elwardianschool


elwardianschool

مـنـتـدى مـــكـتـبــة مـدرسـة الـورديـان الـثـانـويـة * بـنـيـن...( تعليمى.متنوع.متطور )

 
الرئيسيةالبوابةبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول
نتمنى لكم قضاء وقت ممتعا و مفيدا فى المنتدى

شاطر | 
 

 محمد عبد العال : أيهما أرسخ عند حدوث التضارب، الحقيقة التاريخية أم الاعتقادات الشعبية؟...

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: محمد عبد العال : أيهما أرسخ عند حدوث التضارب، الحقيقة التاريخية أم الاعتقادات الشعبية؟...   الخميس 30 يونيو 2016, 6:17 am

محمد عبد العال : أيهما أرسخ عند حدوث التضارب، الحقيقة التاريخية أم الاعتقادات الشعبية؟...


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلَّمه البيان، وفضَّله على سائرِ الأنام، وقسَّم النَّاسَ بالرَّأي وميَّزهم بالعقلِ فِرَقًا تتواصل ولا تختلف وتتقارب ولا تتنازع، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيدنا محمد بن عبد الله النَّبيِّ الأمينِ وعلى آلهِ وأصحابهِ الكِرامِ والتَّابعين، أما بعدُ:
يقول السؤال: أيهما أرسخ عند حدوث التضارب، الحقيقة التاريخية أم الاعتقادات الشعبية؟
- مقدمة لا بد منها:
إن موضوع التضارب بين الحقيقة التاريخية والاعتقادات الشعبية، من الموضوعات الشائكة التي تثار على مدار الزمن؛ فربما يصبح الاعتقاد الشعبي في يوم من الأيام حقيقة تاريخية، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك يمكن تناوله من عدّة زوايا أو منظورات. فإذا ما نظرنا إليه من زاوية الإبستومولوجيا التاريخية فلا بُدّ من طرح الأسئلة التالية: هل يمكن التوصّل إلى الحقيقة فيما يخصّ مجريات التاريخ البعيد؟ أم أنّ ذلك وهمٌ وسراب؟ مثلاً: هل يمكن التوصّل إلى الحقيقة اليقينيّة فيما يخصّ تاريخ الإسلام مثلًا؟ فإذا كان الباحث شيعيّاً فإنّه سيغلّب وجهة النظر الشيعيّة، وإذا كان سُنيّاً فسيغلّب وجهة النظر السُنيّة. وقل الأمر ذاته عن الباحث الإباضي، فهو أيضاً سيغلّب وجهة النظر الإباضية. أين هي الحقيقة إذن من كلّ ذلك؟ إنها مفقودة تماماً ما دام لم يخرج باحث موضوعي غير متحيّز بشكل مسبق لأيّ مذهب من المذاهب الإسلامية الكبرى. وبالتالي ينبغي أن يظهر باحث خارج كلّ المذاهب، بل خارج على كلّ تاريخ الإسلام لكي يستطيع أن يتّخذ مسافة واحدة من كلّ الفرقاء، ويقول لنا الحقيقة التاريخيّة أو يقترب منها. وهذه المسافة المعرفية أو الإبستومولوجية هي التي ستمكّنه من اكتشاف الحقيقة الموضوعيّة لما جرى قبل ألف وأربعمائة عام، أمّا الباحث المسلم سُنيّاً كان أم شيعياً فلا يستطيع أن يتّخذ هذه المسافة لأنّه منغمس كُليّاً في مذهبيّة راسخة في العقول منذ مئات السنين. الشيء نفسه ينطبق على تاريخ المسيحية الأوروبية قبل ظهور النقد التاريخي والفيلولوجي الحديث الذي يطبّقه كبار الأكاديميين. فإذا كان الباحث كاثوليكياً ملتزماً فإنه سيلعن "لوثر" والبروتستانتية، وإذا كان بروتستانتياً متحمّساً فإنه سيلعن البابا والبابويين. وهذا ما حصل على مدار عدة قرون قبل أن تتنوّر المجتمعات الأوروبية وتصبح قادرة على أخذ مسافة عن نفسها وعقائدها الأكثر حميمية عندما تريد الانخراط في البحث العلمي حول الشؤون الدينية الشديدة الحساسية. وهذا ما لم يصل إليه العالم الإسلامي حتى اليوم، فنحن عاجزون عن إقامة مسافة موضوعية عن عقائدنا المقدّسة عندما نتحدّث عن أنفسنا. لا نزال بدائيين من هذه الناحية، ولهذا السبب لا وجود لنا على مسرح البحث العلمي الدولي. أستثني من ذلك قلة من الباحثين الموقرين الذين اعتنقوا منهجية البحث العلمي تماماً، وقبلوا بأن تطبّق على تراثنا الديني أيّاً تكن النتائج والعواقب. وقد أراني الآن أطلتُ في هذا التقديم، وربما خرجت فيه عن القصد ولكن الشيء بالشيء يذكر.
- التمييز بين الحقيقة التاريخية والاعتقاد الشعبي من منظوري الخاص:
أولًا:
وقبل أن أتطرّق إلى التمييز بين الحقيقة التاريخية والاعتقاد الشعبي، أود أن ألفت النظر إلى الفارق بين الحقيقة الحقيقية، والحقيقة السوسيولوجية وأرجو أن يتسع لي صدركم:
يتّفق علماء الإبستومولوجيا، أي فلاسفة العلوم، على التفريق بين هذين النوعين من الحقيقة. فالحقيقة السوسيولوجية أو الاجتماعية قد تسود لفترة طويلة على الرغم من أنها خاطئة تماماً. نضرب على ذلك المثال البسيط التالي: "لقد آمن الناس طيلة قرون وقرون بأنّ الأرض مسطّحة وأنّ الشمس هي التي تدور حولها، وليس العكس". ثم جاء "كوبرنيكوس" و"جاليليو" وسواهما وأثبتوا لنا العكس تماماً. وهذا يعني أنّ جميع الناس بمن فيهم الفلاسفة الكبار كـ"أرسطو" و"أفلاطون" كانوا مؤمنين بمركزية الأرض لا الشمس. وقد ظلّت البشرية غرباً وشرقاً مؤمنة بذلك على أنّها حقيقة مطلقة طيلة ألفي سنة، أي حتى القرنين السادس عشر والسابع عشر. فهل كان "أرسطو" غبياً أو "الفارابي" و"ابن سينا" و"ابن رشد"؟ لا، أبداً. ولكنّ الاكتشافات العلمية الحديثة ما كانت قد ظهرت بعد؛ وبالتالي يكفي أن يؤمن المجتمع بفكرة ما حتى تصبح حقيقة ولو كانت خاطئة تماماً، وهذا ما ندعوه بالحقيقة الاجتماعية أو السوسيولوجية الضخمة.. إنها تفرض ذاتها بسبب إيمان العدد الأكبر من الناس بها لا بسبب برهنة العلم عليها أو على صحّتها. ثم إنّها تفرض ذاتها عن طريق الحواس الظاهرية التي تخدعنا. فظاهرياً يبدو أنّ الشمس هي التي تتحرك وليس الأرض. ألا نراها بالعين المجردة تشرق من الشرق ثم تغرب في الغرب؟ ألا نراها تتحرك؟ ثم في الوقت ذاته ألا نحسّ بأنّ الأرض ثابتة لا تتحرك؟ وهنا نصل إلى نقطة أساسية: وهي أنه إذا ما أردنا التوصّل إلى الحقيقة الموضوعيّة فأوّل شيء ينبغي تحييده هو حواسّنا بالذات. كما ينبغي تحييد آرائنا الاجتماعية والسياسية والدينية قبل أن ندخل إلى مختبر البحث العلمي التجريبي، أو قبل أن ننخرط في البحث التاريخي عن الطوائف والمذاهب. هذا هو الشرط الأساسي للتوصّل إلى الحقيقة الحقيقيّة والتخلّص من براثن الحقيقة السوسيولوجية. وحدهم الباحثون الكبار يستطيعون تحقيق هذا الشرط الصعب جداً. لماذا صعب؟ لأنّه يجبرك على أن تناضل ضدّ ذاتك وضدّ عقائدك الأكثر حميمية. وهذه عمليّة مُرهقة وعسيرة جدّاً على النفس. وذلك لأنّنا تشرّبنا هذه العقائد مع حليب الطفولة منذ نعومة أظفارنا، وقد رسخت في أعماقنا رسوخاً شديداً؛ لأنّ «العلم في الصغر كالنقش في الحجر» كما يقول المثل. ولذلك فإنّ الفعل المعرفي سلبي قبل أن يكون إيجابياً. إنّه فعل تفكيكي قبل أن يكون تركيبياً، إنّه يدمّر قبل أن يُعمّر. وهذا ما عبّر عنه "ديكارت" عندما قال: «ولذلك قرّرت أن أدمّر كلّ أفكاري السابقة». وهو ما عبّر عنه أيضاً "غاستون باشلار" عندما قال: «إنّ المعرفة الصحيحة لا يمكن أن تنهض إلا على أنقاض المعرفة الخاطئة». ومعلوم أنّ "باشلار" هو أحد كبار علماء الإبستومولوجيا في القرن العشرين. إنّه أحد المنظّرين الكبار لفلسفة العلوم. بالطبع لا توجد موضوعية كاملة في مجال البحث التاريخي كما هي في مجال العلم الفيزيائي، ولكن إذا كانت لا توجد موضوعية كاملة مائة بالمائة فهذا لا يعني أنه لا توجد موضوعية على الإطلاق. فالمؤرّخ الأكاديمي غير "المؤدلج" السياسي الذي يُرخي لعصبياته وانحيازاته العنان. المؤرخ الأكاديمي الرصين يلجم عواطفه الشخصية عندما يكتب بحثاً فكريّاً ما، ويحاول تحييدها قدر الإمكان دون أن يتوصّل إلى ذلك كُليّاً. وهنا يكمن الفرق بين العلوم الإنسانيّة والعلوم الدقيقة كالفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والرياضيات إلخ.. وقد توهّم الناس في القرن التاسع عشر بإمكانية تأسيس علم للتاريخ يكون موضوعيّاً بقدر موضوعيّة العلوم الطبيعية..وتوهّموا بأنّه يمكن التوصّل إلى بلورة قوانين تاريخية بالحتمية نفسها التي للقوانين الفيزيائية، وكان ذلك إبّان هيمنة العقلية العلموية الوضعية المتطرّفة على العقول. ولكنهم تراجعوا مؤخراً عن هذا الوهم العلموي، وقالوا إنه يمكن لعالم الفيزياء التوصّل إلى حتميّة يقينيّة في مجاله الخاص، ولكن لا يمكن لعالم الإنسانيّات التوصّل إلى الحتميّة نفسها، أو القوانين اليقينية ذاتها. لماذا؟ لأنّ دراسة المادة غير دراسة الإنسان. الإنسان لا يمكن التحكّم به كُليّاً، على عكس المادة. الإنسان من لحم ودم وانفعالات، وله ذاتيّة شخصيّة تستعصي على القوانين الرياضيّة. في علم الرياضيات 2+2=4، ولكنّ قوانين العلوم الإنسانيّة ليست بهذه الحتميّة والصرامة. قوانين علم الاجتماع والتاريخ والنفس والأنثربولوجيا تقريبيّة عموماً. ولكن كما قلنا آنفاً إذا كانت الموضوعيّة الكاملة مستحيلة في مجال الإنسانيّات فهذا لا يعني أنه لا توجد موضوعيّة على الاطلاق، فتحليلات "دوركهايم" الدقيقة غير الكلام الفارغ للمؤدلجين الديماجوجيين. وقُل الأمر ذاته عن الدراسات الرائعة لـ"بيير بورديو"، فلا يمكن الخلط بينها وبين الخطابات السياسية المؤدلجة لهذا الكاتب أو ذاك. فالحركيّون السياسيون آخر همهم الحقيقة الموضوعيّة. إذن فالعلوم الإنسانية تتحلّى بالعلميّة ولكن درجة يقينيتها ومصداقيتها أقلّ من العلوم الدقيقة. هذا كلّ ما في الأمر لا أكثر ولا أقلّ. بل حتى داخل العلوم الفيزيائيّة الدقيقة فإنّ الحقيقة تتغير أحياناً بتغيّر العصور. وهذا ما تجلّى لنا من خلال الأبحاث الإبستومولوجية المعاصرة.
ثانيًا:
وبعد أن أطنبتُ طويلًا في ذكر الفارق بين الحقيقة الحقيقية والحقيقة السوسيولوجية، يجب عليّ التمييز بين الحقيقة التاريخية والاعتقاد الشعبي:
الحقيقة التاريخية:
قبل أن أعرّف الحقيقة التاريخية، إن وُجِدَ لها تعريفًا اصطلح عليه العلماء، يجب أن أذكر ما هي الحقيقة. إن الحقيقة مطلب كوني، والكل يدّعي الرغبة في الوصول إليها، والفلسفة بنفسها يقال عنها أنها بحث عن الحقيقة. وقد ارتبطت الحقيقة بالخطاب الإنساني منذ القديم كما أشار إلى ذلك "سبينوزا" فكل قول وكل كلام يصدر عن شخص ما، يدّعي صاحبه أنه يعبّر فيه عن الحقيقة. وهذا ما يدفعنا إلى ضرورة مساءلة ما نثبته و نؤكده على أنه حقيقة. و لعل أبرز من وضع الأساس للشكِّ حول الاحترام الشامل التي تحظى به الحقيقة عند الكل باعتبارها قيمة في ذاتها هو "نيتشه" حيث ربطها برغبة الإنسان في الحصول على الأمن والحفاظ على حياته وضمان استمراره. لكن يبقى السؤال الأول: ما هي الحقيقة؟ وهنا نستحضر قول "سقراط": «كيف تعرف بأنها حقائق إذا كنت لا تعرف ماهي الحقيقة؟!».
تعريف الحقيقة:
في المعجم الفلسفي: "الحقيقة في اللغة ما أُقِرَّ في الاستعمال على أصل وضعه، والمجاز ما كان بضد ذلك، وحقيقة الشيء خالصه وكنهه ومحضه وحقيقة الأمر يقين شأنه، وحقيقة الرجل ما يلزمه حفظه والدفاع عنه". وفلسفيًّا الحقيقة: هي مطابقة التصوُّر والحكم للواقع". و تطلق الحقيقة على الشيء قطعًا و يقينًا. و الحقيقة أيضًا هي مطابقة الشيء لصورة نوعه أو لمثاله الذي أريد له، فالحقيقة بهذا المعنى هي ما يصير إليه الشيء:"نقول لا يبلغ المؤمن حقيقة الإيمان حتى لا يعيب إنسانًا بعيب هو فيه". وأخيرًا الحقيقة هي الماهية أو الذات، فحقيقة الشيء ما به الشيء هو هو كالكائن الناطق للإنسان بخلاف الضاحك والكاتب مما يمكن تصوّر الإنسان دونه.
تعريف التاريخ:
للتاريخ تعريفات ومفاهيم كثيرة، منها ما هو مؤتلف متشابه، ومنها ما هو مختلف متباين. ولستُ أذكر من بينها – في هذا الصدد – إلا عبارة المؤرّخ الشهير "عبد الرحمن بن خلدون": «حقيقة التاريخ أنه خبر». وأقول تعقيبًا على هذه العبارة، بعبارة الدكتور "يوسف زيدان": «وهي عبارة متقنة في صياغتها، تدعونا إلى كثير من التأمل.. فالتاريخ في جوهره ليس وقائع جرت في الماضي وليس أحداثًا متسلسلة حدثت مع توالي الأيام والسنين، وليس حقائق لأمور طواها عنا الماضي القريب والبعيد؛ وإنما هو (خبر) وصلنا! أو (حكاية) مفردة لواقعة واحدة لوقائع كثيرة. بعضها معروف مشهور، وبعضها الآخر مستور مطمور؛ لأنه لم تصلنا عنه أخبار!». «وحقيقة التاريخ أنه خبر.. والخبر بحسب كلام "ابن خلدون" – و"الطبري" و"ابن النفيس" من قبله – ليس مأمون الصدق». ولنتأمل قول "ابن خلدون" في مقدمته استكمالًا لعباراته السابقة: «الكذب متطرق إلى (الخبر) بطبعه ولذلك أسباب، منها التشيُّعات للآراء والمذاهب، والثقة بالناقلين، والذهول عن المقاصد، فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع، وينقل الخبر على ما في ظنّه وتخمينه، فيقع في الكذب». هذا كلام "ابن خلدون" بنصّه، وهو يكاد يطابق في معناه ما يذكره الإمام "الطبري"، حين يقول متبرّئًا مما قد يرد في كتابه من أخبار كاذبة: «العلم بما كان من أخبار الماضين وما هو كائن من أنباء المحدثين غير واصل إلا بإخبار المخبرين ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول.. وإن يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه.. فليعلم أنه لم يؤت ذلك من قِبَلِنَا، وإنما أتي ذلك من قِبَلِ ناقليه إلينا، وإنا إنما أدّيناه على نحو ما أُدِّي إلينا». أما عبارة العلامة "علاء الدين ابن النفيس"، فكانت أكثر حسمًا وأكثر بلاغة - كما يقول الدكتور "يوسف زيدان" - ففي كتابه الذي حققه أستاذنا: (المختصر في أصول علم الحديث النبوي) يقول ما نصّه: «وأمّا الأخبار (الأحاديث الشريفة) التي بأيدينا الآن، فإنما نتّبع فيها غالب الظنِّ لا العلم المحقّق». وقوله أيضًا: «وربما أوجبَ استقصاؤنا النظرَ، عدولًا عن المشهورِ المتعارفِ. فمَنْ قَرَعَ سَمْعُهُ خلافَ ما عَهِدَهُ، فلا يُبادرنا بالإنكارِ. فذلك طَيْشٌ. فَرُبَّ شَنِعٌ حَقٌّ، ومألوفٍ محمودٍ كاذبٌ. والحَقُّ حَقٌّ في نَفْسِهِ، لا لقولِ الناسِ له».
مفهوم الحقيقة التاريخية في فلسفة التاريخ:
والآن بعدما أدركنا أن التاريخ ما هو إلا خبر، قد يتلاعب بحقيقته الميل للرأي والهوى والتشيُّع للملَّة والنِّحلة. فإذا فرضنا إمكانية الحصول على حقائق مجرّدة، وذهبنا إلى الغرض المهم من الحصول على الحقيقة، وهو الخلوص إلى العبر، وتجنُّب الوقوع في الخطأ مرّة أخرى. ولكن فإن قيمة التاريخ المكتوب إنما تُحَدَّد بناء على بعض الأسس الجوهرية تتلخّص، في بعض هذه الخطوات التي تكون بمثابة شروط لصحّة الحقيقة التاريخية، نورد منها:
- ينبغي أن يفحص نوع المادة التي استقى منها الباحث معلوماته، أهي نقوش أم آثار قديمة معاصرة ثبتت صحّتها وصحّة معلوماتها، أم هي أصول ووثائق ومراسلات مستخرجة من دور الأرشيف التاريخية، وثبت أنها غير مزيّفة وأن معلوماتها صحيحة، ولم يسبق نشرها، أم أنها مراجع ثانوية ليست ذات قيمة علمية.
- قدرة الباحث على الدرس والبحث وقدرته على نقد ما تحت يده من الأصول والمراجع، وطريقته في استخلاص الحقائق وتنظيمها وتفسيرها وعرضها. لكن أحيانًا يضطّر الباحثون في التاريخ إلى وضع افتراضات مختلفة، محاولة لفهم مسألة تاريخية تواجههم فيها غوامض وفجوات. لكن هذه الافتراضات ربما تكون هي إحدى إشكالات التاريخ؛ لأنها تعوق سير الحقيقة. أحيانًا يختلف الباحثون في تقدير معنى الحوادث من ناحية الخلق أو السياسة أو الاقتصاد، وبذلك تأتي كتاباتهم متفاوتة أو مختلفة، وأن ذلك كله يقدم للمؤرّخ آراء ووجهات نظر مختلفة متفاوتة عن عصر أو ناحية معينة، ولا يمكن أن يحتكر أحدها صفة الحقيقة، وهي كلها تعطي التاريخ الحركة والحياة، وتجعل البحث التاريخي مستمرًّا على الدوام، باحتمال ظهور أدلّة جديدة تلقي ضوءًا جديدًا على ما قد يكون غامضًا أو مبهمًا من أحداث التاريخ، وبالعكس فإن عدم الاختلاف والتفاوت يسببان الجمود في دراسة التاريخ وفي سائر ألوان العلوم والمعارف، وفي شتّى مظاهر الحياة على وجه العموم.
- بعد الباحث عن التحيّز والأهواء، ومطابقة الواقع بقدر المستطاع، فأحيانًا يتأثّر الباحث بروح عصر معيّن مثل عصر الحروب الصليبية، أو عصر الانقلاب الصناعي، أو نموّ الديمقراطية، أو ظهور الاشتراكية. فيكتب وهو يحاول إخضاع الموضوع المعين لرأي وفكر معين. والكتابة التي يطعن فيها كاتب مسيحي على المسلمين في زمن الحروب الصليبية أو العكس لا تُعَدُّ في إطلاقها صحيحة، فالتي يعتمد فيها الكاتب أن يتخذ اتجاهًا معيّنًا قد تعد تاريخًا لنوع من التفكير أو النزعات الانسانية الجديرة بالدراسة. لكن لا يمكن أن يعد ما جاء بها معبّرًا عن الحقيقة التاريخية بالنسبة لما تناولته من الموضوعات.
- ثقافة الباحث ومدى إلمامه بطريقة البحث التاريخي، واستعداده الشخصي وملكاته، وكثير من كتب التاريخ تُعَدُّ من أمتع ثمرات العقول لنضج عقلية المؤرخ وثقافته الواسعة، وذلك بعكس كثير من الكتب التي تنسب للتاريخ ظلمًا والتي يكتبها من لا يفهم التاريخ، ولا يملك النقد ولا يتّصف بالصبر والصدق، ولا يطلب سوى المنفعة، ولن تزيد مثل هذه الكتابة عن مجرّد معلومات موضوعة بين دفتي كتاب.
والآن لو أننا اتبعناها في دراسة التاريخ هذه الخطوات لأمكننا التخلّص من الكذب والأهواء والتحيّز والتشيّع والميل للنِّحلة والرأي والنفاق لأصحاب الجاه والسلطان، والحصول على حقيقة تاريخية. وأراني الآن قد أطلتُ في ذكر الحقيقة التاريخية وكيفية الحصول عليها والخلوص إليها، ينبغي عليّ أن أَخلُص إلى تعريف الاعتقاد الشعبي.
الاعتقاد الشعبي:
أولًا: تعريف الاعتقاد:
يعني الاعتقاد بشكل عام: التصديق الجازم بشيء ما، ويُعَدُّ اليقين والإيمان أسمى درجات الاعتقاد، ويقومان على تصديق جازم لا يقبل الشك، وليس من الضروري أن يقوم كل اعتقاد على حجج منطقية، ويرجع كثير من معتقداتنا السائدة إلى شيء من التسليم والثقة بما قاله الآخرون، القدامى والمعاصرون.
ثانيًا: تعريف الاعتقاد الشعبي:
أمّا الاعتقاد الشعبي: فهو مجموعة الأفكار التي يؤمن بها الشعب، فيما يتعلّق بالعالم الخارجي والعالم فوق الطبيعي، وتمثل منظور الجماعة في حياتها الاجتماعية وتعاملها مع هذه الحياة، وهو كذلك نسق فكري يضم الاعتقاد والشعائر والطقوس وغيرها، يزوّد الشعب بأسباب الخلق والحكمة والرشد في الأفعال. والمعتقدات الشعبية تُعَد موروثات احتلّت عقول الناس وشغلت حياتهم، وشغفت بها نفوسهم وملكت قلوبهم وصارت اعتقادات، وأضحى التسليم بها والخضوع لحكمها من المسلّمات والبديهيات التي لا يمكن أن يرقى إليها الشك، وقد أخذت هذه الاعتقادات سبيلها إلى قلوب الناس ونفوسهم، عامتهم وخاصتهم، منذ بداية عمرها الطويل، في تعاقب الأجيال وتداول الأزمنة حتى رسخت في الوعي وأصبحت جزءاً هاماً من الوجدان الشعبي. وتقرّر النظرة السوسيولوجية للمعتقدات الشعبية أن تلك الاعتقادات توجد في بيئة اجتماعية، يحملها إلى حدٍّ كبير نوع من التنظيم الاجتماعي، فالاعتقادات -إذن- لا تقل شأناً عن الدين أو السياسة أو الفن، أو آداب المعاشرة، أو الفنون المادية.. إلخ، ومع ذلك فقد تظهر أنساق الاعتقاد المتباينة في صورة يشارك فيها الجميع، ويبدو فيها الترابط الداخلي، وهذا ما يجعلها مألوفة بدرجة تؤهّلها للاستئثار بالدراسة كنمط مميّز من أنماط السلوك. وتحرص النظرة السوسيولوجية للمعتقد كذلك على اعتباره ظاهرة اجتماعية تسمو على الفردية ومن ثم نُسقط من حسابنا تجسداتها الفردية، ونراعي الطابع الاجتماعي- الثقافي لها، ولعل الشخص المعتقد لا يعرف نسق الاعتقاد كله، بل يعرف فقط قشوراً من عنصر بسيط منه، وعليه أن يلتزم به، سواء كان على علم به أو دون علم.
وبعد أن أطلتُ وأكثرتُ في تعريف كل كلمة على حدى، وربما خرجتُ عن سياق السؤال المتقدّم ذكره، يجب عليّ أن أرجع إلى لبِّه، فأرجح أيهما أرسخ عند حصول التضارب، الحقيقة التاريخية أم الاعتقادات الشعبية؟
يمكن مما سبق القول أن الاعتقاد الشعبي وهو موروث ثقافي يقوم على التصديق الجازم واليقين الحاسم في شيء ما، بصرف النظر عن مدى منطقية ذلك الشيء أو عقلانيته، ويترسّخ الاعتقاد الشعبي في وعي الناس نتيجة تقادمه الزمني، بحيث أصبح يشكّل «سلطة» قوية على فكر الأفراد وسلوكهم، والاعتقاد الشعبي كامن في صدور الناس غير أنه يتجلّى في الممارسات والطقوس الاجتماعية المتنوّعة. ويتجلّى هذا الرسوخ في أمثلة قد أصيغها بنفسي وقد أنقلها.
1 – قُثَم بن عبد اللات:
وهذا المثال الأوّل قد نقلته من كتاب (التقاط الألماس من كلام الناس) للدكتور "يوسف زيدان"، وهذا المثال ما جعلته أوّل أمثلتي إلا ﴿لحاجةٍ في نفس يعقوب﴾، وقضاءها بالنسبة لي أصيغه بعبارة لي: «حينما قرأتُ هذه المقالة من الكتاب صحتُ غاضبًا – كما صاح صاحبُ أستاذنا – ونفضت ذراعي مثله اعتراضًا على ما ذكره الدكتور، وهو أن اسم الرسول ﷺ (قُثَم بن عبد اللات). في البداية اعتبرتُ أن هذا الكلام ربما كانت شطحة أو هفوة.ولكن حينما أكملتُ المقال ووصلتُ إلى عبارة "ابن النفيس" التي ذكرها الدكتور: «وربما أوجبَ استقصاؤنا النظرَ، عدولًا عن المشهورِ المتعارفِ. فمَنْ قَرَعَ سَمْعُهُ خلافَ ما عَهِدَهُ، فلا يُبادرنا بالإنكارِ. فذلك طَيْشٌ. فَرُبَّ شَنِعٌ حَقٌّ، ومألوفٍ محمودٍ كاذبٌ. والحَقُّ حَقٌّ في نَفْسِهِ، لا لقولِ الناسِ له، ولنذكر دائمًا قولهم: إذا تساوت الأذهان والهمم، فمتأخّر كل صناعةٍ خيرٌ من متقدّمها». جعل رأسي يدور كمَن ضُرِبَ بهراوةٍ عليه، فهرعتُ إلى كتاب (المدهش) لـ"ابن الجوزي"، فتأكّدتُ من صحّة الخبر، ثم بحثتُ على صفحات الانترنت طويلًا، لأجد أي صورة ولو لورقة واحدة من أي مخطوطة في (السيرة) من الأعمال التي كُتِبَت في القرنين الأوّل والثاني الهجريين.. ولكنني لم أتنهّد مرتاحًا – كما تنهّد صاحبُ أستاذنا – كما لم أقل مثل قوله: «فلا شيء مما تقوله صحيح». ولم أنم كما فعل، بل إنني اطمأننتُ من صحّة الخبر المذكور، وأنني هديتُ رشدًا، ولكنني ولفترة ما كنتُ غِرًّا، فهرعتُ إلى أمي فقرأتُ لها الخبر فقالت بالحرف الواحد: «بطّل تخاريف الله يرضى عليك، مش كل حاجة تقراها تيجي تقرفني بيها!» ولمّا فعلتُ نفس الأمر مع أصدقاء لي بلغوا من العمر كثيرًا، ومن التعليم شهادات ومنهم من يدرس للماجستير وآخر للدكتوراه، قال الأوّل: «بطّل عبط!». وقال الآخر: «أنت هتهري!». وهذين كانا أكثر أدبًا من غيرهم ممن نلتُ منهم إمّا سبابًا وإمّا رميًا بالكفر والهرطقة والزندقة.. وحرتُ طويلًا حتى هديتُ إلى أن ما قرأته وأقرأه وسأقرأه – إن شاء الله - لن يتعدّى صدري وعقلي؛ لأن أغلب مَن هم حولي إن لم يكن جميعهم، الثورة جاهزة في قلوبهم، إذا طرق أسماعهم أمرٌ لم يعتادوه، كما يظهر من عبارة "ابن النفيس" المذكورة. كما قال أستاذنا بلفظ قريب». وهذا ما يدلّ على أن الاعتقادات الشعبية هي الأكثر رسوخًا عند حدوث التضارب بينها وبين الحقيقة التاريخية.
2 – النَّبيُّ الأُمِّيُّ:
هذا المثال أيضًا مما آثرتُ تقديمه بعد المتقدّم، لأنني طالما قلته، فدفعتُ ثمنه فادحًا إما بالسبِّ وإما بوجع الرأس من كثرة الجدال.. والواقع إنني إذا أردتُ أن أصيغ هذا المثال الدال على رسوخ الاعتقادات الشعبية عند حدوث التضارب مع الحقيقة التاريخية، فلم أجد إلا ما ذكره أستاذنا بإيجازه في مقاله بكتابه (التقاط الألماس من كلام الناس): يشار بهذه الكلمة "أُمِّي" إلى الشخص الذي لا يجيد القراءة والكتابة، فهي في اللغة العربية مشتقة من (الأُمِّيَّة) التي يُعتقد أنها الجهل بالقراءة. وقد وُصِفَ الرسول ﷺ، بأنه النَّبيُّ الأُمِّيُّ. وهو وصف فهم منه المسلمون دومًا أن النبي كان لا يقرأ ولا يكتب. وبحسب عبارة الدكتور أن هذه العبارة في تاريخنا الفقهي قضية شائكة، مفادها أن بعض العلماء القدماء استندوا إلى الواقعة المشهورة التي حدثت يوم صُلح الحديبية، حين اشترط الكفّار للتوقيع على معاهدة الصلح، أن يشطب منها عبارة (محمد رسول الله) لأنهم لو كانوا يقرّون بذلك أصلًا، لما اختلفوا معه.. ويومها، رفض الإمام "علي بن أبي طالب" أن يشطبها، فأخذ النَّبيُّ الوثيقة، وشطب عليها، وكتب مكانها: (محمد بن عبد الله). وهكذا تراضى الطرفان، وتم التوقيع، وإبرام الصلح الذي امتد أعوامًا انتهت بفتح مكة. والذين استندوا إلى هذه الواقعة لبيان أن النَّبيَّ ﷺ كان يقرأ ويكتب، فهموا من أولى آيات القرآن نزولًا: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾. وهي سورة العلق؛ أن الحوار الذي دار بين "جبريل" والنَّبيِّ ﷺ، وتكرّر فيه: اقرأ، ما أنا بقارئ. إن المراد منه بقوله: (ما أنا بقارئ) أنها استفهامية، أي ما الذي يجب أن أقرأه! باعتبار أن القراءة تعني التلاوة، تعني الإذاعة لكلام الله (القرآن). وقد أثار «ابن كثير» هذه الجزئية في تفسيره وفي كتابه (البداية والنهاية) إثارة طويلة. كان هذا حديثي حينما أثرتُ أنا هذه المسألة – ويا ليتني ما فعلت – بعد أن كنت قد قرأتُ (التقاط الألماس). أمّا ردُّ مَن أثرت معهم هذه المسألة: ذكروا قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾. فكان ردي عليهم أن الرسول ﷺ لم يكن له علم بالكتاب (التوراة والإنجيل) وغيرها من الكتب "السماوية"، ولا بكتابته، ولو أنكم قرأتم في أخبار "ورقة بن نوفل" أنه كان يكتب التوراة والإنجيل بالسريانية، وقد سُمّي اليهود والنصارى في القرآن الكريم بأهل الكتاب. فقالوا: «طيب فما قولك في قوله تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأُمِّيين رسولًا منهم﴾؟!». فقلتُ، وكنتُ قد استوعبتُ كثيرًا مما قرأته في (التقاط الألماس): «بالطبع الله عز وجل لا يقصد أن العرب كانوا جميعًا جاهلين بالقراءة والكتابة. حتى وإن كان المقصود بالأُمِّيين قريش، فإن كثيرًا من "قريش" كانوا يعرفون القراءة والكتابة. واستدللتُ بخبر "ورقة بن نوفل".. وربما لم يكن المقصود بالآيات هو المعنى المشهور للأُمِّيَّة، بحسب ما نفهمه اليوم، بل المراد أن الله بحسب المفهوم اليهودي السابق على الإسلام، كان يبعث الرسل ويختار الأنبياء من ذرّية "إبراهيم" و"إسحاق" خصّيصًا، وليس من غيرهم من بقية الناس الذين تسميهم التوراة: (الأمم!) إذ هناك أبناء الرب من سلالة "يعقوب" (إسرائيل) وهناك من دونهم (الأمم) الذين نظر اليهود إليهم على أنهم أقل منهم مكانة وشأنًا.. ومن بقيّة تلك الأمم العرب وبقية شعوب المنطقة». والحمد لله أن مالأني على ذلك صديقٌ لي يدرس في قسم اللغات الشرقية، فقد أقرَّ بما قلتُه لدراسته "العهد القديم من الكتاب المقدس" والأدب العبري..
3 – رسائل الرسول ﷺ إلى ملوك العالم:
ورد نصُّ رسالة النَّبيِّ ﷺ إلى "المقوقس" عند عدة مؤرخين، منهم "القزويني" و"المقريزي" و"السيوطي" و"البيهقي" و"القلقشندي" (وغيرهم)، وليس فيهم مؤرّخ واحد، عاش في القرن الأوّل أو حتى الثاني. بل إن جميع من كتبوا تاريخ الإسلام، بعامة، لا يرجع واحد منهم إلى هذين القرنين. بعبارة أخري: بدأت كتابة تاريخ الإسلام في القرن الثالث الهجري، بعدما استقرّت الأمور بأيدي الخلفاء العباسيين، ومن ثم فتاريخ الإسلام كتبه المنتصرون المستقرون... وحسبما ذكر "محمد حميد الله" في كتابه (مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة)... والملاحظة الأولى التي تبدو لنا عند النظر في الرسائل الأربع، هي أنها تبدو من حيث الشكل، مزورة. فإن (الختم النبوي) مختلف من رسالة إلى أخرى، والمفترض أن هذه الرسائل كتبت جميعها في وقت واحد، والمفترض أن (الأختام) نبوية كانت أم غير نبوية. لا يجوز أن تكون أكثر من ختم وحيد معروف، لخطورة وأهمية الختم في الزمان القديم، بل وفي كل زمان. ومن حيث النصوص الواردة في الرسائل الأربع، فإن فيها رسالتين يخاطب فيهما المرسل إليه (كسرى / النجاشي) بصفته، ورسالتين بشخص المرسل إليه (هرقل / المقوقس) باسمه، لا صفته. ولكن الرسائل الأربع تصف المرسل إليهم بصفة "العظيم" أي الحاكم أو الملك أو الإمبراطور، فـ"هرقل" (عظيم الروم)، و"كسرى" (عظيم فارس)، و"النجاشي" (عظيم الحبشة)، و"المقوقس" (عظيم مصر)، مع أن "المقوقس" تابع لـ"هرقل" ومصر تابعة لبيزنطة، وليس لـ"المقوقس" أن يقطع برأي دون الرجوع على "هرقل"، وليس يخفى على النبي ﷺ مثل هذا الأمر. ورعايا العظماء الأربعة، تصفهم الرسائل بأنهم على الترتيب: المجوس (الفرس)، القبط (المصريون)، الأرس (البيزنطيون / الروم) وهو أمر غير دقيق تاريخيًّا، وهناك اختلاف حول دلالته؛ فالفرس لم يكونوا كلهم من المجوس، بل كان حولهم مسيحيون كثيرون من كنيسة عظيمة الاتساع في العراق، وهي الكنيسة النسطورية التي كان بعض أتباعها في العراق يعرفون باسم "العباديين" ورئيسهم الديني يسمى (الجاثليق) وهو ما يعادل في الكنائس الأخرى (الأسقف العام أو البطرك أو البابا). والرسالة إلى "المقوقس" تصف رعاياه بغير صفة الدين، فهم (القبط) أي المصريين، أيا كانت ديانتهم. بينما تخص رسالة "هرقل" رعاياه باسم (الأرس) الذين يرجّح أنهم "أتباع آريوس" ومن ثم، فهم أتباع مذهب معين من مذاهب المسيحية. لكن "هرقل" لم يكن (عظيم) الآريوسيين، وإنما كان يمثل الدولة المسيحية الأرثوذوكسية بحسب المذهب الخلقيدوني، أو مذهب (الملكانيين) الذين تسموا بذلك نسبة إلى (الملك) وهي نسبة على غير قياس، وإلا كان اسمهم (الملكيين) وليس الملكانيين. ولكن جرى الاصطلاح على أن أتباع المذهب الأرثوذوكسي الخلقيدوني الذي يدين به الإمبراطور البيزنطي، ولو شكليًّا، يعرفون باسم "الملكانيين" تمييزًا لهم عن أتباع المذهب الأرثوذوكسي الذي استمسك به المصريون. أمّا الآريوسية، فهي مذهب قديم ظهر في بداية القرن الرابع الميلادي، انطلاقًا من فكرة "آريوس" المستقاة من فكرة رجال الدين بالشام، المستقاة من التصوّر (العربي) للمسيح على أنه رسول الله، وليس الإله! وأنه يوصف بابن الإله، نظرًا إلى صيغة أو مبدأ (التبني) الذي لا يجعل المسيح معادلًا لله تعالى. إذن صفة الحكام والمحكومين في هذه الرسائل الأربعة، مجتمعة، غير دقيقة. وقد اجتهد بعض المؤرخين المتأخرين وبعض اللغويين العرب، في تأويل كلمة "الأرس" فقالوا إن المقصود بها المزارعون وهو تأويل يصعب قبوله؛ لأن الروم لم يكن العمل بالزراعة يميّزهم عن الفرس وعن المصريين. وقد تمادى بعض الرواة وقالوا إن "المقوقس" ردّ على النبي ﷺ برسالة قد جاءت عند جماعة من المؤرخين (المتأخّرين) منهم: "القلقشندي" و"القزويني" و"الزيلعي" و"ابن الجوزي"، وغيرهم.. وبالرغم من ذلك فلم نجد إجماعًا للمؤرّخين على نصٍّ واحد للرسائل التي بعث بها النبي ﷺ لـ"المقوقس"؛ فهي عند "الواقدي" (الذي يضعفه أغلب أئمة أهل السُّنة ويرمونه بالكذب وتضعيف رواياته) و"ابن حديدة" (متأخّر من القرن الثامن) وغيرهما بشكل معيّن، يبدأ بقوله ﷺ: «من محمد رسول الله، إلى صاحب مصر والإسكندرية». فكان ردُّ "المقوقس" كما سبق، أو كما جاء في كتاب (فتوح مصر) لـ"الواقدي"، وكتاب (صبح الأعشى في صناعة الإنشا) لـ"القلقشندي" التي يبدأ فيها بقوله: «باسمك اللهم، من المقوقس إلى محمد». وبعد، فإن رسائل النبي ﷺ الأربع قد جاءت إلينا من باب الاختلاق أو (الفبركة) فصارت رسائل النبي ﷺ عنوان فيلم "الرسالة" العالمي من إخراج "مصطفى العقاد" في سبعينيات القرن المنصرم، والذي يبدأ وينتهي بهذه الرسائل إلى كل "عظيم" من "عظماء الدنيا"، والمسلسل "القطري" إنتاجه "عمر" الذي يصوغ قصة حياة الخليفة الراشد الثاني "عمر بن الخطاب" فصار الفيلم والمسلسل راسخين في أذهان الناس رغم ما قاله العلامة "ابن النفيس": «وأمّا الأخبار التي بأيدينا الآن، فإنما نتّبع فيها غالب الظنِّ، لا العلم المحقّق» وهذا ما يدل على أن الاعتقادات الشعبية هي الأكثر رسوخًا عند حدوث التضارب بينها وبين الحقيقة التاريخية.
4 – حرق السفن وخطبة طارق بن زياد:
ورد هذا الاعتقاد أو (الخرافة) لأوّل مرّة في كتاب (الاكتفاء) لـ"ابن الكردبوس"، و(نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) لـ"الشريف الإدريسي"، و(الروض المعطار) لـ"الحميري". فـ"ابن الكردبوس" بعد أن يصف المعركة التي خاضها "طارق" لاحتلال هذا الجبل الذي سمي باسمه، يقول في اختصار شديد: «ثم رحل "طارق" إلى قرطبة بعد أن أحرق المراكب وقال لأصحابه: قاتلوا أو موتوا». أمّا "الإدريسي" فإنه يقول في شيء من التفصيل: «وإنما سُمّي بجبل طارق لأنه "طارق بن عبد الله بن ونمو الزناتي"، لمّا جاز بمن معه من البربر و تحصّنوا بهذا الجبل، أحسّ في نفسه أن العرب لا تثق به، فأراد أن يزيح ذلك عنه، فأمر بإحراق المراكب التي جاز بها فتبرّأ بذلك عما اتُّهم به». ويكرّر صاحب (الروض المعطار) رواية "الإدريسي" مع اختلاف بسيط ولكنه هام، فيقول: «وإنما سُمّي بجبل طارق لأن "طارق بن عبد الله" لمّا جاز بالبربر الذين معه، تحصن بهذا الجبل، و قدّر أن العرب لا ينزلونه، فأراد أن ينفي عن نفسه التهمة فأمر بإحراق المراكب التي جاز فيها، فتبرّأ بذلك مما اتُّهم به». و مما يفهم من رواية "ابن الكردبوس" أن "طارق" أراد بحرق سفنه أن يشحذ همم المقاتلة. أما "الإدريسي" و"الحميري" فإنه يُفهم من كلامهما أن "طارق" أحسّ بأن العرب لا تثق به، و قدّر أنهم قد لا ينزلون معه إلى الجبل، وهذا يعني أن خلافاً وقع بين "طارق" وبين جنوده العرب الذين يعملون تحت قيادته، فعمد إلى إغراق سفنه كي يحول دون انسحابهم بها إلى المغرب، فيتخلّص بذلك من التهم التي يوجّهونها ضده عند القائد الأعلى "موسى بن نصير". وكيفما كان الأمر فإن جمهور المؤرخين المحدثين يميلون إلى إنكار صحّة هذه الرواية من أساسها كحدث تاريخي، والعلة في ذلك عدة أسباب، وهي: أن "طارق بن زياد" لا يمكن أن يقطع وسيلة النجاة للعودة، خاصّة وأنه في أرض مجهولة ولا يعلم مصيره و لا مصير جنوده. أن "طارق بن زياد" أرسل إلى قائده الأعلى "موسى بن نصير" يطلب منه الإمدادات بعد أن عبر و تواجه مع جيش القوط هناك، فأرسل له "موسى بن نصير" خمسة آلاف مقاتل، والسؤال هنا: كيف استطاع "موسى" أن ينقل كل هذه الأعداد إذا كان "طارق" قد أحرق السفن؟! و يمكن أن يقال أيضاً: هل تستطيع الترسانات الإسلامية أن توفّر سفن تنقل خمسة آلاف مقاتل في تلك الفترة الوجيزة، إن كان "طارق" قد أحرق السفن. و لو قلنا مثلاً أن تلك السفن التي أحرقها "طارق" هي مراكب "يوليان" حاكم سبتة (كما هو مذكور عند أغلب المؤرخين)، فبأي سلطة يقدم "طارق" على إحراق سفن الرجل؟ و كيف لـ"طارق" أن يتصرّف في أموال الدولة على هواه، بل يجب عليه أن يستأذن قائده الأعلى "موسى بن نصير" الذي بدوره يجب أن يستأذن الخليفة في هذا الصنيع، ولا يتصرّف بنفسه . ثم إن "طارق" و جيشه يقاتلون من أجل عقيدة، و إنهم من ساعة عبورهم جاءوا مجاهدين مستعدين للشهادة، و"طارق" متأكد من هذه المعاني. هذا بالنسبة إلى حرق السفن، أمّا الخطبة فهي ما أوردها "ابن خلّكان" في (وفيات الأعيان) و"المقري التلمساني" في (نفح الطيب) (وغيرهما). أنه لمّا اقترب جيش "لُذريق" من الجيش الإسلامي، قام "طارق بن زياد" في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم حثَّ المسلمين على الجهاد ورغَّبَهم فيه، ثم قال: «أيها الناس؛ أين المفرُّ؟! والبحر من ورائكم والعدوُّ أمامكم، فليس لكم والله! إلاَّ الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضْيَعُ من الأيتام في مآدب اللئام، وقد استقبلتُم عدوَّكم بجيشه وأسلحته، وأقواتُه موفورة، وأنتم لا وَزَرَ لكم غير سيوفكم، ولا أقوات لكم إلاَّ ما تستخلصونه من أيدي أعدائكم، وإن امتدَّت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تُنجزوا لكم أمرًا، ذهبت ريحكم، وتعوَّضت القلوبُ من رعبها منكم الجراءةَ عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية، فقد ألقته إليكم مدينَتُه المحصَّنة... إلى آخر ما قاله». وهي في مضمونها خطبة نارية طويلة تناقلها المتأخّرون زمنًا (ولا بد أنهم زادوها بلاغة وتحسينًا لفظيًّا) لا تأتي من رجل أمازيغي (بربري) الأصل إن كان يجيد العربية فما هي إلا بضع جمل يستطيع بها مسايرة العرب، فما بالك بإنشاء خطبة عصماء كهذه! وهذا ما يدل على عدم إعمال العقل في الخبر كما قال "ابن خلدون" مما أدّى إلى ترسيخ اعتقاد خاطئ في أذهان الناس، أدى في النهاية إلى حدوث التضارب مع عدم إمكانية تصحيح هذا الاعتقاد الخاطئ لرسوخ هذا الاعتقاد في أذهان الناس.
5 – الناصر صلاح الدين الأيوبي:
هو "الناصر صلاح الدين الأيوبي" الذي حارب الفرنجة، وحرر القدس من أيدي الصليبيين، وأسّس الدولة الأيوبية التي وحّدت مصر والشام والحجاز واليمن وبرقة والمغرب الأدنى».. هذا هو "صلاح الدين الأيوبي" الذي يعرفه الكثير من المتعلمين في مصر.. وإذا تبادر إلى ذهن المصريين شخصية "صلاح الدين"، رأوا فيه صورة "أحمد مظهر"، فأصبحت شخصية "صلاح الدين الأيوبي" مقترنة في أذهان الناس بشخصية "أحمد مظهر"، إلى أن أصبحت الشخصيتان لُحْمَة واحدة وهي "الناصر أحمد مظهر" – كما يقول أستاذنا الدكتور "يوسف زيدان" – ومما أكّد على قوّة الحبكة التاريخية والدرامية بالفيلم - في أذهان الناس - أن كتب القصة "يوسف السباعي" – وللعلم هو ضباط جيش خلال فترة حكم "الناصر جمال عبد الناصر" – أمّا معالجة القصة والسيناريو والحوار فكانت ثلاثة من الكتّاب الكبار: "محمد عبد الجواد" و"نجيب محفوظ" و"عبد الرحمن الشرقاوي". وبطولة "أحمد مظهر" – الذي كان ضابطًا في سلاح الفرسان قبل احترافه التمثيل – وتدور أحداث هذا الفيلم الذي حفظه المصريون عن ظهر قلب؛ لأنه كما – كما يقول أستاذنا – أشبه بالمقرّر الدراسي الذي يُعرض في المناسبات «القومية» أيام كانت هناك قناة تليفزيونية واحدة... حتى ارتبطت فكرة «القومية» في الأذهان بفيلم «الناصر» المرتبط بدوره بشخصية الرئيس «عبد الناصر» المرتبط بالحلم العربي العريض «تحرير القدس». بداية.. مَن هو "صلاح الدين الأيوبي"؟ هل هو البطل العربي محرر "أورشليم"، كما في الفيلم؟ لم يكن "صلاح الدين" ذلك "البطل" ولا "ملك العرب" ولا "العربي" حتى – كما جاء في الفيلم فاستقر في أذهان الناس؛ بسبب الترويج الذي تمّ له في زمن حكم العسكر؛ لأنه كان عسكريًّا مثلهم، فالتاريخ يخبرنا بحقائق مغايرة تمامًا عما عرفناه من فيلم "الناصر" – كان البيت الأيوبي كله قبل ميلاد "صلاح الدين" نفسه في خدمة "أتابكة الموصل" "عماد الدين زنكي أتابك" ومن بعده ابنه سلطان حلب والشام الملك "العادل نور الدين محمود" وأخيه الأمير "سيف الدين غازي" أتابك الموصل، وقد كان "نجم الدين أيوب" أبو "صلاح الدين" و"أسد الدين شيركوه" عمه و"شمس الدولة توران شاه" و"نور الدولة شاهنشاه" أخويه مماليك "عماد الدين زنكي" وابنه "نور الدين محمود". ولأمر جرى في مصر بين وزيريها "شاور" و"ضرغام"، فرَّ الأوّل إلى دمشق طالبًا النجدة من "نور الدين محمود" على خصمه "ضرغام" الذي استعان بالصليبيين عليه، فأرسل "نور الدين محمود" قائد عسكره "أسد الدين شيركوه" و"صلاح الدين" إلى مصر لمساعدة "شاور" في مقابل ثلث خراج مصر كل عام، ولمّا لم يتحصل ذلك حصلت العداوة بين "شاور" و"شيركوه" فاستنجد "شاور" بالصليبيين، فطلب "شيركوه" من الخليفة الفاطمي "العاضد" أن يزيلوا وزارته – كعادة أهل مصر: "السلطان إمّا في القصر وإمّا في القبر" – فوافق الخليفة "العاضد" وقُتل "شاور" وتولّى "أسد الدين شيركوه" الوزارة العاضدية في الخلافة الفاطمية العبيدية "الشيعية"، وفي نفس الوقت كان رئيس العسكر النورية الشامية "السُّنية"، ولكن "شيركوه" ما لبث أن مات فتولى "صلاح الدين" من بعده، ولكن قادة العساكر الشامية ما لبثوا أن انقلبوا عليه لصغر سنه، فعادوا إلى دمشق، وأصبح "صلاح الدين" وزيرًا للخليفة الفاطمي "الشيعي"، فمهّد السلطة لنفسه ولأقاربه. ثم ما لبث أن مات الخليفة "العاضد"، فأصبح "صلاح" الدين سلطان مصر وتوسّع في الحجاز واليمن وبرقة والمغرب الأدني، وهذا ما أهاج "نور الدين محمود" عليه، فجهّز له جيشًا لمحاربته، ولكنه مات قبل أن يخرج هذا الجيش، ثم ما لبث "صلاح الدين" أن غزا الشام فاستولى على مُلك "نور الدين محمود"، بعد أن استمال بعض القادة، وحارب آخرين، حتى استقام له السلطان.. وبعد مناورات ومداورات كثيرة اضطر "صلاح الدين" مدفوعًا بالغضب العارم، وهياج الخليفة العباسي عليه – كما قال "العماد الأصفهاني" (الفتح القسي في الفتح القدسي) تحقيق "حسن الأمين" – لكنه لم يفلح في انتزاعها إلا مرّة واحدة عقب انتصاره على الصليبيين في حطين، والثانية كانت بعد صُلح الرملة سنة 588 هـ. يقول الدكتور "حسين مؤنس"، أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة، في هذا الشأن: «تنازل "صلاح الدين" للصليبيين عن جزء من الساحل يمتد من صور إلى حيفا، رغم أنه كان في حالة عظيمة من الانتصار والقوّة والتقدّم. وفي (الفتح القسي) تحت عنوان «مع الناصر العباسي»، يقول "الأمين": «إن "صلاح الدين" عقب انتصاره في معركة حطين، وتحرير القدس، رفض طلب الخليفة "الناصر"، بإرسال جيشه، للمشاركة في تحرير فلسطين كاملة، ونشر الرسائل التي بعثها "الناصر" إلى "صلاح الدين"». أما عن سبب رفض "صلاح الدين" الاتحاد مع جيش "الناصر" لتحرير فلسطين، يقول "الأمين": «إن "صلاح الدين" أدرك أنه في حال تحرير فلسطين كاملة، ستصبح ولاية خاضعة للخلافة، وبالتالي سيصبح هو الآخر أحد الولاة التابعين للخليفة». ويضيف الكاتب: «عقب رفض "صلاح الدين" طلب الخليفة "الناصر"، أرسل له الأخير رسالة شديدة اللهجة، عنّفه فيها، فاستشعر "صلاح الدين" خطر الرسالة، وقرّر التمرّد على الخليفة، ومحاربة جيشه حال إرساله، ومهّد لهذا القرار باستشارة من حوله، لتحمسيهم على قتال جيش الخليفة، أمّا الخليفة من جانبه، فقد أصرّ على إرسال جيشه لتحرير فلسطين». ولكن سيظل "صلاح الدين الأيوبي" في أذهان الناس هو "الناصر أحمد مظهر" مهما نقلنا إليهم من الحقائق التاريخية التي تنفي الكثير من الأغاليط التي تناولها الفيلم وعلقت في أذهانهم، وهذا ما يدل على رسوخ الاعتقادات الشعبية دون الحقائق التاريخية.
6 – عيسى العوّام:
في فيلم "الناصر صلاح الدين" - المذكور سلفًا – ظهرت إلى جانب الشخصية المحورية "الناصر أحمد مظهر" البطل، شخصية "عيسى العوّام" (صلاح ذو الفقّار)، التي قدّمها صنّاع الفيلم على أنه رجل مصري مسيحي (يعقوبي)، وجعلوه قائدًا عسكريًّا، في وقت كان المسيحيون في مصر والشام يدفعون الجزية مقابل إعفائهم من الالتحاق بالجيش.. ثم يصل الإفك السينمائي – كما يقول أستاذي – إلى مداه؛ حين يقترن "عيسى العوام" بـ(نادية لطفي) "قائدة الهوسبيتاليين" – وهي جماعة ذكورية أساسًا انشقّت عن جماعة "فرسان الهيكل" أو "فرسان المعبد"؛ لأنها تتكوّن من ثلاث طوائف: "فرسان العدل" الذين هم من أصل نبيل (نبلاء) وأصبحوا فرساناً. و"القساوسة" الذين يقومون على تلبية الاحتياجات الروحية للتنظيم. و"إخوان الخدمة" وهم الذين ينفّذون الأوامر الصادرة إليهم. وقد عُرفت هذه الطائفة عند مؤرخي العرب باسم "الإسبتار" أو "فرسان الإسبتارية" أو "الداوية"، ولم يأت المصطلح هكذا في كتب المؤرخين العرب قط – وبالرغم من كونها "قائدة الهوسبيتاليين"، فإنها كانت "كاثوليكية" في وقت كان فيه "الأرثوذوكس" – وما زالوا – يرون فيه "الكاثوليك" كفار. والأعجب من ذلك والأكثر فكاهة – كما قال أستاذنا - وحسبما أورد "بهاء الدين بن شداد" في كتابه (النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية)، و"العماد الأصفهاني" في (الفتح القسي): أن "عيسى العوام" - الذي عاصر الحروب الصليبية – هو رجل (مسلم)، كان ينقل المؤن للقلاع الساحلية المحاصرة، عائما، ثم مات في ليلة غريقا. وإذا بالحمولة التي كان عليه إيصالها، تطفو حتى ترسو في المكان الذي كان من المقرّر أن يوصّلها إليه، فقال معاصروه إن هذا الرجل (المسلم) المسمّى "عيسى العوّام"، أدّى الأمانة حيًّا وميتًا. ومن عجائب ما سمعتُ من تحريف قصة "عيسى العوام"، أن "الناصر أحمد مظهر" كان يثق في كل قادته إلا "عيسى العوام". وهذا لا يدل إلا على رسوخ الاعتقادات الشعبية رسوخًا إلى حدِّ السفه والضحك حتى البكاء..
7 – سيف الدين قطز:
كان فيلم "وا إسلاماه" مع فيلم "الناصر صلاح الدين" كفرسي رهان، لا بد من مشاهدتهما في الأعياد القومية، فصار ا




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
محمد عبد العال : أيهما أرسخ عند حدوث التضارب، الحقيقة التاريخية أم الاعتقادات الشعبية؟...
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
elwardianschool :: المكتبة :: من أخبار أصدقاء فى الكليات والحياة العامة-
انتقل الى: