elwardianschool


elwardianschool

مـنـتـدى مـــكـتـبــة مـدرسـة الـورديـان الـثـانـويـة * بـنـيـن...( تعليمى.متنوع.متطور )

 
الرئيسيةالبوابةبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول
نتمنى لكم قضاء وقت ممتعا و مفيدا فى المنتدى

شاطر | 
 

 محمد عبد العال : تحـت سَطـوَةِ الرَّاوِيِّ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: محمد عبد العال : تحـت سَطـوَةِ الرَّاوِيِّ   الإثنين 18 يوليو 2016, 4:37 am

محمد عبد العال : تحـت سَطـوَةِ الرَّاوِيِّ




تحـت سَطـوَةِ الرَّاوِيِّ
في الواقعِ، ليس باستطاعةِ أحدٍ الجزمِ بالوقتِ أو المكانِ الذي تبدأ منه سلسلةُ الأحداثِ التي انتهت بكُلِّ الوقائعِ، لذا فإن قال أحدهم أنها كانت في يومِ كذا من سنةِ كذا فكَذِّبُوه، فإنه دجَّالٌ كذَّابٌ من الدَّجَاجِلَةِ. وإن قائلٌ يقول أنها حدثت في هذه البُقعةِ من المعمورةِ، فكَذِّبُوه أيضًا فإنه جاهلٌ مراءٍ، أراد أن يَظهر بعلمٍ أمام النَّاس وليس هو من أهله. وإن هؤلاء جميعًا لأهلُ نفاقٍ وجهالةٍ، وإن بدا أن أحدهم على قَدْرٍ من المعرفةِ واليسارِ، فإنهم كثيرًا ما يُعبِّرُون عن أمورٍ خارجِ سُلطانِ عقلٍ رشيدٍ. وعلى المرءِ إذا كان غنيًّا بالمالِ أو بالمعرفةِ، أن يُراعي فقرَ الآخرين. ولكنني أذكر أنني كنتُ أيامِ تلك الأحداثِ صبيًّا يافعًا أينعًا كعودٍ أخضرٍ، غيرِ يابسٍ ولا مُصْفِرٍّ. وكنتُ أيامها صبيًّا مزعجًا، جلَّابٌ للمصائبِ - ولا زلتُ! ولم أكُن كما يراني النَّاسُ من الوداعةِ والهدوءِ في شيءٍ؛ فذلك ليس إلا لإعراضي عنهم.
* * *
وهاهو ذا الآن وقد انطفأت زهرةُ العُمرِ - منذ سنين عِدَّة- في تلك اللَّيلةِ الباردةِ المظلمةِ البعيدةِ، التي تتراءى لي كأن كُلَّ يومٍ فيها قد حدث أمس. وهاأنذا بتُّ أرقب أصلها، وأتبعها؛ لأعرفكم سِرَّ الحكاية ،ولأواصلها يومًا بيومٍ، ولحظةً بلحظةٍ، فلا تخونني أيُّ تفصيلةٍ من تفاصيلِ ما حدث.
كُلُّ الحكايةِ أظنُّ أنها حدثت بعد ثلاثِ سنين من وقوعِ المأساةِ الكُبرى في حياتي. ومنذ ذلك الحين، الذي يبدو كأنه قريبٌ على بُعدِ، بعيدٌ على قُربِ، فدوَّنتُ حينها في مفكِّرتي: «هاأنذا أكادُ أن أحملُ على كاهلي نيرَ خمسة عشر عامًا أكاد أنوءُ بحِملهن». وأظن أنه قد بدا لي حينها أنني لن أتجاوز العشرين من عمري؛ فالأحداث والمشاهدات والوقائع التي عشتُها - على قِصَرِ العُمرِ - كثيرةٌ طويلةٌ، كما أن لها وقعٌ أليمٌ دائمًا وأبدًا في مخيلتي وفي نفسي ؛ فإنني أذكرُ أن الطُّفولةَ السَّعيدةَ التي عِشتُها وتمتَّعتُ بها انمحت من ذاكرتي تقريبًا إلا ما بعدها؛ وذلك لتواترِ الأحداثِ البائسةِ - باختلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ وتعاقُبهُما عليَّ - وتوالى الصِّراعُ الحادُ والأليمُ لم يُنْسِنِي أيَّ شيءٍ منه على الإطلاقِ؛ فأن يشبَّ الطِّفلُ ويشيبَ فجأةً ويهرم، ذلك بالقطعِ شيءٌ غيرُ عاديٍّ، بل استثنائيٌّ جدًّا، وألا يتمتَّع هذا الطِّفلُ بما يتمتَّع به غيرُه من سعادةِ وحنانِ الأبوَّةِ أمرٌ فظيعٌ جدًّا، وأن يكون هذا الأبُّ حيٌّ يرزَقُ ولا يستطيع أن يُرَى هو طامةٌ كُبرى، فأنا لم أكن يتيمًا حينها، ولكنني شعرتُ بغصَّةِ اليُتمِ ومرارته في حَلقي. فليس اليتُمُ أن يموت الأبُ فقط، بل إن اليتُمَ الحقيقي هو فُقدانُ الأبِ بشتَّى الطُّرُقِ. وإن اليتُمَ الأكبرَ هو ألا تشعر بحنانِ الأبِ رغم وجوده.
* * *
والآن أستطيع أن أقول لا جَزِعًا ولا فَرِقًا، أن عينيَّ لم تنفتحا منذ الصِّغر إلا وأنا تحملني الأقدارُ، بين شتاتِ الآلامِ والذِّكرياتِ الحزينةِ. وهاهي سنتان ثقيلتان تمضيان بعد أن مات شيخي. ذلك البطلُ الحقيقيُّ الذي أيقظ مُخَيِّلَتِي وأعانني على تَحَمُّلِ الحرمانِ والقهرِ والصِّراعِ العقلي. ذلك الرَّجل الذي أحببته منذ أن كنتُ ابن أحد عشر عامًا يتوفى، تاركًا في رقبتي حملًا ثقيلًا، تنوءُ الجبالُ الرَّاسياتُ أن يحملنه، وقد كنتُ لنفسي ظلومًا جهولًا.
وقد كانت وصيته – رحمه الله – قبل وفاته، أن أسجِّل ما رواه لي من رواياتٍ، ولَمَّا سألتُه عن السَّبَبِ قال لي: «أبا المنذر، إنها النُّبوءة». قالها، ولم يرد، ولن يرد بعدها أبدًا. وبدا حينئذٍ كما قال القائلُ:
وَأَنِّي متى ما أَدْعُ بِاسْمِكَ لا تُجِبْ *** وكنتَ جَدِيرًا أَنْ تُجِيبَ وتُسْمِعَا
فعزمتُ بعد أن توفى أن أُنَفِّذَ وصيته، ولكنني كنتُ في كُلِّ مَرَّةٍ أهِمُّ لأشرعَ في تنفيذها تقتحمني الذِّكرى، ويجتاحني الأسى، فيعتصرني الألم، ثم يغتالني الحُزنُ العميقُ على فراقه. وقد كُنَّا كما قال:
وكُـنَّا كَـنَـدْمَانَـيْ جُذِيْمَةَ حِقْـبَةً *** مِن الدَّهرِ حتى قيلَ لنْ يَـتَصَدَّعَـا
والآن وقد فرَّقتنا اللَّيالي؛ بموته، وغدا البَوْنُ بيننا شاسعًا، فبتنا كما قال أيضًا:
فَلَــمَّا تَفَـرَّقْــنَا كَـأَنِّـي وَمَـالِـكًا *** لِطُولِ اجتِـمَاعٍ لـم نَبِتْ لَيْـلَةً مَـعَا
كم لوَّعني الحُزنُ والشَّجنُ، وكم طُرِّحْتُ في اللَّيالي اللَّيلاءِ أتجرَّع مراراتِ الوجدِ والفقد، فآهٍ، ثم آهِ:
فـإِنْ تَـكنِ الأيَّــامُ فَـرَّقْـنَا بَـيْنَنَا *** فقدَ بانَ مَـحْمُودًا أَخِي حينَ وَدَّعَا
* * *
اليومُ، قد بدا لي وأنا المكلَّفُ بالجَزَعِ والاندثارِ, وقد تجاوزت العشرين من عُمري، أنه لا بُد لي من التَّسليمِ بأن عُمري لن يطول أكثر من ذلك، أو ربما يجب عليَّ أن أنجزَ مَهَمَّتِي، حتى يحين دوري لأتهاوى، كما يتهاوى جذعٌ يابسٌ من أيكةٍ، دون أن ينحني ولو لمرَّةٍ. وعليَّ الآن أن أقول هذه الصَّرخة - لمَنْ يسمعني: «لقد أصبتُ، وأخطأ التَّاريخ!». هذه الصَّرخة السَّخيفة المتعجرفة التي أصبح لها طنينٌ في أذنيَّ كطنينِ النَّحلِ، وباتت تتردَّد في ذهني باستمرارٍ، وبدا لي أنها لا تكاد تُفارق سمعي على الدَّوامِ، لا بل بوسعي الآن أن أقول أنها غدت كعبارةٍ منقوشةٍ في لُبِّي.
* * *
هل أستطيع أن أرى شمسًا رائقةً بين السُّحُبِ العابرةِ، فترفعني في الهواءِ خيالاتي المجنَّحة؛ لأرى الجنَّةَ من بعيدٍ تلوح في الأفقِ؟! ولكن بالطَّبعِ إذا أردتُ أن أرى الجنَّةَ ولو من بعيدٍ، لا بُد لي أن أرى جهنَّمَ أو أن أسمع حسيسها من بعيدٍ، فأين هي إذن؟! هل أستطيع أن أزيدَ على ما قلتُ؛ لأقول غير مضطَّرٍّ على الإطلاقِ؟!: «مَنْ ذا الذي يدري ماذا يستتر خلفَ حُجُبِ الغَدِ القاتمةِ؟! هل من أحدٍ يستطيع التَّنَبُّؤَ بأيِّ شيءٍ لمستقبله؟! مَنْ ذا الذي يستطيع أن يتحكَّم بماضيه ليعلم مستقبله؟! ومن ذا الذي يعلم بموعدِ العاصفةِ القادمةِ؛ كي يقف على قارعةِ الطَّريقِ، فيتنحَّى جانبًا، ويسمح لها بالمرورِ، قبل أن تقتلعه معها في الفضاءاتِ الذَّاهلةِ، فيصبح نُثارةً في مهبِّ الرِّيحِ؟!». لو كنت أعلم يومها أي قيمةٍ للورقِ والقلمِ، لكنتُ رسمتُ غدي الحالمَ بيدي، قبل أن ترسمه كائناتٌ خارجَ الإنسانيةِ، لا تعترف بالبشريةِ مطلقًا، إنها كائناتٌ قادمةٌ من الجحيم نفسه. لا أحد يعرف الجحيمَ مثلي؛ فقد كنتُ هناك!! فهل كانت أمِّي تعرف ما يمكن أن يخبِّئه القَدَرُ لطفلٍ مثلي؟! وهل كانت تدرك أن الجحيمَ يمكن أن يتشكَّل في الحياةِ الدُّنيا قبل الآخرةِ، وأن الأرضَ نموذجٌ مصغَّرٌ له، يُعَدُّ حقيقيًا إذا ما عاشه المرءُ، وتنقَّل بين دركاته؟! ولأنه لا أحدٌ يعلم الغيبَ، فقد أُغْمِرْتُ في لُجَجِ القَدَرِ المعتمةِ، وأغرقتُ في بحارِ القضاءِ الحالكةِ، المتلاطمُ مَوجها؛ ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوْءُ﴾.
* * *
هاأنذا أعودُ لأَجُوس، كالسَّائرين نيامًا، عبر وهادِ وأزقَّةِ الذِّكرياتِ المهمَلةِ في ركنٍ قَصِيٍّ بأقصى العقلِ، لأجد نفسي أتساءل: «أين عُمري من هذه الأحداثِ؟!». وحينما ذهبت السَّكْرَةُ وجاءت الفكرةُ، بدت لي الأماسي الكئيباتُ واللَّيالي الكالحاتُ كأنهن رقشُ يراعٍ على ورقٍ قشيبِ. فبدت حينها الذِّكرياتُ مكتظةٌ بالتَّفاصيلِ، وغدوتُ أُلَمْلِمُ شتاتي في غمرةٍ من الرِّيبةِ والتَّوَجُّسِ، وبدا أنهما راحا يندفعان فيَّ؛ ليتسلَّلا إلى دخيلتي شيئًا فشيئًا، فينفخان في رماِد جمراتِ الذِّكرى والألمِ، فيلهِبا فيَّ غلالةً شفَّافةً آسرةً. والآن أستطيع أن أقول أيضًا: «لقد عَلَّمَتْنِي الحياةُ أن أنتظر». وبِتُّ الآن وقد وَعَيْتُ أن لعبةَ الحياةِ لا بُد أن يأتي آخرُها؛ لتحصدَ ما زَرَعَتْهُ في أعماقِ العُمرِ، وأنها بعد هذا الدَّهرِ ستُخرج لي لسانها عابثةً وتقول: «قُلْ كلمتك إذا عَلِمْتَ أنها ستعرف طريقها، وما ستؤول إليه، فإن عمرك حينها لن يضيع سُدى!». بدا الآن أن "لعبةَ الحياةِ" هذه لم تَقُلْ إلا حقًّا، وأنها ما قالت ذلك إلا لتُشعل عاطفةً أو حُزنًا أو نَزْوَةً غافيةً في رُكْنٍ ضئيلٍ من أركانِ عقلي. وأنها ستضطَّر أن تُضْرِمَ نارها في المناطقِ المواتِ واليُبابِ والقاحلةِ في ذاكرتي، وأنها ستعمدُ إلى حطبِ الصَّمتِ والألمِ الجاثِمَين فوق صدري فتُذكي به ضِرَامَ نارها هذه، فتُخلِّف فيَّ لهيبًا وسوادًا وحرائقَ وأدخنةً.
* * *
والآن، قد هدأ كُلُّ شيءٍ، وبدأتْ الأشكالُ الغائمةُ تتضح. فانجلت الحقيقةُ التي ظلَّت زمنًا طويلًا مُتخفيةً، وظهرتْ من وراءِ سوادٍ من الأدخنةِ وحرائقِ الأجسادِ المُتَيَبِسَةِ. فكُلُّ الحكايةِ أَظُنُّهَا بدأتْ بروايةٍ – روايةٍ طويلةٍ جدًّا – استمرت روايتها سبعُ سنواتٍ، وامتدت فطالت منهن كُلَّ مساءٍ، وهزيعًا من اللَّيلِ. ولكنها مضت برُمَّتِهَا، ومضى سفينُ العُمرِ من ورائها يصخب باضطرابٍ، أو كعُودِ غَضَىً واني كادت أن تهتك ستورَه ريحٌ نَكْبَاءٌ حَرْجَفُ، فكاد العودُ أن ينحني أو ينكسر. أو بدت سنونُ العُمرِ كأنها كتابٌ انفتح على الخوف، ولن ينتهي إلا في قلبِ الجحيم. والآن لم أعد أرى أنني منذ تلك اللَّحظة لم تكن الأراضي السَّبْعُ تحملني، ولم تكن السَّماواتُ السَّبْعُ تظلُّني.
* * *
والآن ليس من المهم أن تعرفوا مَنْ أنا، فأنا لم أكن سوى الحلقةِ الأخيرةِ في سلسلةِ الرُّواةِ، قد يجب عليكم أن تعرفوني ﺑ"راوي القَدَر" وليس ﺑ"أبي المنذر الرَّاوي". فالرَّاويُّ - وإن كان راوي القَدَر - معذورٌ؛ لأنه لا يروي سوى ما سمعه من الرُّواةِ الصَّادقين، الذين لم يبقَّ الكثيرُ منهم في عصرنا الحالي؛ فإن الرُّواة الصَّادقين كانوا وقد انطفئوا منذ وقتٍ مبكِّرٍ. ربما كنتُ الدُّرَّةَ اليتيمةَ في هذا الزَّمانِ الآفلِ، أو الذي هو بصددِ الأفول. لذا فإن صدَّقني النَّاسُ، فذلك جُلُّ ما أرجوه وآمله، فأنا في النِّهاية ابنُ زمني - بما له أو عليه بكُلِّ ميراثه، فإنني واحدٌ من هؤلاء النَّاجين بالصُّدفة من زحفِ الموجةِ القاتلةِ التي لَحِقَتْ بها شمسٌ رائقةٌ ليس عليها غبارٌ. ولكن إذا ما ارتآني النَّاسُ مُجَرَّدَ دجَّالٍ، أو رجلٍ أحمقٍ ممرورٍ عابرٍ جاء في زمنٍ غابرٍ يركض مسرعًا نحو حتفه، ليَقُصَّ عليهم خرافاتٍ وأوهام؛ ليكتم بها نشيجه، ولِيَخِفَّ من حرائقٍ قد ألهبتْ روحه، وكادت أن تأكل ما تبقَّى من جسده، فعليهم أن ينتظروا قرنًا آخر ليتأكَّدوا من صِدق الرِّوايةِ.
* * *
والآن وقد آن الأوانُ لأحني رأسي قليلًا وأكسر هذا الصَّمتَ الذي بَلَّد حواسي، واخترق فيَّ كُلَّ شيءٍ جميلٍ، وسطَّح ما تبقَّى بداخلي من فرحٍ دفينٍ. ففي تلك اللَّيلةِ السَّوداءِ من ذاك الشِّتاءِ البعيدِ، خَفَتَ بريقُ النُّجومِ الهاربةِ في دياجيرِ اللَّيلِ الحالكِ، وانحدرن نحو فراغٍ حادٍ من السَّوادِ القاتمِ، ثم سُدَّتْ من ورائها كُلُّ أبوابِ السَّماءِ، فبدت السَّماءُ رماديةٌ كئيبةٌ، وأوراقُ الشَّجرِ الجافَّةِ تذروها الرِّياحُ تارةً، ويتوالى عليها كُلُّ جَوْنٍ، فيَتبع الوَدْقُ فلولَ الرِّياحِ وأذيالها، فأصبحت أوراقُ الشَّجرِ الجافَّة هشيمًا، حتى يتراءى قوسُ قُزح في أوَّلِ خيطٍ من خيوطِ الصَّباحِ، فبدا الهشيمُ حينئذٍ كأنه عصفٌ مأكولٌ؛ إذَن لا حاجة لي أن أوضِّحَ أكثر أن اللَّيلةَ كانت طويلةً ثقيلةً، سارت بخطواتٍ بطيئةٍ، ولكن غير وئيدةٍ ولا مُطْمَئِنَّةٍ، كأنها اللَّيلةُ التي تسبق النُّذُر.
وكأنني بين إفاقةٍ لوهلةٍ من كابوسٍ طويلٍ، غدوتُ أهذي كالذي يُصْطَلَى بلهيبِ الحُمَّى، أو كمَنْ يسير به البحرُ فيصاب بالدُّوار - حينما تحمله ألواحٌ ودُسُر. ولأن اللَّيلةَ ثقيلةٌ إذ انبثقتْ منها شعلةُ الموتِ والألمِ، فلا يرويها إلا مَنْ اكتوى بلهيبها، فأُصيب من شُواظِ نارها، ثم غُمِس على مَهْلٍ في مُهْلِهَا، وقُمِطَ في قِمَاطِهَا المنسوجِ من الحَسَك، فتقرَّح به جلده، وتهرَّأ منه بدنه إلى أن ينبلج فجرُ اليومِ الجديدِ. وحتى مَنْ احترق بنارها التي سمَّاها الأولون من الأخيارِ ﺑ"نارِ الجنَّةِ"؛ لأنها لم تحرق الأخضرَ واليابسَ وحسب، بل هَدَّمَتْ أسوارَ الخوفِ، وكُلَّ ما تصلَّب وأصبح حطبًا جافًّا يصلح لأن يكون طُعمًا للَّهبِ المقدَّسِ.
في تلك اللَّيلة سرتُ مضطربًا في عُمقِ الدَّهشةِ، ولازلتُ أمضغُ مرارةً ممزوجةً بفرحٍ عميقٍ وبعلاماتِ حلمٍ لم يتمَّ أبدًا، وبأسئلةٍ مُعذِّبةٍ سَرَتْ في الدَّمِ - مسرى النَّارِ في الهشيمِ. كانت الأسئلةُ في كُلِّ لحظةٍ تضغط على عُنقي بكُلِّ ما أُوتِيَتْ من قوَّةٍ، فكدتُ أن أختنق وأموت في كُلِّ ثانيةٍ عشراتِ المرَّات، وعندما كنتُ أفتح عيني بين الغفوةِ والغفوة، أجدها تلمس وجهي وتُدفئني بابتسامتها التي خسرَّتني آخرَ ما تبقَّى فيَّ من رجولةٍ وشجاعةٍ.
خسرتُ حينئذٍ بعضَ ملامحي. فقلبي تعطَّل جزؤه الأيمن، أي الأقلِّ أهمية، كُلُّ حواسي الحيَّة مجتمعةٌ في جزئه الأيسر، وهذا لم يُمَس، وأحمد الله تعالى على ذلك. ولكن الجسد لم يَعُدْ يُسعف مثلما كان الحالُ في الماضي. فقد أصبح أكثر التصاقًا بالأرض، كُلُّ يومٍ يتوغَّل فيها قليلًا، كمَنْ وقع في رمالٍ متحركةٍ تداولها الرِّياحُ حينًا، وحينًا آخر تحمل منها الكثير. فلم يعد جسدي يرقص أو يُحَلِّق في الفضاءِ الواسعِ مثلما كان يأمره جنونه في الزَّمانِ المنصرمِ. ومُخِّي تهاوى قليلًا، وبدأتْ لطخاتُ الظُّلمةِ تسرق منه مساحةَ نوره، ثم تحول المخُّ المنهكُ من ثِقَلِ ما وَقَعَ عليه من حِمْلٍ إلى مُجرَّدِ قطعةِ إسفنجٍ يابسٍ وجامدٍ لا ماءَ فيه ولا روح. أمَّا العينان فقد أضحتا تَفقدان بريقَهما وتألُّقَهما القديمَ، وراحتا وتشخصان في أزمنةٍ متباينةٍ، تذهب وتجيء مثل الموجاتِ المتناوبةِ، تتلوها بلادةٌ مُقلقةٌ، قبل أن ينطفئ فيهما كُلُّ شيءٍ.
ولهذا كله صَمَّمْتُ في هذه السَّاعة، بل في هذه اللَّحظة، التي لا أدري ماذا سيحدث بعدها! أن أعصر ذاكرتي للمَرَّةِ الأخيرةِ مثل الخِرقة المُضْمَخَةِ بالعَرَق، حتى تفقد كُلَّ مائها، وأغفو بعدها في السُّبَاتِ الرَّحيمِ، الذي ينزلق شيئًا فشيئًا نحو بياضٍ لا سلطان له فيه ولا عليه. بياضٌ بدأ ينتابني من حينٍ لآخر قبل أن أعود إلى اللَّحظةِ الأولى، حيث الموجة تأكل الموجة، وكُلَّ شيءٍ صافٍ ومشرقٍ لدرجةِ إعماءِ البصرِ..
عليَّ أن أكتبَ، وأكتبَ؛ لأنتهي، وأرتاح، ليِخِفَّ لهيبُ روحي، فقد تعبتُ، تعبتُ كثيرًا...




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
محمد عبد العال : تحـت سَطـوَةِ الرَّاوِيِّ
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
elwardianschool :: المكتبة :: من أخبار أصدقاء فى الكليات والحياة العامة-
انتقل الى: