين. 

ومع ذلك كله فإنه ليس فى الامكان الحديث عن الحياة دون الحديث عن نقيضها وهو الموت. وفى هذا السياق صدر كتاب عنوانه «الجنس وجذور الموت» للعالم الانجليزى وليم كلارك. والكتاب دراسة علمية لعلم الموت. وهذا العلم فرع من الطب إلا أنه لا يدرس طبيعة الموت إنما يدرس علم الأمراض. وهذا العلم هو الذى يثير هذا السؤال: ما الموت؟ أو بالأدق كيف تموت الخلية؟ مع ملاحظة أن الخلايا عددها أكثر من مائة تريليون. حاول العلماء الذين نالوا جائزة نوبل فى عام 2011 الاجابة عن ذلك السؤال وذلك بدراستهم لجهاز المناعة وعلاقته بنشوء مرض السرطان. وفى هذا العام نال ثلاثة علماء فى الكيمياء جائزة نوبل بسبب تطويرهم للتصوير الميكروسكوبى الالكترونى البارد للكشف عن تركيب جزئيات كيمائية- بيولوجية فى الخلية، وبالأخص الجينات. ولكن السؤال: ماذا يعنى لفظ «البارد» الملازم لذلك التصوير؟ إنه يعنى تجميد لقطة فى فيلم، واللقطة هنا خاصة بتجميد الخلية فى لحظات متتالية وهى تنتقل من حال طبيعى إلى وضع سرطاني، ومن ثم يمكن معرفة التغيرات التى تحدث فى جينات الخلية والتى تكون السبب فى انتقالها من الطبيعى إلى السرطاني. 

ومع ذلك فثمة سؤال لابد أن يثار: هل فى الإمكان تصوير عملية التغير ذاتها؟ أظن أن الجواب بالسلب لأن العملية ذاتها ليس فى الإمكان تصويرها، إنما الذى فى الإمكان تصويره هو الحال الذى انتهت إليه الخلية، وإذا كان ذلك كذلك فيلزم الاستعانة بأداة أخرى غير أداة التصوير،وهذه الأداة تكمن فى التصور وليس فى التصوير. وإذا كان التصور يأتى فى مقدمة المفاهيم الفلسفية، أو بالأدق فى مقدمة عملية التفلسف فيلزم أن يأتى سؤال على النحو الآتي: ماذا فى إمكان التفلسف أن يقدم من نظرية تدور حول بزوغ الخلية السرطانية؟ جاء جوابى عن هذا السؤال فى البحث الذى ألقيته فى الدورة الرابعة لملتقيات قرطاج الدولى بتونس فى عام 2000 والتى أشرف على تنظيمها عالم الاجتماع المتميز عبد الوهاب بوحديبه ورئيس بيت الحكمة تحت عنوان «ما الحياة؟» وكان عنوان بحثى «حياة بلا موت». وقد جاءت الخاتمة جواباً عن هذا السؤال: كيف تتحول الخلية السليمة إلى خلية سرطانية؟ 

وجاء جوابى مشتقاً من معرفة الخاصية الأساسية للخلية السرطانية التى تكمن فى حصولها على طاقة حيوية تتجاوز الحد السوي، ومن ثم تختل عدالة التوزيع لهذه الطاقة فتكون لدينا خلية ثرية بهذه الطاقة فى مقابل خلية فقيرة من هذه الطاقة، ويترتب على ذلك أن الخلية الأولى تأكل الخلية الثانية بأسلوب وحشى إلى حد إماتتها. ومن ثم يمكن أن يقال عن الخلية السرطانية إنها خلية تتارية تدمر الحياة ذاتها على غرار تدمير التتار للحضارة، وبالتالى فإن السبب الذى يسمح ببزوغ التتار هو الذى يسمح ببزوغ الخلية السرطانية. فإذا كان سبب التتار رفض الحضارة فسبب بزوغ السرطان رفض الحياة. السرطان اذن كامن فى فلسفة الحياة وليس فى فسيولوجيا الحياة بمعنى أنه إذا استقامت فلسفة الحياة مع الحياة استمرت الحياة. 




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15143
نقاط : 25282
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (203) الله فى مسار الحضارة   الثلاثاء 21 نوفمبر 2017, 7:03 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (203) الله فى مسار الحضارة
الثلاثاء 2 من ربيع الأول 1439 هــ 21 نوفمبر 2017 السنة 142 العدد 47832


إن الإنسان منذ أن وُجد ابتدع الآلهة والفنون لمهادنة قوى الطبيعة العنيفة من جهة، وللتعبير عن إعجابه بهذا الكون من جهة أخرى. وظل الإنسان على هذه الحال إلى أن لاحت الأديان السماوية وهى اليهودية والمسيحية والإسلام فى مقابل الديانات الأرضية والتى لا تعتقد بما تعتقده الأديان السماوية بوجود إله واحد. ومع ذلك فحتى الأديان السماوية لا تتفق فيما بينها على مفهوم واحد عن الله. ولهذا فإن الذى يعنينا هنا ليس الله فى ذاته، إنما الله كما يبدو للعقل الإنسانى. ومن هنا يكون الصراع بين العلم والدين صراعا وهميا لأن كلا منهما يتمثل مفهوماً معيناً عن الله. مثال ذلك: نظرية التطور عند داروين لا تتصور الله على نحو ما جاء فى سفر التكوين من أنه خلق الإنسان على صورته بل على أنه وُلد من أدنى الأنواع الحيوانية. وأظن أنه فى هذا السياق بدأ علماء اللاهوت يرفضون المفهوم التقليدى عن الله. وبسبب هذا الرفض أصبح لدى جون روبنسون أسقف وولوش بانجلترا الجرأة فى أن يعلن فى كتابه المعنون «لنكن أمناء لله» أن صورتنا عن الله يجب أن تزول. فالله ليس «هناك» كما أنه ليس «فوق»، إنما هو فى أعماق الإنسان. وقد قيل إثر نشر ذلك الكتاب إنه بمنزلة انفجار قنبلة ذرية، إلا أن هذا الانفجار لم يكن من أجل التدمير بل من أجل إفساح المجال لتعدد مفاهيم الله. ومع ذلك فقد قيل عن ذلك الكتاب إنه تأسيس لعلم لاهوت جديد وقيل عنه مرة أخرى إنه تأسيس للاهوت علمانى، وقيل ثالثاً إنه لاهوت بلا اله، وانعكست هذه الأقاويل عن علم اللاهوت على علم الكون الذى أصبحت مهمته إعادة النظر فى مسألة خلق الكون حتى انتهى الأمر إلى بزوغ نظرية «البج بانج» أى «الانفجار العظيم» ومفادها أن ثمة ذرة أولية هى أصل الكون. ثم ارتأى العالم الفيزيائى بيتر هيجز أن هذه الذرة عبارة عن «جسيم ضئيل» أطلق عليه لفظ «الإله الجسيم».
وفى السبعينيات من القرن العشرين بدأت هذه التنويعات من علم اللاهوت تتوارى ويحل محلها لاهوت الأصوليات الدينية بوجه عام ولاهوت الأصولية الإسلامية بوجه خاص، وفكرتها المحورية تدور حول إله يحرض على القتل بعد التكفير. وأُطلق مصطلح «الارهاب» على التكفير مع القتل، ومن ثم أصبح إرهابا دينيا ودخل فى علاقة عضوية مع مفهوم معين عن الله وهو أنه المسئول عن إزهاق الأرواح. وبهذا المفهوم عادت البشرية إلى عصورها الأولى، حيث كانت الأسطورة فوق العقل بعد أن أصبح العقل فى عصورها الحديثة فوق الأسطورة، ومن ثم برز التناقض الحاد بين الطرفين: الأسطورة والعقل. وجاءت أحداث 11/9 تعلن إقصاء العقل والاكتفاء بالأسطورة المتمثلة فى الأصولية الإسلامية والتى بدأت بعدها فى اختراق جميع مؤسسات دول العالم بلا استثناء. وفى هذا السياق أصبحت الأصولية الآن فى الصدارة، وكانت بدايتها إثر انتهاء حرب عام 1967. فقد قال ليفى إشكول رئيس وزراء اسرائيل إثر انتصار بلده «إن الله هو السبب فى هذا الانتصار»، فى حين قال الشيخ الشعراوى إننا انهزمنا لأننا ابتعدنا عن الله. وإذا قارنت بين القولين فإنك مضطر إلى الانتهاء إلى طرح السؤال: الله مع مَنْ؟ وأيا كان الجواب فإنه يعنى أن مفهوم الله لم يعد ثابتا بل أصبح متغيرا لأنه مرهون بالانحياز، وهو الأمر الذى يدفعنا إلى إعادة النظر بين الله فى ذاته والله كما نراه أو كما نفهمه. وفى عبارة أوضح لزم إعادة النظر فى العلاقة بين مفهوم الله ومفهوم الإنسان عن الله. المفهوم الأول ليس فى مقدور الإنسان لأن الله مطلق والإنسان نسبى. وفى هذا السياق أسرد حوارا دار بين الشيخ محمد عبده مفتى الديار المصرية والفيلسوف الانجليزى هربرت سبنسر فى برايتون بانجلترا حيث يقيم. وحين سأله سبنسر عن مفهومه عن الله كان جواب الشيخ محمد عبده أن بعض المتصوفة يعتقد أن الله ليس بشخص. واغتبط سبنسر من الجواب ثم أردف قائلا: من الواضح أنكم لا «أدريون» من نوع االلاأدريةب الشائعة فى أوروبا.
ولكن مع صعود الأصوليات الدينية فى الثلث الأخير من القرن العشرين وما لازمها من إرهاب فى القرن الحادى والعشرين متمثلا فى تكفير الآخر المخالف وقتله إن عاند وظل مخالفا وذلك بالاستعانة بشباب مقتنع بأن يتحولوا إلى قنابل انتحارية موجهة إلى قتل آلاف من البشر، سواء كانوا فى المعابد أو خارجها لكى يركع الكل المخالف من أجل التمهيد لتأسيس الخلافة الإسلامية فى نهاية المطاف على مستوى كوكب الأرض على نحو ما ترى الأصولية الإسلامية المتمثلة فى الإخوان المسلمين كأصل وداعش والنصرة وغيرهما كفروع. وفى القرن الحادى والعشرين ومع شيوع الأصولية الإسلامية التى تدعو إلى قتل البشر المخالف باسم الله يكون صاحب الدعوة متمثلا لإله ينوب عنه فى تحديد موعد موت البشر.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15143
نقاط : 25282
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (204) شيخان شقيقان متناقضان   الثلاثاء 28 نوفمبر 2017, 7:52 pm

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (204) شيخان شقيقان متناقضان


الثلاثاء 9 من ربيع الأول 1439 هــ 28 نوفمبر 2017 السنة 142 العدد 47839


إذا كُنت مهموماً بتجديد الخطاب الدينى أو بإحداث ثورة دينية فيلزم أن تكون على وعى برؤية شيخين شقيقين أحدهما هو الشيخ مصطفى عبد الرازق والآخر هو الشيخ على عبد الرازق. والسؤال إذن:مَنْ هما؟ وما رؤية كل منهما؟ الشيخ مصطفى عبد الرازق أول أستاذ جامعى يحاضر فى الفلسفة الاسلامية برؤية مغايرة للرؤية السائدة وهى رؤية المستشرقين فى ربط الفلسفة الاسلامية بالتراث اليوناني، إذ كانت رؤيته اسلامية بحتة لا ترى أى أثر لذلك التراث. وكانت بدايتها فى أثناء إعداده رسالة الدكتوراه بجامعة ليون بفرنسا وكان عنوانها «الإمام الشافعى أكبر مشرعى الاسلام». وكان يعنى بذلك أن ما ورد فى هذه الرسالة يصلح أن يكون معياراً لنقاء الفلسفة الاسلامية، أى لعدم تلوثها بالفلسفة اليونانية الوثنية على نحو ما كان يريد لها الفيلسوف الفرنسى ارنست رينان الذى كان يرد الفلسفة الإسلامية إلى عناصرها اليونانية، ومن ثم تتوارى أصالتها. وفى هذا السياق أصدر الشيخ مصطفى عبد الرازق كتابه المعنون «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية» وقد جاء فيه أن الفلسفة الإسلامية هى علم الكلام أو علم أصول الفقه بدعوى أنهما مترادفان، إذ إن مباحث أصول الفقه هى فى جملتها علم أصول العقائد الذى هو علم الكلام. بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك فيقول إنه ليس ثمة فلسفة عربية بل فلسفة إسلامية خالصة، ومَنْ يشارك فيها من غير المسلمين فهو فيلسوف إسلامى ولو لم يكن مسلماً.ولم يقف الشيخ مصطفى عبد الرازق وحيداً فى دعوته، إذ أسس مدرسة فلسفية أُطلق عليها«مدرسة الأصالة»، أى مدرسة يمتنع معها التأثر بعناصر أجنبية قد تضيف إليها صفة المعاصرة، وهى صفة يمتنع معها أن تكون المدرسة أصيلة. ومن تلاميذه فى هذه المدرسة محمد عبد الوهاب أبو ريدة ومصطفى حلمى بجامعة فؤاد الأول ( القاهرة الآن)، وعلى سامى النشار بجامعة الاسكندرية، وابراهيم مدكور ومحمود قاسم من مدرسة دار العلوم، والشيخ محمد عبد الله دراز والشيخ عبد الحليم محمود من الأزهر الشريف. وأنا هنا أجتزئ واحداً من هؤلاء هو على سامى النشار لأنه كان مستشاراً لمجلس قيادة الثورة ثم أُبعد عن مصر لسبب غير معروف فعين أستاذاً للفلسفة الاسلامية فى جامعة محمد الخامس بالرباط وفيها أحدث دوياً فلسفياً بسبب تأثيره الحاد على الطلاب الذين تتلمذوا له وامتنعوا عن التلوث بأى فلسفة أوروبية أو أمريكية وذلك بسبب رأيه فى هذه الفلسفة على نحو ما هو وارد فى الأجزاء الثلاثة من كتابه المعنون «نشأة الفكر الفلسفى فى الاسلام». وقد جاء فى مفتتح الجزء الأول من هذه الأجزاء أن الكِندى والفارابى وابن سينا وابن رشد من مقلدة اليونان، والمقلد غير عقلاني، وأن القادمين من الجزيرة العربية هم الذين قدموا لنا فلسفة جديدة لم يعرفها اليونان ولا غير اليونان، وأن الأشعرية هى آخر ما وصل إليه العقل الاسلامى الناطق باسم القرآن والسُنة، وأن الأزهر هو معقل الأشعرية التى أسهمت فى الوقوف ضد أوروبا وعلمائها، وضد الذين التحفوا بالفكر الأوروبى وتفتتوا أذلاء فى فكره المنتن الأفن حتى اختفوا ولم يعد يشعر بوجودهم أحد.
 
هذا عن الشيخ مصطفى عبد الرازق وعن أقوى تلميذ له من حيث التأثير على النخبة المثقفة، ويبقى بعد ذلك تناول آراء الشيخ على عبد الرازق الذى كان يقف على النقيض من شقيقه الشيخ مصطفى عبد الرازق. ففى كتابه المعنون «الاسلام وأصول الحكم» يقول إن الخلاف بين المسلمين فى مصدر سلطان الخليفة قد ظهر بين الأوروبيين فى مذهبين كان لهما تأثير قوى على تطور التاريخ الأوروبي. ويكاد المذهب الأول يكون موافقاً لما اشتهر به الفيلسوف الانجليزى هوبز من أن سلطان الملوك مقدس وحقهم سماوي. وأما المذهب الثانى فهو يشبه أن يكون نفس المذهب الذى اشتهر به الفيلسوف الانجليزى لوك وهو أن سلطان الملوك من سلطان الأمة، فهى مصدر قوته وهى التى تختاره لهذا المقام. والشيخ على عبد الرازق ينحاز إلى المذهب الثاني، ومن هنا هو ينكر الخلافة الاسلامية. ولا أدل على ذلك، فى رأيه، من أن القرآن ليس وحده هو الذى أهمل الخلافة بل السُنة كالقرآن أيضا قد تركتها ولم تتعرض لها. وهذا هو السبب الذى من أجله لم يتعرض النبى صلى الله عليه وسلم لشئ من أمر الحكومة بعده ولا جاء للمسلمين فيها بشرع يرجعون إليه.وإثر صدور الكتاب قررت هيئة كبار العلماء محاكمة الشيخ على عبد الرازق، وأهم ما جاء فى قرار الاتهام قوله إن حكومة أبى بكر والخلفاء الراشدين من بعده كانت لا دينية. وقد صدر الحكم باجماع الآراء باخراجه من زمرة العلماء ومصادرة كتابه. والمفارقة هنا أنه رفض طبع كتابه مرة ثانية قبل وفاته بستة أشهر بالرغم من زوال الأسباب التى أدت إلى محاكمته. وفى هذا السياق مات بلا تلاميذ وذلك على نقيض شقيقه الشيخ مصطفى عبد الرازق الذى أسس مدرسة بلا منافس.والسؤال الزنقة بعد ذلك هو على النحو الآتي: إذا كان ارهاب اليوم هو أعلى مراحل الأصولية الاسلامية، وإذا كانت هذه الأصولية تريد تدمير ما عداها حتى تنفرد بكوكب الأرض وتقيم عليه الخلافة الاسلامية بدعوى أنها شرع الله فهل مدرسة الأصالة يمكن أن يقال عنها إنها من أسباب الارهاب؟ إذا جاء الجواب بالايجاب فالارهاب قائم ومتواصل بلا مقاومة فكرية أو دينية. أما إذا جاء الجواب بالسلب فمعنى ذلك أنها عاجزة عن مواجهة الارهاب.
 

وإذا كان الجواب فى الحالتين معبراً عن الزنقة فكيف يتم الخروج من الزنقة؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15143
نقاط : 25282
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (205) حُلمْ العقل   الثلاثاء 05 ديسمبر 2017, 8:04 pm

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (205) حُلمْ العقل


الثلاثاء 16 من ربيع الأول 1439 هــ 5 ديسمبر 2017 السنة 142 العدد 47846


إذا كان العقل صناعته التفلسف، وإذا كان الحلم تعبيرا عن رغبة مكبوتة لا يكون العقل على وعى بها، فهذه الرغبة المكبوتة يلزم أن تكون رغبة التفلسف، ويلزم من ذلك أن يكون العقل فى أزمة عندما يصبح محروماً من التفلسف.
والسؤال إذن:
ما سبب حرمان العقل من التفلسف؟
الجواب وارد فى كتاب صدر فى عام 2000، أى مع بداية هذا القرن وعنوانه هو عنوان هذا المقال ومؤلفه صحفى أمريكى اسمه انتونى جوتلب. كان المدير التنفيذى لمجلة «الاقتصادى» الأمريكية ومع ذلك فهو يتناول الفلسفة من حيث هى رغبة عارمة لدى العقل فى أن يكون متفلسفاً بلا توقف عند نسق معين يقال عنه إنه نسق فلسفى ومضمونه مغاير لأى نسق آخر، و بالتالى فإنه لا يتناولها من حيث هى علم قائم بذاته بجوار العلوم الأخري.أما القول بأن العقل، فى هذه الحالة، يكون فى وضع الحالم وليس فى وضع المستيقظ فإنه يستلزم قولاً آخر وهو أنه إذا كان من شأن الحلم أن يكون معبراً عن رغبة «مكبوتة» دون وعى على نحو ما يرى فرويد فمعنى ذلك أن عملية التفلسف لدى العقل مكبوتة، وكبتها يعنى أنها مهملة من العقل عن قصد. ولا أدل على ذلك من أن جوتلب يقول فى مفتتح كتابه إنه لم يكن يتوقع وهو مهموم بتأليف هذا الكتاب لعدة سنوات وعنوانه الفرعى «تاريخ الفلسفة من اليونان إلى عصر النهضة» أن ينتهى فى نهاية المطاف إلى عدم العثور على شيء اسمه الفلسفة، ويرى أن هذه النهاية مردودة إلى سببين: السبب الأول أن الفلسفة تبذل جهداً خارقاً للعادة فى ألا تقبل أى فكرة إلا إذا كانت واضحة، ولكن ما العمل ومؤلفات الفلاسفة مشحونة بألفاظ غامضة ومعقدة ؟ والسبب الثانى مردود إلى أن الفلاسفة أنفسهم يبحثون عن أجوبة غير تقليدية وإن جاءت على غير هوى الممارسات العملية للانسان. ومن هنا يمكن القول إن حلم العقل فى أن يكون متفلسفاً هو من قبيل الوهم أو السراب. ومع ذلك كله يمكن القول إنك إذا قرأت الكتاب قد تعثر على سبب ثالث غير السببين اللذين ارتآهما جوتلب.
والسؤال أذن: ما هو هذا السبب الثالث الذى قد يطيح بحلم العقل؟
أستعين فى الجواب عن هذا السؤال بما يتحدث به جوتلب عن بداية التفلسف عند أول فيلسوف يونانى اسمه طاليس من القرن الرابع قبل الميلاد. قيل عنه إنه فيلسوف طبيعي، أى لا يستعين بأى قوى مجاوزة للطبيعة فى البحث عن سبب مولد للكون إذ مولده، عنده، مردود إلى الماء. ومن هنا فإنه يقول عن الأرض إنها تقف فوق الماء وليس فوق الهواء. ولكنه فى هذا القول كان متأثراً بالمناخ الثقافى الذى كان سائدأ فى حينها، والذى كان مناخاً أسطورياً. ومن أساطيره القول إن الماء يلد الحياة بل يلد الآلهة. ومن هنا أيضاً يمكن القول إن الأسطورة متداخلة مع العقل. ولم يكن ثمة معيار محدد للتفرقة بين الأسطورة والعقل. وفى القرن الخامس عشر قال اللاهوتى ايراسموس عن المتفلسفة فى علم اللاهوت إنهم لا يفهمون النصوص الدينية التى كانوا يقومون بتدريسها بسبب انطوائها على أساطير. وهو فى هذا القول قد مهد الطريق لبزوغ عصر الإصلاح الدينى فى القرن السادس عشر بزعامة لوثر. ومع ذلك عادت الأسطورة مع القرن السابع عشر الذى يقال عنه إنه بداية العصور الحديثة التى أخرجت أوروبا من العصور الوسطى المظلمة . فقد استند الفيلسوف الإنجليزى بيكون فى تأسيس فلسفته على علم التنجيم و علم الكيمياء السحرية بالإضافة إلى السحر نفسه. وجاء بعده نيوتن الذى استعان بالكيمياء السحرية التى تعتقد فى أن ثمة أثيراً حياً هو عبارة عن نَفَس الحياة التى تمنع العالم من أن يكون مجرد آلة بلا روح مع أن قانون الجاذبية لديه هو قانون آلى بلا روح. ومن هنا يمكن القول إن الأسطورة متداخلة مع العقل لدى نيوتن.
والسؤال بعد ذلك:
فى سياق هذا التداخل بين الأسطورة والعقل الغلبة لمن تكون فى مستقبل الأيام؟
للجواب عن هذا السؤال يلزم التنويه بشيوع الإرهاب فى هذا الزمان، وإن شئنا الدقة قلنا فكر الإرهاب.
والسؤال إذن: ما سمات فكر الارهاب؟
فكر الارهاب متمثل فى تيارين وهما السلفية فى القرن الثامن عشر والإخوان المسلمون فى القرن العشرين وهما معاً يستندان إلى فكر ابن تيمية الذى يستند إلى ثلاثة مبادئ وهما إبطال إعمال العقل فى النص الدينى لأنه نص حسي، ومن ثم يكون السمع والطاعة أمراً لازماَ. ومن شأن هذا وذاك توليد الاجماع. والغاية من هذه المبادئ الثلاثة تجسيد الخلافة الإسلامية على كوكب الأرض بدعوى أن هذا التجسيد تعبير عن شرع الله. ومَنْ يخالفه يُكفر فى البداية ويُقتل فى النهاية إذا واصل العناد بعد تكفيره. والأسطورة هنا كامنة فى التكفير والقتل إذ هما معاً يعطيان الحق للإنسان فى أن ينوب عن الله إلى حد التماثل. وفى هذا المعنى يمكن القول إن الانسان هو الذى سمح لنفسه بأن يرقى إلى مستوى الله. وهنا تكمن الأسطورة، ويكون المطلوب بعد ذلك تحرير العقل من هذه الأسطورة ومن غيرها من الأساطير المماثلة. وهذه هى مهمة الفلاسفة فى هذا الزمان. وهذه المهمة لن تتحقق إلا إذا مارسوا نقد عقولهم الممزوجة بالأساطير على أن يتبع هذا النقد تأسيس تيار يستند إلى فكر ابن رشد الذى يستند إلى إعمال العقل بحيث يمتنع معه تكفير صاحبه، وبالتالى يمتنع معه قتله ومن ثم يصبح فكر الإرهاب من الحفريات.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15143
نقاط : 25282
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (206) ارهابيون وسيكواتيون ومتوحشون   الثلاثاء 19 ديسمبر 2017, 6:50 pm

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (206) ارهابيون وسيكواتيون ومتوحشون


الثلاثاء 23 من ربيع الأول 1439 هــ 12 ديسمبر 2017 السنة 142 العدد 47853


وإذا حذفت لفظ « ارهابيون» من عنوان هذا المقال يصبح المقال عنواناً لكتاب صدر هذا العام لعالِم انجليزى اسمه كرستوفر بريدى كان مؤسساً ومديراً لمعهد البحوث الجنائية. والعنوان الرئيسى لكتابه «التحدث مع سيكوباتيين ومتوحشين» أما العنوان الفرعى فهو «رحلة فى عقل شرير». وإذا حذفت لفظ «متوحشون» مع لفظ «ارهابيون» يبقى لفظ « سيكوباتيون» موضوعاً لكتاب صدر فى عام 2014 تحت عنوان رئيسى «عقول قاتلة» لعالم أمريكى متخصص فى البيولوجيا العصبية اسمه دين هايكوك أما العنوان الفرعى فهو « استكشاف المخ السيكوباتى الإجرامي». وقبل هذين الكتابين صدر فى مصر فى عام 1946 كتاب عنوانه «مشكلة السلوك السيكوباتي» لطبيب اسمه الدكتور صبرى جرجس كان رئيساً للعيادة العصبية النفسية بوزارة المعارف العمومية.
والسؤال بعد ذلك: ما العلاقة بين السيكوباتى والارهابى والمتوحش؟
السيكوباتى مريض عقلياً ومن ثم لا يجدى معه العلاج النفسى لأن هذا العلاج يشترط أن يكون المريض على وعى بمرضه وهذا شرط غير متوافر لدى السيكوباتى إذ إن سماته الشخصية هى على النحو الآتي: لا يعرف من آنات الزمان الثلاثة سوى الحاضر أما الماضى أو المستقبل فليس موضع وعي. ومن هنا فهو يقتل بدم بارد وبوجه سعيد وبالتالى يكون فى إمكانه تكرار القتل إذا كان ذلك فى الامكان. ومعنى ذلك أن السيكوباتى لا ينضج من التجربة ولا يرتدع من العقاب ولا يعرف الندم ولا يحس العار ولا يختبر الاحساس بالخطيئة بما يجعل شعاره فى معاملته للآخر «أن يأخذ كل ما يستطيع من أى انسان يستطيع وبأى وسيلة يستطيع». هذا عن السيكوباتى فماذا عن المتوحش؟ المتوحش ليس سيكوباتياً لأنه ليس مريضاً عقلياً لأنه يقر بوجوده فى إطار من العلاقات الاجتماعية ولكنه يقف عندها لأنه لا يفهم معناها. ومن هنا يكون من الميسور له أن يسرق ويقتل بلا أدنى أسف. وفى هذا السياق يمكن القول إن المتوحش غير متحضر، ومن ثم فهو يقع بين الانسان والحيوان. يبقى بعد ذلك الارهابى على نحو ما نراه فى هذا الزمان الذى يتميز بهيمنة الأصوليات الدينية التى تتوهم أنها مالكة للحقيقة المطلقة. ومع تعددها تتعدد المطلقات، والمطلقات ترفض التعددية لأن المطلق واحد بحكم تعريفه بل بحكم طبيعته. ومن هنا فإن تعددها يُدخلها فى صراع بدايته التكفير ونهايته القتل. الارهابى اذن قاتل بالضرورة. وهو فى قتله للآخرين من أصحاب المطلق الآخر محكوم بآنات الزمان الثلاثة: الماضى والحاضر والمستقبل. فلديه موروث يستعين به لتبرير التكفير والقتل ولديه حاضر لا يمثل إلا مسرحاً معداً لعملية القتل، أما المستقبل فحضور فى الجنة أوالنار. هو يختار الجنة لنفسه ويختار النار للآخرين. وهو فى هذا التوزيع يقوم مقام الله فكأنه هو الله أو بالأدق هو المطلق، وهذه نتيجة حتمية لتأليه الارهابي. مثال ذلك الحوار الذى دار بين عبد السلام فرج صاحب كتاب « الفريضة الغائبة» والمنظَر لتنظيم الجهاد فى مصر، وبين الرقيب حسين عباس الذى أصاب السادات فى مقتل فى أثناء العرض العسكرى فى 6 أكتوبر 1981. قال عبد السلام فرج لحسين عباس: مبروك يا حسين أنت هتدخل الجنة قال له حسين: ازاي؟ قال فرج: هتقتل السادات
قال حسين: موافق
وعندما ذهب المحامى أحمد مجاهد الذى كان نائب حزب العمل الاشتراكى إلى حسين عباس وهو فى قفص الاتهام ليطلب منه الموافقة على دفاعه عنه رفض لأنه يريد الاعدام بدلاً من المؤبد لكى يذهب سريعاً إلى الجنة.
والسؤال بعد ذلك: ما هو مفهوم الله عند الارهابي؟
فى بداية الجواب يمكن القول إن هذا المفهوم مغاير لمفهوم الله عند غير الارهابي. المفهوم الأول يعنى التطابق التام بين الله والارهابى بمعنى أنه عندما يقول الارهابى إنه ذاهب إلى الجنة فإنه على وعى بأن الله موافق على هذا الذهاب. ومعنى ذلك أنك لن تفهم الله إلا من خلال عقل الارهابي. ومن هنا لن يكون من حق أحد أن يكفر الارهابى لأنه مؤمن باله معين وعليك بعد ذلك تحرير الارهابى من هذا النوع من الايمان. وفى هذا السياق يمكن القول إن تجديد الخطاب الدينى أو إن شئت فقل إن الثورة الدينية المنشودة تكمن فى تناول مفهوم الله. وهنا يجدر التنويه بما قام به الأسقف الانجليكانى جون روبنسون من تغيير فى مفهوم الله فى كتابه المعنون « لنكن أمناء لله» والذى أصدره فى 19 مارس 1963. ومنذ ذلك اليوم حتى نهاية مارس صدرت تسع طبعات. ثم توالت الطبعات فى السنوات التالية حتى وصلت إلى سبع عشرة طبعة فى عام 1976، ثم ترجم إلى إحدى عشرة لغة. وقبل صدور الكتاب بأسبوع أوجز الأسقف روبنسون كتابه فى جريدة ا الأوبزرفرب تحت عنوان «صورتنا عن الله يجب أن تزول». فالله ليس « هناك» ولا هو «فوق» إنما هو موجود فى « العمق» بمعنى أنه أساس الموجودات. وإثر صدوره حدث جدل حاد حوله. وعندما طُلب منه الرد على منتقديه قال: إن أهم سمة تميز هذا العالم الذى نعيش فيه هو أنه عالم علماني. والمغزى أن ثمة علاقة، عنده، بين مفهوم معين عن الله والعلمانية.

وتأسيساً على ذلك كله يمكن القول إن الارهابى ليس سيكوباتياً وليس متوحشاً إنما هو انسان لديه مفهوم عن الله يُلزمه بتكفير الآخر وقتله إذا واصل العناد. ومعنى ذلك أن الارهابى له دين ولكنه مغاير، أما القول بأنه بلا دين فهو قول زائف وزيفه يؤدى إلى وعى زائف يمتنع معه مواجهة الارهابيين.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15143
نقاط : 25282
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (207) جواب ثانٍ عن سؤال: ما التنوير؟   الثلاثاء 19 ديسمبر 2017, 6:53 pm

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (207) جواب ثانٍ عن سؤال: ما التنوير؟


الثلاثاء 1 من ربيع الثاني 1439 هــ 19 ديسمبر 2017 السنة 142 العدد 47860



كان صاحب الجواب الأول عن سؤال: ما التنوير؟ هو الفيلسوف الألمانى العظيم كانط. وكان جوابه فى إيجاز: التنوير هو الجرأة فى إعمال العقل، وبالتالى الجرأة فى إقصاء الأوصياء على العقل الذين يقتلعون عقل الإنسان من جذوره ويضعون بدلاً منه عقلاً مزيفاً قابلاً للخضوع لما يبدونه من آراء من غير قدرة على النقد، أى يضعون عقلاً دوجماطيقياً، أى عقلاً يتوهم أنه مالك لدوجما، أى مالك للحقيقة المطلقة. وقد أشار كانط إلى هذا الوهم عندما ميَز بين «البحث» عن المطلق دون قنصه، وبين «قنص» المطلق إثر البحث عنه. والوهم هنا يكمن فى تحقيق عملية القنص. والمطلوب من التنوير بعد ذلك إزالة ذلك الوهم. إلا أن هذه الإزالة لم تتحقق إلا لدى هؤلاء الذين كان لديهم تلك الجرأة، وهم النخبة التى قال عنها كانط إنها تشكل «عصر التنوير» وهو عصر ناقص ولكى يكون عصراً مكتملاً يلزم امتداد التنوير إلى الجماهير فإذا امتد فعندئذ يقال عن عصر التنوير إنه «عصر متنور». واللافت للانتباه أن هذا العصر المتنور لم يتحقق منذ القرن الثامن عشر- وهو العصر الذى كان يحيا فيه كانط- حتى بداية القرن الحادى والعشرين. والسؤال إذن: لماذ لم يتحقق؟ ومن هنا يلزم أن نقول عن جواب هذا السؤال إنه الجواب الثانى، وأظن أنه يلزم استخراجه من بنية الثورة العلمية والتكنولوجية التى لم تكن متحققة فى القرن الثامن عشر، وإنما تحققت مع بداية القرن العشرين. والجدير بالتنويه، ها هنا، أن هذه البنية قد أفرزت ظاهرة يمكن أن يقال عنها إنها «الظاهرة الجماهيرية» التى أفرزت مصطلحات جديدة هى على النحو الآتى: ثقافة جماهيرية ووسائل إعلام جماهيرية ووسائل اتصال جماهيرية ومجتمع جماهيرى وإنسان جماهيرى الذى يقال عنه «رجل الشارع». ومن هنا يمكن القول إن رجل الشارع هو جوهر الثورة العلمية والتكنولوجية بل هو جوهر العصر المتنور. والمغزى أنه دون تنوير رجل الشارع فإن الثورة العلمية والتكنولوجية تكون فى الطريق إلى مواجهة كارثة تهدد مصير الحضارة الإنسانية. وقد فطنتُ إلى هذه الكارثة عندما عقدتُ مؤتمراً فلسفياً دولياً بمبنى جامعة الدول العربية تحت عنوان «الفلسفة ورجل الشارع» فى نوفمبر 1983. وقد انفرد هذا المؤتمر دون غيره من المؤتمرات الدولية التى عقدتها فى القاهرة باهتمام وسائل الإعلام الجماهيرية، إذ كرست صحيفة الأهرام صفحتها الفكرية لأكثر من شهر لنشر ما ورد إليها من تعليقات إلا أنها اختارت منها ما هو أقل تجاوزاً لحدود الأدب على حد تعبير مندوب الأهرام الذى زارنى مرتين فى منزلى ليطلب منى الرد بعد الانتهاء من نشر التعليقات. رحبت بالنشر، ولم أرحب بالرد لأن المؤتمر ليس كتاباً من تأليفى إنما هو عبارة عن جملة بحوث ألقاها كبار الفلاسفة الذين دعوتهم وبالتالى يلزم أن يكون الحوار مع هؤلاء الفلاسفة، وهو حوار لن يتحقق إلا بعد نشر بحوثهم فى كتاب يضم أعمال المؤتمر بأكمله وهذا لم يكن متحققاً إثر انتهاء المؤتمر، ومن ثم يكون من العبث التعليق. ومن هنا فقد جاءت التعليقات فى صحيفة الأهرام محصورة فى تشويه فكر صاحب هذا المقال. وقد بلغت ذروة التشويه عندما نشر المفكر المصرى زكى نجيب محمود تعليقه على المؤتمر فى صفحة بأكملها بتاريخ 23/1/1984 تحت عنوان «وإذا الموءودة سئلت؟». والموءودة هى هيباتيا الإسكندرانية التى نذرت حياتها فى القرن الرابع الميلادى للتوفيق بين العقيدة المسيحية والفلسفة اليونانية الوثنية فذبحتها الجماهير بأمر من السلطة الدينية. وقد اختتم مقاله بما قالته له عندما التقاها فى أحد أحلامه: «إن أصدقاءك الأعزاء قد ذبحوا الفلسفة ذبحاً، أو قل إنهم خنقوها بتراب الشارع». والسؤال بعد ذلك: لماذا أسرع هؤلاء المعقبون إلى تشويه صورة صاحب هذا المقال قبل نشر بحوث المؤتمر؟ سبب ذلك، على نحو ما أرى، مردود إلى ضرورة إقصاء الفلسفة عن رجل الشارع لأنه إذا استنار فلا يمكن التمكن منه بأي أفكار متخلفة، أو بالأدق بفكر الإخوان المسلمين الذى كان سائداً فى ذلك الزمان. والذى لم يمكن من مصلحته عقد مؤتمر يكون عنوانه «الفلسفة ورجل الشارع»، والإرهاب هو محصلة التكفير مع القتل. ومن هنا نقول إن الإرهاب هو أعلى مراحل الأصوليات الدينية. ومن هنا نقول أيضاً إننا إذا أردنا القضاء على الارهاب فإنه يلزم القضاء أولاً على هذه الأصوليات إلا أن ذلك لن يتحقق إلا إذا كنا فى «عصر متنور» يضم النخبة ورجل الشارع على حد سواء، ولكن بشرط أن يكون محكوماً بفلاسفة جماهيريين.

وفى عام 1997 صدر كتاب لفيلسوف بريطانى اسمه بريان ماجى عنوانه الرئيسى «اعترافات فيلسوف» وعنوانه الفرعى «رحلة فى الفلسفة الغربية» جاء فيه أن موجات الأفكار الفلسفية الجديدة مثارة الآن فى المجلات الشهرية إلى الحد الذى أصبحت فيه هذه المجلات جماهيرية. أما إذا تفاعلت القتوات الفضائية على مستوى كوكب الأرض مع جماهيرية الفلسفة فإننا نكون فى الطريق إلى وضع قادم اسمه «العصر المتنور».




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15143
نقاط : 25282
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (208) فلسفة جماهيرية   الثلاثاء 16 يناير 2018, 7:45 pm

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (208) فلسفة جماهيرية


الثلاثاء 8 من ربيع الثاني 1439 هــ 26 ديسمبر 2017 السنة 142 العدد 47867


أصك هذا المصطلح الوارد فى عنوان هذا المقال وأضيفه إلى المصطلحات التى صُكت إثر الثورة العلمية والتكنولوجية فى نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادى والعشرين وهى على النحو الآتي: وسائل إعلام جماهيرية ووسائل اتصال جماهيرية وثقافة جماهيرية ومجتمع جماهيرى وإنسان جماهيرى الذى هو رجل الشارع، وتكون الفلسفة الجماهيرية، فى هذه الحالة، لازمة للانسان الجماهيري. وقد بدت ملامح هذه اللازمة فى الكتاب الذى أصدرته جامعة أكسفورد فى عام 1982 تحت عنوان رئيسى «أصحاب الأفكار» وعنوان فرعى «نفر من المبدعين من الفلاسفة المعاصرين».
والمغامرة هنا تكمن فى هذا السؤال: هل المطلوب من التليفزيون أن يكون جاداً فى بعض ما يعرضه على المشاهدين الذين هم، فى الأغلب الأعم، من سلالة الإنسان الجماهيري؟ وفى صياغة أوضح: هل فى إمكان الانسان الجماهيرى المشاهد للتليفزيون أن يكون هو نفسه راغباً فى أن يكون جاداً وأن تكون هذه الجدية لازمة ومطلوبة؟ وأجيب بسؤال: ما علامة هذه الجدية؟ أغامر فأقول إنها الرغبة فى التفلسف. وقد برزت هذه الرغبة فى زمن سقراط عندما كان يستوقف المارة فى الأسواق ويُدخلهم فى حوار فلسفى يتعلمون منه أن تكون المسلمات والبديهيات موضع تساؤل إذ هى مكبوتة ويخشى الانسان إزاحة الغطاء عنها. ومن هنا انزعجت السلطة السياسية لأنها ارتأت أن هذا الحوار من شأنه أن يوقظ رجل الشارع من سُباته الدوجماطيقى وعندئذ يكون من الصعب أن يكون مطيعاً ومنفذاً فى هدوء للقرارات التى تتخذها هذه السلطة. وبسبب ذلك أُعدم سقراط وإثر إعدامه هرب تلميذه أفلاطون من أثينا لمدة أحد عشر عاماً. وبعد ذلك عاد إليها مع قرار منه بأن يُدخل الفلسفة فى مبنى مغلق أطلق عليه اسم «الأكاديميا» وكتب عند مدخله «لا يدخل هنا إلا كل عالم بالهندسة» لكى يمنع رجل الشارع من الدخول، أما الآن فمع الثورة الالكترونية لم يعد فى الامكان إقصاء رجل الشارع، بل لم يعد فى الامكان تجاهل تغيير ذهنيته حتى يمكنه المساهمة فى تطوير مجتمعه بل فى تنويره. ولا أدل على ذلك من أن السياسة الآن أصبحت هى الأخرى جماهيرية. ولا أدل على ذلك من هبوب ثورات الربيع العربى فى عام 2011. و المفارقة هنا أنه مع هذه الثورات نشأ ما يضادها من ارهاب هو فى المقام الأول ارهاب دينى مدعم بلغة دينية تدفع صاحبها إلى تكفير مَنْ يعاديه ويقتله إذا واصل العداء، الأمر الذى يلزمنا بتحليل هذه اللغة الدينية لبيان ما فيها من زيف من أجل إنقاذ الحضارة الانسانية. وفى هذا السياق تكون الاستعانة بالحوارات التى أجراها بريان ماجِى من وسائل مقاومة الارهاب. والسؤال إذن: كيف يمكن أن تكون كذلك؟ اللافت للانتباه فى هذه الحوارات أنها دارت فى أغلبها مع فلاسفة منشغلين بلغة الفلسفة بل باللغة العادية التى هى لغة رجل الشارع. وقد كان الفيلسوف الانجليزى جون أوستن فى مقدمة الفلاسفة الذين تناولوا تحليل هذه اللغة.
والسؤال اذن: ماذا اكتشف فى هذا التحليل؟ اكتشف فى البداية أن الفلاسفة يثرثرون بعبارات بلا معنى لأنهم لم يفهموا مقتضيات اللغة التى ينطقونها، وبالتالى أفسدوا استخدامها. وترتب على ذلك بزوغ مشكلات زائفة، ومن ثم اكتشف أن التحرر من هذا الزيف لن يكون ممكناً إلا بتحليل اللغة العادية وهى اللغة الطبيعية التى هى عبارة عن كلام منطوق. والرأى عندى أنه إذا تداخلت لغة رجل الشارع مع لغة الفلاسفة أمكن بزوغ سقراط جديد فى القرن الحادى والعشرين مغاير لسقراط القرن الرابع قبل الميلاد الذى كان يعنيه السخرية أولاً من آراء محاوريه ثم دفعهم بعد ذلك إلى توليد الأفكار الكامنة فى عقولهم والتى لم تتلوث بالأساطير. وفى هذا السياق اتهم ذلك الـــ سقراط بأنه ينكر الآلهة ويفسد عقول الشباب. أما سقراط هذا الزمان فمهمته الأساسية شفاء البشر من جرثومة الإرهاب التى هى فى نهاية المطاف رؤية الأصوليات الدينية للكون والتى من شأنها دفع رجل الشارع إلى تكفير مَنْ يعارضه وقتله إذا واصل المعارضة، والسؤال بعد ذلك: ما هى العملية الجراحية التى يقوم بها سقراط هذا الزمان للقضاء على جرثومة الإرهاب الكامنة فى عقل الإرهابي؟ وأجيب بسؤال: ما سمة عقل الارهابي؟وأجيب مرة أخرى بسؤال: ما سمة عقل غير الإرهابي؟ إنه عقل مزدوج: عقل يفكر وعقل ينقد ما يُفكر فيه. ومهمة الأوصياء على الارهابى تكمن فى إجراء عملية جراحية يخلعون فيها العقل المزدوج ويضعون مكانه عقلاً آخر ولكنه يكون على مستوى السمع لكى يمتنع الارهابى عن التفكير ويخضع للسمع والطاعة على النحو الذى أشاعه الفقيه ابن تيمية من القرن الثالث عشر فى مؤلفاته بوجه عام وفى عبارته المأثورة بوجه خاص وهى على النحو الآتي: التأويل بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار. وإذا كان التأويل يعنى إخراج اللفظ من دلالته الحسية إلى دلالته المجازية فمعنى ذلك أن ابن رشد يطالب بإعمال العقل فى النص الدينى أما ابن تيمية فيطالب بإبطال إعماله. ومن هنا يكون ابن رشد هو عدو ابن تيمية، ويكون ابن رشد، فى هذه الحالة، هو سقراط هذا الزمان.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15143
نقاط : 25282
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: لماذا صالون ابن رشد ؟ الحادى والعشرين» (209)   الثلاثاء 16 يناير 2018, 7:57 pm

لماذا صالون ابن رشد ؟  الحادى والعشرين» (209)


الثلاثاء 15 من ربيع الثاني 1439 هــ 2 يناير 2018 السنة 142 العدد 47874


والسؤال فى حاجة إلى استطراد وهو على النحو الآتى:
لماذا يكون اسم هذا الصالون محصورًا في الفيلسوف الإسلامي ابن رشد دون غيره من أسماء الفلاسفة المسلمين؟...
الجواب عن هذا السؤال يكون بالضرورة فى سياق هذا الزمان الذى يتميز بأنه زمان الإرهاب بحكم أن الإرهاب الآن مهدد لكيان الدول بمؤسساتها بحيث تتحول إلى فوضى خالية من العقل. وهذا ما تنشده الأصوليات الدينية، إذ هى تدعو إلى إبطال إعمال العقل فى النص الدينى. وأظن أن ابن رشد قد أزعجه مفهوم الإجماع وذلك في عبارته المأثورة «لا يُقطع بكفر مَن خرق الإجماع فى التأويل» إلا أن هذه العبارة تنطوى على مفهوم محورى فى فلسفته وهو مفهوم التأويل الذى يعرفه بأنه «إخراج اللفظ من دلالته الحقيقية إلى دلالته المجازية» ومع المجاز تتعدد التأويلات، ومع التعددية يمتنع الإجماع، ومع امتناع الإجماع يمتنع التكفير بل يمتنع القتل الذي هو النتيجة الحتمية للتكفير. ومن هنا يمكن القول إن هذه العبارة التي قالها ابن رشد في القرن الثاني عشر تصلح أن تقال في القرن الحادي والعشرين الذي تفشى فيه التكفير مع القتل، وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى ذلك أننا نعيش في القرن الثاني عشر وليس في القرن الحادي والعشرين. والسؤال اذن ماذا حدث لكى تصل الحضارة الانسانية إلى هذا الوضع القائم ؟...
الرأي عندى أن عام 1979 هو السبب في هذا الوضع لأنه العام الذي تحكمت فيه الأصوليات الدينية، ففي يناير قرر الرئيس الأمريكي الأصولى جيمي كارتر تدعيم الأصولية الإسلامية في أفغانستان لمواجهة الغزو السوفيتي. وفي 12 فبراير أعلن آية الله الخمينى تأسيس الجمهورية الإسلامية الأصولية فى ايران. وفي فبراير أصبح الشاذلي بن جديد رئيس الجمهورية الجزائرية فقرر تدعيم الأصولية الإسلامية وعندئذ استدعى الشيخ محمد الغزالي وعينه أستاذًا بجامعة عبد القادر للعلوم الإسلامية، وأمر بأن يكون له حديث ديني متواصل في الإذاعة والتليفزيون. وفي ذلك العام تأسس في أمريكا حزب «الأغلبية المسيحية» الممثل للأصولية المسيحية من أجل تأسيس شبكة دفاع عسكرية، والتوسع فى الدعاية ضد الشيوعية، ومن أجل اطلاق الرصاص اللاهوتى على العلمانية . وفى ذلك العام أيضا اُبرمت المعاهدة المصرية الاسرائيلية فى مناخ أصولى بقيادة مناحم بيجين الأصولى والرئيس السادات المدعم من الجماعات الإسلامية الأصولية. وإذا كان عام 1979 هو عام تحكم الأصوليات الدينية في المجال الديني السياسي فليس معنى ذلك أنها لم تكن متحكمة في العقل الذي هو أساس أي تحكم بسبب أن الإنسان حيوان عاقل. والسؤال اذن؟
ماذا حدث للعقل لكى يكون أساس بزوغ الأصوليات؟
إذا كان التنوير يعني الجرأة في إعمال العقل وإذا كانت الأصوليات الدينية تعني التهور في إبطال إعمال العقل فعمنى ذلك أنه إذا حضرت الأصوليات غاب التنوير.وأدلل على هذا المعنى بحادثين: فى يناير 1975 دار حوار بين اليسار المصري وتوفيق الحكيم. وفى ذلك الحوار قلت إن أوروبا مرت بحركتين من أجل تأسيس التنوير : تحرير العقل والتزام العقل بتغيير الوضع القائم إذا تأزم . أما الدول العربية فلم تمر بهاتين الحركتين . وقد وافق توفيق الحكيم على هذا القول فقال : «لقد ارتددنا إلى الوراء بعد العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين بسبب المرجعية الدينية الخرافية التى تتستر باسم الدين لتلغى دائما ًدور العقل. انظروا كمثال لمهرجان الملابس فى الجامعة . إنهم يقولون هذا زى إسلامى وذاك زى غير إسلامى». والسؤال بعد ذلك : لماذا الفشل ؟ وأجيب بسؤال :
لماذا انعقد ذلك الاجتماع فى باريس ولم ينعقد فى بلد عربى خاصة أنه يدعو إلى حركة تنوير عربية ؟
فى 2 أغسطس 1990 قام الرئيس صدام حسين بغزو الكويت تمهيداً لغزو دول البترول من أجل الاعداد لغزو أوروبا من أجل القضاء على تراثها التنويرى وما ينطوى عليه من ثورة علمية وتكنولوجية. وهذا هو ما تم الاتفاق عليه بينه وبين جماعة الاخوان المسلمين . وبعد ذلك الاتفاق ألغى الرئيس صدام حسين الاحتفالات بثورة 14 يوليو التى كان من المزمع اقامتها فى عام 1990. وكنت فى حينها مدعواً لحضور ذلك الاحتفال. وفى 22/10/2017 هاتفنى وزير الثقافة ورئيس المجلس الأعلى للثقافة والكاتب والصحفى الأستاذ حلمى النمنم و أخبرنى بأنه يريد استثمار حفل تكريمى الذى أقامه فى 15/10/2017 وذلك بتأسيس «صالون ابن رشد» على أن يجتمع مرة فى الشهر فرحبت بالاقتراح وعرضته على مؤسسى منتدى ابن رشد فوافق الجميع بلا تردد على أن تكون الغاية من تأسيسه مزدوجة : إزالة الصراع بين العالم الإسلامى والعالم الغربى مع اجتثاث جذور الإرهاب . إلا أن هذه الغاية المزدوجة لن تتحقق إلا إذا أصبح هذا الصالون دولياً وهو من الممكن أن يكون كذلك فى سياق دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى تكوين تحالف دولى فكري ضد الإرهاب .




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15143
نقاط : 25282
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (210) قصتى مع ابن رشد   الثلاثاء 16 يناير 2018, 8:01 pm




رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (210) قصتى مع ابن رشد


الثلاثاء 22 من ربيع الثاني 1439 هــ 9 يناير 2018 السنة 142 العدد 47881


بدايتها فى عام 1977 عندما تسلمت دعوة للمشاركة فى مؤتمر دولى تحت عنوان «الفلسفة الاسلامية» من البروفيسور محسن مهدى رئيس «جمعية دراسة الفلسفة والعلم فى الاسلام» بسان فرانسيسكو بأمريكا. وكان عنوان بحثى «ابن رشد والتنوير». وإثر الانتهاء من إلقائه قال محسن مهدى معقباً »إن أهم ما جاء فى بحث الدكتور مراد وهبه هو أنه ألقى الضوء على القرن الثالث عشر الذى انتقلت فيه فلسفة ابن رشد من قرطبة إلى باريس حيث بدأ تشكيل العقل الأوروبى بسبب نشأة تيار الرشدية اللاتينية. وقد تم هذا الانتقال بمرسوم من الملك فردريك الثانى ملك نابولى وصقلية (1197-1250) بترجمة مؤلفات ابن رشد إلى اللغتين اللاتينية والعبرية لتدعيمه فى صراعه ضد السلطة الدينية المدعومة من النظام الاقطاعى من أجل الدفاع عن طبقة التجار الصاعدة.
وفى هذا المؤتمر ألقيت بحثاً عنوانه «مفارقة ابن رشد». والمفارقة هنا تعنى أن ابن رشد ميت فى الشرق حى فى الغرب، إذ اتهم بالكفر وأحرقت مؤلفاته وبعد ذلك أصبح ابن رشد هامشياً فى الحضارة الاسلامية من القرن الثالث عشر إلى القرن الحادى والعشرين. وفى عام 1980، نُشر بحثى فى مجلة ألمانية تصدر عن الجمعية الدولية لفلسفة القانون والفلسفة الاجتماعية.
وإثر انتهاء ذلك المؤتمر قررت عقد مؤتمر ثان فى 19/12/1981 تحت عنوان «مستقبل الحضارة الاسلامية» وكان السؤال المحورى المطلوب الجواب عنه هو على النحو الآتي: كيف يمكن للحضارة الاسلامية أن تؤدى دورها مرة ثانية فى دفع الحضارة الانسانية نحو غايتها المنشودة وهى تحرير الانسان فى سياق أصولية إسلامية صاعدة تنشد إحياء ماض معين يقف ضد إنجاز هذا التحرير؟
والسؤال إذن:
لماذا رفضت جمعية محسن مهدى الاشتراك فى مؤتمر 1979 وقبلت الاشتراك فى مؤتمر عام 1981؟
كانت هذه الجمعية ممولة من الشاه عندما رفضت المشاركة فى المؤتمر الإسلامى الأول. وبعد الإطاحة بالشاه إثر ثورة الخمينى قبلت المشاركة فى المؤتمر الإسلامى الثاني. وفى رأيى أن سبب الرفض مردود إلى ضغوط من الملالى على الشاه، وسبب القبول مردود إلى تحرر الجمعية من هذه الضغوط. ولا أدل على صحة رأيى مما ورد فى بحث لمحمد على حسين ـ أستاذ مساعد بجامعة طهران ـ تحت عنوان «سقوط حزب توده- عرض تحليلى لتاريخ الحزب الشيوعى الايرانى وانهياره أمام الاسلام». قال: «إن الدكتور مراد وهبه من رواد التغرب والمسخ الفكري. ازدادت نشاطاته أخيراً فى ظل «مصر كامب ديفيد» لبث الفكر المادى العلماني. وهو الآن يصول ويجول فى جامعة عين شمس ويقيم المؤتمرات الفكرية».
وفى 4 أغسطس 1990 شاركت فى مؤتمر فلسفى فى بروكسل ببلجيكا وكان صدام حسين قد غزا الكويت فى 2 أغسطس فالتقانى نفر من الفلاسفة المشاركين فى المؤتمر وسألوني: «ما رأيك فيما حدث؟ نريد أن نفهم» وكان رأيى أن هذا الغزو إذا نجح يكون بداية صدام بين العالم الاسلامى والعالم الغربى بقيادة صدام حسين. ولا سبيل إلى منع هذا الصدام إلا بإشاعة فكر ابن رشد تحت اسم «الرشدية العربية» التى يمكن أن تدخل فى حوار مع العالم الغربى فى سياق تأثر هذا العالم بالرشدية اللاتينية، وقد كان إذ اتفق جميع المشاركين بعد ذلك اللقاء على عقد مؤتمر فلسفى دولى بالقاهرة تحت عنوان «ابن رشد والتنوير» وقد كان، إذ انعقد فى عام 1994. إلا أننى فوجئت بنقد حاد من المستشرقين الغربيين الذين دعوتهم للمشاركة بدعوى أن ابن رشد لا علاقة له بالتنوير، وأن ثمة سوء طوية فى القول بهذه العلاقة لأغراض سياسية.
وفى 11/9/2001 مع تدمير مركز التجارة العالمى بنيويورك من قبل نفر من الأصوليين الإسلاميين، وانفجار الصراع بين العالمين الغربى والاسلامى إلى الحد الذى تحول فيه هذا الصراع إلى ارهاب كوكبى لم تفلت منه دولة واحدة.
وهنا يثار السؤال الآتي: ما العمل؟
أظن أن البحث عن الجواب عن هذا السؤال جدير بأن يكون هو الغاية من تأسيس «صالون ابن رشد».
غير أن هذا الصالون ما كان يمكن تأسيسه إلا فى زمن الرئيس عبد الفتاح السيسي، بل ما كان يمكن تأسيسه إلا بتعيين وزير الثقافة الأستاذ حلمى النمنم.
هذه هى قصتى مع ابن رشد بدايتها أصبحت معروفة، ولكن مسارها متوقف على مؤسسى صالون ابن رشد الذين احتفلوا بتأسيسه فى 24/12/2017 وكان عددهم يربو على المائتين من كبار المفكرين والفنانين والشباب والشابات.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15143
نقاط : 25282
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (211) امتحان بلا غش وبلا رسوب   الثلاثاء 16 يناير 2018, 8:06 pm




رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (211) امتحان بلا غش وبلا رسوب


الثلاثاء 29 من ربيع الثاني 1439 هــ 16 يناير 2018 السنة 142 العدد 47888




قد يقال عن عنوان هذا المقال إنه ضرب من الخيال، أو ضرب من الأحلام. ومع ذلك فإن هذا القول أو ذاك لم يكن مما يدور فى ذهنى وأنا أصيغ عنوان هذا المقال، إذ هو من نتاج تجربة أجريتها على طلاب الفرقة الثانية بشعبة الفلسفة بتربية عين شمس فى سياق مقرر فلسفى اسمه «فلسفة العصور الوسطى الغربية». واخترت لهذا المقرر فترة زمانية محددة هى القرن الثالث عشر الذى ترجمت مع بدايته مؤلفات الفيلسوف الإسلامى العظيم ابن رشد لكى تكون فلسفته سنداً لفردريك الثانى فى نضاله ضد النظام الإقطاعى المدعوم بسلطة دينية فى مواجهة نظام مغاير وقادم وهو النظام البورجوازى المحكوم فى بدايته بطبقة التجار والصناع. والمغزى هنا أن ثمة «وضعاً قائماً مأزوماً» لا يريد أن يتوارى لكى يحل محله وضع بديل يقال عنه إنه «وضع قادم» يريد أن يُستدعى لكى يُحدث التقدم المنشود. وحيث إن الثقافة واردة فى أى وضع كان أصبح من حقى الكشف عن ثقافة كل من الوضعين، وقد كان، إذ أطلقت على ثقافة الوضع القائم « ثقافة الذاكرة» وعلى ثقافة الوضع القادم « ثقافة الإبداع».
والسؤال إذن:
ما الفارق بين الثقافتين؟
ثقافة الذاكرة هى ثقافة السلف أو ثقافة التراث التى ترفض كل ما هو جديد. فإذا استند نسق التعليم إلى هذه الثقافة فقد استند إلى التذكر المستند إلى التلقين ثم الحفظ. وبفضل هذه الثلاثية يمتنع الإبداع فيتدهور التعليم ونقول عنه عندئذ إنه تعليم فاسد.
أما ثقافة الإبداع فتتجاوز التراث إلى ما هو ليس كذلك، وما هو ليس كذلك مكانه فى المستقبل وفى انتظار مَنْ يستدعيه. السؤال:ما الإبداع؟
والجواب عندى أن الإبداع هو قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير وضع قائم مأزوم. وميزة هذا التعريف للإبداع أنه ينطوى على عنصرين الجدة والتغيير. والمغزى أن الجدة مشروطة بالتغيير لأنه من غير التغيير تكون الجدة نوعاً من الترف أو الهذيان كما فى حالة الهوس.وتأسيساً على ذلك كله قمت بإجراء التجربة المذكورة فى بداية هذا المقال وتفصيلها على النحو الآتي:
قلت للطالبات وللطلبة أننى سأناقش معكم قضية محورية فى سياق فلسفة العصور الوسطى وهى قضية الرشدية اللاتينية التى يمكن أن تجدوها فى كتابى المعنون «مفارقة ابن رشد» والتى تعنى أن ابن رشد ميت فى الشرق حى فى الغرب، وفى كتب أخرى. لا ترهقوا أنفسكم بشرائها صوروها. وبالفعل ذهبوا إلى مكتبة الطالب بالكلية وصوروا ما طاب لهم. ثم قلت لهم: لا ترهقوا أنفسكم بحفظ ما يطيب لكم حفظه مما ورد فى تلك الكتب فأنتم ستدخلون الامتحان ومعكم كل ما صورتموه. بل وكل ما لديكم من أجهزة إلكترونية تكون صالحة لاستثمارها فى أثناء الامتحان. ومعنى ذلك أنكم ستؤدون الامتحان ومعكم «مكتبة متحركة» تتجاوز التجربة التى يقال عنها «تجربة الكتاب المفتوح» لأنها مغايرة لتجربتى مغايرة تامة بحكم أن تجربتى خالية من مفاجأة السؤال وهو سؤال واحد وليس عدة أسئلة على نحو ما هو وارد فى تجربة الكتاب المفتوح. ثم هو سؤال من وضع الطلاب أنفسهم مع سؤالين آخرين، وأختار أنا سؤالاً واحداً من بين هذه الأسئلة وأصيغه على نحو مغاير، أى على نحو ما أرى بحيث يسمح للطالب بالكشف عن علاقات جديدة بين أفكار متباينة فى سياق وضع كان قائماً فى حالة أزمة ثم تغير. ويأتى كل ذلك فى سياق منطقى يلزم منه أن تكون الألفاظ المستخدمة واضحة المعنى وخالية من سمات الخطاب الانشائى الذى لا يعنى شيئا فى نهاية المطاف. ومن شأن هذا الشرط أن يكون تطبيقاً لعبارتى القائلة بأن « ضبط اللغة مرهون بضبط الفكر» لأن عكس ذلك ليس بالصحيح على نحو ما يرتئيه القائلون بهذا العكس. وبعد ذلك كله دارت المحاورات بأسلوب الحوار السقراطى الذى يدفع إلى تغيير الذهنية من ذهنية تقليدية ملتزمة بالماضى إلى ذهنية مبدعة ملتزمة بالمستقبل. وقد اشترك معى فى هذا الحوار ثلاثة من أعضاء هيئة التدريس: الأستاذة الدكتورة فريال خليفة والدكتورة هالة صبحى وكرستين عماد ( مدرس مساعد).
وحيث إن مسألة الامتحان تخص المسئولين عن إدارة الكلية كان من اللازم استشارتهم قبل المضى فى ممارسة التجربة. وجاءتنى الموافقة من أجل بداية تأسيس نسق تعليمى مغاير، وفى 3/1/2018 انعقد الامتحان وكانت النتيجة إيجابية والدرجات مرتفعة، ولم نجد ورقة واحدة مماثلة للأخرى. وهنا يكمن الإبداع أساس التجربة.
ويبقى بعد ذلك سؤال: هل هذه التجربة بعد تعميمها فى المؤسسات التعليمية قادرة على اجتثاث جذور الإرهاب؟.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15143
نقاط : 25282
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (212) مطلوب مثقف جماهيرى   الثلاثاء 23 يناير 2018, 7:52 pm

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (212) مطلوب مثقف جماهيرى


الثلاثاء 6 من جمادي الأولى 1439 هــ 23 يناير 2018 السنة 142 العدد 47895


قيل عن المثقف إنه من النخبة، وقيل ثانياً إنه فى مقابل رجل الشارع، وقيل ثالثاً إنه المثقف الجماهيرى وكان المقصود به الفيلسوف الفرنسى جان بول سارتر المؤسس للفلسفة الوجودية فى النصف الثانى من القرن العشرين. وفى هذا السياق صدر كتاب لعالم الاجتماع باتريك بايرث بجامعة كمبريدج بانجلترا تحت عنوان رئيسى «اللحظة الوجودية» وعنوان فرعى «صعود سارتر مثقفاً جماهيرياً» (2015). والقصد من العنوان الرئيسى أن اللحظة الوجودية تعنى فترة زمانية قصيرة وهى الفترة التى فيها انتبه الجمهور إلى سارتر وإلى فلسفته من عام 1944 إلى عام 1947. والسؤال إذن: لماذا هذه الفترة؟
كان سارتر قد أصدر كتابه العمدة والمعنون «الوجود والعدم» فى عام 1943. ولكن بسبب لغته المعقدة لم يكن سارتر موضع انتباه، إذ إن الانتباه لم يتحقق إلا ابتداء من عام 1944 مع حدوث صدمة ثقافية سببها استيلاء ألمانيا على كل فرنسا، وهجرة المثقفين وفى مقدمها كبار الفلاسفة، وإعلان رئيس وزراء فرنسا بيتان التزامه الكامل بألمانيا النازية واتخاذ فيشى مدينة لإدارة الحكم، ومن هنا قيل «حكومة فيشى». ومن هنا أيضا أصبحت الفلسفة الوجودية فى الصدارة فى المجال العام وأصبح سارتر مثقفاً جماهيرياً وذلك بسبب رواياته ومسرحياته التى كانت معبرة ومروجة لهذه الفلسفة. وفى أول أكتوبر من عام 1945 أصدر مجلة «العصور الحديثة» لمناقشة قضايا العصر والالتزام بالانخراط فى النشاط السياسى من أجل التغيير. وفى 29 أكتوبر من ذلك العام ألقى محاضرة فى باريس تحت عنوان «الوجودية والانسانية» التى أعلن فيها لأول مرة عن مصطلح «الوجودية» وقصد به أن الانسان محكوم عليه أن يكون حراً، ولهذا فهو بلا هوية فى البداية، ومعنى ذلك أنها تتشكل مع التطور، والتطور هنا يعنى قدرة الانسان على مجاوزة ذاته، وهو فى هذه المجاوزة يُشَرع لنفسه ما يريده وهو يمارس حريته، وهو فى هذا التشريع يشرع للآخرين لأن الآخر هو شرط وجوده سواء كان هذا الآخر معه أو ضده. وأى مثقف يروج لأى حتمية فهو فى رأى سارتر «مثقف جبان». ومن هنا فإن الانسانية المرتبطة بالوجودية هى انسانية مفتوحة وليست مغلقة، وبالتالى يمتنع تحويلها إلى معتقد، لأن من شأن المعتقد أن يكبل الانسان ومن ثم يقضى على الحرية التى هى البداية والنهاية. ومن هنا فإن سارتر يقول إن الحرية هى أساس القيم، وهى فى هذا المعنى يمكنها تطوير هذه القيم. وإثر هذه المحاضرة أصبح سارتر مثقفاً جماهيرياً فى القرن العشرين. ومع ذلك فثمة سؤال لابد أن يثار: لماذا صدرت ست طبعات من كتاب «الوجودية والانسانية» ابتداء من عام 2007 إلى عام 2013؟ وأجيب بسؤال: هل صدرت لإحياء سارتر مثقفاً جماهيرياً؟ أظن أن الجواب بالنفى لأن سارتر نفسه قبل أن يغادر هذه الدنيا بعشرين عاماً قد أصدر كتابه المعنون «نقد العقل الديالكتيكى» فى عام 1960 والمشهور بأنه عقد زواج بين الوجودية والماركسية لأنه خشى على الوجودية من أن تتوارى لأنها لم تعد معبرة عن الطبقة العمالية الصاعدة التى تدافع عنها الماركسبة. وأظن أن الجواب بالنفى أيضاً لأنه أصبح موضع هجوم حادا من الشيوعيين. هذا السؤال إذن فى هذا السياق هو بلا جواب. فما الجواب إذن: أظن أن الجواب يكمن فى التلويح بمثقف جماهيرى جديد يتفق مع ما يحدث فى هذا القرن والذى هو مغاير للقرن العشرين. والمغايرة هنا تكمن فى طبيعة الحرب. فالحرب العالمية الثانية كانت حرباً بين جيوش ودول أما الحرب القائمة الآن فهى حرب ميليشيات مسلحة أصولية تستهدف أفراداً عُزل. أى بلا سلاح. ومن هنا يكون الحديث عن الحرية على نحو ما يراها سارتر هو حديث بلا معنى لأنه لا معنى للحرية وحق الانسان فى الحياة مهدد من قِبل هذه الميليشيات. والمغزى أن حق الحياة فى الصدارة وليس حق الحرية، ومن هنا يكون القتل أمراً مطلوباً ولازماً، ويكون صعود المثقف الجماهيرى أمراً مضاداً مطلوباً ولازماً.
والسؤال بعد ذلك يكون على النحو الآتى: ما هى سمات هذا المثقف الجماهيرى؟
بالسلب يمكن القول إنه لن يكون من أولئك الذين يتحدثون عن العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على أنها هى سبب الارهاب لأن هذا الحديث ينطوى على تبرير لضرورة الارهاب طالما أن هذه العوامل قائمة فى حين أنها عوامل لا علاقة لها بالارهاب الدينى ولا بالمعتقد الدينى، لأن هذه العوامل هى من صنع عقل الانسان بحكم أن الانسان حيوان عاقل قبل أن يكون حيواناً اجتماعياً. ومن هنا فإن المثقف الذى يتحدث على هذا المنوال هو مثقف خائن. هذا بالسلب أما إذا أردنا أن يكون الجواب بالإيجاب فالمثقف الجماهيرى هو الذى ينشئ تياراً مضاداً للأصوليات الدينية، وهو بالتالى المثقف المطلوب فى القرن الحادى والعشرين.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15143
نقاط : 25282
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (213) «زنقة» كوكب الأرض   الثلاثاء 30 يناير 2018, 6:24 pm




رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (213) «زنقة» كوكب الأرض


الثلاثاء 13 من جمادي الأولى 1439 هــ 30 يناير 2018 السنة 142 العدد 47902


إذا كانت الزنقة لغة تعنى المسلك الضيق فى القرية فذكر كوكب الأرض عند ذكر الزنقة يعنى أن كوكب الأرض قرية. وإذا كانت القرية لغة تعنى كل مكان التصقت فيه الأبنية فمعنى ذلك أن القرية خالية من المسافات المكانية، وسكانها معزولون عما يدور خارجها. وإذا كان ما يدور ينطوى على حركة، وإذا كانت الحركة تنطوى على الزمان فمعنى ذلك أن القرية خالية كذلك من الزمان. وإذا ألَفنا بين المعنيين قلنا إن القرية تنطوى على موت المسافة مكانياً وزمانياً. والمفارقة هنا أننا نقول عن ظاهرة الكوكبية إنها تنطوى أيضاً على هذا الموت الذى تعانيه القرية. ومن هنا مشروعية القول إن كوكب الأرض مماثل للقرية على الرغم من غياب البٌعد الحضارى عن القرية. ومن هنا أيضا مشروعية القول إن كوكب الأرض فى زنقة.
والسؤال بعد ذلك: هل فى إمكان كوكب الأرض الخروج من هذه الزنقة؟
قيل فى الجواب عن هذا السؤال إن الترحال إلى الفضاء بسفن فضائية قادر على الخروج من الزنقة. وهنا المفارقة التى تنطوى على تناقض رخو وليس على تناقض حاد، أى على تناقض يمتنع معه إقصاء أحد الطرفين.
والسؤال بعد ذلك: ما هما هذان الطرفان فى حالة زنقة الكوكب؟
هما الدول المقيمة على كوكب الأرض وكوكب الأرض ذاته. والابداع هنا مطلوب لإحداث توليفة بين هذين الطرفين.
والسؤال اذن: ما المانع من إحداث هذه التوليفة؟ إنه غياب الابداع. وما سبب هذا الغياب؟
إنه الارهاب الذى أفرزته ثورات الربيع العربى عندما تركت الباب مفتوحاً، عن غير وعى، للاخوان المسلمين. والسؤال بعد ذلك: كيف حدث ذلك؟
مع بداية هذه الثورات فى 2011 كان الشعار السائد « الشعب يريد اسقاط النظام» لأنه كان عاجزاً عن توفير الخبز والكرامة والحرية، ودعت إلى تسييس الجيل الجديد بعد أن فشلت الأحزاب العربية عن إشعال هذه الثورات. إلا أن اللافت للانتباه أن حزب الاخوان المسلمين استولى على السلطة فى عام 2012، وأعلن أن الاسلام دين ودولة، وأن حزب البعث، سواء فى سوريا أو فى العراق، هو عميل للغرب المادى، وبعد ذلك اتجهت النخبة، من أمثال طارق البشرى ومَنْ سار على دربه، إلى تأييد الحكم الاسلامى فى مصر.إلا أن استيلاء الاخوان المسلمين على السلطة لم يكن بالأمر الميسور، إذ مارست تكتيكاً سياسياً يستند إلى الخبث والدهاء، ومع ذلك فثمة سؤال لابد أن يثار: ما الفارق بين الفاشية فى القرن العشرين على يد موسولينى والفاشية فى القرن الحادى والعشرين على يد الاخوان المسلمين؟
فى الحالة الأولى كانت الفاشية ضد الدول غير الفاشية، ومن ثم كانت الحرب محصورة بين الجيوش. أما فى الحالة الثانية فقد كانت الفاشية وما لازمها من ارهاب موجهة من قِبل ميليشيات مسلحة اسلامية أصولية. فى الحالة الأولى الضحية هى الجيوش المتحاربة وفى الحالة الثانية الضحية أفراد أبرياء أو تجمعات بريئة حُكم عليها بأن تُقتل من قبل تلك الميليشيات وباسم الله. ومن هنا نشأت مفارقة جديرة بأن تكون موضع حوار، وهى أن ثمة تياراً اسلامياً أصولياً منح نفسه حق القتل استناداً إلى تفويض من إله هو فى حاجة إلى تحليل فقهى أو لاهوتى من أجل معرفة هويته. وهنا يلزم التفرقة مسبقاً بين الله فى ذاته والله فى عقل الانسان. فالله فى عقل الانسان محكوم فى ادراكه بطبيعة هذا العقل وليس بمعزل عنه. وحيث إن هذا العقل نسبى فى تفكيره، بمعنى أنه عاجز عن ادراك الله كما هو فى ذاته، أى من حيث هو مطلق، فلا يحق لأحد الادعاء بأنه الوحيد القادر على قنص ذلك المطلق الذى هو الله. ولا أدل على ذلك من تعدد الرؤى لذلك الاله استناداً إلى تعدد الأديان. والقول بعكس ذلك ليس بالصحيح لأن من شأنه إلغاء هذه التعددية والاكتفاء باله واحد يكون خارج مجال العقل ويكون معادلاً موضوعياً لله فى ذاته. وهذا لن يتحقق إلا بإبطال إعمال العقل والاكتفاء بشعار واحد يرفعه الأصولى الارهابى فى وجه الآخرين وهو على النحو الآتى: هذا شرع الله والمطلوب تطبيقه والمعترض فإن مصيره القتل. والجدير بالتنويه هنا أن هذا القتل اتخذ طابعاً كوكبياً، ومن ثم أصبح الكل فى زنقة. وإذا كان هذا الكل هو المقيم على كوكب الأرض فيصبح هذا الكوكب ذاته فى زنقة.
والسؤال بعد ذلك: هل من الممكن إخراج الكوكب من زنقته؟
هذا ممكن إذا أصبح البشر على وعى بأن العقل عاجز عن قنص المطلق، وليس ممكناً إذا أصرت فئة من البشر على أن عقلها قادر على ذلك القنص. وفى هذه الحالة ليس أمام الفئات الأخرى سوى أحد أمرين: إما عزل تلك الفئة فى مكان ما حتى تنقرض وإما الترحال إلى كوكب آخر. وأظن أن الأمرين من صنع وضع قادم فهل فى الامكان استدعاؤه؟.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15143
نقاط : 25282
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: الحادى والعشرين» (214) «الوجود» و«النظام والجمال»   الأربعاء 07 فبراير 2018, 3:12 am

الحادى والعشرين» (214)  «الوجود» و«النظام والجمال»


الثلاثاء 20 من جمادي الأولى 1439 هــ 6 فبراير 2018 السنة 142 العدد 47909


يشير العنوان إلى معنى كلمتى «أنطولوجيا» و«كسمولوجيا» .. وأتوقف لأتساءل عن جذر هاتين الكلمتين، فكلمة «أنطولوجيا» معرَبة وليست مترجمة بمعنى أنها صُبغت بصبغة عربية عند نقلها بلفظها الأجنبى الذى هو هنا لفظ يونانى ويعنى علم الوجود، والمقصود بالوجود هنا هو الوجود العام الذى هو قاسم مشترك بين جميع الموجودات، بمعنى أنه يشير إلى موجودات دون أن يكون هو أحد هذه الموجودات. وفى هذا المعنى قال أرسطو عن هذا الوجود العام إنه موضوع الفلسفة الأولي، أو بالأدق موضوع علم الوجود بوجه عام. وهو بهذا المعنى يقال عنه إنه أعلى مراحل التجريد الذى يتجاوز به الفيلسوف جميع أنواع الموجودات الحسية بحيث يمكن القول عن هذا المعنى المجرد إنه غير محدد بأى نوع من التحديدات. وعند هذه المرحلة أظن أن من حق القارئ أن يتساءل: إذا كان لفظ الوجود العام غير محدد بأى شيء موجود فما سبب لزومه وجعله موضوعاً للفلسفة؟
وجوابى أن هذا الوجود العام لا يتغير، أى ثابت لأن المحسوس فقط هو المتغير، أى غير ثابت. وإذا قيل عن الله إنه هو هذا الوجود العام غير المتغير فيكون موضوع الأنطولوجيا هو الله. وإذا كان ذلك كذلك فيكون من اللازم انشغال الفلاسفة بتناول مفهوم الله لمعرفة ما إذا كان هذا المفهوم محصوراً فى العقل أم أنه خارج العقل. فإذا كان فى العقل وحسب فبها, أما إذا كان خارج العقل فهنا تثار هذه الإشكالية: كيف يكون الله موجوداً فى الخارج وبمعزل عن الموجودات الحسية باعتبار أنه الوجود العام؟ ومن هنا اندفع فلاسفة نحو البرهنة على وجود الله فى الخارج كما اندفع فلاسفة آخرون نحو البرهنة على عدم وجوده. والمفارقة هنا أن البراهين على الضفتين جاءت متكافئة فى القوة. وعندئذ قال الفيلسوف الفرنسى بسكال من القرن السابع عشر: إذا كان الحال هو كذلك فليس أمامنا سوى حجة واحدة أطلق عليها «حجة الرهان» وتعنى أنك إذا آمنت بأن الله موجود وصدق إيمانك فإنك ستكسب الحياة الأبدية، أما إذا لم يكن موجوداً فإنك لن تخسر شيئاً. إلا أن هذه الحجة لم تلق استحسانا لأنها تضع الله موضع رهان. وعندئذ قال الفيلسوف الألمانى كانط من القرن الثامن عشر: إذا كانت البراهين متكافئة فمعنى ذلك أن العقل نفسه غير قادر على تناول مفهوم الله بحكم أن هذا المفهوم مطلق والعقل نسبي، ومن ثم فليس فى إمكان ما هو نسبى أن يدرك ما هو مطلق. ويترتب هذا القول إلغاء الأنطولوجيا برمتها، وقد كان، عندما ظهرت نظرية النسبية لأينشتين التى تجاهلت الأنطولوجيا واتجهت إلى الكسمولوجيا.
والسؤال اذن: ما جذر هذه الكلمة؟
هذه الكلمة معربة وليست مترجمة وجذرها فى اللغة اليونانية وهو كسموس بمعنى النظام والجمال. أما عند أينشتين فالكسمولوجيا تتناول الكون باعتباره محكوماً بمفهوم معين للزمان والمكان باعتبار أن الزمان هو البُعد الرابع للمكان بعد أن كان للمكان أبعاد ثلاثة فقط عند نيوتن. وإدخال الزمان كبعد رابع أفضى إلى أن كلا من المكان والزمان نسبى ولم يعد كل منهما مطلقا على نحو ما ارتأى نيوتن. ومن بعد ذلك انشغل علماء الفيزياء النووية فى القرن العشرين بدراسة الكون دراسة علمية أدت إلى ابتداع سفن فضائية تتجول فى الفضاء كما ترسو على سطح القمر وغيره من الأفلاك. وكل ذلك من أجل تكوين علاقة عضوية بين الانسان والكون بحيث تكون خالية من الأوهام والأساطير التى كان يتوهمها. وأصبح الفارق بين الفيزياء التقليدية والفيزياء النووية فارقاً كيفياً. الأولى تتناول الكون على أنه منفصل عن الإنسان، وبالتالى فإن الانسان فيها يحس بالاغتراب فى علاقته بالكون. أما الثانية فتتناول الانسان على أنه ليس مستقلاً عن الكون وذلك بفضل غزو الفضاء. والفضاء هنا هو المنطقة الواقعة خارج جو الأرض، أو هو الفضاء الكوني. وغزو الفضاء يتم على مراحل: بدايتها غزو الفضاء الذى هو خارج جو الأرض. وهذا هو ما تقوم به التكنولوجيا المعاصرة، وما يستلزمه من بقاء الانسان عدة أسابيع فى أحد الأفلاك. أما غزو الفضاء الكونى فيستلزم تعود الانسان على الحياة فى الفضاء. وهذا من شأنه أن يحدث تغييراً جذرياً فى الانسان ينبئ ببزوغ نوع جديد من الانسان يمكن تسميته الانسان الكوني. وهو بزوغ ممكن بحكم قانونين: قانون النشوء والتطور الذى كان قد ابتدعه العالم الانجليزى دارون، وقانون الانتقال من الكم إلى الكيف الذى كان قد ابتدعه الفيلسوف الألمانى هيجل. وفى هذا السياق يمكن القول إن فى مقدور هذا الانسان الكونى تمثل الكون ذى الأبعاد الأربعة الزمكانى الذى تنبأ به أينشتين. ومن شأن هذا التمثل أن يسمح للإنسان برؤية الأحداث قبل أن تقع فيزول اغتراب الانسان عن الكون. وتأسيساً على ذلك كله يمكن القول إن مستقبل الفلسفة يكمن فى أن تكون كسمولوجيا وبلا رجعة إلى الأنطولوجيا.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15143
نقاط : 25282
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: الحادى والعشرين» (215) ابن تيمية وإير وكواين   الأربعاء 14 فبراير 2018, 2:36 am


الحادى والعشرين» (215) ابن تيمية وإير وكواين


الثلاثاء 27 من جمادي الأولى 1439 هــ 13 فبراير 2018 السنة 142 العدد 47916
 
والسؤال إذن: ما العلاقة بين الفقيه الإسلامى ابن تيمية من القرن الثالث عشر والفريد جول إير كبير فلاسفة بريطانيا وويلزفان كواين كبير فلاسفة أمريكا(1908ــ2000) وهما من القرن العشرين؟ أبدأ بابن تيمية وأوجز فكره فى مسألة محورية هى التأويل على نحو ما هو وارد فى كتابه ادرء التعارض بين العقل والنقلب حيث يقرر أن الشرع يقوم على السمع، أى على ما سمعناه من الرسول صلى الله عليه وسلم. ولهذا فإن ما هو ثابت بالسمع فهو ثابت سواء علمنا بالعقل أم بغير العقل ثبوته، أو لم نعلم بثبوته لا بعقل ولا بغيره. ومعنى ذلك أن ثبوت ما أُخبرنا به ليس موقوفاً على عقولنا لأن مهمة عقولنا أن تعلم بهذا الذى سمعته دون تأويله.
 
والسؤال إذن: لماذا يرفض ابن تيمية التأويل؟
 
يرفضه لأن التأويل، فى رأيه، يعنى صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر فى حين أن كل آيات القرآن واضحة فى معناها وليس هناك خفاء. ولهذا فليس ثمة مبرر للتأويل. ولا أدل على ذلك من قوله «إن التأويل تحريف الكلم عن مواضعه ومخالف لإجماع سلف الأمة». ومعنى ذلك أن ابن تيمية يشترط الإجماع فى تفسير النص الديني، والتأويل خروج على الاجماع، ومن ثم فالتأويل ممتنع. والنتيجة الحتمية بعد ذلك أن يكون العقل مساوياً للسمع، أو بالأدق، هبوط العقل إلى مستوى الحس. وفى هذا المعنى يتم إلغاء العقل لحساب الحس ومن ثم يتم الاكتفاء بالحس. إذن طاعة العقل للسمع لازمة، ومن ثم يتأسس المجتمع على السمع والطاعة. والمجتمع الذى يتأسس على هذا النحو اسمه مجتمع القطيع، وهو المجتمع الذى يُطالب بتأسيسه حزب الإخوان المسلمين. هذا عن ابن تيمية فماذا عن السير الفريد إير؟
 
إنه المرَوج لفلسفة حلقة فيينا، وهى حلقة نشأت فى عام 1924 وكانت تضم علماء رياضة وفيزياء مع وجهة نظر فلسفية وكان رئيسها مورتس شليك عالم ألمانى فى الفيزياء النووية. وكانت الغاية من تأسيسها إشاعة رؤية علمية تحصر الفلسفة فى المنطق وتستبعد كل العلوم التى تزعم أنها تتناول قضايا مجاوزة للواقع المحسوس مثل علوم العقائد وعلم الوجود العام والعلوم الإنسانية والاجتماعية. وقد التحق إير بهذه الحلقة. وفى عام 1936 أصدر كتاباً عنوانه «اللغة والصدق والمنطق» وكان عمره 26 عاماً بلور فيه فلسفة حلقة فيينا التى تستند، فى رأيه، إلى مبدأ التحقق من صدق القضية العلمية إذا كان لموضوعها مقابل فى الواقع الحسي، ومن غير هذا المقابل فإن القضية تكون بلا معنى إلا إذا كانت قضية يكون أحد طرفيها كامنا فى الآخر وبالتالى لا تكون فى حاجة إلى مقابل حسي.
 
وما يهمنى هنا هو أن حلقة فيينا تجاهلت مصطلحين من أهم المصطلحات الشائعة فى القرن العشرين وهما الحضارة والثقافة. وقد كان من نتيجة هذا التجاهل أن انشغلتُ بالبحث عن وسيلة لاستعادتهما فلم يكن أمامى سوى الجمعية الفلسفية الأفروآسيوية لكى تكون منبراً لهذا الذى أنشده، ومن ثم كان مؤتمرها الفلسفى الدولى الأول الذى انعقد فى القاهرة فى عام 1978 تحت عنوان «الفلسفة والحضارة» بمشاركة تسعة من كبار الفلاسفة الذين كانوا أعضاء فى اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الدولى للجمعيات الفلسفية وكان من بينهم إير. أردت مداعبته فطلبت منه تبريراً لمشاركته، وكان جوابه أنه جاء مشاركاً بصفته إنساناً وليس بصفته فيلسوفاً، ولذلك فمن حقه إبداء الرأى فى أى شئ من شئون الانسان. ومع ذلك فقد أبدى غضبه من بحثين ألقيا فى الجلسة الأولى من فيلسوفين آسيويين أحدهما باكستانى والآخر ياباني. قال: «لقد دعانى البروفسير وهبة للمشاركة فى مؤتمر فلسفى فماذا بى أمام مؤتمر دينى». وعندما كنت أتردد على جامعات انجلترا فى السبعينيات و الثمانينات من القرن الماضى سمعت شكوى من بعض الفلاسفة الشبان من أن إير أصبح متحكماً فى مسألة نشر الكتب الفلسفية إلى الحد الذى أصبح فيه من المحال نشر كتاب خارج فلسفة حلقة فيينا. وما قام به إير فى انجلترا قام به كواين فى أمريكا. واللافت للانتباه أن كواين التحق بحلقة فيينا فى العام نفسه الذى التحق فيه إير، ثم عادا سوياً إلى بلديهما ليبشرا بفلسفة هذه الحلقة. وكل ما كان من فارق بينهما بعد ذلك هو أن كواين كان واضحاً وصريحاً فى ضرورة حصر الفلسفة فى المنطق بوجه عام وفى المنطق الرياضى بوجه خاص.
 
والسؤال إذن: ماذا يبقى للعقل من مجال لكى يلهو به؟
 
مجال الحس ليس إلا وهو المجال الذى لا يتقن الانشغال به إلا فكر ابن تيمية وإلا حزب الاخوان المسلمين المروج لذلك الفكر والمتغلغل به فى المؤسسات الثقافية فى كل من انجلترا وأمريكا. والمسئولية فى كل ذلك تقع على حلقة فيينا وعلى كل من إير وكواين وكل مَنْ سار على دربهما فى بلدان كوكب الأرض.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (201) التطور بالتنبؤ
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
elwardianschool :: المكتبة :: تحميل كتب :: العلوم الاجتماعية (300)-
انتقل الى: