elwardianschool


elwardianschool

مـنـتـدى مـــكـتـبــة مـدرسـة الـورديـان الـثـانـويـة * بـنـيـن...( تعليمى.متنوع.متطور )

 
الرئيسيةالبوابةبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول
نتمنى لكم قضاء وقت ممتعا و مفيدا فى المنتدى

شاطر | 
 

 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (101) الإرهاب ومسئولية الفيلسوف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (150) تغيير فى فكر الفاتيكان   الأربعاء 09 نوفمبر 2016, 1:58 am

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (150)
تغيير فى فكر الفاتيكان


الثلاثاء 1 من صفر 1438 هــ 1 نوفمبر 2016 السنة 141 العدد 47447

إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى قيل عن الفاتيكان إنه فى الطريق إلى مواجهة نتائج غير مسبوقة من بينها أن الكنيسة ستبث اليقظة فى روح شعبها، وكان مؤتمر الفاتيكان الثانى الذى عقد فى الفترة من 1962 إلى 1965 هو ثمرة هذه اليقظة. ومفاد هذه اليقظة أن الكنيسة لم تعد مجرد نسق مغلق مفروض من فوق لأن المؤمنين أصبحوا هم الكنيسة، ومن ثم أصبحت متطورة بتطورهم. ومن هنا أصبح من حق المؤمنين أن يقولوا: «نحن الكنيسة» و «نحن» هنا تعنى الانفتاح وليس الانغلاق، أى تعنى أنهم قادرون على النقد الذاتى. ومن هنا قيل إن الانقسام الحاد حدث مرتين: فى المرة الأولى حدث ذلك الانقسام بين الكنيسة الكاثوليكية الرومانية والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية فى عام 1054، وفى المرة الثانية حدث بين الكاثوليك والبروتستانت فى القرن السادس عشر إلا أنه قد انتهى بلا رجعة فى ذلك المؤتمر الثانى. ومعنى ذلك أن الكنيسة الكاثوليكية أصبحت فى حاجة إلى حركة اصلاح دينى أو بالأدق فى حاجة إلى علم لاهوت جديد. وفى هذا السياق قيل إن الذى صاغ هذا العلم لاهوتى فرنسى اسمه إيف كونجار (1904- 1995). وفى عام 2013 صدر كتاب عنه عنوانه الرئيسى «لنكن أمناء للمستقبل» وعنوانه الفرعى «انصتوا إلى إيف كونجار». ومؤلف الكتاب اسمه الأخ إميل الذى التقى كونجار فى عام 1976 ومن يومها وهو مستغرق فى فهم رسالته اللاهوتية. وقد أوجزها الفيلسوف الكندى تشارلس تايلور فى مقدمته للكتاب وجاء فيها أن رسالته تدور حول أفكار ثلاث:

الفكرة الأولى تدور حول فهم كونجار للكنيسة من حيث أن لها رسالة موجهة إلى المجتمعات والحضارات. ولهذا تُرجم الانجيل إلى عدة لغات إلا أن الترجمة وحدها لم تكن كافية، إذ المطلوب أن تكون الكنيسة قادرة على التحدث مع الجماهير بلغة تكون قادرة على فهمها. ولهذا كان المطلوب من اللاهوتيين المشاركين فى ذلك المؤتمر أن يكونوا على وعى بــــس علامات الزمانس أو بالأدق «علامات العصر» وكان من بين هذه العلامات وعى الفرد بذاته باعتباره وحدة قائمة بذاتها، أى مستقلة. وأنها تشعر بأصالتها وباحترامها لحقوق الانسان ولتطلعاتها فى ممارسة الديمقراطية.

الفكرة الثانية تتمثل فى قدرة الكنيسة على تجاوز الانقسامات بحيث يمكن أن يقال عنها إنها كنيسة مسكونية، أى كوكبية، تنسف الفواصل بين كنيسة وأخرى وتنتهى إلى كنيسة واحدة.

أما الفكرة الثالثة والأخيرة فهى كامنة فى قدرة الفرد على التعامل مع السلطة الكنسية فى جميع أشكالها من حيث التسلسل الهرمى والالتزام ببنود الايمان.

ويلزم من هذه الأفكار الثلاث أن تمتنع الكنيسة عن الدخول فى نسق مغلق يدور حول فكرة محورية تشى بأنها صلبة ومتحجرة وغير قابلة للتطور، أى تشى بأنها فكرة مطلقة ولا تقبل التغيير بل تشوه رسالة الكنيسة وتخون طبيعتها لأن الكنيسة الحقة لا تتسق مع النسق المغلق بل تشتهى مجاوزته لكى تكون فى خدمة التطور والارتقاء. وبناء عليه فإن الاستجابة، فى هذه الحالة، تكون مبدعة بالضرورة فتقرر أفعالاً لم تكن تمارسها فيما مضى، كما تفرز تناولاً جديداً وبأسلوب جديد لمسائل شائكة، ومن ثم يكون الايمان نفسه فى حالة تجدد.

والسؤال بعد ذلك:

ماذا يحدث إذا كانت لديك قناعات يقينية لا تقبل الحوار؟

اجهاض الأسئلة قبل مولدها. ولكى تمنع هذا الاجهاض عليك بأن تكون على وعى بأنك قادر على تغيير فكرك بفضل ما يقوله محاورك. ومع ذلك فثمة سؤال لابد أن يثار وهو على النحو الآتى:

ما السبب فى إجهاض الأسئلة قبل مولدها؟

إنه التراث إذا نُظر إليه على أنه كيان مطلوب صونه والمحافظة عليه من أى تغيير. وهنا يقول كونجار إن التراث ليس مجرد نقل للماضى إذ هو منفتح على مستقبل جديد. ومن هنا يمكن القول إن الابداع كامن فى نقل التراث. وهذا الابداع نفسه يلزم أن يُعمل ذاته فى الايمان. ومعنى ذلك أن الكنيسة يلزم أن تتشكل من جديد بلا توقف وذلك بأن تعيد قراءة النص الدينى لكى تستعين به فى الاجابة عن الأسئلة المثارة فى كل زمن وفى كل عصر. وهذا هو مغزى التأويل من حيث إن وظيفته ليست فى معرفة ماذا كان يريد أصحاب الأناجيل الأربعة قوله، بل ماذا يمكن أن يقوله هؤلاء لو أنهم كانوا أحياء فى زمان غيرهم، وليكن مثلا زمان ماركس أو زمان فرويد. ماذا كانوا يقولون؟ لأن أقوالهم فى هذه الحالة لن تكون تكراراً لمفاهيم سابقة.

وإذا أردت مزيداً من الفهم فاعرف أن الكنيسة يلزم أن تكون على وعى بأن معرفة التاريخ تشى بعدم مطلقة ما هو نسبى على حد قول كونجار. وأظن أن هذا القول الثورى يمتنع معه تكفير مَنْ يقف عند النسبى. وهذا هو مغزى عنوان الكتاب «لنكن أمناء للمستقبل».

وتأسيساً على ذلك كله يمكن القول إن عبارة البابا فرنسيس الأول «مَنْ أنا حتى أدين» هى أعلى مراحل عنوان ذلك الكتاب. وقد وردت هذه العبارة فى حوار أجراه مراسل الفاتيكان لدى أشهر جريدة فى ايطاليا «لاستمبا» مع بداية هذا العام، وهى تعنى أن السلطة الكنسية ليس فى إمكانها الإدانة التى تسببت فى الانقسام الذى حدث مرتين. ولكن مع إنكار الإدانة يلزم إعادة النظر فى العلاقة بين السلطة الكنسية، وأى سلطة دينية أخرى، وبين العقيدة المطلقة.

ولهذا فالسؤال اللازم بعد ذلك:

هل فى إمكان العقيدة المطلقة أن تكون هى نفسها متطورة ؟.


وإذا لم تكن كذلك فكيف يكون فى إمكانها التحدث بلغة العصر؟.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (151) الطفل متفلسفًًا   الأربعاء 09 نوفمبر 2016, 2:08 am



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (151)
الطفل متفلسفًًا
الثلاثاء 8 من صفر 1438 هــ 8 نوفمبر 2016 السنة 141 العدد 47454



قد يبدو عنوان هذا المقال صادماً. فالرأى الشائع أن الانسان لا يُمنح لقب «فيلسوف» أو «متفلسف» إلا بعد معاناة مع الموروث وما تفرزه من أفكار ناقدة تلتف بعد ذلك حول فكرة محورية ترتبط معها بعلاقات منطقية. ومع ذلك فهذا الرأى الشائع فى حاجة إلى مراجعة شأنه فى ذلك شأن أى رأى يمكن أن يتجاوزه الزمن. وأنا أستند فى هذه المراجعة إلى عبارة قالها أرسطو: «كل الناس يشتهون المعرفة بالطبع. يدل على ذلك أن الحواس تُمتعهم لأنه بصرف النظر عن نفعها فإنها معشوقة لذاتها، وبالأخص احساس البصر. فنحن نؤثره على غيره من الاحساسات ليس فقط حينما نقصد إلى الفعل بل حينما لا نتوخى أى فعل. وسبب ذلك مردود إلى أن البصر أكثر الحواس اكتساباً للمعارف. كما أننى استندت إلى عبارة أخرى وهى أن «الدهشة أساس التفلسف.» وإذا ألفَنا بين احساس البصر والدهشة حصلنا على فكرة ثالثة وهى أن احساس البصر والدهشة متلازمان فى البداية التى تكمن فى أن الطفل يصرخ أثناء خروجه من الرحم، وهو لا يصرخ من الألم إنما يصرخ بسبب التناقض الذى ولدته الدهشة مع الابصار لعالم مغاير، وفى عبارة أخرى يمكن القول إنه التناقض بين احساسه بالأمن وهو داخل الرحم، واحساسه بعدم الأمن وهو خارج الرحم. الطفل اذن فى حالة دهشة، أى فى حالة تفلسف وهو أمر يستلزم أن يكون فيه عقل الطفل مكتملاً بالضرورة. وأظن أن هذه العبارة هى العبارة الثانية الصادمة فى هذا المقال. إلا أن الصدمة يمكن أن تزول بعد إثارة السؤال الآتى: كيف يفهم الطفل لغة هو يجهلها؟ هذا مع ملاحظة أنه يفهمها استناداً إلى ما يراه من إشارات وانفعالات تبدو على وجوه المحيطين به، وهو لا يلبث أن يترجمها بعقله ولكنه عاجز عن التعبير لغوياً.

والسؤال بعد ذلك: ماذا نحن فاعلون بالطفل ونحن نربيه؟

نرتكب جريمة وهى قتلنا لدهشة الطفل، وبالتالى قتل تفلسفه. والغاية من ارتكاب جريمة القتل ادخال الطفل فى نسق مغلق يرتكز على الموروث بما ينطوى عليه من محرمات فتتوارى الدهشة ويمتنع التفلسف، ومن ثم يمتنع الابداع.

الطفل اذن منذ البداية متجه نحو الابداع، ولكنه متجه أيضاً نحو إبطال هذا الابداع. وهذه العبارة هى العبارة الثالثة الصادمة فى هذا المقال. ومع ذلك فالصدمة يمكن أن تزول إذا علمنا ما حدث فى عام 1979 وهو عام متفرد بين أعوام القرن العشرين إذ يمكن أن يقال عنه إنه عام الأصوليات الدينية: ففى يناير صدر قرار من الرئيس الأمريكى الأصولى جيمى كارتر بتدعيم الأصولية الاسلامية بقيادة طالبان فى أفغانستان فى محاربتها ضد السوفيت. وفى فبراير تأسست الجمهورية الاسلامية الأصولية الايرانية بقيادة الخومينى. وفى ذلك العام دعم الرئيس الجزائرى الشاذلى بن جديد الأصولية الاسلامية. كما تأسس الحزب المسيحى الأصولى بقيادة القس جيرى فولول فى أمريكا، وتم ابرام المعاهدة المصرية الاسرائيلية فى مناخ أصولى بقيادة كل من السادات وبيجن. والمفارقة هنا أنه فى ذلك العام نفسه صدرت «مجلة فلسفية للأطفال»، وكانت عبارة عن منتدى للممارسات الفلسفية مع الأطفال يضم فى عضويته منظَرين وممارسين لهم علاقة بالأطفال واشتهروا باهتمامهم بمفهوم «التأويل» عند الأطفال، أى برؤيتهم الذاتية لما يشاهدونه من أحداث فى العالم الخارجى للتدليل على أن الطفل متفلسفاً، أى مبدعاً.

وفى عام 2015 صدر كتاب لمفكر انجليزى اسمه كِن روبنسون عنوانه «مدارس للابداع». وهو مستشار لعديد من الحكومات والمؤسسات الثقافية. وفى مقدمته يتساءل «هل المدارس تقتل الابداع؟». ثم يردفه بسؤال: ما الخطأ الذى نرتكبه فى المدارس؟ ولماذ نرتكبه؟ ويجيب بأن الطفل لديه نهم متواصل للتعلم ولكن هذا النهم يتوارى حتى يختفى مع دخوله المدرسة. والمعنى أنه لن يكون فى الامكان تطوير التعليم من غير المحافظة على ذلك النهم.

والسؤال اذن: كيف تتم المحافظة على هذا النهم؟

بثلاث وسائل فى رأى روبنسون: نقد لوضع قائم، ورؤية لوضع قادم ونظرية للتغيير للانتقال من وضع قائم إلى وضع قادم. ويلزم من ذلك أن ثمة تناقضاً حاداً بين الوضعين، وهو يكمن فى أن الوضع القائم هو ثمرة وضع مضى والذاكرة هى التى تضم هذا وذاك. أما الوضع القادم فليس ثمرة لما فات إنما هو ثمرة لما هو آت، وما هو آت يُخفى أمراً جديداً، أى يخفى ابداعاً.

والسؤال بعد ذلك: هل فى إمكان الذاكرة خنق الثائر عليها وهو الابداع؟

فى الامكان ذلك إذا دُفعت الذاكرة بما تنطوى عليها من «المحرمات الثقافية» إلى الصدارة. والمتعصبون للموروث هم الذين يحيلون الموروث إلى محرمات يدفعون بها إلى عقل الطفل منذ بداية العملية التربوية فى الأسرة، ومن بعدها فى المدرسة حتى يستقيم مسلكه، ولكنه فى هذه الحالة لن يكون أمامه سوى محاكاة الآخرين، ومن ثم يختنق الابداع، وبالتالى يختنق التفلسف فيمتنع الطفل عن أن يكون متفلسفاً. ولا أدل على صحة رأيى من التأمل فى طفولة أينشتين. ففى سن الخامسة رفض الانصياع للأسلوب التقليدى فى التعلم والذى يستند إلى التلقين والحفظ وإلى العقاب البدنى إذا تمرد على هذا الأسلوب. وكانت متعته فى أن يُعلم نفسه بنفسه دون أن يستند إلى المنظومة التعليمية. ولم يكن يستهويه من العلوم سوى الرياضيات. ومن هنا قال عنه مدرسوه إنه طفل مشاغب. وبسبب ذلك استدعى والده لاخباره بأن ابنه هو كذلك. وهنا أثار الوالد هذا السؤال: ماذا تقصدون بلفظ «مشاغب» وكان الجواب «إنه يجلس فى مؤخرة الفصل ويبتسم». ومن هنا سُمى أينشتين الفيلسوف المبتسم فى رؤيته للكون.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ القرن الحادي والعشرين‏(152)‏ لماذا السيسي أول المهنئين؟   الثلاثاء 15 نوفمبر 2016, 7:12 pm




رؤيتي لـ القرن الحادي والعشرين‏(152)‏ لماذا السيسي أول المهنئين؟


الثلاثاء 15 من صفر 1438 هــ 15 نوفمبر 2016 السنة 141 العدد 47461


في الصفحة الأولي بصحيفة الأهرام بتاريخ‏2016/11/10,‏ أي بعد اليوم التالي لانتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة وفي برواز ورد فيه أن الرئيس عبد الفتاح السيسي أجري اتصالا هاتفيا بالرئيس الأمريكي المنتخب جاء فيه بعد التهنئة‏,‏ أنه يدعوه إلي زيارة مصر‏.‏ ثم صدر بيان من رئاسة الجمهورية وفيه أن مصر تتطلع لأن تشهد فترة رئاسة دونالد ترامب ضخ روح جديدة في مسار العلاقات المصرية الأمريكية‏.‏ وأضافت صحيفة الحياة الصادرة في ذلك اليوم نفسه قائلة بأن هذه العلاقات كانت تتسم بالفتور منذ إطاحة الرئيس الاسلامي محمد مرسي عام‏.2013‏ ثم أشارت إلي أن اتصال الرئيس عبد الفتاح السيسي هو أول اتصال دولي يتلقاه الرئيس ترامب للتهنئة بفوزه‏.‏
والسؤال اذن‏:‏ لماذا كان السيسي أول المهنئين؟ وماذا تعني إشارته إلي الروح الجديدة المطلوب بثها؟ الجواب عندي كالآتي‏:‏ كانت تدور في عقل الرئيس السيسي فكرة واحدة وهي أنه من اللازم هزيمة هيلاري كلينتون لأنها تابعة لرئيسها أوباما الذي كان مصمما علي الاطاحة بالرئيس عبد الفتاح السيسي بهدف التمهيد ليس فقط لعودة مرسي‏,‏ ولكن أيضا لتهيئة المناخ الديني لإحياء الخلافة الاسلامية ليس في العالم الاسلامي فقط إنما في العالم برمته‏.‏ وفي هذا المعني حررت مقالا في جريدة المصري اليوم بتاريخ‏2014/4/7‏ تحت عنوان أصولي في البيت الأبيض جاء فيه أنه عندما انتخب أوباما رئيسا لأمريكا وجد ستة من الأصوليين الاسلاميين في البيت الأبيض فدخل في علاقة عضوية معهم‏,‏ ثم امتد بهذه العلاقة إلي العالم الاسلامي‏.‏ ولا أدل علي ذلك من العبارة التي وردت في خطابه في جامعة القاهرة في‏2009/6/4‏ حيث قال إن الشراكة بين أمريكا والاسلام تستلزم الاستناد إلي حقيقة الاسلام وليس إلي ما هو غير اسلامي‏,‏ إلا أنه لم يعثر علي حقيقة الاسلام إلا عند الاخوان المسلمين‏,‏ أو بالأدق عند الأصولية الاسلامية وأساسها فكر ابن تيمية الذي يبطل إعمال العقل في النص الديني فيرادف بين العقل والحواس‏,‏ وينتهي إلي ضرورة سيادة السمع والطاعة‏.‏ وفي هذا السياق أعلن أوباما بصراحة أن علي الاخوان المسلمين الاستيلاء علي السلطة‏.‏ وفي هذا المعني أيضا حررت مقالا في جريدة الأهرام بتاريخ‏2016/9/20‏ تحت عنوان أوباما أصولي ومتواطئ جاء فيه أن الرئيس أوباما في سياسته الخارجية يسير في اتجاه إحياء الخلافة الاسلامية وهو اتجاه معاكس لما تسير فيه مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي‏,‏ وكان ينبغي أن يكون التعاون معه هو جوهر السياسة الخارجية الأمريكية‏.‏ وإذا قيل إن قيادة أوباما للسياسة الأمريكية لغز علي نحو ما يتصور الأمريكيون فهو تصور واهم‏,‏ إذ هو في أعماقه أصولي متواطئ مع الاخوان المسلمين لإحياء الخلافة الاسلامية‏.‏
والسؤال بعد ذلك‏:‏ لماذا هزم أوباما وفاز ترامب برئاسة أمريكا؟ قد يبدو أنني ارتكبت خطأ في صياغة السؤال وكان الصحيح أن تكون الصياغة كالآتي‏:‏ لماذا هزمت هيلاري كلينتون؟
وجوابي أن هذا خطأ مقصود لأن هيلاري كلينتون مجرد تابع تسير وراءه ولا تتقدمه‏.‏ ومن هنا أجيب عن السؤال المتوهم أنه خطأ وهو علي النحو الآتي‏:‏ أستند في الجواب عن هذا السؤال إلي ماورد في مانشيت بصحيفة المصري اليوم بتاريخ‏2016/11/10,‏ أي إثر فوز ترامب تحت عنوان زلزال سياسي في واشنطن‏..‏ صدمة عالمية بعد فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة جاء في بدايته أن هذا الفوز أحدث مفاجأة وصدمة كبيرة للعالم بعد أن خالف جميع التوقعات واستطلاعات الرأي وتغلب علي منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون وداعمها الأكبر باراك أوباما‏.‏والسؤال اذن‏:‏ لماذ جاء فوز ترامب مخالفا لجميع التوقعات؟ أستند في الجواب عن هذا السؤال إلي ما كتبه الاعلامي المرموق عبد اللطيف المناوي في صحيفة المصري اليوم بتاريخ‏2016/11/10‏ تحت عنوان ثورة ترامب جاء في مفتتحه عكس كل التوقعات فاز ترامب فوزا ساحقا لم يكن يتوقع أي من المراقبين والمتابعين حتي في دائرة ترامب الضيقة هذا الفوز‏.‏ وأجمعت كل التوقعات والقياسات تقريبا أن كلينتون فائزة لا محالة‏.‏
وهنا يثير المناوي السؤال الآتي‏:‏ لماذا جاء فوز ترامب علي عكس كل التوقعات؟ يستند في جوابه إلي ما قالته خبيرة سياسية داعمة لكلينتون علي شبكة سي‏.‏إن‏.‏ إن‏:‏ نحن أخطأنا‏.‏ نحن فوجئنا بمؤيدين لترامب لا نعرفهم يخرجون من أماكن لا نعرفها ويصوتون له‏.‏
ويختتم مقاله بهذه الفقرة الملهمة‏:‏ منذ حوالي عام‏,‏ وكنت أحضر أحد المؤتمرات الدولية‏,‏ تحدث أحد الحضور وكان دبلوماسيا سابقا حول أن العالم يواجه عددا من الكوارث الطبيعية التي تهدد البشرية‏,‏ وذكر ارتفاع درجات الحرارة والزلازل المتزايدة والأوبئة الجديدة‏.‏ وأضاف ساخرا أتمني ألا يضاف إلي هذه الكوارث دونالد ترامب كرئيس لأمريكا‏.‏ ثم ينهي مقاله بهذه العبارة الثورية‏:‏ لم يكن يتخيل أحدهم أن يأتي اليوم ليواجهوا الحقيقة‏:‏ ثورة مهمشين‏.‏
والسؤال اذن‏:‏ ماذا تعني ثورة مهمشين؟ إنها تعني ثورة رجل الشارع‏.‏ وكنت قد فطنت إلي هذه الثورة في عام‏1982‏ عندما عقدت مؤتمرا دوليا في عام‏1983‏ في جامعة الدول العربية تحت عنوان الفلسفة ورجل الشارع وهو عنوان مشتق من ثمار الثورة العلمية والتكنولوجية باعتبار أن رجل الشارع أو بالأدق انسان الجماهير هو من افراز هذه الثورة التي أفرزت مصطلح الجمهور بالعربية و‏mass-man‏ بالانجليزية‏.‏ والمفارقة هنا أن المستثمرين لهذه الثورة تجاهلوا استثمار ثمارها واتجهوا بها في نهاية المطاف إلي الضد بقيادة أوباما هيلاري‏,‏ إلا أن فوز ترامب قد دمر هذا الاتجاه‏.‏ وفي انتظار البديل ماذا يكون؟ هذا هو سؤال التحدي‏.‏




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (153) حال الفلسفة فى الوطن العربى   الأربعاء 23 نوفمبر 2016, 4:06 am





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (153)
حال الفلسفة فى الوطن العربى


الثلاثاء 22 من صفر 1438 هــ 22 نوفمبر 2016 السنة 141 العدد 47468


تلقيت ببالغ الاعزاز والتقدير دعوة من منتدى مؤسسة عبد الحميد شومان الثقافى بالأردن لالقاء محاضرة فى 7/11/2016 تحت عنوان «حال الفلسفة فى الوطن العربي» يعقبها حوار يديره الدكتور أحمد ماضى أستاذ الفلسفة بالجامعة الأردنية.

والجدير بالتنويه أن مؤسسة شومان تأسست من أجل إشاعة الفكر العلمى وتحريض الأجيال الجديدة من العلماء والباحثين على الابداع العلمي، وعلى مائدة غداء قبل المحاضرة التقيت المسئولين عن ادارة المؤسسة، وإذا كانت عظمة الانسان تقاس بعظمة رسالته، فهؤلاء المسئولون عظماء.

وبعد ذلك ألقيت المحاضرة أمام حضور ثلاثمائة ونشرتها صحيفتا «الغد» و«الدستور» بالأردن، وأنا أكتبها فى ايجاز.

عنوان المحاضرة يشى بأن ثمة علاقة بين الفلسفة والوطن العربي، وحيث إنه لا فلسفة بلا فلاسفة فيكون الحديث عن الفلسفة هو حديث عن الفلاسفة والفلاسفة غائبون.

والسؤال إذن: لماذا هم غائبون؟ أجيب عن ضوء ما حدث فى ثورات الربيع العربي، فماذا حدث؟

كان التناقض قائماً بين حرمان الشباب من تطلعاته المشروعة وهيمنة الأصوليات الدينية مع الرأسمالية الطفيلية فى العمل سوياً على إبطال إعمال العقل، وعندما يغيب العقل يغيب التطور للأفضل، كان هذا هو جوهر الوضع القائم المأزوم، ومن هنا جاءت ثورة الشباب، إلا أن هذه الثورة لم تكن على وعى بأبعاد الوضع القادم لأن تفجير هذا الوعى يستلزم التفلسف، والتفلسف يستلزم إعمال العقل الناقد فى الموروث مع تحمل النتائج المترتبة عليه، وهو أمر يكاد يكون منعدماً. وأدلل على ما أقول.

فى القرن الحادى عشر كفر الغزالى فلاسفة المسلمين لأنهم تأثروا بفلاسفة اليونان الوثنيين. وفى القرن الثانى عشر ارتأى ابن رشد أن تكفير الفلاسفة المسلمين قد أحدث تأثيراً سلبياً على الذهنية الاسلامية فألف ثلاثة كتب ضده: «فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال» و «الكشف عن مناهج الأدلة فى عقائد الملة» و«تهافت التهافت».

الفكرة المحورية فى الكتاب الأول مفادها أن المؤول لا يكفر لأن التأويل مطلب ضرورى للكشف عن المعنى الباطن للنص الدينى إذا تعارض المعنى الظاهر مع العقل.

والفكرة المحورية فى الكتاب الثانى مفادها أن ثمة شرطين للتأويل: الشرط الأول ألا يكون مصدره المتكلمون لأنهم علة البدع.

والفكرة المحورية فى الكتاب الثالث تكمن فى العبارة القائلة إن مَنْ رفع الأسباب فقد رفع العقل، وقد أدت هذه الأفكار الثلاث إلى تكفير ابن رشد وحرق مؤلفاته.

وفى القرن الثالث عشر جاء ابن تيمية وتفرغ لابطال إعمال العقل عندما قال: وما هو ثابت بالسمع فهو ثابت سواء علمنا بالعقل أم بغير العقل ثبوته، ومن هنا يرفض ابن تيمية التأويل، وإذا امتنع التأويل انتفى إعمال العقل فى النص الديني، وهذا الانتفاء يعنى عزل العقل عن الدين مع طاعة العقل للسمع، وإذا لم تتم الطاعة فالتكفير لازم، وقد مارست هذا التكفير الوهابية فى القرن الثامن عشر، و حركة الاخوان المسلمين فى القرن العشرين.

والسؤال بعد ذلك: فى هذا المناخ الدينى هل فى الامكان توليد فلاسفة؟ للجواب عن هذا السؤال أنتقى ثلاثة مفكرين: عبد الرحمن بدوي- زكى نجيب محمود- على سامى النشار.

تفلسف عبد الرحمن بدوى فى كتابه «الزمان الوجودي» وفيه يحذف الوجود المطلق لأنه ليس وجوداً حقيقياً، والزمان هو العنصر الجوهرى المقوم لهذا الوجود، والزمان يعنى التناهى والتناهى يعبر عنه العدم، ويتحد العدم مع الوجود فى موضوع واحد هو التوتر، ولهذا فإن منطق الوجود هو منطق التوتر، وقد وعدنا بدوى بتأسيس منطقه الجديد ولكنه لم يف بوعده.

وتفلسف زكى نجيب محمود فى كتابه «خرافة الميتافيزيقا» حيث يقول إن «الكائنات الميتافيزيقية أدخل فى باب الخرافة منها فى باب الواقع الذى يستند إلى التفكير العلمي». ومن هذه الزاوية اتهم بأنه خارج على الدين فأصدر طبعة ثانية لهذا الكتاب بمقدمة ينكر فيها أنه خارج على الدين ويتهم ناقديه بأنهم خلطوا بين الدين والفلسفة.

أما على سامى النشار فهو أوضح من سابقيه إذ كان على وعى بالتهديد بالتكفير فامتنع عن التفلسف إذ جاء فى مقدمة كتابه «نشأة الفكر الفلسفى فى الاسلام» أن الفلاسفة المسلمين

«مقلدة اليونان» والمقلد غير عقلاني. ففلسفة الاسلام الحقيقية عند المتكلمين.

هذا هو حال الفلسفة فى الوطن العربى فإذا لم نكن على قناعة به فثمة طريق آخر هو تأسيس الرشدية العربية على غرار الرشدية اللاتينية التى نشأت لمناهضة النظام الالهى كنظام سياسى تسانده الكنيسة الكاثوليكية. وكان السؤال الذى أثاره ابن رشد وكان موضع اهتمام من فلاسفة جامعات باريس وايطاليا هو كالآتي:

هل التفلسف عقليا مشروع؟ كان جواب ابن رشد أن ثمة صراعاً خفياً بين الشريعة والفلسفة إلى الحد الذى تبدو فيه الفلسفة غريبة عن الشريعة. ومن هذه النقطة بدأ التأثر فى أوروبا بابن رشد. وكان هذا التأثر واضحاً عند مؤسس الرشدية اللاتينية سيجير دى بربان عندما بحث العلاقة بين العقل والوحى فارتأى أن العقل قادر على معرفة الطبيعة دون اعتقاد. أما الوحى فيخبرنا عن حقائق فائقة للطبيعة وخارجة عن نطاق العقل. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن العقل مواز للوحى فلا سلطان لواحد على الآخر.

ومن شأن هذا الرأى لبربان أن يكون مهدداً للسلطة الدينية. ومن هنا أُدينت الرشدية اللاتينية ومع ذلك لم يتوقف تأثيرها الايجابي.

وفى المقابل يلزم تأسيس الرشدية العربية حتى يمكن إجراء حوار بينها و بين الرشدية اللاتينية ويكون من شأنه تأسيس تحالف فلسفى بين العالم الغربى والعالم الاسلامى لاجتثاث جذور الارهاب. وبغير هذا التحالف فالغلبة للارهاب.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (154) السنهورى والخلافة الإسلامية   الأربعاء 30 نوفمبر 2016, 1:52 am





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (154)
السنهورى والخلافة الإسلامية


الثلاثاء 29 من صفر 1438 هــ 29 نوفمبر 2016 السنة 141 العدد 47475


    فى عام 1925 أصدر الشيخ على عبد الرازق كتابه المعنون «الاسلام وأصول الحكم» وفيه أنكر الخلافة الاسلامية. إذ ليس لها علاقة بالاسلام. وإثر صدوره اجتمعت هيئة كبار العلماء بالأزهر وأصدرت حكماً بالاجماع بتكفيره ومصادرة كتابه وعزله من منصبه. وفى العام التالي، أى فى عام 1926، أصدر الفقيه الدستورى عبد الرزاق السنهورى كتاباً باللغة الفرنسية عنوانه:«فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية». وقد ترجمته إلى اللغة العربية نجلته الدكتورة نادية، وصدرت الترجمة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب فى عام 2013. وقال الدكتور توفيق الشاوى فى تقديمه للكتاب أن السنهورى عرض لفقه الخلافة كمصدر لــــ«أصول الحكم فى الاسلام» الأمر الذى يلزمنا بإعادة بناء الخلافة فى صورة منظمة دولية فى حالة تعذر إقامة دولة كبرى موحدة. وفى رأى الشاوى أن إلغاء الخلافة العثمانية فى عام 1924 هو الذى دفع السنهورى إلى تأليف ذلك الكتاب. والسؤال بعد ذلك: ما هى المبادئ التى يقوم عليها فقه الخلافة؟ الاجماع باعتباره مبدأ البيعة فى اختيار الخليفة التزام الأمة بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الانحراف عن مبادئ الشريعة تسقط ولاية الخليفة، ومن أنواعه خضوع الحاكم المسلم للنفوذ الاستعماري. وإذا كان فقه الخلافة مرادفا للحكومة الاسلامية عند السنهورى فالسؤال اذن: ما هى سمة التشريع الذى تعتمده هذه الحكومة؟ من اللازم أن يكون هذا التشريع تشريعاً سماوياً صادراً عن الله، ونُقل إلينا بوسيلتين: وسيلة مباشرة هى القرآن الكريم لأنه كلام الله الموحى به إلى رسوله. أما الوسيلة الثانية فهى غير مباشرة وتمثلها السَنة النبوية وهى الأعمال والأقوال المنقولة عن الرسول، ومن ثم يكون القرآن والسَنة المصدرين الأوليين للتشريع الاسلامي. إلا أن هذين المصدرين قد اكتملا بوفاة النبى محمد (صلى الله عليه وسلم). ومن هنا أضيف مصدرا ثالثا هو الاجماع أو بالأدق اجماع الأمة لأن الأمة هى التى تعبر عن الارادة الالهية وليس الخليفة لأن الخليفة لا يمكن أن يعطى لنفسه حق التعبير عن الارادة الالهية، أى أنه لا يملك أن يصدر تشريعاً، ومن ثم تكون سلطة التشريع لمجموع الأمة، أى يصدر التشريع بالاجماع، وفى هذه الحالة لن يكون متعارضاً مع مبادئ الخلافة. وهنا يلزم إثارة سؤال: ما هو الاجماع؟ قيل فى الجواب عن هذا السؤال إنه اتفاق مجتهدى الأمة فى عصر معين على حكم شرعي. ومع ذلك فثمة سؤال: ما مدى مجال الاجماع؟ هل هو فى حدود الأحكام الدينية والاجتماعية دون الأحكام الطبيعية باعتبار أن هذه الأحكام مستمدة من قوانين طبيعية؟ انقسم الفقهاء فى الجواب عن هذا السؤال فريقين: فريق يجيب بالايجاب وفريق آخر يجيب بالسلب فيضم الأحكام العقلية والحسية إلى الاجماع. ومع ذلك أيضا فثمة سؤال آخر يخص الاجماع: هل يشترط اتفاق اجماع المجتهدين أو اتفاق الأغلبية؟ وهنا أيضا انقسم الفقهاء فريقين. ومع ذلك أيضا فثمة سؤال: هل الاجماع ممكن؟ قيل فى الجواب عن هذا السؤال إنه ممكن بشرط امتناع تأويل النص الديني. ولكن ماذا يحدث إذا تخلى أحد عن هذا الشرط ومارس التأويل على نحو ما ارتأى الخوارج وانتهى إلى أن إقامة الخلافة لا وجوب لها لأن الشروط اللازمة للخليفة لايمكن توافرها فى جميع الأزمنة؟ تكفيره وتكفير أتباعه أمر لازم وإذا عاند وعاندوا فقتله وقتلهم أمر نافذ. ومن هنا قيل إن الدعوة إلى الخلافة من شأنها إثارة الفتن والحروب بين المسلمين. وأظن أن الشيخ على عبد الرازق قد أخذ برأى الخوارج فى كتابه «الاسلام وأصول الحكم». وبسبب ذلك اهتم السنهورى بتفنيد حجج هذا الشيخ التى تدور حول حجة تبدو قاطعة وهى أن النبى لم يقصد إقامة دولة اسلامية. إلا أن هذه الحجة، فى رأى السنهوري، مستمدة من المعنى الأوروبى المعاصر فى فصل الدين عن الدولة. ومن هنا أهمية ما قاله فى أوراقه الشخصية التى أشرفت على إعدادها للنشر نجلته الدكتورة نادية والدكتور توفيق الشاوى وأصدرتها دار الشروق فى عام 2005. ماذا قال فى 1/11/1921؟ «أريد أن يعرف العالم أن الاسلام دين ومدنية، وأن تلك المدنية أكثر تهذيباً من مدنية الجيل الحاضر». أليس هذا القول هو مغزى الدستور الراهن فى أنه دستور مدنى بمرجعية اسلامية؟ وأظن انه قد جاء الأوان فى إعادة النظر فى الدور الذى قام به السنهورى فى أزمة مارس 1954. لقد كان مؤيداً لثورة يوليو 1952 فى بدايتها ولكنه عاندها فى تلك الأزمة بدعوى أن عبد الناصر يقف ضد الديمقراطية أما هو فمع الديمقراطية. إلا أن عناده لم يكن فى جذوره على هذا النحو إنما كان مردوداً إلى تصادم عبد الناصر مع الاخوان المسلمين بسبب اصرارهم على إقامة الخلافة الاسلامية. وكان السنهورى منحازاً إليهم، وكان فى حينها رئيساً لمجلس الدولة فأعفى من منصبه. والجدير بالتنويه أن الجامعة الأمريكية بالقاهرة أصدرت كتاباً فى عام 1987 من تأليف أستاذة العلوم السياسية انيد هيل وعنوانه «السنهورى والقانون الاسلامى» وفيه دفاع عن رأى السنهورى فى اعتبار القانون المدنى قانوناً اسلامياً، وفى أن الشريعة الاسلامية كقانون ملائمة لجميع الشعوب التى تعيش فى «العالم المعاصر». وهذا هو السبب الذى من أجله أصيب السنهورى بنفس الصدمة التى أصيب بها العالم الاسلامى عندما ألغيت الخلافة فى تركيا فى عام 1924. وتأسيساً على ذلك كله يمكن القول إن الصراع مختل بين عبد الرزاق السنهورى والشيخ على عبد الرازق فهو لمصلحة الأول بلا منازع. وسؤال التحدى بعد ذلك هو على النحو الآتي: ما الفرق بين السنهورى والاخوان المسلمين؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (155) ابن رشد فى جامعة القاهرة   الأربعاء 07 ديسمبر 2016, 2:07 am

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين»
(155) ابن رشد فى جامعة القاهرة


الثلاثاء 7 من ربيع الأول 1438 هــ 6 ديسمبر 2016 السنة 141 العدد 47482

تلقيت دعوة كريمة من الأستاذ الدكتور جابر نصار رئيس جامعة القاهرة لإلقاء محاضرة فى قاعة الاحتفالات الكبرى بالجامعة فى 28/11/2016 تحت عنوان فى رحاب تنوير ابن رشد. والعنوان من اختياره، وهو اختيار مرغوب ومطلوب من رئيس جامعة يتسم بفكر تنويرى ثورى يتسق مع اختياره لذلك العنوان. وأنا هنا أوجز المحاضرة على النحو الآتى: فى اللغة العربية لفظ رحاب جمع رحبة والرحبة تعنى الأرض الواسعة. وفى هذا المعنى يمكن القول إن ابن رشد فى زمنه لم يستمتع بالأرض الواسعة إلا قليلاً لأنه كان فى حالة من الاضطهاد أدت به إلى التقوقع بسبب تكفيره وحرق مؤلفاته ونفيه بناء على أمر من الخليفة المنصور استجابة لتأثير علماء الكلام على الجماهير من أجل تحريضهم على تكفير ابن رشد. إلا أن ابن رشد اليوم يقول لنا أنتم فى رحابى والفضل فى هذه الرحابة مردود إلى دعوة الأستاذ الدكتور جابر نصار رئيس جامعة القاهرة لإحياء أفكارى المهجورة والمكفرة، والتى يمكن أن تكون اليوم مدخلاً إلى اجتثاث جذور الإرهاب. وأظن أنه يقول لنا أيضاً: كم أنا مغتبط اليوم أن أكون فى رحاب الرئيس عبد الفتاح السيسى بديلاً عن زنقة الخليفة المنصور. والزنقة لغة تعنى المسلك الضيق فى القرية.

والسؤال إذن: ما الأسباب التى أدت بابن رشد إلى أن يكون مصيره محكوماً بزنقة الخليفة المنصور؟

أسرد الجواب على هيئة قصة بدايتها القرن الحادى عشر ونهايتها القرن الثالث عشر. وكان كل قرن من هذه القرون يدور على سؤال محدد: فماذا كان السؤال فى القرن الحادى عشر كان السؤال حول مدى مشروعية التأثر بفكر غير إسلامى؟ وجاء جواب أبو حامد الغزالى فى الفقرة الأولى من كتابه تهافت الفلاسفة أن الفلاسفة المسلمين كفرة ومصدر كفرهم انصاتهُم إلى فلاسفة اليونان الوثنيين الذين أنكروا الشرائع والنحل، وجحدوا الأديان والملل، واعتقدوا أنها نواميس مؤلفة وحيل مزخرفة.

هكذا جاء ذكر التكفير، إلا أن الغزالى زاد عليه شيئا آخر فى خاتمة كتابه حيث قال: فإن قال قائل: لقد فصلتم مذاهب هؤلاء الفلاسفة المسلمين أفتقطعون القول بتكفيرهم ووجوب القتل لمن يعتقد اعتقادهم؟ قلنا: تكفيرهم لابد منه، ثم سكت عن إبداء الرأى فى وجوب قتلهم. بيد أن السكوت عنه لا يعنى نفيه.وإثر موت الغزالى أصبح المشرق العربى محكوما بمذهبه، بل امتد تأثيره إلى المغرب العربى.

وبسبب هذا التأثير للغزالى على المشرق العربى وبداية تأثيره على المغرب العربى تفرغ ابن رشد فى القرن الثانى عشر لإجهاض البداية حتى تمتنع عن مواصلة مسارها فألف ثلاثة كتب للرد على فكر الغزالى: فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال و الكشف عن مناهج الأدلة فى عقائد الملة و تهافت التهافت.

الفكرة المحورية فى الكتاب الأول مفادها أن المؤول لا يُكفر لأن التأويل مطلب ضرورى للكشف عن المعنى الباطن للنص الدينى إذا تعارض المعنى الظاهر مع العقل.

والفكرة المحورية فى الكتاب الثانى أنه ليس من حق المؤول أن يتصور أن تأويله هو التأويل الوحيد الحق وما عداه فهو باطل.

والفكرة المحورية فى الكتاب الثالث تكمن فى عبارة ابن رشد القائلة بأن مَنْ رفع الأسباب فقد رفع العقل. وهذا قول على نقيض قول الغزالى بأن الله فقط هو السبب الوحيد فى حدوث جميع الظواهر.

وفى القرن الثالث عشر جاء الفقيه ابن تيمية وتفرغ للدعوة إلى إبطال إعمال العقل فى النص الدينى لأن الأصل هو النقل وليس العقل، والنقل محصور فى السمع ، ومن هنا يرفض ابن تيمية التأويل لأنه مخالف لإجماع السلف وصاحبه كافر والقتال ضده أمر لازم. ومن ثم تتكون علاقة عضوية بين التكفير والقتل. وفى القرن العشرين شاعت هذه العلاقة فى حركة الإخوان المسلمين وما تفرع عنها من حركات إسلامية أصولية، إذ إن أساسها يكمن فى فكر ابن تيمية.

وهكذا أُجهض فكر ابن رشد فى العالم الإسلامى إلى الحد الذى أصبح فيه هامشياً. وأصبحت الأولوية للنقل، أى للتراث، وهى أولوية تنفى ما بعدها. والنفى هنا موجه إلى إعمال العقل. وإذا كان شعار التنوير على نحو ما صاغه كانط فيلسوف التنوير فى ألمانيا فى القرن الثامن عشر كن جريئاً فى إعمال عقلك، فإن أولوية التراث فى العالم الإسلامى تعنى نفى التنوير. ومع ذلك فثمة سؤال يمكن أن يثار: لماذا ابن رشد بالذات وليس غيره من الفلاسفة المسلمين؟

لأن ابن رشد هو من جذور التنوير الأوروبى وسبب ذلك مردود إلى نشأة الرشدية اللاتينية فى أوروبا فى القرن الثالث عشر، إذ ترجمت مؤلفاته إلى اللاتينية والعبرية .

وإذا أراد العالم الإسلامى الدخول فى حوار مع العالم الغربى من أجل تكوين جبهة مشتركة لمحاربة الإرهاب فينبغى على العالم الإسلامى أن يحيى فكر ابن رشد لتأسيس رشدية عربية تدخل فى حوار مع الرشدية اللاتينية ويكون من شأن هذا الحوار تأسيس تحالف كوكبى بين العالم الإسلامى والعالم الغربى لاجتثاث جذور الإرهاب. وأظن أن هذه الدعوة تواكب الدعوة التى دعا إليها الرئيس عبد الفتاح السيسى فى خطابه الذى ألقاه أمام الدارسين فى الأكاديمية العسكرية البرتغالية فى لشبونة فى 22/11/2016. وقد جاء فى خاتمة خطابه أن المعركة ضد الإرهاب ليست معركة أمنية فقط إنما هى صراع بين رؤيتين مختلفتين للعالم: رؤية تنويرية وأخرى متطرفة وهدفنا هو تحقيق الرؤية التنويرية من أجل تفجير الطاقات الإبداعية لشبابنا. وتوفير الحياة الكريمة لمجتمعاتنا و بناء مستقبل مشرق للحضارة الإنسانية.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (156) التنوير فى العالم العربى   الأربعاء 14 ديسمبر 2016, 1:53 am



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (156)
التنوير فى العالم العربى


الثلاثاء 14 من ربيع الأول 1438 هــ 13 ديسمبر 2016 السنة 141 العدد 47489

تلقيت دعوة كريمة من الأستاذ أحمد زين مدير مجلة «الفيصل» التى تصدر عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الاسلامية لكتابة مقال ينشر فى ملف عدد نوفمبر من هذا العام تحت عنوان «لماذا التنوير الآن؟» وأظن أن هذا الملف بهذا العنوان هو الأول من نوعه فى المملكة العربية السعودية. وفى هذا السياق جاء عنوان مقالى «إشكالية التنوير فى العالم العربي». وأنا هنا أوجزه على النحو الآتي: إذا كانت الإشكالية تنطوى على تناقض فالسؤال اذن.. أين يكمن التناقض فى التنوير؟.. كان للفيلسوف الألمانى العظيم كانط مقال عنوانه «جواب عن سؤال: ما التنوير؟» (1784) ويمكن إيجازه فى شعاره القائل: «كن جريئاً فى إعمال عقلك». وقد كان يقصد به ألا سلطان على العقل إلا العقل نفسه. وترتب على ذلك القول بأن قياس مدى التنوير مردود إلى مدى سلطان العقل.

والسؤال اذن.. أين تكمن أزمة العقل فى إشكالية التنوير؟.. فى نوفمبر من عام 1978 انعقد فى الجزائر «مهرجان ابن رشد». وإذا بأبحاث المهرجان، فى معظمها، تُضعف من شأن العقل عند ابن رشد. مثال ذلك القول بأنه يجب إخراج الصراع الفلسفى بين الغزالى وابن رشد من مجال البحث الفلسفى لأنه ينطوى على نبرة انفعالية فى حين أنه كان، فى رأيى، الصراع التاريخى الذى حدد مسار العالم العربى فى اتجاه الأصولية الدينية التى تبطل إعمال العقل فى النص الديني. ومثال ذلك أيضاً القول بأن ابن رشد لا يلجأ إلى التأويل إلا للضرورة، وحتى هذه الضرورة إن وجدت إنما تدلل على أن ظاهر الشريعة يؤيد ما نذهب إليه من تأويل. وفى مارس من عام 1980 اجتمع فى باريس أربعون عضواً من مشاهير مفكرى العرب لتأسيس «حركة تنوير عربية». والمفارقة هنا أن ذلك الاجتماع التأسيسى كان هو الأول والأخير، أى أنه قد أصيب بالفشل.والسؤال اذن.. لماذا فشل؟..وأجيب بسؤال.. لماذا انعقد ذلك الاجتماع فى باريس ولم ينعقد فى أى بلد عربى خاصة وأنه يدعو إلى حركة تنوير عربية؟ لأننا لم نعثر على بلد عربى يقبل استضافة ذلك المؤتمر. وهنا أستعين بحوار دار بين اليسار المصرى وتوفيق الحكيم فى يناير 1975. وفى ذلك الحوار كان رأيى أن أوروبا قد مرت بحركتين للتنوير: «تحرير العقل» و«التزام العقل بتغيير الوضع القائم». أما الدول العربية ومن بينها مصر فلم تمر بهاتين الحركتين. وقد وافق توفيق الحكيم على هذا الرأي، ثم استطرد قائلاً: لقد ارتددنا إلى الوراء من بعد العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين بسبب الرجعية الدينية الخرافية التى لا تتفق مع جوهر الدين، ولكنها تتستر باسم الدين لتلغى دائماً دور العقل. وهنا تذكر توفيق الحكيم المقالات التى كان يكتبها فى عام 1939 بمناسبة صراعه مع السلطة الدينية. ومن هنا دعا إلى ضرورة نشر العلمانية فى التفكير وفى المنهج العلمي.إلا أن هذا الصراع الذى تحدث عنه توفيق الحكيم كان سابقاً على زمانه. ففى عام 1834 أصدر رفاعه رافع الطهطاوى كتاباً عنوانه «تخليص الإبريز فى تلخيص باريز» جاء فيه أنه ترجم اثنتى عشرة شذرة لمفكرى التنوير الفرنسى ومع ذلك وضع شرطاً لقراءة هذه الشذرات وهو التمكن من القرآن والسُنة لأنها محشوة بكثير من البدع وبها حشوات ضلالية مخالفة لسائر الكتب السماوية. والشيخ على عبد الرازق فى كتابه المعنون «الاسلام وأصول الحكم» أنكر الخلافة الاسلامية بدعوى أنها ليست من الخطط الدينية ولا القضاء ولا غيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة، إنما كلها خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها، إنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل. وكانت النتيجة محاكمته أمام هيئة كبار العلماء بدعوى أن كتابه يحوى أموراً مخالفة للقرآن الكريم والسُنة النبوية وإجماع الأمة ثم صدر الحكم بطرده من وظيفته.

واللافت للانتباه أن كتاب الشيخ على عبد الرازق قد صدر بعد عام من الغاء الخلافة الاسلامية فى تركيا. ومن هنا يمكن القول بأن قرار هيئة كبار العلماء بطرد الشيخ على عبد الرازق يتضمن ضمنياً انحياز هؤلاء إلى الخلافة الاسلامية. وكل ما هو حادث من ارهاب تثيره حركات اسلامية أصولية وغيرها إنما هو من أجل إعادة الخلافة.

والسؤال بعد ذلك: هل فى الامكان تأسيس تيار تنويرى للخروج من أزمة التنوير؟

جوابى بالايجاب بشرط تأسيس رشدية عربية لمواجهة الأصوليات العربية على أن تكون مكونات هذه الرشدية كالآتي.. إن للنص الدينى معنيين أحدهما ظاهر والآخر باطن.

مشروعية إعمال العقل فى النص الدينى للكشف عن المعنى الباطن وهو ما يسمى بالتأويل.

عدم تكفير المؤول بدعوى خروجه عن الاجماع. وفى هذا المعنى قال ابن رشد «لا يقطع بكُفر مَنْ خرج على الاجماع» فى كتابه المعنون «فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال». الدخول فى علاقة عضوية بين الرشدية العربية والرشدية اللاتينية حتى يزول التوتر الحاد بين العالم الاسلامى والعالم الغربي، ومن ثم تتوارى عبارة «تصادم الحضارات».




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (157) فى رحاب تنوير ابن رشد   الأربعاء 21 ديسمبر 2016, 8:09 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (157) فى رحاب تنوير ابن رشد


الثلاثاء 21 من ربيع الأول 1438 هــ 20 ديسمبر 2016 السنة 141 العدد 47946

أظن أن الأستاذ الدكتور جابر نصار رئيس جامعة القاهرة كان محقاً عندما اختار عنواناً لمحاضرتى التى ألقيتها فى قاعة الاحتفالات الكبرى بالجامعة فى 28/11/2016 «فى رحاب تنوير ابن رشد». فقد وردت فى محاضرتى العبارة الآتية: إذا أراد العالم الاسلامى الدخول فى حوار مع العالم الغربى من أجل تكوين جبهة مشتركة لمحاربة الارهاب فينبغى على العالم الاسلامى أن يُحيى فكر ابن رشد لتأسيس رشدية عربية تدخل فى حوار مع الرشدية اللاتينية ويكون من شأن هذا الحوار تأسيس تحالف كوكبى بين العالم الاسلامى والعالم الغربى لاجتثاث جذور الارهاب.

وأظن أيضاً أنه إذا كان «رحاب تنوير ابن رشد» فى امكانه أن يحتضن العالم الغربى والعالم الاسلامى فإنه فى إمكانه كذلك أن يضم إلى هذين العالمين كنائس الشرق الأوسط. والذى يدعونى إلى إثارة فكرة هذا الانضمام هو ما حدث من ارهاب للكنيسة البطرسية بالعباسية فى11/12/2016. وقد تم هذا الارهاب بتفجير ارهابى نفسه بحزام ناسف أسفر عن 26 حالة وفاة و48 مصاباً وفقاً لتصاريح الدفن التى أصدرتها النيابة العامة. والجدير بالتنويه، هاهنا، ما ورد فى بيان الرئيس عبد الفتاح السيسى من أن «هذا الارهاب الغادر يستهدف الوطن بأقباطه ومسلميه». والمغزى أن ثمة عدواً مشتركاً بين الأقباط والمسلمين فى مصر. وإذا كان الرأى عندى أن الارهاب هو أعلى مراحل الأصوليات أيا كانت ملتها الدينية فالعدو المشترك هو أصولى أيا كانت أيضا ملته الدينية. وإذا كانت مصر هى المصدر الرئيسى للارهاب الدولى بحكم تأسيس الاخوان المسلمين فى عام 1928 فتكون مصر ملزمة بأن تكون فى الصدارة فى ذلك التحالف الكوكبى المزمع تأسيسه فى القرن الحادى والعشرين. وإذا كانت مصر كذلك فتكون أيضاً ملزمة بتأسيس رشدية شرق أوسطية للدخول فى ذلك التحالف.

والذى يدعونى للمرة الثانية إلى تأسيس مثل هذا النوع من الرشدية هو ما قرأته فى مجلة «روزاليوسف» فى عددها الصادر بتاريخ 10/12/2016، أى قبل ذلك الحادث الارهابى بيوم واحد، تحت عنوان رئيسى «ثورة تصحيح فى الكنيسة« وعنوان فرعى «إعمال العقل ومراجعة التراث الدينى الأرثوذكسى» وذلك بدعم كامل من البابا تواضروس وبمؤازرة من دير الباراموس ورئيسه الأنبا إيسيذورس فى الترويج للتنوير. وفى مقدمة رهبان هذا الدير يأتى ذكر الراهب سارافيم الباراموسى. والفكرة المحورية، عنده، تدور حول تأويل النص الدينى بوجه عام وتأويله بوجه خاص للنص الانجيلى الذى يحكم علاقة الله بالانسان. وفى هذا السياق يرفض تحول الايمان إلى معتقد مطلق جامد، وبالتالى يرفض القول بأن العقل قادر على امتلاك الحقيقة المطلقة. وفى هذا السياق أيضاً يرى الراهب سارافيم أن السيد المسيح لم يأت بعقيدة أو دين فى قوالب نصية جامدة، بل قاوم التحيز النصى للعقيدة مؤكداً أن المسيح لم يكتب دوجما (أى معتقد مطلق) بالمفهوم الحرفى بل قاوم الحرف لحساب الروح.

واللافت للانتباه، هاهنا، أن عملية تجديد الخطاب المسيحى لم تقف عند حد دير الباراموس بل تجاوزته إلى أساقفة فى المجمع المقدس وفى مقدمهم الانبا موسى أسقف الشباب. ففى حوار معه فى عدد مجلة «روزاليوسف» الصادر بتاريخ 19/11/2016، أى قبل الحادث الارهابى بأكثر من عشرين يوماً، قال: «على الرغم من أن كنيستنا كنيسة آباء تقوم على التسليم من جيل إلى جيل فاننا لا نقف موقفاً متشدداً إزاء إعمال العقل فى فهم العقيدة بل على العكس نحاور كل الآراء ونقبل الصحيح منها. ونتيجة التطور الفكرى والفلسفى تظهر بعض المفاهيم الجديدة ويتم التحاور بينها».

وفى هذا السياق أيضاً سئل أسقف الشباب الأنبا موسى: «هل يتم هذا كله بالتنسيق مع الدولة؟ وجاء جوابه على النحو الآتى: «أرفض مصطلح التنسيق مع الدولة لأنه يوحى بأننا جالية أو دولة أخرى داخل الدولة. نحن نعمل معها وفقا لسياساتها وتوجهاتها، ولسنا مستقلين عنها. وكان الله فى عون الرئيس عبد الفتاح السيسى فى هذه المرحلة الحرجة».

وتأسيساً على ذلك كله يمكن إثارة السؤال الآتى: هل دعوتى إلى تأسيس رشدية شرق أوسطية لها ما يبررها؟

أظن أن الجواب بالايجاب مادام أن الأصولى هو العدو المشترك بين المؤسسات الدينية التى تجتهد فى إحداث تيار تجديدى بوجه عام وتيار رشدى بوجه خاص، وأقول بوجه خاص لأن الرشدية، سواء كانت لاتينية أو عربية أو شرق أوسطية، هى المضاد الحيوى للأصولية. وبناء عليه يمكن القول بأن الرشدية يمكن أن تكون أساساً لتجديد الخطاب المسيحى.

ومع ذلك كله يبقى سؤال: كيف تتحول الرشدية إلى تيار كوكبى، أى إلى تيار يتمثله سكان كوكب الأرض من أجل القضاء على الارهاب الأصولى الكوكبى؟

هذا التحول لن يكون ممكناً إلا إذا دخلت الرشدية فى علاقة عضوية مع القنوات الفضائية. لماذا؟ لأن هذه القنوات هى من ثمار الثورة العلمية والتكنولوجية، وهذه الثورة من ثمارها مصطلح انجليزى هو mass وترجمته بالعربية «الجمهور» وله مشتقات شاعت وهيمنت دون أن نكون على وعى بمغزاها. فالكل يتحدث عن ثقافة جماهيرية واتصالات جماهيرية ومجتمع جماهيرى وانسان جماهيرى وهو ما يعادل «رجل الشارع». وفى هذا المعنى يمكن القول بأن رجل الشارع هو بدوره المتحكم فى توجيه ثمار الثورة العلمية والتكنولوجية نحو الارهاب. وحيث إن رجل الشارع جاهل لا يكتب ولا يقرأ فليس لديه سوى القنوات الفضائية. ومن هنا تكون وظيفة هذه القنوات تدريب رجل الشارع على كيفية تغيير ذهنيته من ذهنية تغذيها خرافات ومحرمات ثقافية إلى ذهنية عقلانية تواكبها دعوة علمانية فى حدها الأدنى ودعوة تنويرية فى حدها الأقصى.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (158) المطلق والنسبى فى زمانين   الثلاثاء 27 ديسمبر 2016, 8:07 pm

مراد وهبه


رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (158) المطلق والنسبى فى زمانين


الثلاثاء 28 من ربيع الأول 1438 هــ 27 ديسمبر 2016 السنة 141 العدد 47953


...وأقصد بالزمانين النصف الثانى من القرن الخامس قبل الميلاد والنصف الأول من القرن الحادى والعشرين، وبالرغم من المسافة الزمانية الشاسعة بينهما إلا فإنهما يشتركان فى إثارة قضية محورية هى قضية العلاقة بين المطلق والنسبى. فى الزمان الأول كانت الإثارة مردودة إلى حركة فلسفية أُطلق عليها اسم «السوفسطائية». وكان اسم سوفيست يدل فى الأصل على المعلم أو مستشار العلاقات العامة أو الخطيب أو الفيلسوف، ثم لحقه التحقير فى عهد أفلاطون عندما اتهم السوفسطائيين بأنهم مجادلون مغالطون ومتاجرون بالعلم.

وأنا فى هذا المقال أتناول مصطلح «سوفسطائى» بالمعنى الأول المحصور فى لقب «فيلسوف» وأخص بالذكر زعيم السوفسطائيين بروتاغورس وعبارته المأثورة الانسان مقياس الأشياء جميعاً، ويعنى بها أن معرفة الانسان نسبية، فما تقول عنه إنه صادق يقول عنه غيرك إنه كاذب، وبالتالى تبطل الحقيقة المطلقة لتحل محلها حقائق نسبية ومتعددة الأمر الذى من شأنه أن يفضى إلى أن يعيش المجتمع فى حالة فوضى، وفى هذا المعنى وبسببه حُكم على بروتاغورس بالاعدام ولكنه هرب.

ثم جاء أفلاطون وكان على نقيض بروتاغوراس إذ وضع الحقيقة المطلقة فى الصدارة، ومن ثم توارت الحقيقة النسبية إذ قال عنها إنها نوع من الخيال، ومع ذلك ظل الصراع بين المطلق والنسبى خفياً تارة وظاهراً تارة أخرى مما يدل على أنه صراع محورى فى مسار الفكر الفلسفى. وفى هذا السياق أصدرت كتاباً تحت عنوان «قصة الفلسفة» فى عام 1968 وجاء فى مقدمته أن «قصة الفلسفة» هى قصة البحث عن المطلق إلا أننا لن نفهم معنى المطلق إلا فى مقابل معنى النسبى، وبالرغم من أن المعنيين متناقضان فإنهما متداخلان. ونقول عن هذه العلاقة المتناقضة والمتداخلة إنها علاقة ديالكتيكية قد تنتهى فى نهاية المطاف إما إلى حذف أحد الطرفين وإما إلى الإبقاء عليها فتظل قائمة بلا نهاية، والجدير بالتنويه أن كتابى هذا هو الكتاب الوحيد من بين كتبى المؤلفة الذى لاقى رواجاً جماهيرياً، إذ طُبع منه ستون ألف نسخة فى خمس طبعات.

وفى القرن العشرين صدر كتاب عنوانه «العقلانية والنسبية» (1982)، وهو عبارة عن جملة أبحاث بأقلام فلاسفة وعلماء اجتماع. جاء في مقدمته أن مصطلح «النسبية» ينطوى على إغراء دائم وكاسح، وقابل للقبول أو الرفض، وهو فى ذلك كله يذكرك بسؤال بروتاغوراس: ما الحقيقة؟ وقد ردد الفيلسوف الألمانى المشهور نيتشه فى نهاية القرن التاسع عشر هذا السؤال وكان جوابه أن الحقيقة وَهْم.

أما فى القرن الحادى والعشرين فاللافت فيه أن صحفياً أمريكياً قرر أن يتفلسف فأصدر كتاباً عنوانه الرئيسى «حُلم عقل» وعنوانه الفرعى «تاريخ الفلسفة من اليونان إلى عصر النهضة» كما قرر أن يكون كتابه جماهيريا فأصدره عن دار نشر جماهيرية هى «بنجوين راندم هوس» وقد نشرته مرتين: المرة الأولى فى عام 2001، والمرة الثانية فى عام 2016. ومن بين فصوله فصل عن الحركة السوفسطائية حيث النسبية هى القضية المحورية.

والجدير بالتنويه هنا أنه فى مساء الثلاثاء 20/12/2016 دعيت من قِبل قناة «أوربت» الفضائية ممثلة فى الاعلامية المرموقة مريم زكى لإجراء حوار معى، وقد أخبرتنى قبل بداية الحوار أنه مقسم إلى أربعة أجزاء: الجزء الأول عرض فيلم موجز عن حياة الفيلسوف الاسلامى العظيم ابن رشد، والجزء الثانى عن أهمية هذا الفيلسوف للعالم الاسلامى فى هذا الزمان حيث العلاقة متوترة بين هذا العالم والعالم الغربى، والجزء الثالث عن العلاقة بين المطلق والنسبى، والجزء الرابع عن شذرات من حياتى، وما يهمنى إثارته فى هذا المقال هو الجزء الثالث وكان السؤال المثار من قبل المحاورة المرموقة مريم: لماذا نفكر بالمطلق ولا نفكر بالنسبى؟ ثم أعقبته بسؤال آخر عن مدى الافادة من ابن رشد فى هذا السياق.

اغطبت بالسؤالين وكان اغتباطى مردودا إلى سببين: السبب الأول أن ابن رشد أصبح مطلباً جماهيرياً فى السوق الفضائية بالاضافة إلى السوق الأرضية. والسبب الثانى مردود إلى استدعاء الفكر الفلسفى للحضور فى ذلك السوق بوجه عام، واستدعاء القضية المحورية فى ذلك الفكر وهى العلاقة بين المطلق والنسبى بوجه خاص.

وجاء جوابى على النحو الآتى:

إن قيمة ابن رشد الآن تكمن فى أنه فى إمكانه ردم الهوة بين العالم الاسلامى والعالم الغربى. وسبب ذلك مردود إلى أنه كان له الفضل فى تأسيس تيار «الرشدية اللاتينية» التى أدت إلى إخراج أوروبا من العصور الوسطى المظلمة، إذ أجهز هذا التيار على الدعوة القائلة بابطال إعمال العقل فى النص الدينى، ومن ثم مهد الطريق لمشروعية النظريات العلمية بوجه عام، ونظرية دوران الأرض حول الشمس بوجه خاص. وكانت السلطة الدينية قد أدانت هذه النظرية، إذ صادرت كتاب العالم الفلكى كوبرنيكس المعنون «عن حركات الأفلاك» والذى كانت قضيته المحورية التدليل على صحة دوران الأرض. وأدانت جاليليو عندما أيدها وأحرقت جثمان جيوردانو برونو عندما دعمها. والمفارقة هنا أن العالم الاسلامى كفَر ابن رشد وأحرق مؤلفاته، وبالتالى أصبح هامشياً. والمطلوب استدعاؤه لتأسيس تيار «رشدية عربية» يدخل فى علاقة عضوية مع الرشدية اللاتينية من أجل التحرر من الأصوليات الدينية التى تتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة، وبالأخص الأصولية الاسلامية المرتكزة على الفقيه ابن تيمية الذى يكفر ابن رشد ودعا إلى إبطال إعمال العقل. وإذا تم التحرر من هذه الأصولية ثم القضاء على الارهاب من حيث إنه أعلى مراحل الأصولية الدينية. والمراوغة فى عملية التحرر من شأنها دفع العقل إلى أن يكون فى حالة غيبوبة يمتنع معها الإفاقة.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (159) النازية والمسألة اليهودية   الأربعاء 04 يناير 2017, 2:34 am



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (159) النازية والمسألة اليهودية




الثلاثاء 5 من ربيع الآخر 1438 هــ 3 يناير 2017 السنة 141 العدد 47510


   الرأى عندى أن ثمة نوعين من التاريخ: تاريخ علنى وتاريخ سرى. النوع الأول يستند إلى وثائق متداولة و متناثرة، وما على المؤرخ، فى هذه الحالة، سوى ترتيبها فى إطار علاقات منطقية بحيث تبدو وكأنها بيان للبشر. أما النوع الثانى فليس بالأمر الميسور، حيث المؤرخ فى حاجة إلى جهد خارق للكشف عن الدوافع الخفية وراء الوثائق المتداولة والمتناثرة.

وقد وردت إلى ذهنى هذه التفرقة وأنا أقرأ كتاباً صدر فى عام 2013 تحت عنوان رئيسى “ هيس وهتلر وتشرشل” وعنوان فرعى “ نقطة التحول الحقيقية فى الحرب العالمية الثانية”، وفى نهايته عبارة بالخط الأحمر “ تاريخ سرى” والمؤرخ اسمه بيتر رادفيلد. والسؤال إذن: ما العلاقة بين هيس وهتلر وتشرشل؟ وما هو السر الدفين فى هذه العلاقة المتناقضة ؟

فهيس هو نائب هتلر والذى يقال عنه “إنه أحب هتلر إلى حد التأليه”، وتشرشل عدو الاثنين معاً. ويقال إن هذه العبارة هى المفتاح لفهم الدوافع وراء المغامرة التى قام بها هيس وهى طيرانه إلى بريطانيا العظمى فى 10 مايو 1941 وهبوطه فى اسكتلنده من أجل إجراء محادثات سلام مع تشرشل لانهاء الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك فالقصة المعلنة والمتداولة، سواء فى بريطانيا أو فى ألمانيا، هى أن هيس رجل مثالى ومعزول أراد أن يستعيد مكانته المفقودة فى جماعة هتلر فطار بدون إذنه . إلا أن ثمة قصة أخرى معلنة وعلى الضد من القصة الأولى وهى أن رحلته لم تكن مغامرة بل كانت مخططة من قبل هتلر، ولهذا لم يكن من الوارد أن يرسل هتلر مبعوثه الوفى إلى أرض العدو من غير أن يكون على يقين من أن مبعوثه سيعامل على أنه مفاوض جاد. ومع ذلك لم يفصح هيس عما يضمره من أفكار لإبرام سلام مع بريطانيا. ومن هنا حاول رادفيلد أن يفصح عن هذا الذى امتنع هيس أن يفصح عنه، وهو كالآتى:

كان هتلر ورفاقه على قناعة مطلقة بأن ثمة عدوين: اليهود والشيوعية إلا أن المسألة اليهودية هى محور الايديولوجيا النازية. فاليهودى، عند هتلر، طفيلى ونجس الأمر الذى يلزم منه تطهير المجتمع منه وذلك بسحقه من جذوره لكى يحافظ على نقاء جنسه. وكان رأيه هذا هو موجز كتابه “كفاحى”. وهكذا كان هيس. ومن هنا سُنت التشريعات التى بمقتضاها تدفع اليهود إلى الخروج من الحياة الألمانية . وقد ترتب على تنفيذ هذه التشريعات أن هاجر كثرة من اليهود ومَنْ تبقى عاش معزولاً فى الجماعة اليهودية. وقد أدى وزير الدعاية جوبلز دوراً أساسياً فى تحقيق هذا الذى انتهى إليه اليهود من أجل حماية الدم الألمانى.

وعلى الضد من المسألة اليهودية كانت المسألة البريطانية. فقد كان هتلر على قناعة وشاركه فيها هيس بأن فى إمكانه سحق بريطانيا وإذلالها إلا أنه لم يكن راغباً فى انجاز هذه المهمة بل على الضد من ذلك كان راغباً فى ابرام معاهدة سلام مع بريطانيا. ولا أدل على ذلك من أن لندن قد عانت، فى الليلة التى هبط فيها هيس فى اسكتلنده، من غارات جوية مدمرة الأمر الذى يدفع بريطانيا إلى رؤية الكارثة إذا امتنعت عن التفاهم مع هيس. ولا أدل على ذلك أيضا من توقف الغارات الجوية بعد 10/11 مايو 1941. والسؤال إذن: لماذا كان هتلر متحمساً لابرام معاهدة سلام مع بريطانيا؟

لتحييدها إذا ما تحركت ألمانيا ضد روسيا. إلا أن تشرشل رفض اقتراح هتلر دون أن يستشير البرلمان. والمفاجأة هنا أن تشرشل، بدلا من ذلك، استشار روزفلت الذى أبدى معارضة حاسمة فى رفض خطة هيس وفى اتهام الألمان بأنهم قد أصيبوا بلوثة عقلية فى كراهيتهم لليهود.

وفى أول سبتمبر من عام 1941 نشرت جريدة “ الديلى ميل” خبراً مثيراً تحت عنوان “ الحياة اليومية لهيس وهو فى السجن مقيما فى جناح مجنون سابق، ويعانى من مرض عقلى اسمه جنون العظمة ومن هوس الاضطهاد”. ومعنى ذلك فى ايجاز أن هيس مجنون من رأسه إلى قدمه. وفى عام 1945 انتحر هتلر واستسلمت ألمانيا للحلفاء.

وفى 20/11/ 1945 بدأت محاكمات نورمبرج مع القادة النازيين الذين اتهموا بأنهم مجرمو حرب وصدرت ضدهم أحكام بالسجن مع تباين مدة الحبس فى زنزانات سجن سبانداو الموجود فى غرب برلين. والزنزانة مبنية بطريقة يمتنع معها انتحار السجين. ومع ذلك فقد أعلن فى 17 أغسطس من عام 1987 أن هيس انتحر مع تقرير من علماء الطب العقلى التقوا على هيئة ندوة وقرروا فى النهاية أن هيس ليس مجنوناً على نحو ما أشيع. وكان الخبر صادماً. وهنا ثمة سؤال لابد أن يثار: ما المغزى فى إصدار كتاب من هذا القبيل فى القرن الحادى والعشرين، أى بعد مرور سبعين عاما على انتحار هتلر ونحو ثلاثين عاما على انتحار نائبه رودلف هيس الذى قيل عنه إنه يحب هتلر على أنه إله؟

المغزى كامن فى المسألة اليهودية وفى رؤية اليهود لهتلر. المسألة اليهودية تدخل فى علاقة عضوية مع الحضارة الانسانية وهذه العلاقة هى الآن فى مفترق طريق بين مَنْ يتصور أن اليهود أشرار يلزم قتلهم وبين مًنْ يتصور أنهم فى صلب الحضارة الانسانية فى مسارها العقلانى. التصور الأول يلازمه بالضرورة مولد هتلر مرة أخرى مع فشله إن ولد. والتصور الثانى يُلزم المسألة الفلسطينية فى إحداث علاقة عضوية مع المسألة اليهودية للقضاء على وهم تدمير اسرائيل والمضى قدما بعد ذلك نحو تحقيق السلام. والرأى عندى أن التصور الثانى لن يكون موضع تساؤل.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (160) فى الطريق إلى الوضع القادم   الأربعاء 11 يناير 2017, 4:44 am





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (160) فى الطريق إلى الوضع القادم


الثلاثاء 12 من ربيع الآخر 1438 هــ 10 يناير 2017 السنة 141 العدد 47517



ورد إلى ذهنى عنوان هذا المقال مما نُشر فى صحيفتى “ الأهرام” و” المصرى اليوم” فى يوم واحد بتاريخ 4/1/2017. وأقصد بهذا العنوان المساهمة فى استكمال “ ثورات الربيع العربى” التى رفعت شعار “ الشعب يريد اسقاط النظام”، أى إسقاط الوضع القائم المأزوم. إلا أنها صمتت إزاء رفع شعار الوضع البديل، أى الوضع القادم، فأصيب الوضع القادم هو الآخر بأزمة، ومن ثم استبدلت هذه الثورات أزمة بأزمة.

والسؤال اذن: هل تصور قادة هذه الثورات أن البديل قادم آلياً؟ إذا كان الجواب بالايجاب فهم واهمون فى هذا التصور لأن البديل القادم يستلزم فلاسفة يفكرون فيه ويكتبون عنه حتى يتحول البديل إلى تيار ضاغط ويكون من شأنه ابتداع شعار ايجابى خاص بالنظام الجديد كأن يقال مثلاً: “ الشعب يريد نظاماً علمانياً”

وهنا لابد من التساؤل: لماذا اخترت هذا النظام الجديد ولم اختر غيره؟ وفى صياغة أدق:

لماذا اخترت العلمانية دون غيرها من الايديولوجيات؟ وأجيب بسؤال تمهيداً للجواب: ماذا كانت سمة الوضع القائم المأزوم؟

كان يموج بهيمنة أصولية إسلامية متداخلة مع رأسمالية طفيلية وتريد فى نهاية المطاف الاستيلاء على السلطة لاستعادة الخلافة الاسلامية، أى لاستعادة وضع مضى فاقد الفاعلية بحكم كونه قد مضى. والذى يمضى لا يعود بحكم تطور المسار الحضارى فى اتجاه الارتقاء.

وإذا كان هذا الجواب صالحاً لأن يكون تمهيداً للجواب عن التساؤل المثار فهل ما هو حادث الآن يسمح لنا باختيار العلمانية نظاماً للوضع القادم؟

أظن أن الجواب بالايجاب وإليك الدليل مما قرأته فى الصحيفتين. فى صحيفة الأهرام حوار أُجرى مع البابا تواضروس الثانى بابا الاسكندرية وبطريرك الكنيسة المرقسية. وأنا هنا أنتقى عبارات محددة تشى بسلامة الجواب. يقول البابا “ نحن قاسينا كثيراً فى فترة السنة المظلمة (2012- 2013) وكنا فى حالة صدام. وكلنا مصريون- مسلمون ومسيحيون- نعمل حالياً من أجل بناء بلد جديد”. والمقصود بهذه السنة المظلمة هى السنة التى استولى فيها حزب الاخوان المسلمين على الحكم.

وعندما سُئل عن طريق الخلاص من الارهاب قال البابا: “ إن القرى محتاجة إلى تنشيط لتفتيح العقول. أيضاً التعليم وما يقدمه للعقول فى المرحلة الابتدائية وخريجو كليات التربية أحد المفاتيح”. وأنا هنا أضيف بصفتى أستاذاً فى كلية التربية بجامعة عين شمس أن هذه الكليات محكومة بفكر الاخوان المسلمين الذى يستند إلى فكر الفقيه ابن تيمية الذى يدعو إلى إبطال إعمال العقل فى النص الدينى، أى إلى رفض تأويل النص الدينى بدعوى أنه رجس من عمل الشيطان والاكتفاء بالسمع والطاعة.

وعندما سئل البابا عن الخطوة التى قام بها رئيس جامعة القاهرة بالغاء خانة الديانة قال: “ إلغاء خانة الديانة فى جامعة القاهرة خطوة جيدة من أجل تحقيق المساواة وعدم التمييز. الدين اعتبار شخصى للانسان سيحمله معه بعد حياته ويقف به أمام الله فقط. ولهذا فأنا قبل أن أكون مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً أو مؤمنأ بأى ديانة أخرى فأنا انسان ولدت على أرض مصر فأنا مصرى وهذا هو العامل المشترك”.

وعندما سئل عن الشاب الذى فجر نفسه بحادث الكنيسة البطرسية ولمن أقنعه بذلك أجاب البابا: “أقول له إنك عشت فى أوهام كاملة، وهذه الأوهام أدت إلى هذه المأساة. وعملك لم يكن فيه أى شكل من أشكال الشجاعة بل هو عمل جبان وعمل خسيس إلى أقصى درجة”.

هذه الاجابات من قِبل البابا تاواضروس الثانى تشى بأن الوضع القائم المأزوم كان أصولياً حتى النخاع. وإذا كانت العلمانية نقيض الأصولية بحكم أن العلمانية هى “التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق” و أن الأصولية هى “التفكير فى النسبى بما هو مطلق وليس بما هو نسبى” فإن العلمانية بهذا المعنى تكون هى الوضع القادم.

وأنتقل بعد ذلك إلى حوار الامام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف مع عدد من الشباب الذين يمثلون الأطراف المعنية بالصراع فى إقليم “راخين” بميانمار (بورما سابقاً) تحت شعار “ نحو حوار انسانى حضارى من أجل مواطنى ميانمار”. والجدير بالتنويه هاهنا أن هذا الشعار خلا من كلمة “ دين”. ومغزى هذا الخلو مردود إلى قول شيخ الأزهر “ لا أعرف فتنة أضر على الناس ولا أفتك بأجسادهم وأسكب لدمائهم من القتل والقتال باسم الدين”. ثم استطرد قائلاً: إن الأديان الالهية كلها وفى كتبها المقدسة تقرر أن إرادة الله شاءت أن يخلق الناس مختلفين فى أديانهم. ولو أنه أراد أن يخلقهم جميعاً على دين واحد لفعل”. واللافت للانتباه هنا أن هذا القول يشى بأن الأديان متعددة وأنها فى تعددها يلزم أن تكون نسبية. وهنا قال ممثل الوفد الهندوسى فى ذلك الحوار “ إننا نتفهم اختلاف الأديان والثقافات ونحتقل بكل المناسبات الخاصة بالأديان الأخرى مثل رأس السنة الميلادية”. ومع ذلك فإن صحيفة “ الحياة” نشرت بتاريخ 5 يناير تحت عنوان “ ماليزيا تحذر من خطر داعش فى ميانمار فى تحويل اقليم راخين إلى أن يكون منطقة جذب للاسلاميين”.

وفى هذا السياق كله يمكن ترديد العبارة المأثورة التى قالها الراحل القس الدكتور صموئيل حبيب الذى كان رئيساً للطائفة القبطية الانجيلية فى بحث قدمه إلى ندوة كانت من تنظيمه فى أول سبتمبر 1997 “ إن الله فوق الأديان”.

وتأسيساً على ذلك كله يمكن القول بأن رؤية كل من البابا تاوضروس الثانى والامام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف لا تتسق مع صياغة المادة الثانية فى دستور مصر.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (161) هذا الثلاثى المدمر   الثلاثاء 17 يناير 2017, 4:09 pm






رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (161) هذا الثلاثى المدمر


الثلاثاء 19 من ربيع الآخر 1438 هــ 17 يناير 2017 السنة 141 العدد 47524






وأقصد بالثلاثة: أوباما وهيلارى وهوما. والمشترك بينهم محاولة تدمير الحضارة فى القرن الحادى والعشرين. وأنا أكتب عنهم اليوم ليس فقط بمناسبة رحيلهم من البيت الأبيض بلا رجعة، إنما لأنهم صدى لمفكر مدمر من القرن الخامس عشر اسمه نقولا ما كيافلى المشهور بكتابه المعنون «الأمير» (1513). وقد احتفل به، بمناسبة مرور خمسة قرون على صدور ذلك الكتاب، أستاذ القانون الدستورى بجامعة متشجن بأمريكا «هج هِيوِت» الذى هو، فى الوقت نفسه، مشهور بسبب إذاعته حديثاً أسبوعياً يحظى بمستمعين فى مائة وعشرين مدينة أمريكية. أصدر كتاباً فى عام 2015 عنوانه الرئيسى «الملكة» وعنوانه الفرعى “ الطموح الملحمى لهيلارى وبزوغ عصر آلـ «كلينتون الثاني». ومن البيَن أن المقصود بـــ«الملكة» هى هيلارى كلينتون. والسؤال اذن: ما العلاقة بين «الأمير» و «الملكة»، أو بالأدق ما العلاقة بين ماكيافلى وهيلارى بعد مرور خمسة قرون؟ أو إن شئنا أن نكون أدق قلنا: ما العلاقة بين ماكيافلى وهذا الثلاثى المدمر؟ “ الأمير” المقصود، عند ماكيافلي، هو فخامة الأمير لورنز دى ميدتشى الذى كان على رأس أسرة حاكمة كانت قد نُفيت ثم عادت إلى الحكم مرة أخرى لإدارة جمهورية فلورنسا بايطاليا. والكتاب عبارة عن نصائح سياسية لكيفية إدارة شئون الجمهورية. وبدايته إهداء من ماكيافلى إلى ميدتشي، والغاية من الاهداء نقل خبرة ماكيافلى السياسية بما انطوت عليه من اضطرابات ومخاطر لكى يفيد منها ميدتشى مستنداً فى ذلك إلى علم السياسة وليس إلى علم اللاهوت لأن السياسة ليست فى حاجة إلى الله فى الممارسة العملية فى حين أن علم اللاهوت ليس ممكناً من غير تصور لوجود الله. السياسة اذن وليس اللاهوت هى التى يلزم أن تكون فى الصدارة. وعندما تكون كذلك فإنها لا تعبأ بالقيم الأخلاقية، بل عندما تكون فى الصدارة يأتى مفهوم الحرية على غرار آخر، إذ تكمن، فى هذه الحالة، فى القدرة على التحكم فى الشعب، وهى قدرة ممكن ممارستها عندما يكون الأمير موضع ثقة من الشعب لأن الشعب لا يعنيه فى نهاية المطاف سوى الحاكم القوى والشجاع والقادر على توحيده. ومن هنا لا يكون الأمير مشرعاً بل حربياً، بمعنى أن تكون الحرب صناعته الأولي، وبالتالى فإنه لن يكترث إذا اتُهم بالقسوة عندما يُلزم رعيته بالطاعة. أما بداية كتاب “ الملكة” فهى عبارة عن خطاب موجه من المؤلف إلى وزيرة الخارجية الأمركية السيدة هيلاري. وخاتمته جاءت على النحو الآتي: «فى سياق فكر» الأمير «وبالصراحة ذاتها».

والكتاب مكون من 45 فصلاً ولكن أخطرها الفصل الخامس حيث يقول هِيِوت “ إن هذا الفصل يلسع، ولهذا فأنا أظن أنك ستنبذيه ولكن من الأفضل أن تكون نصائحه موضع اقتناع منك”. أما عنوان الفصل فهو «هوما». والسؤال اذن: مَنْ هى هوما وما خطورتها؟

إنها هوما عابدين المسلمة التى انضمت إلى هيئة البيت الأبيض الملازمة لهيلارى باعتبارها السيدة الأولى فى زمن الرئيس كلينتون، وكان يقال فى حينها إن هوما هى «المرأة الحارسة لهيلاري»: ثم أصبحت نائبة الرئيس للهيئة المعينة لوزيرة الخارجية هيلاري. وقد دامت هذه العلاقة سبعة عشر عاماً. ولكن مَنْ يتطلع إلى صور هوما مع هيلارى يشعر بأنها الابنة الثانية لها بل والناصحة الأولى لها. والسؤال بعد ذلك: ما هى النصائح التى من الممكن أن تلقنها هوما إلى هيلاري؟

الجواب كامن فى مسار حياتها السياسية. فقد كانت تعمل لعدة سنوات فى مجلة تتبنى الدعوة القائلة بأن الايديولوجيا الاسلامية تقع فى أعلى أنواع الايديولوجيات، وأن هذه المجلة كانت ممولة من عبد الله عمر نصيف الذى هو أكبر ممول لتنظيم القاعدة. بل إن هوما اشتركت مع نصيف فى تحرير مجلة «شئون الأقلية الاسلامية» لمدة سبع سنوات. وكان والد هوما هو الذى جنَد نصيف لتحرير هذه المجلة فى المملكة العربية السعودية. وعندما مات والدها تولت زوجته وهى والدة هوما مسئولية تحرير المجلة، وكانت فى حينها على علاقة وثيقة مع الاخوان المسلمين وأنصار الجهاد الاسلامي، ومسئولة عن إدارة اللجنة الاسلامية الدولية للمرأة والطفل والتى تعمل تحت إشراف المجلس الاسلامى الدولى للدعوة والذى هو من مكونات «الاتحاد من أجل الخير» بقيادة الشيخ يوسف القرضاوى مفتى جماعة الاخوان المسلمين، وصاحب الفتاوى التى تدعو إلى قتل الجنود الأمريكان وإلى القنابل الانتحارية فى اسرائيل. واللافت للانتباه هاهنا أن أوباما كان قد استضاف نائب القرضاوى فى البيت الأبيض، وهو أيضا من مؤيدى فتاوى رئيسه.

وفى هذا السياق فإن مؤلف كتاب «الملكة» يلفت الانتباه إلى أن هوما كانت عضوة فى اللجنة التنفيذية لـــ «جمعية الطلاب المسلمين» بجامعة جورج وشنطن ورئيسة اللجنة الاجتماعية. وكانت لهذه الجمعية فروع فى عديد من الجامعات الأمريكية، بل كانت هى المؤسسة لحركة الاخوان المسلمين فى أمريكا الشمالية. ومعنى ذلك أن هذه المؤسسة كانت لها ايديولوجيا تبثها فى عقول الطلاب حتى يصبحوا أعضاء ملتزمين بالحركة، كما أنها تدعم «حماس» باعتبارها فرعاً من فروع الاخوان المسلمين.

وعندما زارت هيلارى مصر بوصفها وزيرة للخارجية طلبت من القائد العام للقوات المسلحة المشير طنطاوى والذى كان فى حينها حاكماً لمصر أن يسلم السلطة للبرلمان المحكوم بالاخوان المسلمين وللرئيس المنتخب محمد مرسي. وفى أكتوبر من عام 2011 أعلن محمد بديع المرشد العام للاخوان بأن تسليم السلطة بداية لتأسيس الخلافة الاسلامية.

وتأسيساً على ذلك كله يمكن القول بأن هذا الثلاثى المدمر هو الداعى إلى سيادة الخلافة الاسلامية على كوكب الأرض على نحو ما تراها الأصولية الاسلامية.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رد: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (101) الإرهاب ومسئولية الفيلسوف   الأربعاء 25 يناير 2017, 2:31 am





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (162) الفلسفة وتغيير الذهنية


الثلاثاء 26 من ربيع الآخر 1438 هــ 24 يناير 2017 السنة 141 العدد 47531


احتفلت منظمة اليونسكو فى نهاية العام الماضى باليوم العالمى للفلسفة، وهو احتفال تكرره كل عام. وفى ذلك العام أيضاً احتفل قسم الفلسفة بجامعة الكويت بذلك اليوم. وفى هذا السياق هاتفنى الأستاذ الدكتور محمد السيد رئيس قسم الفلسفة لكى أرسل تسجيلاً صوتياً يستمع إليه المشاركون فى بداية الجلسة الافتتاحية وقد كان. وها أنذا أنشر هذا التسجيل الصوتى مكتوباً ولكن فى شىء من التفصيل.

أظن أنه يمكن القول إن القرن الحادى والعشرين هو زمن الجماهير بحكم أنه من افراز الثورة العلمية والتكنولوجية. وقد ترتب على هذا الافراز بزوغ مصطلحات جديدة مثل: ثقافة جماهيرية واتصالات جماهيرية ووسائل اعلام جماهيرية ومجتمع جماهيرى وابداع جماهيرى وانسان جماهيرى وهو الذى يمكن أن يقال عنه إنه رجل الشارع. ومن هنا يلزم أن توظف الفلسفة فى هذا الزمن لتوليد الوعى لدى رجل الشارع حتى يمتنع عن السقوط فى قبضة مُلاك الحقيقة المطلقة الذين يتوهمون أن العقل الانسانى قادر على قنص الحقيقة المطلقة وإجبار البشر على اعتناقها فى حين أن هذا العقل بحكم نسبيته غير قادرٍ على ذلك. والخطورة فى هؤلاء المُلاك أنهم يتهمون أعداءهم بأنهم كفرة فى الحد الأدنى و يستحقون القتل فى الحد الأقصى.

وقد ترتب على هذه الخطورة أن الارهاب أصبح كوكبياً، ومن ثم تكون مهمة الفلسفة فى هذا القرن توليد الوعى لدى رجل الشارع لكى يمتنع عن ممارسة الارهاب، ومن ثم يقف عائقاً أمام هؤلاء الملاك بل يكون دافعاً للحضارة الانسانية فى مسارها العقلانى، بل أنا أذهب إلى أبعد من ذلك وأقول إن مهمة الفلاسفة فى هذا القرن لا تكمن فى إثارة السؤال عن الوجود الذى بدأ مع أفلاطون فى مبناه المغلق الذى أطلق عليه اسم «الأكاديميا»، إنما تكمن فى إثارة السؤال عن الحقيقة ولكن بشرط أن تتم هذه الإثارة خارج مبنى الأكاديميا لكى تدخل فى حوار مع رجل الشارع على نحو ما كان يفعل سقراط مع فارق أساسى وهو أن حوار سقراط كان يجرى فى السوق الأرضى فى أن الحوار فى القرن الحادى والعشرين يجب أن يتم فى السوق الفضائى حيث رجل الشارع مدمن فى الذهاب إليه ليلياً ودون انقطاع.

وإذا كان شعار سقراط فى سوقه الأرضى «اعرف نفسك» فيجب أن يكون شعار فلاسفة هذا القرن «التزم باعمال عقلك من أجل تحقيق المطلب الوارد فى البند الأول من ميثاق منظمة اليونسكو والقائل» كما أن الحروب تنشأ فى العقل كذلك ينشأ السلام». وفى سياق هذا الميثاق قال أينشتين: «بعد إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وناجازاكى تغير كل شىء إلا أسلوب التفكير».

والسؤال إذن: ما هو هذا الأسلوب ؟ إنه كامن فى سبب مولد القنبلة الذرية لازالة التناقض الحاد بين المعسكرين المتحاربين وذلك بإزالة أحد المعسكرين للمعسكر الآخر. وقد أزيل معسكر المحور بقيادة الدكتاتور هتلر الذى كان يعبر عن نقاء الحزب الآرى الذى يمثله الحزب النازى الذى وحده يستحق الحياة، وبالتالى يكون هو وحده المتوهم أن عقله قادر على امتلاك الحقيقة المطلقة.

ومع ذلك فثمة سؤال لابد أن يثار: هل مع زوال الحزب النازى يزول الوهم بامكان قدرة الانسان على امتلاك الحقيقة المطلقة؟

جوابى بالسلب لأن إزالة ذلك الوهم من شأن العقل الناقد. وكان هذا العقل قد وأدته الأصوليات الدينية التى وُلدت فى الربع الأول من القرن العشرين ثم نضُجت فى القرن الحادى والعشرين إلى الدرجة التى أصبحت فيها متحكمة فى مؤسسات كوكب الأرض.

والسؤال اذن: كيف حدث ذلك التحكم؟ لكى تعرف كيف حدث، اقرأ كتاب هيلارى كلينتون المعنون « اختيارات صعبة» الصادر عن دار نشر « هيلارى رودهام كلينتون»، وبالذات الفصل الخاص بالشرق الأوسط وفيه فقرة ملهمة باعتبارها مدخلاً إلى الجواب عن السؤال المثار:«فى عام 2005 جاءت كونداليزا رايس إلى القاهرة وصرحت بالآتى: لأكثر من نصف قرن اختارت أمريكا أن تدور سياستها على الاستقرار وليس على الديمقراطية». وهنا وعدت كرايس بأن هذه السياسة لن يكون لها وجود بعد الآن. وبعد أربع سنوات من ذلك العام ألقى الرئيس أوباما خطابه الكارثى فى قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة دعا فيه إلى ضرورة إحداث إصلاحات ديمقراطية، إلا أنه اشترط دعوة قيادات الاخوان المسلمين إلى الجلوس فى الصفوف الأولى من القاعة لكى يوحى إلى جميع المستمعين – سواء كانوا فى الفضاء الأرضى أو الفضاء الكوكبى- بأن ثمة علاقة عضوية بين الاصلاحات الديمقراطية وضرورة استيلاء الاخوان المسلمين على الحكم. وفى عبارة أخرى يمكن القول إن الرئيس أوباما جاء إلى القاهرة ليعلن ضرورة إحداث «انقلاب أصولى». وفى هذا السياق نشرتُ مقالين فى صحيفة «المصرى اليوم» أحدهما بعنوان « أصولى فى البيت الأبيض» والآخر بعنوان «أوباما أصولى متواطئ». وفى عام 2011 استولى الاخوان على الحكم، أو بالأدق استولت الأصولية الاسلامية على الحكم بأسلوب ديمقراطى اختُزل فى صندوق الانتخاب. والأمر الواقع لم يكن كذلك لأن هذا الصندوق هو صندوق إحصائى بمعنى أنه يخبرك بالنسبة المئوية التى يحصل عليها كل حزب من الأحزاب. أما الديمقراطية ذاتها فهى محصورة فى أربعة مكونات: العلمانية والعقد الاجتماعى والتنوير والليبرالية. ومغزى هذه الرباعية أنه لا ديمقراطية بلا علمانية، وأن صندوق الانتخاب فى هذه الحالة يكون تتويجاً لهذا المغزى. أما إذا تم عزل الصندوق عن هذه الرباعية فإنه يصبح مجرد صندوق احصائى وتكون الدعوة إلى الديمقراطية دعوة زائفة. والفلسفة، فى هذه الحالة، تكون وظيفتها تغيير ذهنية الجماهير من ذهنية أصولية إلى ذهنية علمانية.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (163) هذا الثلاثى الثورى   الأحد 05 فبراير 2017, 7:59 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (163) هذا الثلاثى الثورى


الثلاثاء 3 من جمادي الاولى 1438 هــ 31 يناير 2017 السنة 141 العدد 47538

كان 20 يناير من هذا العام هو اليوم الذى تم فيه تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، وكان هذا اليوم هو اليوم نفسه الذى مات فيه وضع قائم مأزوم كان قد أسسه «الثلاثى المدمر: أوباما وهيلارى وهوما» ووُلد فيه وضع قادم. وقد أعلن ترامب سمات هذا الوضع فى الخطاب الذى ألقاه مباشرة إثر تنصيبه.

والسؤال إذن: ما سمات ذلك الوضع ؟

قال ترامب للجماهير المحتشدة: «هذه اللحظة لحظتكم.. إنها ملك لكم.. نحن ننقل السلطة من العاصمة واشنطن ونعيدها إليكم.. من اليوم ستحكم أرضنا رؤية جديدة.. بدءاً من هذا اليوم سيكون الشعار الوحيد أمريكا أولاً. ثم استطرد قائلاً: نتطلع فقط إلى المستقبل.. سنوحد قوتنا ودول العالم ضد الإرهاب الإسلامى الذى سنستأصله من على وجه الأرض».

قد يبدو هنا أن ثمة تناقضاً بين عبارتين. عبارة تقول إن أمريكا أولاً، وعبارة أخرى تقول إن أمريكا ومعها دول العالم مسئولة عن اجتثاث الإرهاب الأصولى.

والسؤال إذن: ما نوع هذا التناقض؟

إن لدينا نوعين من التناقض: تناقض حاد يلزم منه إقصاء أحد المتناقضين، وتناقض رخو يلزم منه التأليف بين المتناقضين. وأنا هنا أنتقى التناقض الرخو، ومن ثم تصبح العبارة المؤلفة لهما هى: إن ضعف أمريكا ليس مردوداً فقط إليها إنما هو مردود أيضا إلى تغلغل الإرهاب الأصولى فيها وفى غيرها من دول العالم، وبالتالى يلزم مؤازرة أمريكا فى اجتثاثها جذور ذلك الإرهاب . وفى هذا السياق يكون مغزى التهنئة التى وجهها الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى الرئيس ترامب وهى «أن مصر تتطلع إلى أن تشهد انطلاقة جديدة لمسار العلاقات المصرية الأمريكية من أجل تحقيق السلام والتنمية فى منطقة الشرق الأوسط المتخمة بالتحديات». وأظن أن الرئيس السيسى يرسل هذه العبارات وفى ذهنه أن التحدى الذى يقف فى الصدارة هو التحدى الكامن فى مواجهة الإرهاب بوجه عام والإرهاب الأصولى بوجه خاص. وكان هو الذى واجهه مع الجيش والشرطة والشعب من غير مؤزارة من أى دولة من دول العالم. ومن هنا يمكن القول إن هذه الثلاثية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى لم تنقذ مصر فقط بل أنقذت الحضارة الإنسانية.

وأنا هنا أضيف إلى الرئيسين السيسى وترامب رئيساً ثالثاً هو الرئيس بوتين, وذلك لثلاثة أسباب: السبب الأول مردود إلى اتهامه بأنه تدخل سراً لتوجيه مسار الانتخابات الأمريكية الرئاسية نحو ترامب ليكون رئيساً لأمريكا. والسبب الثانى مترتب على السبب الأول وهو انتقال العلاقة بين موسكو وواشنطن من علاقة عداوة إلى علاقة صداقة مردودة إلى مشترك بينهما وهو الإرهاب الإسلامى. والسبب الثالث أنه محاط بجمهوريات إسلامية قابلة بأن تكون جمهوريات أصولية، وبإيران التى هى دولة أصولية على الأصالة ومندفعة نحو تحويل جميع الدول الأخرى إلى دول أصولية. وفى هذا السياق يمكن القول إن ثمة مولداً لثلاثى ثورى مكون من السيسى وترامب وبوتين. والثورية هنا تعنى رؤية لوضع قادم بديلاً عن الوضع الذى كان قد مضى بثلاثيته المدمرة : أوباما وهيلارى وهوما.

والسؤال إذن: ما هى سمات ذلك الوضع القادم؟

أظن أن السمة الأولى هى أن الجماهير وليست الأحزاب هى التى تأتى فى الصدارة, لأنها هى السمة المميزة للثورة العلمية والتكنولوجية التى أفرزت عدة مصطلحات تنتهى بالجماهيرية, فنقول ثقافة جماهيرية ووسائل اتصال جماهيرية ومجتمع جماهيرى ووسائل إعلام جماهيرية وإنسان جماهيرى الذى هو رجل الشارع. ومغزى هذه السمة أن الجماهير هى المؤسسة لأى وضع قادم. ولا أدل على صحة هذا القول من أن جماهير 30 يونيو هى التى نصّبت المشير عبد الفتاح السيسى رئيساً لمصر بشعارها الثورى «الشعب يريد إسقاط النظام» وقد كان, إلا أن الإسقاط هنا لايكفى، إذ لابد من البديل حتى لا تحدث نكسة للإسقاط ويعود النظام القديم. إلا أن رؤية البديل ليست من شأن الجماهير إنما هى من شأن النخبة المثقفة.

والسؤال إذن: ماذا فعلت هذه النخبة؟ لاشىء لماذا؟ لأنها تغط فى سُبات دوجماطيقى وماذا يعنى مصطلح «السُبات الدوجماطيقى»؟

إنه يعنى النوم فى أحضان نسق ثقافى أُطلق عليه نسق الحرب الباردة, وكان يعنى حرباً دون سلاح، وتقسيماً للدول النامية بين الكتلتين الشيوعية والرأسمالية مع تبادل هذا التقسيم كل خمس سنوات على حد تعبير وليم كوانت مستشار الأمن القومى الأمريكى. وكان العالم الثالث الذى يضم هذه الدول النامية موضع صراع بين الكتلتين. وكان مكان هذا الصراع هو «منظمة الأمم المتحدة». إلا أن ذلك النسق فَقَد جزءا من فاعليته عندما سقط سور برلين فى 1989 وعندما انهارت الكتلة الشيوعية فى عام 1991، وتحولت الكتلة الرأسمالية إلى نسق جديد يؤلف بين الأصولية الدينية والرأسمالية الطفيلية وبتمويل من دول البترول. والنتيجة فى نهاية المطاف إرهاب أصولى. ومع ذلك ظلت النخبة المثقفة تتعامل مع نسق الحرب الباردة كما لو كان قائماً مع أنه كان قد انتهى. وفى هذا السياق يمكن القول إن هذه النخبة دخلت فى سُبات دوجماطيقى.

والسؤال بعد ذلك: هل فى الإمكان إيقاظ النخبة المثقفة من سباتها الدوجماطيقى؟

فى المؤتمر الدولى الثالث الذى نظمته مكتبة الإسكندرية فى شهر يناير من هذا العام تحت عنوان «العالم ينتفض: متحدون فى مواجهة التطرف» طالب المشاركون فى نهاية المؤتمر الأمم المتحدة بوضع وثيقة دولية لتعريف الإرهاب وكيفية مواجهته بالإضافة إلى وضع رؤية جديدة لنشر ثقافة التسامح. ومغزى هذا المطلب أن النخبة المثقفة تخلت عن مسئوليتها وأحالتها إلى غيرها لكى تستمتع بسباتها الدوجماطيقى. وهذه هى زنقة الثلاثى الثورى. فهل من خروج؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (164) الارهاب والفساد   الأربعاء 08 فبراير 2017, 3:11 am



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (164) الارهاب والفساد


الثلاثاء 10 من جمادي الاولى 1438 هــ 7 فبراير 2017 السنة 141 العدد 47545


فى الذكرى السادسة لثورة 25 يناير قال الرئيس عبد الفتاح السيسى «سنستمر فى مواجهة الإرهاب البغيض حتى نقتلع جذوره بالتزامن مع مواصلة الحرب على الفساد».

والسؤال إذن: ما العلاقة بين الإرهاب والفساد؟

فى 25 أبريل من عام 1984 عقدت ندوة بعنوان «الانفتاح الاقتصادى والنظام الاجتماعى» دعوت إليها نفراً من المفكرين المصريين لإجراء حوار حول العلاقة بين الاقتصاد والثقافة فى قضية محددة هى ما اصطلح على تسميتها فى السبعينيات من القرن الماضى بــــ«الانفتاح الاقتصادى» ومدى تأثيرها على النظام الاجتماعى. ودارت أبحاث الندوة حول نقد الانفتاح الاقتصادى، إذ اتفقت على أنه كان انفتاحاً مضاداً للحضارة لأنه استند إلى القانون الذى أصدره الرئيس السادات ،1974 والذى ينص على الاستيراد بدون تحويل عملة، ومن ثم تأسست السوق السوداء ومعها الرأسمالية الطفيلية التى تستهلك دون أن تنتج. وكان من شأن ذلك انفجار التفسخ الاجتماعى فى مظاهرة الجياع فى يناير 1977.وقبل انتهاء الندوة أوجزت الأفكار المحورية للندوة فى عبارة واحدة: لا يستطيع أحد أن يفلت من الفساد.

وتأسيساً على هذه النتيجة عقدتُ ندوة أخرى فى 13 فبراير 1985 دعوت إليها نفراً من مفكرين مصريين تحت عنوان «الدين والاقتصاد». وسبب اختيارى لهذا العنوان مردود إلى افتتاحية حررتها لــ «ملحق الفلسفة والعلم» بمجلة الطليعة فى ديسمبر من عام 1974 تحت عنوان «التتارية والفكر المستورد» جاء فيها أن ثمة ظاهرة طافية على سطح المجتمع المصرى على التخصيص والمجتمع العربى على الاطلاق وهى ظاهرة ثنائية البُعد: بُعد اقتصادى وبُعد ايديولوجى. البُعد الاقتصادى يتمثل فى بزوغ ما أطلقتُ عليه مصطلح «الرأسمالية الطفيلية» ومن دلائلها تجار الخلسة فى سوق الاستهلاك والذين أغرقوا الأمة بسلع الترف المستوردة. أما البُعد الايديولوجى فيدور على حظر ما أُطلق عليه فى حينه «الفكر المستورد» بدعوى الحفاظ على القيم والتقاليد وما ورثناه من الأقدمين. ومحصلة البُعدين تتارية بالضرورة. وأقصد بها ما هو مأثور عن التتار أنهم ـ بقيادة خنكزخان ـ التزموا أمراً واحداً هو تدمير حضارة الانسان. ولكل بُعد اقتصادى بُعد ايديولوجى يواكبه فى تلاحم عضوى. وتطبيق هذه القاعدة يلزم منه مواكبة التتارية للرأسمالية الطفيلية بحكم السمة المشتركة وهى شهوة اقتلاع الحضارة من جذورها. هذا عن الفساد فماذا عن الارهاب؟ الرأى عندى أن الإرهاب هو أعلى مراحل الأصولية الدينية. لماذا؟ لأن هذه الأصولية بحكم تعريفى لها هى التفكير فى النسبى بما هو مطلق وليس بما هو نسبى. ومعنى هذا التعريف أن هذه الأصولية تتوهم قنص المطلق، ومن ثم فإنها لا تسمح ببزوغ أى مطلق آخر يكون منافساً لها، وبالتالى فإنها تعمل على تدميره. والتدمير هنا يتسم بأنه ارهابى بمعنى أنه يكفره فى البداية ثم يقتله فى النهاية ممثلاً فى معتنقيه. وقد عبَر بدقة عن هذا الرأى منظَر الثورة الايرانية الأصولية على شريعاتى فى كتابه المعنون «عن سوسيولوجيا الاسلام» (1979) عندما قال إن حرب دين ضد دين هو الثابت فى تاريخ البشرية، وإن شئنا الدقة قلنا إنها حرب المشركين ضد حرب التوحيد، وأن الاستشهاد هو المبدأ الذى يدفع المسلم إلى الحرب بلا تردد. وفى هذا المعنى فإن الموت لا يختار الشهيد إنما الشهيد هو الذى يختار الموت على حد تعبير شريعاتى.

وفى عام 1983 فاتحنى الفيلسوف الأمريكى جون سومرفيل فى رغبته فى تأسيس جمعية فلسفية دولية لمنع نشوب حرب نووية بين الكتلتين الشيوعية والرأسمالية فوافقت بلا تردد. وفى 1/5/ 1986 عقدنا المؤتمر الأول الدولى فى سانت لويس بأمريكا تحت عنوان «الفلاسفة الدوليون لمنع الانتحار النووى البشرى». والمقصود بهذا المصطلح قتل بعض البشر لكل البشر. وفى هذا المؤتمر قلت إن الأصولية الاسلامية ستقضى أولاً على الاتحاد السوفيتى ثم تقضى بعد ذلك على الولايات المتحدة الأمريكية من أجل تأسيس الخلافة الاسلامية على كوكب الأرض. إلا أن فكرتى لم تلق أى قبول من فلاسفة الكتلتين بدعوى أننى متشائم، وأن المسار الحضارى بحكم أنه مسار عقلانى فإنه لن يسمح بهذه النهاية. والمفارقة بعد ذلك أن سور برلين انهار فى عام 1989 ، ثم انهارت الكتلة الشيوعية فى عام 1991.

وفى عام 1993 كشفت مجلة «الاكسبرس» الفرنسية عن وجود علاقات سرية بين وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والجماعات الأصولية الاسلامية ابتداء من الحرب الأفغانية ضد السوفيت. وقد كان الفضل فى تأسيس هذه العلاقة إلى جيمى كارتر رئيس أمريكا عندما أصدر فى يناير 1979 قراراً بتدعيم طالبان بالأسلحة وبتمويل هذه الأسلحة من تجارة المخدرات. وقد تبنت باكستان تنفيذ هذا القرار، إذ كانت الطائرات الباكستانية تذهب إلى طالبان محملة بالأسلحة وتعود محملة بأطنان من الهيروين لبيعها للشعب الباكستانى فى مقابل شراء أسلحة. ومن هنا أدمن ما يقرب من مليونين ونصف المليون.

وفى 11/9/ 2001 دمرت الأصولية الاسلامية مركز التجارة العالمى بنيويورك والذى يمثل أعلى مراحل الثورة العلمية والتكنولوجية. وكان هذا التدمير الجزئى بداية لتدمير أمريكا برمتها. إلا أن البداية بدأت فى مصر عندما استولت جماعة الاخوان المسلمين على الحكم فى مصر فى عام 2012. ومعنى ذلك أن تدمير أمريكا يبدأ بتدمير مصر. إلا أن ثورة 30 يونيو التى قام بها الشعب بمؤازرة الجيش والشرطة ودعوة المشير عبد الفتاح السيسى إلى تسلم السلطة. قد أسهمت هذه الثورة فى إزاحة الثلاثى المدمر: أوباما وهيلارى وهوما وتنصيب دونالد ترامب رئيساً لأمريكا فى يناير من هذا العام.

وهذا هو مغزى قول الرئيس عبد الفتاح السيسى بمحاربة الارهاب والفساد، ولا فصل بينهما لأنهما متداخلان.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (166) البطل والجماهير   الأربعاء 22 فبراير 2017, 2:58 am


رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (166) البطل والجماهير

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (166) البطل والجماهير

الثلاثاء 24 من جمادي الاولى 1438 هــ 21 فبراير 2017 السنة 141 العدد 47559


فى العدد الأول من مجلة «الطليعة» الصادر فى أول يناير من عام 1965 نشرت مقالاً عنوانه «البطل فى الدول النامية». وبعد أسبوعين من نشره قال لى لطفى الخولى رئيس تحرير المجلة إن تقريراً عن مقالك أُرسل من أحد الأجهزة السيادية إلى الرئيس جمال عبد الناصر. وجاء فى التقرير أن الجهاز حائر فى فهم المقصد من المقال إذ تساءل: هل صاحبه منحاز إلى البطل الفرد أم إلى الجماهير؟ وأظن أن الحيرة مردودة إلى إثارتى تساؤلات عديدة. مثال ذلك: ما العلامة التى إليها نشير ونقول هذا هو البطل؟ هل هذه العلامة تخص البطل أم تخص المجال الذى فيه يتكون البطل؟ والمقصود بالمجال جملة العوامل التى تكون سببا فى إيجاد ظاهرة معينة، وهى هنا بطولة البطل. وإذا كانت الثورة تهدف إلى تغيير جذرى فى المجتمع فهل فى إمكان البطل أن ينفرد بإحداث هذا التغيير الجذرى.

أظن أن هذه الأسئلة كانت مبرراً لما أبداه ذلك الجهاز من حيرة. إلا أننى أظن أن تبرير هذه الحيرة مردود إلى أسباب سابقة على السنة التى نشر فيها هذا المقال. ففى عام 1964 قال وزير الحربية شمس بدران للرئيس عبد الناصر فى مكالمة تليفونية: أستطيع أن أقيلك من مكتبى. وهى تعنى ضمنياً أن عبد الناصر لم يعد حاكماً للدولة. ولا أدل على ذلك من أنه فى ذلك العام كان قد بدأ فى تأسيس حزب سرى سماه «الحزب الطليعى» والذى من أجله أصدر مجلة «الطليعة» لتربية كوادر الحزب الجديد تربية فلسفية وسياسية. وإذا قرأت كتاب «فلسفة الثورة» بقلم جمال عبد الناصر فستجد أن فكرة البطل هى الفكرة المحورية. مثال ذلك قوله إنه قد اكتشف بذور الثورة فى نفسه، وبأنه فى فترة من حياته قاد مظاهرات فى مدرسة النهضة للمطالبة بالاستقلال التام. ولا أدل على ذلك أيضاً من قوله إنه تأثر برواية توفيق الحكيم «عودة الروح» دون أن يشير إلى مكمن ذلك التأثر، أما أنافأظن أن سبب ذلك التأثر مردود إلى عبارة وردت فى الرواية «نحن فى انتظار خوفو جديد»، اى فرعون جديد. ومبررى فى هذا الظن مردود إلى اعتقادى بأننا ورثة الفراعنة منذ سبعة آلاف سنة وأن عبد الناصر هو واحد من هؤلاء.

ومع ذلك كله فقد دار فى ذهنى سؤال هو على النحو الآتى: هل البطل هو سمة الدول النامية أم أنه سمة الدول المتقدمة كذلك؟ جاء الجواب فى كتاب صدر فى عام 2015 عنوانه الرئيسى «تشرشل العامل الأوحد» وعنوانه الفرعى «كيف صنع التاريخ رجل واحد» لمؤلفه بوريس جونسون الذى كان عمدة لندن من 2008 إلى 2016 ثم عين وزيراً للخارجية فى عام 2016 فى حكومة تريزا ماى بسبب قيادته لحملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى. يقول فى مفتتح كتابه: لولا تشرشل لانتصر هتلر بكل تأكيد. إن أهمية تشرشل فى هذا الزمان مردودة إلى أنه هو الذى أنقذ الحضارة بل هو الوحيد الذى كان فى إمكانه فعل ذلك، وهذا على الضد من قول المفكرين الماركسيين أن التاريخ تصنعه القوى الاقتصادية التى تخلو من العامل الفردى. ثم يختتم كتابه قائلا: من الميسور القول إن ثمة آخرين غير تشرشل قد صنعوا التاريخ، إلا أن هؤلاء قد وجهوه إلى الأسوأ مثل هتلر ولينين. إن تشرشل لا مثيل له ولن يكون.

ومع ذلك أيضا فقد صدر فى عام 2016 كتاب عنوانه «السياسة الشعبية فى صياغة الشرق الأوسط الحديث» لمؤلفه المفكر السياسى الانجليزى جون شالكرافت، وكان الملهم الأكبر فى تأليف ذلك الكتاب الشعار الذى تبنته ثورات الربيع العربى «الشعب يريد إسقاط النظام» وكان مغزاه أن الوضع القائم قد انتهى إلى حالة مقززة ليس فى الإمكان احتمالها وقد نجح فى إزاحة أربعة ديكتاتوريين من تونس ومصر وليبيا واليمن. إلا أن البديل لم يكن سوى شعار «عيش وكرامة وحرية» وهو بديل عاجز عن أن تكون لديه فاعلية التغيير. ومع ذلك فقد جاء بديل من خارج النسق الثورى وهو حركة الإخوان المسلمين التى استولت على الحكم ودمرت الهوية المصرية من أجل التمهيد إلى تأسيس دولة الخلافة الاسلامية بمفهوم لا يتسق مع منجزات الثورة العلمية والتكنولوجية. ولا أدل على ذلك مما حدث من تدمير مركز التجارة العالمى بنيويورك فى 11/9 وهو أعلى مراحل تلك الثورة. وقد تم هذا التدمير من قبل تنظيم القاعدة المنتمى إلى حركة الاخوان المسلمين، ومن ثم توارى البطل و لكن بقيت الجماهير إلى أن جاء 30 يونيو 2013 عندما انتفض ثلاثون مليوناً مطالبين مرة أخرى بإسقاط النظام مع استدعاء بطل كان مراقباً لمسار ثورة الربيع المصرية وكان لقبه فى حينها الفريق عبد الفتاح السيسى.

والسؤال إذن:

كيف يمكن تقييم العلاقة بين هذا البطل والجماهير؟


الجواب عندى أنها علاقة عضوية بمعنى الاتفاق على أن العدو المشترك هو حركة الإخوان المسلمين، والافتراق بعد ذلك بمعنى وضوح رؤية البطل وغموض رؤية الجماهير. فالبطل لديه رؤية مستقبلية لمصر فى مسار القرن الحادى والعشرين المحكوم بمنجزات الثورة العلمية والتكنولوجية، أى المحكوم برؤية علمية خالية من أى نكهة أصولية دينية ولكن بلا نخبة ثقافية مواكبة لهذه الرؤية لأنها كانت تغط فى سُبات دوجماطيقى. ومن هنا تكمن زنقة البطل وهى فى كيفية الخروج منها، وذلك لن يكون إلا بإبداع البطل لنسق جديد مناقض للنسق القديم الذى تم إسقاطه وذلك من أجل إنقاذ مصر وانقاذ الحضارة.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (167) مسار الحضارة بين زمانين   الثلاثاء 07 مارس 2017, 7:27 pm

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (167)
مسار الحضارة بين زمانين


الثلاثاء 1 من جمادي الآخرة 1438 هــ 28 فبراير 2017 السنة 141 العدد 47566


الرأى عندى أن الحضارة تسير فى مسارها من الفكر الأسطورى إلى الفكر العقلانى، ومن ثم يكون الحكم على أي ثقافة مردودا إلى مدى قُربها أو بُعدها من الفكر العقلانى. هذا عن مسار الحضارة أما عن الزمانين فالمقصود بهما القرن العشرون وبدايات القرن الحادى والعشرين، وماذا يمكن أن يقال عن ثقافتهما فى علاقتهما بالمسار الحضارى.

وأنا استرشد فى الجواب عن هذا السؤال بما ورد فى كتابين أحدهما لفيلسوف معاصر اسمه إريك هوبزيوم. العنوان الرئيسى لكتابه “ عصر التطرف” والعنوان الفرعى ( الموجز للقرن العشرين 1914- 1991) وعلى الغلاف صورة لهتلر وهو حامل الكرة الأرضية. وقيمة الكتاب تكمن فى أن مؤلفه، مهموم بمعرفة الأسباب التى تكمن فى مسار الأحداث وفى ترابطها. والرأى عنده أن العالم الذى تفسخ وانهار فى عام 1991 هو العالم الذى أسسته الثورة الشيوعية فى عام 1917 فى مواجهة نقيضتها وهى الرأسمالية الإمبريالية الأمريكية. ويخلص هوبزبوم من ذلك إلى القول إن هذه المواجهة كانت تنطوى على صراع أيديولوجى انتهى بانهيار الكتلة الشيوعية مع حدوث أزمة فى الكتلة الرأسمالية بزعامة أمريكا.

والمفارقة فى هذا المسار تكمن عند هوبزبوم فى أن صعود اليمين الراديكالى إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى استجابة لصعود الثورة الاشتراكية مع قوة الطبقة العاملة بمعنى أنه دون هذه الثورة لما كانت الفاشية بقيادة موسولينى ولا كانت النازية بقيادة هتلر، ويترتب على هذا المعنى أنه من الخطأ القول إن الفاشية أو النازية هى المعبرة عن الرأسمالية الإمبريالية. كل ما هنالك أن كلا من الفاشية والنازية مجرد تأسيس لنظام اقتصادى ليبرالى لتحريك نظام صناعى. ويضيف قائلاً إن هذا النظام الاقتصادى الفاشى أو النازى كان سبباً فى نشأة ما اصطلح على تسميته «العالم الثالث» وهو العالم الذى شاعت فيه الحركات الأصولية فى دول كثيرة منه خاصة فى دول العالم الإسلامى حيث تميزت فيه الأصولية الاسلامية بأنها لم تقف فقط ضد الحداثة وما لازمها من تنوير بل وقفت أيضاً ضد الغرب باعتباره منشئ الحداثة والتنوير. وترتب على ذلك أن جزءا كبيراً من دول العالم الثالث أصيب بتغيرات عنيفة مع صعوبة التنبؤ بمسارها أو حتى وضع آليات لمنع تواصلها. ومن هنا ينتهى هوبزبوم إلى نتيجة مفادها أن القرن العشرين قد انتهى بفوضى كوكبية غامضة الهوية أو نقطة بدايتها عام 1973. ومع ذلك فإن الجدير بالتنويه هاهنا هو إشارة هوبزبوم إلى ذلك العام دون ابداء سبب اختياره له. وأظن أن عام 1979 هو بديل عام 1973، وقد كان هذا البديل هو فكرتى المحورية لكتابى المعنون “ زمن الأصولية.. رؤية للقرن العشرين” (2014)، بل كان هذا البديل هو ثمرة انخراطى فى أحداث القرن العشرين إلى الحد الذى ارتأيت فيه أننى بفضل هذا الانخراط قد تكونت فى ذهنى رؤية تخيلت معها وكأننى مشارك فى تكوينها مع آخرين. ففى 30/12/2001، أى بعد ثلاثة أشهر من العمل الارهابى الذى أفضى إلى نسف مركز التجارة العالمى بنيويورك شاركت فى مؤتمر من تنظيم الفيلسوف الأمريكى ألان أولسن رئيس قسم الفلسفة والأديان بجامعة بوسطن. وفى مفتتح الجلسة الأولى من جلسات المؤتمر تساءل أولسنلماذا حدث ما حدث فى 11/9؟ ثم استطرد قائلاً: نريد جواباً بل نريد فهماً

وكان جوابى هو موجز ذلك الكتاب ومحوره عام 1979. والسؤال إذن: ماذا حدث فى ذلك العام؟

قرر الرئيس الأمريكى جيمى كارتر تدعيم الأصولية الاسلامية فى أفغانستان لمواجهة الغزو السوفيتى. وفى 26 ديسمبر 1991 مات الاتحاد السوفيتى. وفى أول فبراير 1979 عاد آية الله خومينى إلى ايران بعد أن كان منفياً فى باريس لمدة خمسة عشر عاماً. وفى 12 فبراير من ذلك العام أعلن تأسيس الجمهورية الإسلامية الأصولية فدخلت المخابرات الأمريكية فى علاقة سرية مع مستشارى خمينى، والمفارقة هنا أنه فى 4 نوفمبر 1979 حوصر موظفو السفارة الأمريكية فى طهران من قِبل الأصوليين الإسلاميين واتخذوا كرهائن، ومع ذلك قررت المخابرات الأمريكية ضرورة تأسيس تحالف بين البيت الأبيض والاخوان المسلمين من أجل وضع استراتيجية سياسية لمواجهة الاتحاد السوفيتى.

وفى 9 فبراير من نفس ذلك العام أصبح الشاذلى بن جديد رئيس الجزائر فقرر تدعيم الأصولية الإسلامية، وعندئذ استدعى الشيخ محمد الغزالى وعينه أستاذاً بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، وأمر بأن يكون له حديث دينى متواصل فى الاذاعة والتليفزيون. والجدير بالتنويه هاهنا أنه عندما قتل فرج فوده لرفضه تطبيق الشريعة قال الشيخ الغزالى:“ مَنْ يعترض علناً على تطبيق شريعة الله فهو كافر ومرتد. وفى مارس من ذلك العام أبرمت المعاهدة المصرية الإسرائيلية فى مناخ أصولى. وتأسيساً على ذلك كله يمكن القول إن عام 1979 هو المدخل إلى عام 2001. وبذلك يتحدد مسار الحضارة بين زمانين.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (168) تحليل فلسفى لخطاب البابا تواضروس   الثلاثاء 07 مارس 2017, 7:31 pm

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (168) تحليل فلسفى لخطاب البابا تواضروس



الثلاثاء 8 من جمادي الآخرة 1438 هــ 7 مارس 2017 السنة 141 العدد 47573

فى 28 فبراير من هذا العام انعقد المؤتمر الدولى الذى نظمه الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين فى القاهرة تحت عنوان «الحرية والمواطنة.. التنوع والتكامل». وفى مقدمة الحضور فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر وقداسة البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية والأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط.

والذى يعنينى فى هذا المقال هو ما قاله البابا تواضروس، وقد أوجزتها جريدة «الحياة» على النحو الآتي: «ضرورة مواجهة الفكر المتطرف بالفكر المستنير. فقد عانت مصر والمنطقة العربية ولا تزالان تعانيان الفكر المتطرف الناتج من الفهم الخاطئ للدين والذى أدى إلى الارهاب والتطرف اللذين يعدان أكبر تحديات العيش المشترك» ثم استطرد قائلاً: إن أسباب هذا التطرف والعنف ترجع إلى التربية الأحادية القائمة على الرأى الواحد فيكون كل رأى مخالف كافراً ومضللاً. ثم طالب بتقديم الدين بصورة عصرية وليس عبر خطاب إنشائي. إننا نحتاج إلى انفتاح العقل والتمسك بالمسئولية وإلى المشاركة الجماعية فى بناء الحضارة الإنسانية عبر وسائل الإعلام.

وأنا بعد ذلك أنتقى ألفاظاً معينة من خطاب البابا تواضروس وأقوم بتحليلها تحليلاً فلسفياً وربطها ببعضها البعض من أجل الكشف عن الوحدة الكامنة فيه.

أبدأ بالألفاظ وهى على النحو الآتي: التنوير والفهم الخاطئ للدين والإرهاب وعصرية الدين والخطاب الإنشائي. ثم أتساءل: ما التنوير؟ أجاب عن هذا السؤال فى القرن الثامن عشر الفيلسوف الألمانى العظيم كانط فى مقالته الشهيرة التى نشرها فى عام 1784 تحت عنوان «جواب عن سؤال: ما التنوير؟» إنه عجز الإنسان عن الإفادة من عقله من غير معونة الآخرين. وهذا العجز من صنع الإنسان عندما يفقد رشده، بل عندما يفقد الجرأة فى إعمال عقله. ومن هنا يقول كانط : «كن جريئاً فى إعمال عقلك».

والسؤال بعد ذلك: ماذا يحدث للإنسان عندما يفقد هذه الجرأة؟ يستسلم لمن يقدمون أنفسهم على أنهم الأوصياء. وهؤلاء يتميزون بإيهام المعتمد عليهم بأنهم يملكون الحقيقة المطلقة الأمر الذى من شأنه أن يدفع الإنسان إلى اشتهاء هذه الملكية بديلاً عن الجرأة المفقودة والتى لا يرغب فى استعادتها لأنها مرهقة ومثيرة للقلق. غير أن تحقيق هذا الاشتهاء لن يكون ممكناً إلا إذا خضع لتربية معينة وهى ما أطلق عليها البابا تواضروس «التربية الأحادية القائمة على الرأى الواحد فيكون كل رأى مخالف كافر». ومغزى هذه العبارة أن التربية الأحادية تلزم مَنْ تربى عليها بأن يصوب سهام التكفير إلى كل مَنْ خرج على الرأى الواحد الذى هو أحد المؤمنين به. وفى رأى البابا تواضروس أن هذا النوع من التربية يفضى بالضرورة إلى فهم خاطئ للدين، وهذا الفهم يفضى بدوره إلى الإرهاب الذى يعنى تحول الإنسان إلى قنبلة انتحارية تنفجر فيه وفى المخالفين للرأى الواحد الذى يعتنقه.

والسؤال إذن: ما البديل للفهم الخاطئ للدين؟ الجواب عند البابا تواضروس يكمن فى تقديم الدين بصورة عصرية وليس عبر خطاب إنشائي. إلا أن هذا الجواب بدوره يثير سؤالين: ما هى سمات العصرية المطلوب قبولها؟ وما سمات الخطاب الإنشائى المطلوب رفضه؟

سمات العصرية تدور حول سمة محورية هى ما يُطلق عليها مصطلح الكوكبية التى تعنى موت المسافة زمانياً ومكانياً، ومن شأن هذا الموت بزوغ ظاهرة الاعتماد المتبادل بين الدول والشعوب، وبالتالى تصبح الأمور كلها نسبية، ومع النسبية ينتفى «الرأى الواحد» أو بالأدق «المعتقد الواحد» أيا كانت سمة هذا المعتقد، وبالتالى ينتفى العقل الدوجماطيقي، أى العقل الذى يتوهم أنه مالك للحقيقة المطلقة، ويكون البديل هو «انفتاح العقل» على حد تعبير البابا تواضروس والذى يؤدى بالضرورة إلى المشاركة الجماعية فى بناء الحضارة الإنسانية على حد تعبيره أيضاً. ومعنى هذا البديل أن بناء الحضارة ليس ممكناً من غير مشاركة العقول المنفتحة، وليس ممكناً بالعقول المنغلقة، أو بالعقول الدوجماطيقية، إلا أن البابا تواضروس يضيف شرطاً مهماً لبناء الحضارة فى هذا العصر وهو وسائل الإعلام. وأهميتها مردودة إلى أن هذه الوسائل المتمثلة الآن فى القنوات الفضائية هى وسائل جماهيرية، والجماهيرية هنا هى الجماهيرية المليونية لأنها عابرة القارات. واللافت للانتباه هنا هو أن النسبة المئوية للقنوات الفضائية الدينية فى حالة تصاعد، ومن شأن هذا التصاعد أن يؤدى دوراً ايجابياً فى بناء الحضارة إذا استند إلى انفتاح العقل، أما إذا استند إلى انغلاق العقل فالإرهاب بالضرورة حتمى ويلزم عنه انهيار الحضارة.

يبقى بعد ذلك الجواب عن السؤال الثانى وهو الخاص بالخطاب الإنشائي. والمقصود الخطاب الذى ينطوى على عبارات فضفاضة وبالتالى يكون بلا معنى محدد فى حده الأدنى وبلا معنى غير محدد فى حده الأقصى كأن يقال على سبيل المثال إن الإرهابى بلا دين، مع أن هذا القول يتسم بأنه بلا معنى على الإطلاق لأنه لا يستقيم مع قول الإرهابى قبل أن يمارس قتل الآخرين أو إماتتهم التفوه بعبارات دينية. ومعنى ذلك أن هذا الإرهابى له دين. إذن علينا مواجهة هذا الدين أو بالأدق هذا «الفهم الخاطئ للدين» على حد تعبير البابا تواضروس. ويترتب على ذلك أن تجديد الخطاب الدينى يستلزم النقد الديني، أى إعمال العقل فى النصوص الدينية لكى يتم تحويرها من الفهم الدينى الخاطئ الذى ينتهى بالضرورة إلى العنف ومن ثم إلى الإرهاب وما ينطوى عليه من قتل البشر. وتترتب على ذلك نتيجة مهمة مفادها أن إدانة الإرهاب بعبارات خطابية هى إدانة بلا معني، بل إدانة من شأنها تدعيم الفهم الخاطئ للدين.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (169) مغزى مذبحة العريش   الأربعاء 15 مارس 2017, 2:16 am



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (169)
مغزى مذبحة العريش


الثلاثاء 15 من جمادي الآخرة 1438 هــ 14 مارس 2017 السنة 141 العدد 47580

عنوان هذا المقال يشى بأن ثمة أمراً جديرا بالتحليل وهو خاص بما فعلته «الأصولية الاسلامية» وأعلنت عنه بالوكالة «داعش» والتى هى فى أصلها فرع من فروع الحركة الأصلية المسماة «الاخوان المسلمون» والتى تستند إلى فكر الفقيه الاسلامى ابن تيمية من القرن الثالث عشر والذى ينص على إبطال إعمال العقل فى النص الدينى والالتزام بحرفية هذا النص مع تكفير كل مَنْ يقف ضد هذا الالتزام وقتله إذا واصل العناد.

والسؤال بعد ذلك: ما هو هذا الأمر الذى يشى به عنوان هذا المقال؟

وأجيب بسؤال: ما الذى تريد أن تقوله المذبحة التى حدثت فى العريش عندما ذُبح سبعة من المسيحيين من قِبل تنظيم «بيت المقدس» والذى أدى فى اليوم التالى إلى هجرة ما يقرب من مائة أسرة مسيحية إلى الاسماعيلية، وهجرة مائتى طالب مسيحى إلى محافظاتهم خوفا على حياتهم. وهذا ما نشرته جريدة «المصرى اليوم» فى 25/2/2017.

إنها تريد القول إن ما حدث فى العريش مجرد «بروفة» للخلافة الاسلامية القادمة ليس فقط فى تلك المدينة إنما أيضا فى جميع مدن كوكب الأرض، ومن ثم تصبح الخلافة كوكبية بحكم قدرتها على استثمار الوسائل الالكترونية المنبثقة عن ظاهرة الكوكبية التى هى من إفراز الثورة العلمية والتكنولوجية. إلا أن مغزى هذا الاستثمار يفضى بالضرورة إلى تدمير الأصولية الاسلامية للحضارة الإنسانية. وإذا كان هذا التدمير يعنى موت الحضارة فهل مولد الحضارة ينطوى بالضرورة على موتها بتدخل من الأصولية الاسلامية. قد تبدو هذه العبارة صادمة إلا أن هذه الصدمة يمكن أن تزول إذا قرأنا كتاب فرويد المعنون «الحضارة وبؤسها»، إذ ارتأى أن الصراع فى عمقه هو الصراع بين الثاناتوس، أى الموت والإيروس أى الحب الذى هو الحياة. وفى ختام كتابه يقول فرويد «إن السؤال المحورى الذى ينشغل به الجنس البشرى هو على النحو الآتى: إلى أى حد يمكن للتطور الثقافى أن يكون متحكماً فى غريزة الموت، أى فى تدمير الذات؟ وجوابه أن غريزة الحب أو الحياة ستبذل قصارى جهدها فى تأكيد ذاتها فى صراعها مع عدوها الأبدى «الثاناتوس». ولا أحد فى إمكانه التنبؤ بانتصار أى منهما. والمفارقة هنا أن على شريعاتى منظَر الثورة الايرانية الأصولية قد ارتأى فى كتابه المعنون «علم الاجتماع الاسلامى» أن فرويد لم يكن على صواب عندما اكتفى بالعامل الجنسى أساساً للصراع فثمة عامل أعمق من ذلك وهو الصراع الذى نشأ منذ بداية الخليقة بين قابيل وهابيل حيث الأول قتل الثانى مع أنهما ابنا آدم وحواء إلا أن الأول يرمز إلى دين التوحيد والثانى إلى دين الشرك والغلبة لدين التوحيد وذلك بفضل المسلم الشهيد الذى يستدعى الموت دون أن ينتظره، أو بالأدق بفضل تحويل المسلم إلى قنبلة انتحارية تنفجر فيه وفى غيره من البشر الذين يعتبرهم أعداء الله.

غير أن اللافت للانتباه هاهنا ويستحق التنويه أن الدعوة إلى تطوير كليات التربية جاءت تالية لمذبحة العريش. فقد نشرت جريدة الأهرام بتاريخ 5/3/2017 أن وزير التربية والتعليم الدكتور طارق شوقى قد صرح بأن «ورشة عمل تنظمها وحدة التخطيط الاستراتيجى بالوزارة بالتعاون مع لجنة القطاع التربوى بالمجلس الأعلى للجامعات والجامعة الأمريكية بالقاهرة لتطوير كليات التربية». وكذلك صرح وزير التعليم العالى والبحث العلمى الدكتور خالد عبد الغفار بأن «كليات التربية هى الفاعل الرئيسى فى منظومة التطوير. وأى محاولة لإصلاح التعليم فى مصر لابد أن تبدأ وتنتهى عندها». ثم أضاف قائلاً: إن ثمة ضرورة لتأسيس فلسفة متطورة لاعداد كوادر أعضاء هيئة التدريس بكليات التربية والبالغ عددها 27 كلية على مستوى الجامعات الحكومية المصرية يدرس بها 200,000 طالب. وفى السياق نفسه قام الوزيران بالالتقاء مع رئيس جامعة القاهرة الدكتور جابر نصار لزيارة المكتبة المركزية حيث استمعا إلى شرح مفصل لمبادرة الجامعة التى أطلقتها للطلاب والتى أوجزها فى ثلاثة ألفاظ «اقرأ – استمتع- تثقف».

واللافت للانتباه أيضا ويستحق التنويه أن عميد كلية التربية بجامعة عين شمس الدكتور سعيد خليل كان قد تحدث فى جلسة مجلس الكلية بتاريخ 13/2/2017 عن أن ثمة فساداً أكاديمياً شائعاً فى الكلية ثم شكلَ لجنة لمكافحة هذا الفساد برئاسة كاتب هذا المقال.

والرأى عندى أن العامل المحورى فى هذا الفساد مردود إلى ما أُطلق عليه «الكتاب الجامعى» أو «الكتاب المقرر» الذى يبيعه الأستاذ لطلابه لكى يلتزموا بما جاء فيه من آراء. ومن هنا تكون السلطة العلمية لكتاب الأستاذ وليس لسلطة العلم الأمر الذى من شأنه خضوع الطالب لهذا النوع من السلطة، ومن ثم يبطل إعمال العقل الناقد وما يلزم عنه من توليد عقل مبدع. والأستاذ، فى هذه الحالة، تغريه عملية البحث عن طرق غير مشروعة لإجبار الطالب على شراء كتابه.

والنتيجة الحتمية بعد ذلك محاصرة الطالب بثقافة الذاكرة دون ثقافة الإبداع. ومع الانتهاء إلى هذه النتيجة تتوارى رسالة الجامعة. وإذا كان ذلك كذلك فإلغاء الكتاب الجامعى أمر حتمى.

والسؤال إذن:ما البديل؟

البديل هو الحوار الذى يجريه الأستاذ مع طلابه حول قضايا معينة يختارها الأستاذ مع ارشادهم إلى المراجع التى تتناول هذه القضايا. ومن هنا يلزم التعاون بين إدارة المكتبة والأساتذة لإنجاز هذه المهمة، وتكون الغاية من الحوار تدريب الطلاب على كيفية تكوين أفكار واضحة فى معناها مع محاولة الربط منطقياً بين هذه الأفكار. ومن هنا تكمن بدايات الإبداع فى تكوين معرفة تتجاوز المعلومات.

والسؤال بعد ذلك: هل ثمة علاقة عضوية بين مذبحة العريش وضرورة تطوير كليات التربية؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (170) أوزون بشرى خانق   الأربعاء 22 مارس 2017, 3:17 am

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (170)
أوزون بشرى خانق


الثلاثاء 22 من جمادي الآخرة 1438 هــ 21 مارس 2017 السنة 141 العدد 47587

الأوزون غاز موجود فى طبقات الجو العليا وطبقات الجو السفلى، والذى يعنينا هنا وجوده فى طبقات الجو السفلى، ووظيفته فيها حماية الأرض من الأشعة فوق البنفسجية التى تصلنا من الشمس وذلك بامتصاصه أكثر من 99% منها وهو ما يسمح للحياة بأن تكون ممكنة على كوكب الأرض، ولكن إذا اخترقه الأوزون فإننا فى هذه الحالة نستنشقه مع الهواء، ويكون من شأن هذا الاستنشاق إضعاف مقاومتنا للبكتيريا و من ثم تدمير خلايا الإنسان.

وإذا جاز الاستعانة بالمجاز وارتأينا الأوزون على أنه غاز بشرى، أى غاز من صنع عقل الإنسان فيكون استنشاقه بالعقل سببا فى خنق العقل.


والسؤال اذن:

ما مكونات هذا الأوزون البشرى؟

مكوناته تكون بالضرورة من العوامل المسببة لذلك الخنق، وفى مقدمتها الوأد. والوأد فى أصله عادة كانت سائدة عند العرب فى عصر الجاهلية، إذ كان الشائع لديهم هذا القول: وَأدَ الرجل ابنته لأن وجودها عار.

وماذا يعنى الوأد؟

الدفن حياً، والدفن حياً يعنى الخنق، والخنق يعنى عصر الحلق حتى الموت. وإذا كان الحلق هو الذى منه تخرج حروف الهجاء عند النطق فمعنى ذلك أن الخنق هو خنق النطق. وإذا كان لفظ منطق مشتق من لفظ «نطق» فالخنق اذن ينطوى بالمجاز على إبطال المنطق. ومن عوامل إبطال المنطق اتهام الآخر بالزندقة. ومن هنا شاع هذا القول الذى جرى مجرى الأمثال: مَنْ تمنطق تزندق. ولفظ تزندق من الاسم زنديق. وكان الزنديق يطلق فى بداية استعماله على المؤمن بالديانة المانوية التى تعتقد بوجود الهين للعالم: إله النور وإله الظلمة. ثم اتسع استعماله فأطلق على مَنْ ينكر الشريعة ووحدانية الله ثم انتهى به المطاف إلى إطلاقه على المخالف لأهل السُنة الذين يعارضون المنطق وبالتالى يعارضون البرهان لأنه، فى رأيهم، مهدد للإيمان لأن الإيمان يفتقر إلى البرهان. ومن هنا جاءت كراهية أهل السُنة للمنطق. وأظن أن هذه الكراهية كانت سبباً فى إحجام الإمام الغزالى عن ذكر لفظ المنطق عنواناً لبعض مؤلفاته، إذ استبدله بلفظ « القسطاس» أو «المعيار»، وهو فى هذا أو ذاك يستخرج أشكال القياس من القرآن نفسه أو من اللغة، ويوضح المسائل المنطقية بأمثلة من الفقه. بل إن هذه الكراهية قد اشتدت عند إمام من أكبر أئمة الحديث وهو ابن الصلاح الشهرزورى ( مات 643ه) إذ كان عقله دينياً خالصاً فترك الاشتغال بالمنطق، بل صار خصماً لدوداً له باسم الدين. وعندما سئل ذات مرة: هل الشارع أباح الاشتغال بالمنطق؟ وهل يجور الاستعانة بالمصطلحات المنطقية فى التدليل على صحة الأحكام الشرعية؟ وماذا يجب على ولى الأمر فعله بإزاء الدين يدرسون الفلسفة؟ كان جوابه على النحو الآتى: إن الفلسفة أس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومَنْ تلبس بها تعليماً وتعلماً استحوذ عليه الشيطان. وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع ولا استباحه أحد من الصحابة والأئمة المجتهدين والتابعين الصالحين. وأما استعمال المصطلحات المنطقية فى مباحث الأحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة. ومَنْ زعم أنه يشتغل مع نفسه بالمنطق والفلسفة لفائدة يزعمها فقد خدعه الشيطان.

وبعد الشهر زورى جاء ابن تيمية ( مات 729ه) الذى كان عدواً لدوداً للفلسفة خاصة فى رسالته المعنونة « الرد على عقائد الفلاسفة»، وفى كتابه المعنون «نصيحة أهل الايمان فى الرد على منطق اليونان». وبعد ذلك أدى جلال الدين السيوطى دوراً مهماً، إذ توسع فى تحقير المنطق عندما ألصقه باليهود والنصارى. ومما ساعده على هذا التحقير هو الرأى الشائع القائل بأن المؤلفات الفلسفية قد ترجمها إلى العربية كل من اليهود والنصارى. ومن هنا اجترأ الجاحظ – وهو من المعتزلة التى يقال عنها إنها من دعاة العقلانية- على الربط بين النصرانية والزندقة فى رسالته المسماة « المختار فى الرد على النصارى». يقول: «إن الغرض منها كسر النصرانية بالحجة والبرهان. ودينهم – يرحمك الله- يضاهى الزندقة. والدليل على ذلك أنَا لم نر أهل ملة قط أكثر زندقة من النصارى».

ورفضت المعتزلة أرسطو لقوله بقِدم العالم لأن من شأن هذا القول أن يفضى إلى أن الله غير خالق. كما رفضت منطق أرسطو. وقد أورد ابن تيمية فى كتابه “ نصيحة أهل الإيمان فى الرد على منطق اليونان “ النصوص المتعددة التى هاجمت فيها المعتزلة منطق اليونان. ثم نقد منطق أرسطو كما نقد فلاسفة المسلمين كالفارابى وابن سينا وابن رشد بسبب تشيعهم لهذا المنطق.

وبعد وأد العقل حدث بتر بين العالم الإسلامى والعالم الغربى. وتدعم البتر مع بزوغ الأصولية الاسلامية المتمثلة فى حركة الإخوان المسلمين والتى تستند إلى ابن تيمية الذين يدعو إلى إبطال إعمال العقل فى النص الدينى، واتهام الممارس لإعمال العقل بالكفر والزندقة. ومع بزوغ الأصولية الاسلامية ومعها الأصوليات الأخرى تم صنع الأوزون البشرى الخانق. ولا أدل على ذلك من هجرة البشر من بلد إلى أخرى لعل هذه الهجرة تكون وسيلة فعالة فى الهروب من ذلك الأوزون البشرى الخانق. إلا أن هذا الهروب أفضى إلى فوضى كوكبية تعانى منها دول كوكب الأرض بلا استثناء. والمفارقة هنا أن هذا النوع من الفوضى لا يصلح مواجهته بالجيوش المسلحة إنما تصلح مواجهته بالعقول المتنورة. إلا أن هذه العقول قد أصابها «السُبات الدوجماطيقى» الذى يعنى استسلامها لملكية الحقيقة المطلقة.

والسؤال إذن:

مَنْ الذى يوقظ هذه العقول لكى تقضى على ذلك الأوزون البشرى الخانق التى صنعته الأصوليات الدينية وفى مقدميها الأصولية الإسلامية؟.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (171) الصراع فى أمريكا   الثلاثاء 28 مارس 2017, 9:02 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (171) الصراع فى أمريكا


الثلاثاء 29 من جمادي الآخرة 1438 هــ 28 مارس 2017 السنة 141 العدد 47594


هو صراع بين العلمانية والأصولية، وهو صراع ينطوى على تناقض حاد بحسب تعريفى لكل من العلمانية والأصولية، إذ العلمانية هى التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق، فى حين أن الأصولية هى التفكير فى النسبى بما هو مطلق وليس بما هو نسبى. والمفارقة هنا أن الصراع القائم الآن فى أمريكا يتناقض مع رؤية الآباء المؤسسين لهذه القارة، إذ كانت رؤيتهم علمانية.

وقد بدأ هذا الصراع مع تأسيس منظمة أصولية اسمها الغالبية الأخلاقية بزعامة القس جيرى فولول. وكان مبرر هذا التأسيس مردوداً إلى فساد إدارة الرئيس نيكسون التى انتهت بفضيحة ووترجيت. ومن هنا جاء انتخاب الرئيس جيمى كارتر متسقاً مع فكر اليمين الدينى الذى كان قوة سياسية بلا منافسة لمدة ثلاثين عاماً. وقد تُركت سياسة كارتر الأصولية بلا مقاومة من قِبل العلمانيين الذين كانت حجتهم أن خلط كارتر الدين بالسياسة إنما هو مجرد لحظة عابرة فى تاريخ السياسة الأمريكية، إلا أن حجتهم كانت وهمية، إذ سرعان ما أيد جيرى فولول انتخاب رونالد ريجان فى عام 1980 لأنه كان أصولياً.

وعندما بدأت «الغالبية الأخلاقية» تتوارى كان البديل منظمة أصولية أخرى بقيادة روبرتسون الذى اشتهر بأنه متحكم فى سبعين مليوناً من الناخبين. ومن أسباب هذا التحكم أن العلمانية لم تتحول إلى تيار بسبب تصور العلمانيين أن تحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية يأتى فى الصدارة، وأنت بعد ذلك وما تشاء من أن تكون علمانياً أو أصولياً، وليس من حق أحد أن يدين الاختيارات الشخصية إلا إذا توهم أن من حقه التحكم فى هذه الاختيارات. ولم يتحرر العلمانيون من ذلك الوهم إلا عندما انتخب بوش الابن ، وأعلن صراحة أنه ضد النزعة العقلانية و مع ضرورة القضاء على العلمانية. وفى هذا السياق شاع الرأى القائل بأن أمريكا أمة مسيحية ، ومن ثم يتوارى القول بفصل الكنيسة عن الدولة. ولكى تكون على اقتناع بكارثة الأصولية فى أمريكا قارن بين خطابين لمرشحيْن لرئاسة أمريكا: خطاب جون كيندى فى عام 1960 وخطاب ميت رومنى فى عام 2008. قال كيندى: ليس ثمة مجال للدين فى السياسة. أنا أومن بأمريكا الخالية من السياسيين الذين يطلبون النصح فى القضايا العامة من البابا أو المجلس القومى للكنائس. ومعنى هذه العبارة أن كيندى يؤكد الفصل التام بين الكنيسة والدولة. أما رومنى فقد أظهر فى خطابه تعاطفاً مع اليمين الدينى، إذ ندد بالطابع العلمانى للمجتمع الأوروبى وبكل مَنْ يتصور أن الدين مسألة شخصية.

وفى يناير 2009 قال الرئيس أوباما فى خطابه الذى ألقاه إثر انتخابه: نحن أمة من المسيحيين واليهود والهندوس والملحدين. وقد جاء ذكر لفظ .الكبرى، إذ توهم العلمانيون أن فى إمكانهم التأثير على سياسة أوباما فى حين أن أوباما كان مصمماً على تحويل دول كوكب الأرض إلى دول اسلامية تحت رعاية الخلافة الاسلامية.

والمفارقة هنا أن هذا الذى يذهب إليه اليمين الدينى يتناقض مع الدستور الأمريكى الذى أصدره البرلمان بالاجماع فى عام 1797 وجاء فيه أن أمريكا ليست مؤسسة على الديانة المسيحية ولكنها مع ذلك ليست معادية لأى دين. وفى حالة القسم فإن الرئيس المنتخب يقول: أقسم بأن أكون أميناً فى تنفيذ مهام رئيس أمريكا، وأن أتفانى فى حماية الدستور والدفاع عنه. واللافت للانتباه هنا أن الآباء المؤسسين هم ورثة فلاسفة التنوير الأوروبى من أمثال هوبز ولوك وروسو وكانط . وعظمة هؤلاء الفلاسفة أنهم لم يؤلفوا على نمط واحد، إذ كان بينهم افتراق واتفاق، إلا أن الافتراق لم يكن إلا فى الفروع وليس فى الأصل. فقد كان هوبز يدعو إلى السلطة المطلقة للملك، ولوك يركز على الحرية الشخصية وحق الملكية، وروسو كان يدعو الدولة إلى عدم الفصل بين الدينى والسياسى، وكانط كان ينكر قدرة العقل على البرهنة على وجود الله أو عدم وجوده. ومع ذلك كله فقد كان الاتفاق بينهم أن التنوير محكوم بالعقل والتجربة والعلم. وهذا على الضد مما كان حادثاً فى العصور الوسطى من تحكم الكنيسة بقوانينها فى الحياة الدنيا والآخرة. وفى هذا السياق يمكن القول بأن التنوير هو أساس أمريكا، بل أساس ترسيخ التراث العلمانى. وأظن أنه مع انتخاب ترامب رئيساً لأمريكا فى 20 يناير من هذا العام وسقوط منافسته هيلارى كلينتون تكون الحضارة قد أُنقذت من تدميرها لأن سياستها متطابقة مع سياسة أوباما الأصولى المتواطئ مع الخلافة الاسلامية. إلا أن اللافت للانتباه أن ترامب لم يكن عضواً ناشطاً فى حزب المحافظين على الرغم من أنه كان مرشح ذلك الحزب. ولا أدل على ذلك مما جاء فى وكالة الأسوشيتدبرس للأنباء فى 20 من شهر مارس من أن ترامب تلقى دفعة معنوية قوية بنزول أنصاره إلى الشارع وذلك للمرة الأولى منذ تنصيبه رئيساً. والشارع هنا يعنى «رجل الشارع» علمانياً بحكم الضرورة بالرغم من غياب النخبة العلمانية والتى من المفترض أن تكون ناشطة فى الحزب الديمقراطى، والتى مع افتراض حضورها فإنها فى الحزب الديمقراطى المعادى لحزب ترامب. وأظن أن هذه المفارقة هى مفارقة القرن الحادى والعشرين.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (172) مفيد فوزى والسؤال الصعب   الثلاثاء 04 أبريل 2017, 7:49 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (172) مفيد فوزى والسؤال الصعب


الثلاثاء 7 من رجب 1438 هــ 4 أبريل 2017 السنة 141 العدد 47601


قرأت مقالاً للمحاور المتميز بعبقرية الإيجاز مفيد فوزى تحت عنوان «الأسئلة الصعبة» بجريدة المصرى اليوم بتاريخ 25/3/2017. وهو فى مقاله يوجه هذه الأسئلة إلى شخصيات من اختياره. وكاتب هذا المقال من بين المختارين والسؤال المثار صاغه فى سطر وهو كالآتي: هل الزمن يكسر الأحلام الممكنة وأين الإرادة الانسانية؟

الجواب يستلزم توضيح ثلاثة ألفاظ مع بيان العلاقة: الزمن - الأحلام الممكنة- الإرادة الإنسانية. والرابط بينها الفعل «يكسر». والمفارقة هنا أن الفعل «يكسر» هو الرابط مع أنه يشى بأنه ليس كذلك. فكيف يكون كذلك؟

الزمن مكون من ثلاث آنات: الماضى والحاضر والمستقبل. والرأى الشائع أن الماضى هو نقطة البداية. وسبب ذلك مردود إلى مبدأ العلية. وهذا المبدأ يلزمنا بالسير فى اتجاه واحد من السابق إلى اللاحق. السابق هو العلة واللاحق هو المعلول. وفى هذا المعنى يمكن القول إن هذا المبدأ يتناقض مع طبيعة الفعل الانساني، ذلك أن هذا الفعل مرهون بتحقيق غاية، أى أنك لا تفعل إلا إذا كنت تنشد تحقيق غاية. والغاية بطبيعتها موضوعة فى المستقبل. ومن هنا يكون الفعل مستقبلياً. وهذا هو معنى قول ماركس «إن ما يميز أسوأ مهندس من نحلة أنه يتخيل البناء قبل أن يحققه فى الواقع. وفى نهاية العمل يحصل على نتيجة كانت فى الأصل فى تخيله منذ بداية العمل». ومن هنا يمكن القول بأن الفعل مستقبلى لأنه غائي. وتأسيساً على ذلك يمكن القول أيضا إن نقطة البداية فى الزمان ليست هى الماضى بل المستقبل. ومعنى ذلك أن الانسان يتحرك من المستقبل إلى الماضي. وحيث إن الماضى يرمز إلى التراث، فمعنى ذلك أن مَنْ يشترط الانطلاق من التراث من أجل التغيير فهو واهم.

هذا عن الزمن فماذا عن الأحلام الممكنة؟

الأحلام نوعان: أحلام نوم وهى تعبير عن المكبوت فى الموروث. وأحلام يقظة وهى تعبير عن رؤى مستقبلية تريد أن تتحقق فى الواقع. ولكن ما طبيعة هذا الواقع ؟ إنه يتصف بأنه وضع قائم فى حالة أزمة. والأزمة تنطوى على تناقض حاد يلزم إزالته، وازالته ليست ممكنة من غير تصور لوضع قادم وهو مرادف لقولنا رؤية مستقبلية. والرؤية المستقبلية لن تتحقق إلا إذا كانت عقلانية أما إذا لم تكن فإنها تنكسر، والانكسار هنا يخص المستقبل الذى هو أول الزمان، ومن هنا يمكن القول بأن المستقبل يكسر ذاته، ومن ثم يمتنع احلال الوضع المأزوم محل الوضع القادم، وبالتالى يظل الوضع المأزوم قائماً فى انتظار وضع قادم عقلاني. وفى حالة تكوين هذا الوضع يحدث الاحلال، أى يحدث التغيير، والتغيير هنا مرهون بالارادة وليس بالعقل لأن وظيفة العقل محدودة بتكوين رؤية، أما تنفيذها فمرهون بالارادة. وقد يبدو هنا أن ثمة فاصلاً بين العقل والارادة، إلاأن هذا الفصل هو من قبيل الوهم. لماذا؟ جوابى كالآتى:

إذا كان للعقل منطق فالتغيير أيضاً له منطق ولكنه لا يغاير منطق العقل لأن المنطق واحد فى الاثنين. ولا أدل على ذلك من أن اختلال العقل يفضى بالضرورة إلى اختلال الارادة، ومن ثم يعجز الانسان عن إحداث التغيير. وأمثل لما أقول بظاهرة الهذيان الدينى التى انشغلت بدراستها مما دفعنى إلى الذهاب إلى مستشفى الأمراض العقلية، وهناك التقيت مريضا مصابا بمرض عقلى اسمه «البارانويا» ويقال إنه «جنون العظمة» إذ كان يعتقد أنه اله الكون وله فى هذا الاعتقاد أدلة علمية وفلسفية. فقد كان يرى أن الكون عبارة عن موجات موجبة وسالبة، وأن اله الكون هو القادر على إحداث التوازن بين هذه وتلك، وعن هذا التوازن تنبثق الكائنات ومن بينها الإنسان وعقله. العقل يستقبل الأشياء الخارجية على هيئة موجات: موجات سالبة وأخرى موجبة، وهى تأتى إليه بقوة. بيد أن عقله بما له من قوة ضبط يخففها بحيث يقال إن هذا الإنسان عاقل. أما إذا فقد العقل قوته الضابطة فإنه لا يستطيع التحكم فى قوة الموجات، وبالتالى تبدو له الأشياء فى شكل مبالغ. استمر اللقاء ستة أشهر. وذات يوم قال لي: أنشر فى جريدة الأهرام أن إله الكون موجود فى مستشفى الأمراض العقلية، وإنه يريد الخروج لكى يباشر مهمته. ثم أردف قائلاً: وإذا لم ينشر الخبر فى الأسبوع القادم فسأمتنع عن استقبالك. حاولت المراوغة فقلت له «بما أنك إله الكون فباحدى معجزاتك تجد نفسك خارج الأسوار». فأجاب بلا تردد «أنا إله نظام ولست اله فوضى». والمغزي، فى نهاية المطاف، أن هذا الاله عاجز عن إحداث الفعل المغيَر للوضع القائم أو حلمه الممكن بتعبير مفيد فوزى أو رؤيته المستقبلية بتعبيري. هى رؤية لا عقلانية وبالتالى تمتنع إرادة التغيير. ومن هنا يمكن القول إن إرادة التغيير لازمة من لزوم الرؤية المستقبلية العقلانية مع الاضافة بأن هذه العقلانية هى بالضرورة ملازمة لمسار الحضارة فى تطورها من الفكر الأسطورى إلى الفكر العقلانى.

وتأسيساً على ذلك يمكن القول إننا إذا أردنا مواجهة الإرهاب الإسلامى الأصولى القاتل للبشر الذى أحدث أزمة فى الوضع القائم بدعوى إحيائه للخلافة الاسلامية كوكبياً، فيلزم أن تكون الرؤية المستقبلية عقلانية وهى لن تكون عقلانية إلا برشدية عربية نؤسسها فى العالم الإسلامى على غرار الرشدية اللاتينية التى حررت أوروبا من العصور الوسطى المظلمة. هذا جوابى عن السؤال الصعب للأستاذ مفيد فوزى. أثاره فى سطر وأجبته فى مقال.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (173) ثلاث رؤى للدين   الأربعاء 12 أبريل 2017, 3:28 am



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (173) ثلاث رؤى للدين


الثلاثاء 14 من رجب 1438 هــ 11 أبريل 2017 السنة 141 العدد 47608


مغزى العنوان أن الرؤية للدين رؤية انسانية فى حدود ثلاث رؤى. وفى هذا المعنى تكون الرؤية نسبية بحكم النسبية التى تتسم بها أحكام العقل عند الانسان. ومن هنا تأتى إشكالية المعتقد الدينى من حيث هو مطلق.

والسؤال اذن: إذا كانت الاشكالية تنطوى على تناقض فهل فى الامكان رفع هذا التناقض بين النسبى والمطلق؟ أظن أن الرفع يكون ممكناً إذا كنا نقصد بالدين الايمان، ذلك أن الايمان برسالة دينية مسألة خاصة بالانسان وتقف عند حد القلب ولا تتجاوزه إلى حد العقل لأن للقلب حججاً يجهلها العقل لأن حجج العقل لا تكون صادقة إلا فى البراهين الهندسية. والايمان برسالة دينية لا علاقة له بمثل هذه البراهين. وإذا طلبها يكون بذلك قد خرج من مجاله إلى مجال آخر. ومن هنا ينشأ ما يسمى بــــ « علم اللاهوت» كما فى المسيحية أو علم الكلام كما فى الاسلام. وقد ارتأى اللاهوتى الكندى ألفريد كنتول سميث (1916-2000) الذى كان مديراً لمركز دراسة الأديان العالمية بجامعة هارفارد. وأظن أن تعيينه فى هذا المنصب كان مردوداً إلى كتابه المعنون «معنى الدين ونهايته» الذى أصدره فى عام 1962. وقيل فى حينها إنه من أعظم الشخصيات المؤثرة فى القرن العشرين. ومن رأيه أن لفظ الدين لفظ أوروبى لأن مؤسسى الأديان الكبرى لم يكن لديهم هذا القصد فى تأسيس ما أسسوه. وحتى لفظ الدين فى الاسلام مباين لمفهومه فى أوروبا. ولا أدل على ذلك، فى رأيه، من أن الممارسين للايمان لا يصلون إلى استخدام لفظ الدين إلا عندما يمتزج الايمان بالثقافة، بل إن كانتول يذهب إلى أبعد من ذلك إذ يرى أن الدين بالمعنى المعاصر هو نتاج هوية سياسية ممتزجة بعقيدة مهمتها الدفاع عن ذاتها فى مواجهة الملحدين. وفى هذا المعنى الأخير كان الفيلسوف الاسلامى أبو ريده (1909-1991) يذهب إلى شئ من هذا القبيل عندما قال إن علم الكلام نشأ مع نشأة الالحاد وبالتالى فإن نهايته مرهونة بنهاية الالحاد. إلا أن كانتول كان يرى على غير ما يرى أبو ريده. ففى كتابه المعنون «الايمان والمعتقد والخلاف بينهما» (1979) يقول بأن الايمان يأتى فى الصدارة منذ نشأة الحضارة الانسانية، وهو متعدد ومتباين إلا أن هذا التباين لم يكن موضع اهتمام. وهذا على الضد من المعتقدات التى دخلت فى صراع. وعندما نصبح على وعى بهذا التباين بين الايمان والمعتقد لن ندين أحداً أو ننكر ايمانه بدعوى أنه مباين لمعتقدنا، والسؤال لماذا؟ لأن المعتقدات فى حالة تغير متواصل، ولهذا فإنها لا تدخل فى تشكيل الايمان.

والسؤال اذن: ما الايمان؟ الايمان، فى رأى كانتول، سمة أساسية فى الانسان، إذ هو فى بنيته. ومن هنا فإن الايمان يلزم أن يكون كوكبياً، ومن غير هذا اللزوم لا يكون الايمان ايماناً. ولكن الايمان يلزم أيضاً أن تكون له طقوس وممارسات مناسباتية وقواعد للسلوك.

والسؤال بعد ذلك: ماذا يحدث لو انفصلت هذه كلها عن الايمان وعن المعتقد؟

الجواب عن هذا السؤال يستلزم أن يكون العقل جريئاً فى مواجهتها، وقد كانت هذه الجرأة لدى لاهوتى أمريكى ملحق بالأكاديمية الأمريكية للدين اسمه ستيفن بوش أصدر كتاباً عنوانه «رؤى للدين» (2014). وهذه الرؤى ثلاث: الخبرة والمعنى والقوة. الخبرة صوفية بالضرورة والمعنى جملة رموز تشير إلى مشروعات وآلام وطموحات وكلها ملفوفة فى القوة. ومن هنا يكون الدين قاهراً ومحرراً فى آن واحد، وتكون القوة بهذا المعنى هى ايديولوجية الدين. وهذه الثلاثية، فى نهاية المطاف، هى موجز للممارسات الدينية، ومن ثم تكون معبرة عن الدين، ولكنها فى الوقت ذاته، معبرة عن اطار مرجعى اسمه « الممارسات الاجتماعية». واللافت للانتباه هنا أن المعتقد الدينى ليس وارداً عند ستيفن بوش، بل إن الايمان ذاته قد أصبح مكتفياً بأنه ليس إلا خبرة صوفية. وفى هذا السياق هل ثمة تأثير من كانتول على بوش؟ إن بوش يذكر كانتول فى كتابه عندما يقول إن كانتول قد أحل لفظ الايمان محل لفظ الدين. وأظن أن بوش قد اتخذ من هذا الاحلال مدخلاً لتحويل الايمان إلى مجموعة ممارسات اجتماعية ثم اختتم كتابه تحت عنوان: الدين من حيث هو ممارسة اجتماعية أو بالأدق من حيث هو أنماط من السلوك. وفى هذا المعنى يكون التركيز على ما يفعله المتدينون وليس على ما يفكرون فيه. ومن هذه الزاوية تدخل أفعالهم فى علاقة عضوية مع أنماط أخرى من السلوك الاجتماعى.

والرأى عندى أن كتاب بوش يخلو من تناول ظاهرة محورية فى القرن الحادى والعشرين وهى ظاهرة الكوكبية التى تعنى التعامل مع كوكب الأرض على أنه وحدة بلا تقسيمات. ومن شأن هذا النوع من الوحدة أن تنتفى معه المطلقات أو العقائد المطلقة التى تدخل فى صراع بحكم تعدديتها التى تتناقض مع مفهوم العقيدة المطلقة التى ترفض ما عداها. ومع ذلك فالكوكبية لازمة من ظاهرة أخرى أشمل منها وهى الكونية التى تعنى إمكان السباحة فى الفضاء بفضل الثورة العلمية والتكنولوجية من أجل تكوين رؤية علمية عن الكون يكون من شأنها الكشف عن المجاز الكامن فى الألفاظ الدينية أيا كانت ملتها، ويترك للمؤمن مهمة هذا الكشف دون الاستعانة بالسلطة الدينية المكلفة تراثياً بالدفاع عن مطلقها فى مواجهة المطلقات الأخرى لأنها لم تعد صالحة للتعامل مع الكوكبية أو الكونية. وإذا كان ذلك كذلك فهل يمكن اعتبار هذه الرؤية بديلاً عن الرؤى الثلاث؟ وإذا جاء الجواب بالايجاب فهل تكون هذه الرؤية المضاد الحيوى للقضاء على جرثومة الارهاب؟





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (174) أزمة الإبداع فى تربية عين شمس   الأربعاء 19 أبريل 2017, 6:56 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (174) أزمة الإبداع فى تربية عين شمس


الثلاثاء 21 من رجب 1438 هــ 18 أبريل 2017 السنة 141 العدد 47615


دار حوار بينى وبين عميد كلية التربية بجامعة عين شمس الأستاذ الدكتور سعيد خليل حول وسائل تطوير كلية التربية. وكان رأيه أن الثورة الالكترونية تلزمنا بهذا التطوير فى مجال المناهج والمقررات إلى الحد الذى يمكن فيه حذف بعضها وإضافة أخرى على أن يتم ذلك بفكر إبداعي. وعند هذه النقطة أشار إلى أنه بصدد تأسيس «مركز الإبداع» لتحقيق الغاية المطلوبة من التطوير. وعندئذ سردت له قصة جديرة بأن تُروى وهى كالآتي:

فى 18/2/1988 عرضت على وزير التعليم الأستاذ الدكتور فتحى سرور فكرة مشروع عن «الإبداع والتعليم العام» فوافق بلا تردد على أن تُعقد فى البداية ندوة نحدد فيها تفصيلاً المطلوب تنفيذه من هذا المشروع، وقد كان إذ انعقدت فى 9/12/ 1989. وقد وجهت كلمتى فى الجلسة الافتتاحية تحية تقدير إلى الوزير لجرأته فى اقتحام مجال التخلف وهو مجال التعليم بفكر غير تقليدى يؤثر فيه الإبداع على الاتباع لأنه يؤثر التقدم على التخلف، وأمتنا فى حاجة إلى هذا اللون من الفكر». ثم قال الوزير فى كلمته« إنه لابد من تطوير جذرى للمناهج فى التعليم ما قبل الجامعى والتعليم الجامعي. وإذا كانت حركة التطوير قد بدأت فإنها لابد أن تسير سيراً يعتمد على محاور الإبداع. ولهذا فإننا نتطلع إلى رؤية أهداف المناهج وقد احتل الإبداع فيها مكاناً كبيراً».

والجدير بالتنويه هنا أن من لوازم الإبداع إلغاء الكتب الخارجية التى تصدرها مكتبات شارع الفجالة بالقاهرة والتى تلخص الكتاب الأصلى الصادر عن وزارة التعليم فى نقاط محددة يحفظها الطالب، ثم يخزنها فى ذاكرته ليتقيأها فى ورقة الامتحان فى آخر العام. وعندما بدأنا التنفيذ ثار شارع الفجالة. فما كان من وزير الداخلية إلا أن قال لوزير التعليم «اترك الفجالة على حالها» وإثر هذه العبارة ترك الوزير الوزارة وذلك بتعيينه رئيساً لمجلس الشعب وتوقف مشروع الإبداع فى وزارة التعليم إلا أن الإبداع لم يتوقف فى كلية التربية ، إذ كنت قد أسست «سمينار الإبداع» فى عام 1987. وفى عام 1990 آثرت تحويله إلى مركز سميته «مركز الإبداع لتطوير التعليم»، وقد وافق مجلس الكلية على تأسيسه فى 22/4/1992، ثم وافق عليه مجلس جامعة عين شمس فى جلسته بتاريخ 24/2/1993 برئاسة الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عبد الحافظ الذى تقاعد بعد هذه الجلسة، وعُين بعده الأستاذ الدكتور عبد السلام عبد الغفار الذى كان فيما قبل ذلك عميداً للكلية ثم وزيراً للتعليم وهو يعتبر من أعمدة نظام الرئيس أنور السادات فامتنع عن تنفيذ قرار المجلس. وقد صاحب هذا المنع بداية صراع مع الأساتذة حول مدى مشروعية سمينار الإبداع. وقد توقف الصراع عندما أخبرنى عميد الكلية الأستاذ الدكتور أمين المفتى بأن الأساتذة أصروا على غلق السمينار وإلا فإنهم فى طريقهم إلى التصعيد. وفى زمن السادات هذا التصعيد وارد وممكن وقابل للتنفيذ، وقد كان.

والسؤال اللازم إثارته هو على النحو الآتي:

لماذا هذه الحساسية ضد الإبداع، أو فى صياغة أخري، لماذا الإبداع فى أزمة فى مجال التعليم؟


جوابى كالآتي:

إن نظام التعليم على علاقة عضوية مع النظام السياسي، أى أنهما متلازمان. والمعايش للنظام السياسى فى مصر يلمح بلا مشقة العلاقة العضوية بينه وبين الإخوان المسلمين منذ بداية ثورة يوليو فى عام 1952، إذ هيمن فكر الإخوان المتمثل فى فكر ابن تيمية على نظام التعليم خفية فى زمن الرئيس عبد الناصر وعلانية فى زمن الرئيس السادات مع بداية التحرر منه فى زمن الرئيس عبد الفتاح السيسي.

والسؤال بعد ذلك:

ما هو فكر ابن تيمية؟ وما علاقته بنظام التعليم؟

فى كتابه المعنون «درء التعارض بين العقل والنقل» يقرر ابن تيمية أن النص الدينى الذى سمعناه من الرسول صلى الله عليه وسلم هو ثابت بالسمع سواء علمنا ثبوته بالعقل أو بغير العقل، لهذا فإن ثبوت ما أُخبرنا به ليس موقوفاً على عقولنا. ولهذا فإذا أعملنا العقل فى النص الدينى فيجب أن يأتى هذا الإعمال موافقاً للسمع. وبذلك يهبط العقل إلى مستوى الحس الذى هو السمع. ومن هنا يمكن تعريف الإنسان ليس على أنه كائن يعقل إنما على أنه كائن يحس». وتأسيساً على ذلك التعريف يتم أفول العقل، ومن ثم أفول الإبداع. ولا أدل على صحة هذه النتيجة من قول ابن تيمية إن التأويل الذى هو عبارة عن إعمال العقل فى النص الدينى للكشف عن المعنى الباطن هو بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار. وهذا القول على نقيض قول ابن رشد من أن التأويل هو إخراج اللفظ من دلالته الحسية إلى دلالته المجازية. وبسبب هذه الدلالة المجازية تتعدد التأويلات، ومع تعددها يمتنع الإجماع. ومن هنا يقول ابن رشد«لا يُقطع بتكفير مَنْ خرق الابداع». وإذا أخذنا بهذا القول فإن ممارسته تفضى إلى تفجير الطاقة الإبداعية الكامنة فى عقل الإنسان. وتعريفى للإبداع يدلل على صحة العلاقة العضوية بين العقل والإبداع لأن الإبداع هو قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الوضع القائم. إلا أن تغيير هذا الوضع ليس ممكناً من غير أن يكون هذا الوضع فى حالة أزمة، وعندئذ نستدعى الوضع القادم الذى هو رؤية مستقبلية. وفى هذا السياق يمكن القول بأن كلية التربية فى أزمة بسبب أفول الإبداع وما يترتب عليه أفول العقل.

والسؤال إذن:

هل فى إمكان عميد تربية عين شمس الأستاذ الدكتور سعيد خليل نقل الكلية من أفول العقل إلى سلطان العقل ومنه إلى سلطان الإبداع؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (175) التأويل والرشدية العربية   الأربعاء 26 أبريل 2017, 3:48 am





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (175)
التأويل والرشدية العربية


الثلاثاء 28 من رجب 1438 هــ 25 أبريل 2017 السنة 141 العدد 47622

أظن أن قضية التأويل التى جاءت عنواناً للمؤتمر الدولى الرابع الذى عقده قسم الفلسفة بآداب القاهرة فى هذا الشهر هى القضية المحورية فى هذا الزمان.

وأظن أيضاً أن الدعوة التى أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسى لتجديد الخطاب الدينى لمواجهة الارهاب الأصولى الاسلامى تتسق مع قضية ذلك المؤتمر لأن التجديد يستلزم بالضرورة مجاوزة التقليد لأن التقليد يستلزم عدم الاختلاف.

والسؤال اذن: ما التأويل؟ التأويل، فى الشرع، له علاقة بالمُحكم والمتشابه. المحكم ما أُحكم المراد بظاهره، والمتشابه ما لم يُحكم المراد بظاهره، بل يحتاج إلى قرينة، والقرينة نعرف بها المراد بالمتشابه، ونحمله على الحكم وبذلك يبقى التأويل بيانياً، أى خالياً من المجاز. الغاية إذن من التفرقة بين المحكم والمتشابه منع التأويل، ومن ثم ينحصر التأويل فى البيان، وينحصر البيان فى التفسير، أى التوضيح. وفى هذا المعنى يقول أبو البقاء فى كلياته “ التفسير والتأويل واحد”.

ولكن مع تطور الزمن بدأ التمييز بين التفسير والتأويل فانصرف التأويل إلى المعانى المحتملة التى يحتاج فى قصد واحد منها إلى ترجيح بأمارات ودلائل أكثر من معنى الألفاظ اللغوية، أما التفسير فقد انصرف إلى شرح الألفاظ شرحاً لغوياً يؤدى إلى المعنى الظاهر من النص. وفى هذا المعنى يرى الجرجانى أن التفسير فى الشرع هو توضيح السبب الذى نزلت فيه الآية بلفظ يدل عليه دلالة ظاهرة، أما التأويل فهو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله إذا كان المحتمل الذى يراه موافقاً للكتاب والسُنة مثل قوله تعالى “ يٌخرج الحىَ من الميت”. إن أراد به إخراج الطير من البيضة كان تفسيراً، وإن أراد به إخراج المؤمن من الكافر أو العالِم أو الجاهل كان تأويلاً.

والسؤال إذن: ما مغزى رأى الجورجانى فى التأويل؟ مغزاه أن التأويل يشترط تجاوز ظاهر اللفظ. وإذا كان هذا الظاهر مرتبطاً بالحس فتجاوزه يعنى تجاوز الحس إلى العقل، إلا أن هذه المجاوزة تنطوى على مخاطرة لأن العقل، فى هذه الحالة، يكون معرضاً للخطأ. وأظن أن الغزالى هو أول مَنْ فطن إلى هذه المخاطرة عندما قال “ بين المعقول والمنقول تصادم فى أول النظر وظاهر الفكر. والخائضون فيه تحزبوا إلى مفرط بتجريد النظر إلى المنقول، وإلى مفرط بتجريد النظر إلى المعقول، وإلى متوسط طمع فى الجمع والتلفيق”.

والغزالى ينحاز إلى هذا المتوسط فى مفهوم التأويل، ولكنه مع ذلك يحذر من تناوله لأنه إما أنه تأويل بعيد عن الفهم، وإما أنه تأويل لا يُتبين فيه وجه التأويل، وبالتالى فإنه يحذر من الاستعانة به لأنه، فى النهاية، تخمين وظن. واللافت للانتباه أن الغزالى فى البداية كان يبحث عن قانون للتأويل، ولكنه فى النهاية تراجع عن هذا البحث، ومن ثم بقى التأويل بلا قانون.

أما ابن رشد فقد ارتأى أن تراجع الغزالى عن صياغة قانون للتأويل مردود إلى أنه كان ملتزماً بالاجماع، أى أنه كان ملتزماً بالمنقول دون المعقول. ولاأدل على ذلك من تكفيره فلاسفة المسلمين مثل الفارابى وابن سينا لأنهم تأثروا بالفلسفة اليونانية الوثنية المتمثلة فى سقراط وأفلاطون وأرسطو. وفى هذا السياق كان ابن رشد على نقيض الغزالى إذ كان يدعو إلى أن نضرب بأيدينا إلى كتب القدماء من فلاسفة اليونان وننظر فيما قالوه فإن كان كله صواباً قبلناه منهم، وإن كان فيه ما ليس بصواب نبهنا عليه. ومعنى هذه العبارة أن التكفير ليس وارداً فى ذهن ابن رشد، وبالتالى يمكن الأخذ بالتأويل، إلا أن ابن رشد يضيف قائلاً بأن التأويل يستلزم خرق الاجماع حيث يقول فى كتابه “ فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال” لا يُقطع بكفر مَنْ خرق الاجماع فى التأويل. التأويل اذن مشروع وتعريفه عنده هو على النحو الآتى:” هو اخراج دلالة اللفظ من دلالته الحقيقية ( أى الحسية) إلى دلالته المجازية”. وبعد ذلك يفصًل رأيه فى مفهوم التأويل فيقول “ فإن أدى النظر البرهانى إلى نحو ما من المعرفة بموجود ما فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سكت عنه الشرع أو نطق به. فإن كان مما سكت عنه فلا تعارض هناك وهو بمنزلة ما سُكت عنه من الأحكام فاستنبطها الفقيه بالقياس الشرعى. وإن كانت الشريعة نطقت به فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقاً فلا قول هناك، وإن كان مخالفاً طُلب إليه تأويله. ومعنى ذلك أن الشريعة نوعان: الشريعة على ظاهرها والشريعة على باطنها. أما الحكمة فهى نوع واحد، ومن ثم يمكن القول بأن الحكمة هى الشريعة مؤولة. ومعنى ذلك أن كلا منهما حق. وإذا وُجد تأويل لا يساير هذا المعنى فهو تأويل فاسد. وابن رشد يعنى بالتأويل الفاسد تأويل المتكلمين مثل الأشعرية والمعتزلة، وهو علة البدع، والبدع علة انفصال الحكمة عن الشريعة. وإذا كان ذلك كذلك فإن الاتصال بين الحكمة والشريعة يستلزم إلغاء علم الكلام.

ومع تحويل فكر ابن رشد إلى تيار رشدى تكون النتيجة الحتمية انفتاح التيار الرشدى على الرشدية اللاتينية من أجل إجراء حوار بينهما لبيان المشترك، ومن ثم تتحالف الرشدية العربية مع الرشدية اللاتينية فى مواجهة الأصوليات الدينية التى شاعت فى هذا القرن والتى تتوهم كل منها أنها مالكة للحقيقة المطلقة. ومن شأن هذا الوهم اندفاع هذه الأصوليات إلى تكفير مَنْ يخالفها وإلى قتله إذا عاند. وما يقال عنه ارهاب إن هو إلا محصلة التكفير مع القتل. وبناء عليه فإذا أردنا التخلص من الارهاب يكون من اللازم علينا الدعوة إلى تأسيس هذا التحالف المكون من الرشدية العربية والرشدية اللاتينية.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (101) الإرهاب ومسئولية الفيلسوف
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 3 من اصل 5انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
elwardianschool :: المكتبة :: تحميل كتب :: العلوم الاجتماعية (300)-
انتقل الى: