elwardianschool


elwardianschool

مـنـتـدى مـــكـتـبــة مـدرسـة الـورديـان الـثـانـويـة * بـنـيـن...( تعليمى.متنوع.متطور )

 
الرئيسيةالبوابةبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول
نتمنى لكم قضاء وقت ممتعا و مفيدا فى المنتدى

شاطر | 
 

 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (101) الإرهاب ومسئولية الفيلسوف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (125) رحلة الكتاب   الثلاثاء 10 مايو 2016, 10:19 pm






رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (125)
رحلة الكتاب



الثلاثاء 3 من شعبان 1437 هــ 10 مايو 2016 السنة 140 العدد 47272


مات العالم الأمريكى توماس كُون فى عام 1966 وهو مشهور بكتابه المعنون «بنية الثورات العلمية» إلى الحد الذى أصبح فيه حياً فى القرن الحادى والعشرين. ومن هنا صدر كتاب عنه ولكن من تأليفه فى عام 2002، وعنوانه «الطريق منذ البنية» والمقصود به رحلته العلمية التى أوصلته إلى تأليف كتابه الذى أصدره فى عام 1962. والكتاب عبارة عن أبحاث من تأليفه ومقسمة إلى ثلاث مجموعات. المجموعة الأولى تبين تطور فكره منذ عام 1980 إلى عام 1990. والمجموعة الثانية تنطوى على ردوده على انتقادات معارضيه من الفلاسفة. والمجموعة الثالثة عبارة عن حوار معه يشير إلى رحلة حياته ويحكى فيها كيف تربى وكيف تعلم. والموجز أنه تعلم كيف يكون تفكيره مستقلاً. أما مستقبله العلمى فقد تحدد فى اتجاه الفيزياء النظرية وليس الفيزياء العملية فالتحق بجامعة هارفارد وحضر دروساً فى الفلسفة وأُعجب بفكر الفيلسوف الألمانى العظيم كانط إلى الحد الذى قال عنه إن فكره كان بمثابة الإلهام. وسبب ذلك مردود إلى أن كانط قد فطن إلى فاعلية العقل الإنسانى فى تكوين القانون العلمي، بمعنى أن هذا القانون هو من صنع طرفين: العقل الإنسانى والعالم الخارجي، ومن ثم تكون المعرفة العلمية نسبية. ومن هنا يقول كُون إن الغاية من حضوره الدروس الفلسفية العثور على جواب عن سؤال: ما الحقيقة؟ ولكنه لم يعثر على الجواب لا فى الفلسفة ولا فى الفيزياء، وعندئذ فكر فى دراسة تاريخ العلم، إلا أن جامعة هارفارد كانت خالية من قسم بهذا الاسم. ولكن كانت قد نشأت «جماعة سارتون».

وهنا ثمة سؤال لابد أن يثار: لماذا كان كُون مهموماً بدراسة تاريخ العلم؟

لكى يعرف مسألتين: المسألة الأولى خاصة بما إذا كان العلم يتقدم بالتراكم أم بغيره. وقد انتهى إلى أن العلم لا يتقدم قى مساره بالتراكم إنما بالتغيرات التى تحدثها الثورات العلمية على أن يؤخذ فى الاعتبار أن هذه الثورات هى ثورات اجتماعية تنشد الاقتراب من الواقع المضطرب والمتأزم والذى يفضى بدوره إلى تغيرات جذرية ومن ثم إلى تخصيب الممارسات العلمية. ولا أدل على ذلك من أن كتاب كُون المعنون «بنية الثورات العلمية» قد أصبح مؤثراً فى ثورة الطلاب فى أوروبا وأمريكا فى عام 1968، إذ قيل، فى حينها، إنه مفجر الثورة.

أما المسألة الثانية فهى مترتبة على المسألة الأولى وموجزها أن كًون كان مهموماً بالكشف عن البُعد الاجتماعى للفلسفة. ومن هنا كان اهتمامه منصباً على البحث عن العوامل الداخلية الكامنة فى نشأة النظرية العلمية، وعن العوامل الخارجية التى تتدخل فى تكوينها. ومن هنا ثانياً اكتشف أن العلاقة عضوية بين البنية والنظريات العلمية بحيث إذا تغيرت النظريات تغيرت البنية أيضا. ولكن اللافت للانتباه أن همه بدراسة تاريخ العلم لم يكن وارداً فى كتابه المعنون «تاريخ العلم» إذ كان، فى حينها، مهموماً بالكشف فقط عن العوامل الداخلية فى نشأة النظرية العلمية. أما فى مقاله المعنون «تاريخ العلم» والذى نشره فى «موسوعة العلوم الاجتماعية» فقد كان اهتمامه منصباً على العوامل الداخلية والخارجية. ومن هنا كان تأليفه كتاب «البنية والثورات العلمية». إلا أنه لم يقبل فكرة أن العلم فى حالة ثورة دائمة لأن القول بالثورة الدائمة تناقض فى الحدود على حد تعبير المناطقة. ومن هنا ثانياً نشأت لدى كُون فكرة «العلم السوي» الذى يهتم بحل الألغاز، أى حل المعضلات. وإذا لم يكن الحل ممكناً فهذا يعنى أننا على مشارف تكوين بارادايم جديد، أى نموذج جديد، أى أننا على مشارف ثورة علمية. ومن هنا ثالثاً تأثر نفر من الفلاسفة بالفلسفة التاريخية للعلم، ومن ثم اتجهوا نحو التاريخ للبرهنة على صحة النظرية العلمية. ولا أدل على هذا الاتجاه من أن كُون قد انتخب رئيساً لــــ «جمعية فلسفة العلم». ومع ذلك فإن هؤلاء العلماء لم يتساءلوا عن العلم ومفهوم الحقيقة، إذ انخرطوا فى الحديث عما هو صواب وعما هو خطأ دون أن يلتفتوا إلى ما حدث فى التاريخ فى شأن ذلك المفهوم. وإذا قيل بعد ذلك إن لدينا باحثين فى «تاريخ الفلسفة» فإن هؤلاء لم يتعاملوا مع التاريخ إنما تعاملوا مع الفلسفة بمعزل عن التاريخ، ومن ثم لم يكن لديهم أى مبرر لتغيير البارادايمات.

والسؤال بعد ذلك:

إذا كان كتاب «البنية والثورات العلمية» من دوافع ثورة الطلاب، وإذا كانت هذه الثورة قد طالبت بتغيير النظم السياسية القائمة فمعنى ذلك أن السياسة وليس الاجتماع هى التى تكون على علاقة عضوية بالثورات بوجه عام والثورات العلمية بوجه خاص. ولا أدل على ذلك من اعتبار التنوير من جذور الثورة الفرنسية والأمريكية. ولا أدل على ذلك أيضاً من أن انتكاسات ثورات الربيع العربى فى عام 2011 مردودة، فى رأيي، إلى خلوها من ثورات علمية أو فلسفية. السياسة إذن هى البُعد الكامن فى الثورة أيا كانت سمتها. ومن هنا كان تأسيسى لــــ العلم الثلاثي: الفيزياء والسياسة والفلسفة فى عام 1980.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» (126) ثورة الجماهير فى هذا الزمان   الأربعاء 18 مايو 2016, 4:20 am



رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» (126)
ثورة الجماهير فى هذا الزمان


الثلاثاء 10 من شعبان 1437 هــ 17 مايو 2016 السنة 140 العدد 47279




عنوان هذا المقال مشتق من كتاب صدر فى عام 2011 ولكن تأليفه استغرق سنوات لمفكر أمريكى اسمه كارن روس. لم ينفرد بتأليفه إذ استعان بعدد هائل من المفكرين بدونهم لم يكن فى إمكانه إصدار هذا الكتاب. عنوانه الرئيسى “ ثورة بلا قائد” وعنوانه الفرعى “ كيف تستولى الجماهير على السلطة وتغير السياسات فى القرن الحادى والعشرين”. وفى مفتتح الكتاب عبارة ذات مغزى للأديب الفرنسى فيكتور هوجو وهى على النحو الآتى: “ إن الحرب فى الطريق إلى الموت، وكذلك الحدود والنظام الملكى والمعتقدات، وبعد ذلك يصبح الانسان فى الطريق إلى الحياة”.

والسؤال اذن: هل ثمة علاقة بين هذه العبارة ومضمون الكتاب؟

وأجيب بسؤال: ماذا حدث مع بداية القرن الحادى والعشرين؟ حادث متفرد تم فى 11/9 بتدمير مركز التجارة العالمى، ثم صدر تحليله فى تقرير بلغ عدد صفحاته ثمانمائة. ومع ذلك قيل عن هذا التقرير إنه موجز بلا تفاصيل. جاء فيه أن أمريكا لم تفهم مغزى الحدث. ولهذا قيل بعد ذلك إننا لم نعد أمام نظام عالمى جديد بل أمام فوضى عالمية جديدة أحدثتها ظاهرة الكوكبية .

والسؤال اذن: لماذا الابداع يكون لازماً ؟ لأن تكنولوجيا المعلومات مكنت جماعات أصولية ارهابية من صناعة متفجرات فى غرف صغيرة من أجل قتل الآلاف بعد ذلك. ومن هنا قيل إن الفرد هو القوة الدافعة لإحداث التغيير فى السياسات بوجه خاص وفى كوكب الأرض بوجه عام ومن ضمنه الانسان. ومن هنا لم يعد من الصحيح القول بأن الحكومة المتنورة كفيلة بمواجهة التفسخ أو الفوضى، إذ الصحيح هو القول بأن على الحكومات أن تقول للجماهير إنها مثلها قادرة على فهم الأحداث لتغيير مسارها، بل تقول لها إن مجرد الوقوف ضد الحكومات لا يفضى إلى حل المعضلات إنما الوقوف ضدها من أجل تحقيق غاية، أو بالأدق من أجل تحقيق فلسفة قادمة قادرة على إحداث التغيير المطلوب.

والسؤال بعد ذلك: ما هى هذه الفلسفة القادمة؟

إنها بالسلب ثمرة فلسفة قائمة ولكنها مأزومة وسبب أزمتها مردود إلى أنها اكتفت بالوقوف عند إجراء عمل جزئى، هو فى النظام الرأسمالى يكمن فى إيثار حرية الفرد على العدالة الاجتماعية مع منع تدخل الدولة، وهو فى النظام الشيوعى يكمن فى إيثار المساواة على حرية الفرد مع فناء الفرد فى الجماعة. وفى رأى كارن روس أنه على الرغم من التناقض الحاد بين الرأسمالية والشيوعية فإنهما يتفقان فى غياب ما هو انسانى، بمعنى أن الفرد وإن كان هو الفاعل الأساسى فى تغيير الوضع القائم المأزوم إلا أنه وهو يغيَر ينبغى أن يلتزم بالتضامن مع الآخر فى إطار ما هو انسانى. إلا أن هذا التغيير لن يحدث تلقائياً، إذ هو فى حاجة إلى تراكم وإن توقف فالبديل حكومة قوية تحد من الحرية الشخصية، وبذلك تتوهم أنها قد أحلت النظام محل الفوضى لتهدئة العاصفة. وإذا أزيل ذلك الوهم فإن الحكومة تكتشف أنها قد أفرزت فاشية القرن العشرين وجسدتها فى القرن الحادى والعشرين فى صورة ارهابيين جهاديين يتوهمون امتلاك الحقيقة المطلقة وقتل الأبرياء بدعوى تأسيس مجتمع أفضل.

وهنا ثمة سؤال لابد من إثارته وهو على النحو الآتى: مَنْ الذى يصنع التاريخ؟ النخبة أم الجماهير؟ الحكومة أم الشعب؟

الجواب عندى أنه مع بزوغ الثورة العلمية والتكنولوجية شاعت مصطلحات هى على النحو الآتى: ثقافة جماهيرية، مجتمع جماهيرى، وسائل اتصال جماهيرية. انسان جماهيرى وهو الذى يمكن أن نقول عنه إنه رجل الشارع. ومن هنا فإن رجل الشارع المنبثق عن الثورة العلمية والتكنولوجية مغاير جوهرياً عن رجل الشارع المنبثق قبل هذه الثورة. الأول مهما يكن أمياً قابلا لكى يكون على وعى بما يحدث بفضل الآلات الالكترونية ، أما الثانى فلن يكون كذلك. ومن هنا يشكل الأول خطورة على الأوصياء عليه، سواء كانوا سلطة سياسية أو سلطة ثقافية أو سلطة دينية. وفى صياغة أدق يمكن القول بأنه يشكل خطورة على مُلاك الحقيقة المطلقة الذين يتجسدون الآن فى الأصوليين سواء كانوا اخوان مسلمين أو سلفيين أو داعشيين أو ما شابههم. ولا أدل على صحة هذا القول مما حدث إثر انعقاد المؤتمر الدولى الفلسفى الخامس فى نوفمبر 1982 فى جامعة الدول العربية تحت عنوان “ الفلسفة ورجل الشارع”. وقد انفرد هذا المؤتمر دون غيره من المؤتمرات الدولية التى عقدتها فى القاهرة وقد كرست جريدة الأهرام صفحتها الفكرية لأكثر من شهر لنشر ما ورد إليها من تعليقات إلا أنها اختارت ما هو أقل تجاوزاً لحدود آداب النقد على حد تعبير مندوب الجريدة عندما زارنى مرتين فى بيتى ليطلب منى الرد بعد الانتهاء من نشر التعليقات. رحبت بالنشر وأجحمت عن الرد لأن المؤتمر ليس كتاباً من تأليفى بل هو جملة أبحاث لفلاسفة دوليين والمفارقة هنا أنه بعد إصدار أعمال المؤتمر فى كتاب واجه صمتاً مماثلاً لصمت القبور.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (127) فرويد والأصوليات الدينية   الأربعاء 25 مايو 2016, 9:13 pm




رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (127)
فرويد والأصوليات الدينية



الثلاثاء 17 من شعبان 1437 هــ 24 مايو 2016 السنة 140 العدد 47286


مات مؤسس التحليل النفسى سيجموند فرويد فى عام 1939، ولكنه مازال حيا ومؤثرا فى قضايا القرن الحادى والعشرين، إذ صدر عنه كتاب لعالم أمريكى اسمه مارك ادموندصن عنوانه الرئيسى «موت سيجموند فرويد» وعنوانه الفرعى «الفاشية والتحليل النفسى وصعود الأصولية». يفتتح كتابه بالعبارة الآتية: فى نهاية خريف 1909 كان فى فيينا بالنمسا رجلان كل منهما يريد تغيير العالم، وكانا فى الوقت نفسه عدوين روحانيين، أحدهما هو فرويد خالق التحليل النفسى والمشهور بإثارة قضايا كانت موضع نزاع فى القرن العشرين. أما الآخر فقد جاء إلى فيينا فقيرا ولكن على أمل أن يكون مهندسا أو فنانا، ولكنه فشل. وقيل عن سبب فشله إنه بلا موهبة، أما هو فكان مصرا على أن يحافظ على «شعلة الحياة» نقية من أى تلوث جنسى. وقيل عنه بسبب ذلك إنه مجنون. هذا الرجل هو أدولف هتلر الذى انتخب رئيسا لألمانيا فى عام 1933. وبمجرد انتخابه بدأ فى اضطهاد فرويد. وقيل عن سبب هذا الاضطهاد أنه مردود إلى أنه يهودى، وإلى أن التحليل النفسى الذى خلقه هو علم يهودى، وأن نظرياته لم تكن صالحة للتطبيق إلا على اليهود.

والسؤال إذن: ما هو هذا التحليل النفسى الذى خلقه فرويد؟

فى كتابه المعنون «الــــ أنا والـــ هو» (1927) يرى فرويد أن الوعى ليس هو جوهر الحياة النفسية بل ثمة اللاوعى وهو الجزء العميق من هذه الحياة، ووظيفته تكمن فى ممارسة الكبت على ما هو محرم. وفى هذا السياق يقسم فرويد الحياة النفسية ثلاثة أقسام: الـــ «أنا» والــ «هو» والـــ «الأنا الأعلى». الـــ «هو» مملوء بالرغبات المكبوتة لأنها محرمة، و «الأنا الأعلى» يمثل السلطة الداخلية المقاوِمة لتذوق هذه الرغبات، و«الأنا» يحاول التوفيق بين الـــ «هو» و« الأنا الأعلى» ولكن بصعوبة، ولهذا فهو تعس لأن كلا من الـــ «هو» و«الأنا الأعلى» يعملان خارج وعى «الأنا». ومن هنا فإن حياة الانسان فى صراع، ومن ثم يلزم ضبط هذا الصراع. والمكلف بهذا الضبط زعيم يزعم أنه مالك للحقيقة المطلقة، ومن ثم تشتهيه الجماهير وتخضع له بلا تردد. وقد كان هذا الزعيم فى رأى فرويد هو لينين وموسولينى وهتلر ثم ستالين وماو. وفى هذا السياق تنبأ فرويد بمولد الأصولية الدينية فى القرن العشرين وفى القرن الحادى والعشرين.

والسؤال إذن: لماذا؟ لأن فرويد كان يتوقع أن يكون الدين مسألة تخص الفرد دون الدولة، ولم يحدث بل حدث ماهو على الضد من ذلك وهو بزوغ الأصولية الدينية فى قوة جاذبيتها للالتزام بها من غير تساؤل أو تشكك. وكان من شأن ذلك دفع فرويد إلى أن يكون العلم هو البديل، وعندئذ أصدر كتابه المعنون «مستقبل وهمس (1928)، أى بعد عام من صدور كتابه عن «الأنا والهو».

والسؤال اذن: أين يكمن الوهم؟ فى رأى الجمهور الاكتفاء بالعلم وَهْم بسبب تغير قوانينه، فما كان قانونا اليوم يصبح كاذبا فى الغد ونضطر بعد ذلك إلى البحث عن قانون جديد. أما فى رأى فرويد فإن تغيير القانون هو من أجل التقدم وليس من أجل التخلف، لأن القانون الجديد يكون أكثر رحابة واتساعا من سابقه بل أكثر اقترابا مما ينشده من كمال. ومن هنا يختتم فرويد كتابه بهذه الفقرة «كلا، فالعلم ليس وهمًا إنما الوهم يكمن فى تصورنا أنه يمكننا الذهاب إلى مجال آخر يعطينا ما يعجز العلم أن يعطينا إياه». والسؤال اذن: ما هو هذا المجال الآخر؟ جواب فرويد على نحو ما يرى مارك إدموندصن هو الدين الأبوى، أى الدين الذى يكون فيه الإله يرمز إلى الأب الطاغى المعبر عن النظام البطريركى، أى عن النظام الأبوى. وهنا يضيف فرويد تحفظا وهو عدم تصور هذا الإله على أنه الإله اليهودى، إذ هذا الإله اختراع مصرى. إنه الإله الذى آمن به أمنحتب الرابع الذى غيَر اسمه إلى إخناتون وأطلق عليه اسم آتون ، وأمر المصريين بعبادته هو وحده ليس إلا، حتى يكون بديلا عن الإله آمون.

والسؤال إذن: هل الأصولية كامنة فى الدين منذ البداية؟ الرأى عندى أن الدين فى جوهره رسالة موجهة إلى البشر فمن يقبلها يؤمن بها ومَنْ يرفضها فهو لا يؤمن بها. اذن المسألة فى البداية تقوم فى الإيمان من عدمه. وتبقى بعد ذلك مرحلة تالية وهى إعمال العقل فى الرسالة بعد مرحلة الايمان من أجل فهم مغزى الرسالة. وهذه المرحلة التالية هى المرحلة التى يتحول فيها الايمان إلى معتقد مطلق يلتزم به المؤمن دون أن يُلزم به الآخرين. ولكن إذا تجاوز المؤمن هذا الالتزام فإنه يدخل بالضرورة فى صراع بين مطلقه وأى مطلق آخر. ولكن فى إطار ظاهرة الكوكبية، حيث موت المسافة زمانيا ومكانيا فالمسائل كلها تصبح نسبية، ومن ثم فإن الأصولية تتوارى دون أن يتوارى الايمان. ولكن هل هذا ممكن؟ إذا كان الجواب بالايجاب فهل يدخل هذا الجواب فى تجديد الخطاب الدينى أم فى الثورة الدينية أم فى الثورة الفكرية؟ أظن أن الجواب عن هذا السؤال مرهون بالكشف عن البُعد الفكرى للارهاب، وهذا الكشف هو رسالة المثقفين فى القرن الحادى والعشرين.

والسؤال إذن: هل فى الامكان انجاز هذه الرسالة؟ هذا السؤال هو التحدى الموجه إلى المثقفين.






الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» (128) فرويد والمسألة اليهودية   الثلاثاء 31 مايو 2016, 7:31 pm



رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» (128)
فرويد والمسألة اليهودية


الثلاثاء 24 من شعبان 1437 هــ 31 مايو 2016 السنة 140 العدد 47293


قيل إن التحليل النفسى علم يهودى لأن مؤسسه سيجموند فرويد يهودى. وقيل إن الفيزياء النووية علم يهودى لأن أغلب مؤسسيه يهود. وقيل إن الوضعية المنطقية التى أسسها علماء من الفيزياء والرياضة يهودية لأن أغلب مؤسسيها من اليهود. وقيل عن مدرسة فرانكفورت فى الاجتماع إنها يهودية لنفس السبب. وعندما تحاورت مع الفلاسفة السوفييت كان الفلاسفة اليهود هم الأغلبية.والرأى عندى أن فرويد من بين هؤلاء جميعاً يأتى فى الصدارة لسببين: السبب الأول لأنه هو وحده من بين اليهود الذى حفر فى النفس البشرية ليكتشف مكوناتها والصراعات الكامنة فيها، وكيفية تعاملها مع العالم الخارجى. والسبب الثانى أنه قال فى افتتاحيته للترجمة العبرية لكتابه المعنون «الطوطم والتابو» (1930) أنه غريب عن دين أجداده ، وليس فى مقدوره المشاركة فى المُثل القومية، ولكنه لن يتنكر لشعبه لأنه يشعر بأنه يهودى بحكم الهوية. وعندما سئل: إذا كنت قد تحررت من الخصائص التى تميز شعبك فماذا يبقى لك مما هو يهودى؟ فكان جوابه: أن ما يبقى هو جوهر اليهودية.

المسألة اليهودية اذن يلزم تحليلها فى هذا القرن من أجل الكشف عن هذا الذى قال عنه فرويد إنه جوهر اليهودية. وقد أسهمت فى هذا التحليل ثلاثة مؤلفات فى القرن الماضى عناوينها على الوجه الآتى: «فرويد واليهود وألمان آخرون: أسياد وضحايا فى زمن ثقافة الحداثة» (1978). «سيجموند فرويد والتراث اليهودى الصوفى» (1987). «يهودى ملحد: فرويد والالحاد وابداع التحليل النفسى» (1990).

أبدأ بتحليل ما ورد فى الكتاب الأول ومؤلفه بيتر جاى أستاذ التاريخ بجامعة ييل بأمريكا. وفى رأيه أنك لا تستطيع أن تفهم المسألة اليهودية والحداثة فى القرن التاسع عشر من غير أن تفهم أفكار فرويد فى التحليل النفسى والمناخ الثقافى فى فيينا والمشكلات التى واجهها من حيث هو يهودى. قيل عن التحليل النفسى إنه علم يهودى بدعوى أن مرضى فرويد من الطبقة الوسطى اليهودية، ومن ثم فإن العلاج لا يصلح لغير اليهود. ولكن بيتر جاى يرى أن المسألة أبعد من ذلك فمرضاه من جنسيات وأديان متباينة. ثم إنه كان يقيم فى فيينا، وفيينا مدينة مبدعة، وهكذا كان فرويد. فهو يقول عن نفسه إنه ليس رجل علم وليس هو مراقباً للظواهر أو مفكراً، إنما هو مغامر بحكم المزاج، أو فى ايجاز هو مغامر وجسور. وهذه الخصائص مكرسة لاكتشاف العقل البشرى على غرار اكتشاف كولمبس لأمريكا. ولهذا قيل عن فرويد إنه كولمبس العقل البشرى. وفى هذا السياق يقال عنه إنه وحيد زمانه أو هو نسيج وحده. وقد أسهمت فيينا فى ابداعاته لأنها هى نفسها مدينة مبدعة.

والسؤال اذن:

ماذا كان رأى فرويد فى العقل البشرى؟


كان يرى أن هذا العقل فى حالة صراع بين الوعى واللاوعى داخلياً وفى حالة صراع مع أخطر أنواع الهيمنة وهى الهيمنة السياسية. وقد واجهها خارجياً عندما بدأ هتلر حياته السياسية فى عام 1921 وهو العام نفسه الذى أصدر فيه فرويد كتابه المعنون ز سيكولوجيا الجماعة وتحليل الأناس حيث حلل فيه سلوك الدهماء وسلوك الزعيم فارتأى أن من شروط بزوغ الزعيم أن تكون القيم مهزوزة وأن يكون المجتمع فى حالة الفوضى، وعندئذ يتم استدعاء الزعيم ويكون من خصائصه اعتقاده أنه على يقين مما يقوله ويفعله، ومن ثم اعتقاده بأنه يملك الحقيقة المطلقة، ومن هنا تكون نفسه خالية من العواطف ومن الأنانية. أما الدهماء فيشترط فيها أن يكون لديها الوهم بأن الزعيم يحبها ويعاملها بعدالة. ومن هنا فإن الدهماء تشكل تهديداً لكل مَنْ تساوره نفسه بأن يكون بديلاً عن الزعيم. وهذا التحليل ينطبق على هتلر وعلى مؤيديه.

وفى عام 1926 لاحظ سيادة التعصب فى كل من ألمانيا والنمسا الألمانية، وعندئذ آثر أن يعلن على الملأ أنه يهودى. وفى عام 1927 أصبح معارضاً لألمانيا ونشر كتابه ز مستقبل وهمس وكان هذا الوهم هو الدين، ولهذا فالمستقبل، فى رأيه، لن يكون للدين بل للعلم. لأن الدين حالة مرضية. ومن هنا كان العلم الذى يبحث فى الأمور التى تجاوز هذا العالم الدنيوى موضع ازدراء وتحقير بل كان موضع ازعاج من قبل فرويد. والمفارقة هنا أن الفيلسوف الألمانى مارتن هيدجر كان قد أصدر كتابه الضخم المعنون «الوجود والزمان»وفيه يؤنب الفلاسفة على أنهم نسوا ذلك العلم الذى ينشغل بالبحث فى الوجود العام. والجدير بالتنويه هنا أن هيدجر كان قد عينه هتلر مديراً لإحدى الجامعات الألمانية عندما استولى على السلطة فى عام 1933 فهل ثمة علاقة بين تعيينه ودعوته إلى إعادة الاهتمام بذلك العلم الذى يتجاوز العالم الدنيوى؟ وإذا كان الجواب بالايجاب وهو بالفعل كذلك فهل كان ذلك مبرراً لاعتبار اليهود السبب فى بزوغ الأمراض الحديثة مثل المادية والعلمانية؟ وفى المقابل كان ثمة تيار آخر يرى أن اعتبار المسألة اليهودية مسألة ألمانية هو أثر من آثار الوحشية. فالكل ألمان ويتعلمون كألمان بغض النظر عن الجنس. إلا أن هذا التيار قد اندثر بحكم الهولوكست.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (129) فرويد والإلحاد والأصوليات   الثلاثاء 07 يونيو 2016, 4:09 pm




رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (129)
فرويد والإلحاد والأصوليات



الثلاثاء 2 من رمضان 1437 هــ 7 يونيو 2016 السنة 140 العدد 47300


عام 1918 أرسل فرويد خطابا إلى أحد أصدقائه جاء فيه هذا السؤال: «بالمناسبة وبهدوء، لماذا لم يخترع أحد المؤمنين التحليل النفسى؟». وفى عام 1927 قال فرويد لأحد تلاميذه: هل التحليل النفسى فى ذاته يفضى بالضرورة إلى التحرر من الدين؟ وفى عام 1928 أرسل فرويد خطابا إلى الأميرة مارى بونابرت وردت فيه هذه العبارة «أنت على حق، فثمة خطر من شيوع التيارات المضادة للتدين بين المثقفين. وأنا على قناعة بذلك عندما لاحظت ردود الفعل على كتابى المعنون «مستقبل ،وهم (1928) حيث جاء فيه أن المستقبل للعلم وليس للدين».

فى هذه الخطابات الثلاثة ثمة سؤال كامن فى حاجة إلى جواب: هل كان اختراع فرويد للتحليل النفسى سببا فى إلحاده أم أن إلحاده كان السبب فى اختراعه للتحليل النفسى؟

لقد برأته ابنته أناَ فرويد من تهمة الإلحاد ولكنها لم تبرئه من أن التحليل النفسى علم يهودى. أما حفيده هارى فقد قال عنه إنه لم يكن ملحدا إنما كان ضد المعتقدات المنغلقة على ذاتها وضد الطقوس والشعائر الدينية. والسؤال بعد ذلك: ماذا كان رأى فرويد؟ أستعين فى الجواب عن هذا السؤال بكتاب عنوانه الرئيسى «يهودى ملحد» وعنوانه الفرعى «فرويد والإلحاد واختراع التحليل النفسى» ( 1986) لمؤلِفه بيتر جراى أستاذ التاريخ بجامعة ييل بأمريكا.

كان فرويد يقول إنه ملتزم برؤية كونية علمية لا تتوقف عن التطور. ومن هنا أولاً كان يقول عن التحليل النفسى إنه أدى دوراً لافتاً للانتباه فى نقد الرؤية الكونية الدينية. إنه لم يكن فى ذلك ماركسياً ومع ذلك كان يقول عن ماركس إنه كان على حق عندما أعلن أن نقد الدين يأتى فى الصدارة إذا قورن بأى نقد أيا كان، وأن عقله هو الله، وأن دارون يأتى فى مقدمة القديسين المعاصرين. ومن هنا ثانيا كان يصف نفسه بأنه مؤمن بـــــ «التقدم» وبأن العلم هو المصدر الوحيد للحكمة. ومن هنا ثالثا قيل عن فرويد إنه استوعب كل متطلبات التنوير فى القرن الثامن عشر من حيث المصطلحات ومن حيث الأفكار. ولهذا قيل عنه إنه آخر فلاسفة التنوير.

وتأسيسا على ذلك يمكن القول إن الداروينية والفرويدية قد أدت كل منهما دوراً فى إضعاف منافسة الدين للعلم. ولكن مع بداية القرن الحادى والعشرين وأحداث 11/9 بزغت الأصوليات الدينية بإرهابها إلى الحد الذى انتهيتُ فيه إلى القول إن الإرهاب أعلى مراحل الأصوليات الدينية. وإذا كان الإرهاب ينطوى على قنابل بشرية انتحارية فالموت أصبح فى الصدارة ومستخفاً بحق الإنسان فى الحياة. والمفارقة هنا أن كتاب فرويد المعنون «الحضارة وبؤسها» يمكن أن يكون تبريرا للإرهاب الأصولى. كيف؟

إن الفكرة المحورية فى هذا الكتاب تدور على التناقض الحاد بين متطلبات الغريزة والقيود المكبلة للحضارة. فثمة محرمات مضادة للحضارة ومهمة الحضارة إبعادها. وإذا لم توفق الحضارة فى ذلك فإنها تكون مسئولة عن مرضها نفسيا بسبب عجزها عن تلبية متطلبات الغريزة الجنسية، الأمر الذى يستلزم ضرورة كبتها. والأنا الأعلى أو ما يسمى الضمير هو الذى يمارس عملية الكبت إلى الحد الذى فيه يعانى الإنسان الإحساس بالذنب إذا لم يمارس ذلك الكبت.

ويختتم فرويد كتابه بهذه الفقرة: «إن السؤال المحورى الذى ينشغل به الجنس البشرى هو على النحو الآتى: إلى أى حد يمكن للتطور الثقافى أن يكون متحكما فى غريزة الموت، أى فى تدمير الذات؟ فى سياق هذا السؤال يمكن القول إن الإنسان قد تمكن من التحكم فى قوى الطبيعة إلى الحد الذى أصبح فيه بفضل هذه القوى قادراً على افناء الإنسان لأخيه الإنسان حتى لا يبقى أى إنسان على كوكب الأرض. والإنسان على وعى بهذا المصير ومن هنا إحساسه بالقلق والتعاسة. ولكن من المتوقع أن غريزة الحب (الايروس باللغة اليونانية) ستبذل قصارى جهدها فى تأكيد ذاتها فى صراعها مع عدوها الأبدى «الثاناتوس». ولا أحد فى إمكانه التنبؤ بانتصار أى منهما. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الصراع القادم فى القرن الحادى والعشرين لن يكون صراعا بين العلم والدين أو بين الإلحاد والإيمان إنما سيكون صراعا بين الأصوليات الدينية والحضارة الإنسانية فى إطار الصراع بين الثاناتوس والايروس.

ويترتب على ذلك أن يتوارى حوار الأديان أو حوار الحضارات أو حتى حوار الثقافات. وتصبح المهمة الجوهرية للبشرية كيفية القضاء على الإرهاب الأصولى أو بالأدق القضاء على الأصوليات الدينية باعتبارها مصدرا للإرهاب استناداً إلى أن هذه الأصوليات تتوهم أنها مالكة للحقيقة المطلقة وبالتالى فإن القضاء عليها لازم للقضاء على الإرهاب. وليس فى الامكان تحقيق ذلك إلا بترياق مضاد وهو العلمانية من حيث إنها نقيض الأصولية. ويبقى بعد ذلك سؤال: إذا قضينا على الأصوليات الدينية ماذا يبقى من الدين؟

يبقى الايمان برسالة دون تحويلها إلى معتقد أو لا يبقى الإيمان من غير اتهام بالإلحاد. والآية القرآنية الكريمة دليل على ما نذهب إليه «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».






الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» (130) فرويد والتراث والمسألة اليهودية   الثلاثاء 14 يونيو 2016, 4:29 pm






رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» (130)
فرويد والتراث والمسألة اليهودية


الثلاثاء 9 من رمضان 1437 هــ 14 يونيو 2016 السنة 140 العدد 47307


الرأى عندى أننا لا نفهم الماضى إلا بالمستقبل. قد يبدو هذا الرأى صادماً، إذ الرأى الشائع أننا لا نفهم المستقبل إلا بالماضى، ومن ثم قيل إن الذى ليس له ماض ليس له مستقبل. ولكن الصدمة تزول إذا كنا على وعى بأننا لا نتحرك إلا من المستقبل وليس من الماضى لأن الماضى نفسه كان مستقبلاً ثم تحقق فى الحاضر، وبسبب التطور تراجع إلى الوراء ثم انزوى، ومن ثم انتفت منه السمة المستقبلية. وأنا هنا فى هذا المقال أجرب رأيى على فرويد مؤسس التحليل النفسى فى علاقته بالتراث والمسألة اليهودية فى إطار كتاب عنوانه «فرويد والتراث الصوفى اليهودى» ومؤلفه اسمه ديفيد باكان (1921-2004). كان أستاذ علم النفس بجامعة تورنتو بكندا وأحد مؤسسى «الجمعية النفسية الأمريكية» ومهموماً بالتحليل النفسى. والسؤال اذن: ما الرؤية المستقبلية لفرويد إزاء المسألة اليهودية؟

فى المؤتمر الدولى الثانى للتحليل النفسى فى عام 1910 اقترح فرويد أن يكون كارل يونج السويسرى المسيحى هو الرئيس الدائم لجمعية التحليل النفسى. وهنا اعترض العلماء المشاركون وأغلبهم من اليهود. وجاء رد فرويد: أغلبكم يهود ولهذا فإنكم غير مؤهلين لكسب أصدقاء جدد لهذا العلم الجديد. ولهذا يجب أن تكونوا قانعين بدور متواضع وهو أن تكونوا مجرد ممهدين للطريق. وأنا، من جهة أخرى، قد تقدم بى العمر وأنا موضع هجوم إلى الحد الذى فيه لم يتركوا لى بدلة لأرتديها. والسويسريون هم الذين سينقذوننى وسينقذونكم.

قال فرويد هذا الرأى فى عام 1910 بعد أن عاصر عام القمة فى عام 1882فى شأن الدعوة إلى معاداة السامية. ثم قال هذا الرأى وهو على وعى بأن الجمعية اليهودية هى أول جمعية تسمع عن التحليل النفسى، وبأن جمهوره منذ تأسيس التحليل النفسى هو المجتمع اليهودى، وبأنه يعيش حياته فى جيتو يهودى حيث اليهود مرفوضون من سكان كوكب الأرض، وأنه على الرغم من عقلانيته وعلمانيته وإلحاده فإنه كان على وعى بأن هويته يهودية. ومن هنا جاء اهتمامه بتحليل المسألة اليهودية وذلك بالكشف عن جذورها فى التصوف اليهودى المنفتح على تناولات متنوعة ضد الهيمنة التى تمارسها الأرثوذكسية اليهودية المنغلقة. وفى هذا السياق ألَف فرويد كتابه المعنون «موسى والتوحيد» وفيه يبدى تأثره بتمثال موسى للفنان الايطالى ميكل انجلو. وفرويد هنا لا يعنيه الفنان بقدر ما تعنيه دلالة التمثال فى علاقته به.

والسؤال إذن: ماذا كانت رؤية فرويد لتمثال موسى؟ الرؤية الأولى تشى بجذور معاداة السامية الكامنة فى اللاوعى اليهودى وذلك بسبب موسى. فالرأى الشائع أن اليهود هم شعب الله المختار، أما رأى فرويد فهو أن اليهود هم شعب موسى المختار لأنه هو الذى وهبهم ديناً قيل عنه إنه أول دين يصدر عن الله، وهو الرأى الذى أفضى بهم إلى الاعتقاد بأنهم أعلى من أى شعب آخر، وأن موسى أصبح مماثلاً لله، وهو الأمر أيضاً الذى حثهم على أن يشاركوا فى مسار الحضارة الانسانية، بل أن يتحكموا فيها. ولا أدل على هذه المشاركة من صدور كتاب عنوانه «المساهمات اليهودية فى الحضارة الأوروبية» (1920) لمفكر يهودى اسمه جوزيف جاكوبس. وفى رأيه أن الفضل فى هذه المساهمات مردود إلى التصوف اليهودى، إذ هو الذى أدى دوراً فى اتصال اليهود بالعالم الغربى خاصة بعد القرن السابع عشر.

أما الرؤية الثانية فتشى بأن لدى موسى غضباً مكتوماً عندما نزل من جبل سيناء ووجد الشعب اليهودى بلا ايمان فكان على وشك أن يضربه لينتقم ولكنه امتنع عن عقابه بل امتنع عن كسر اللوحة المكتوب عليها الوصايا العشر. وبذلك يكشف لنا فرويد عن صراع باطنى كان يعانيه منه موسى لكنه تغلب عليه من أجل المحافظة على رسالة انسانية. ومن هنا يمكن القول إن التراث اليهودى المتمثل فى موسى قد ارتأى فيه فرويد رؤية مستقبلية تدور حول انسانية الشعب اليهودى. ومن هنا أيضاً يمكن القول إنه على الرغم من أن التراث قابع فى الماضى فإنه كان ينطوى على رؤية مستقبلية يمكن استدعاؤها فى القرن الحادى والعشرين.

وفى سياق هاتين الرؤيتين الكاشفتين عن وعى فرويد بهويته اليهودية يمكن فهم مغزى المحاضرة التى ألقاها فى فيينا بمناسبة بلوغه سبعين عاماً. فقد ورد فيها لفظ Heimlichtkeit وهو لفظ ألمانى يصعب ترجمته. ولكنه ورد أيضا فى عنوان مقال له وتُرجم إلى الانجليزية بلفظ uncanny، أى مألوف ولكنه سرى، وكان يقصد به فرويد احساسه بهويته اليهودية ويمكن ايجازها فى أنها شىء مألوف ولكنه مكبوت وفجأة يبزغ ويخرج من الكبت. ولكن إذا كانت الهوية اليهودية هى على هذا النحو فمعنى ذلك أنها تعانى نوعاً من الكبت. ويبدو أن هذا الكبت قد تم تحقيقه عندما دخلت فى عالم علمانى مناقض لهويتها.

يبقى بعد ذلك سؤال لابد من إثارته وهو على النحو الآتى: أين مكانة الهوية الفلسطينية من الهوية اليهودية فى القرن الحادى والعشرين؟

والذى يدفعنى إلى إثارة هذا السؤال هو الصراع القائم بين الهويتين؟ فهل هو صراع متكافئ أم مختل؟ أظن أنه صراع مختل. فالهوية الفلسطينية خالية من مصطلح مألوف ولكنه سرى لأنها لم تكن على وعى بأن هويتها متناقضة مع روح العصر وهو العلمانية وأنها فى حاجة إلى التكيف معها بل إنها على الضد من ذلك تُجهد ذاتها من أجل القضاء عليها، ومن ثم تدخل فى تحالف مع أنظمة أصولية مثل ايران وحزب الله.

والأصولية أيا كانت سمتها الدينية هى بلا مستقبل لأنها ترفض إعمال العقل وهو سمة حضارية بلا منازع.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» (131) مشـروع جديد للسـلام   الثلاثاء 21 يونيو 2016, 1:12 pm

رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» (131)
مشـروع جديد للسـلام


الثلاثاء 16 من رمضان 1437 هــ 21 يونيو 2016 السنة 140 العدد 47314

إن القول بأن ثمة مشروعاً جديداً للسلام يعنى أنه كان ثمة مشروع قديم للسلام. فما الحكاية؟ هى على النحو الآتى: فى القرن الثامن عشر صدر كتاب للفيلسوف الألمانى العظيم كانط عنوانه “ مشروع للسلام الدائم” (1795). واللافت للانتباه أن كانط يفتتح كتابه على النحو الآتى : “ لا حاجة بنا إلى أن نتساءل عما قصد إليه صاحب فندق هولندى حين كتب هذه العبارة الساخرة “ السلام الدائم” على لوحة وبجوارها رسماً لمقبرة”. ترى هل أراد بتلك العبارة الساخرة اللاذعة أن يوجه لوماً إلى الناس بوجه عام أم أنه كان يخص رؤساء الدول المتعطشين إلى الحروب دائماً ، أم أنه كان يقصره على الفلاسفة الذين يستمرئون حلم السلام”؟ .


والسؤال اذن:لماذا يفتتح كانط مشروعه للسلام بهذا الرسم الساخر بأن السلام قد مات؟ أظن أن جوابه وارد فى الطبعة الثانية تحت عنوان “ مادة سرية للسلام” ويقصد بها كانط المادة التى يضعها الفيلسوف شرطاً للسلام دون أن يعلن عن نفسه وتتبناها بديلاً عنه السلطة التشريعية. وهذا الشرط ينص على “ أن حكمة الفلاسفة الخاصة بالشروط التى يجب توافرها لكى يكون السلام ممكناً يجب أن تكون موضع المشورة من قِبل الدول التى تكون مسلحة لإشعال الحروب”. الحرب اذن ممكن اشتعالها ما لم يتدخل الفلاسفة.

والآن والدول كلها بلا استثناء فى حالة حرب ضد ميليشيات أصوليات مسلحة تزعم كل واحدة منها أنها مالكة حقيقة مطلقة تريد فرضها على سكان كوكب الأرض فإنه يمكن القول بأن حِكمة الفلاسفة قد توارت ودخل الكل ضد الكل فى حالة حرب.

والسؤال اذن: ما العمل؟ جاء الجواب من فيلسوف اسلامى هو الدكتور محمود حمدى زقزوق عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ورئيس لجنة الأزهر فى الحوار مع الفاتيكان. كان مرافقاً لفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر فى رحلة سلام إلى الفاتيكان للالتقاء بالبابا فرنسيس فى أواخر شهر مايو من هذا العام. وقد جاء جوابه تحت عنوان “ علم المقارنات الفلسفية”، وهو علم فلسفى مستقبلى جديد من أجل تأسيس نهضة فكرية جديدة تقوم على تفاعل حضارى كان قائماً بين الفلسفة الاسلامية والفلسفة الغربية. وهو يستعين فى التدليل على رأيه بعبارة للفيلسوف الاسلامى العظيم ابن رشد وردت فى كتابه المعنون “ فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال” حيث يقول: “ إن الاطلاع على كتب الأقدمين واجب بالشرع. فما كان منها موافقاً للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه. وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم”. وفى رأى الدكتور زقزوق أن هذا الذى قاله ابن رشد كان دفاعاً عن موقف اتخذته الفلسفة الاسلامية منذ القرن التاسع الميلادى بدءاً بالكندى إلى أن انتهى إلى ابن رشد فى القرن الثانى عشر الميلادى. ومغزى هذا الرأى أن التفاعل الحضارى قد توقف بعد ابن رشد. وفى رأيى أن المطلوب بعد ذلك البحث عن السبب فى ذلك التوقف. وقد رد الدكتور زقزوق ذلك السبب إلى معاداة الامبراطورية العثمانية للغرب. وقد ترتب على ذلك توقف التفاعل الحضارى.

ومع ذلك فالسؤال مازال قائماً: ما الذى أدى إلى تأسيس الامبراطورية العثمانية المعادية للغرب بل المعادية للعقل؟ هل هو تكفير ابن رشد وحرق مؤلفاته ونفيه. أم هل هو تكفير الغزالى للفلاسفة المسلمين من أمثال الفارابى وابن سينا لانبهارهم بالفلسفة اليونانية الوثنية وذلك فى كتابه “ تهافت الفلاسفة”؟

للجواب عن هذين السؤالين ينبغى التنويه بأن الدكتور زقزوق يلح على القاسم المشترك بين الغزالى وابن رشد و أن حجج كل منهما مؤسسة على العقل بالرغم من التناقض الحاد بينهما بسبب عنف رد ابن رشد على الغزالى فى كتابه المعنون “ تهافت التهافت”. بل إن الدكتور زقزوق يذهب إلى أبعد من ذلك فى القول بأن ثمة تشابهاً فى المنهج الفلسفى بين الغزالى من جهة وأبو الفلسفة الحديثة الغربية ديكارت من جهة أخرى. وله كتاب فى هذا السياق عنوانه “ المنهج الفلسفى بين الغزالى وديكارت” ( 1998). ومن هنا يلح الدكتور زقزوق على أن التواصل بين الحضارتين الاسلامية والغربية قائم حتى لو كان خفياً. فثمة رموز تشى بذلك التواصل ومنها أن شهادة الدكتوراه التى حصل عليها كانط فى عام 1755 “ تحمل مفاجأة لا تخطر على بال” على حد قوله وهى أنه فى أعلى الشهادة البسملة ( بسم الله الرحمن الرحيم) باللغة العربية وبوضوح تام . وتفسير ذلك عند الدكتور زقزوق أن عميد الكلية حينذاك كان مستشرقاً يجيد العربية، وأن كانط نفسه كان معاصراً لأعظم أدباء ألمانيا وهو الأديب العظيم جوته الذى كان على صلة وثيقة بالثقافة العربية الاسلامية.

والسؤال إذن: لماذا التعصب شائع بوجه عام وشائع فى العالم الاسلامى المعاصر بوجه خاص؟

وإذا كان ذلك كذلك فهل “ علم المقارنات الفلسفية” كفيل بإزاحة هؤلاء المُلاك لتنفيذ مشروع السلام الجديد للفيلسوف الاسلامى محمود حمدى زقزوق؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ القرن الحادي والعشرين‏(132)‏ الرئيس السيسي ومجتمع المعرفة   الثلاثاء 28 يونيو 2016, 11:23 pm





رؤيتي لـ القرن الحادي والعشرين‏(132)‏
الرئيس السيسي ومجتمع المعرفة


الثلاثاء 23 من رمضان 1437 هــ 28 يونيو 2016 السنة 140 العدد 47321

قرأت خبرا رئيسيا في أعلي الصفحة الأولي بجريدة الأهرام بتاريخ‏2016/6/17‏ ومفاده أن الرئيس عبد الفتاح السيسي‏,‏ أثناء اجتماعه بالمهندس شريف اسماعيل رئيس مجلس الوزراء والمهندس ياسر القاضي وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات‏,‏ كان مهتما بتوفير كل الامكانات اللازمة للارتقاء بالمنظومة المعلوماتية في مدينة جديدة اسمها مدينة المعرفة والتي سيتم انشاؤها في العاصمة الادارية الجديدة‏.‏

والسؤال اذن‏:‏ لماذا هذا الاهتمام الرئاسي بمدينة بهذا الاسم؟ جوابي أن مدينة المعرفة هي بداية لتأسيس مجتمع المعرفة‏.‏ وهذا المصطلح كان قد صكه عميد أساتذة الادارة في الجامعات الأمريكية الراحل بيتر دراكر الذي كان قد أصدر كتابا عنوانه ما بعد المجتمع الرأسمالي‏(1993),‏ وكان يقصد به مجتمع المعرفة‏,‏ وهو المجتمع الذي لا يـتأسس إلا إذا تحولت المعرفة من اتجاهها نحو الفعل إلي اتجاهها نحو ذاتها‏,‏ ومن ثم تدخل ضمن عوامل الانتاج الثلاثة وهي الأرض والمال والعمل فتصبح أربعة‏.‏

إلا أن هذا التحول لن يتحقق إلا إذا امتنعنا عن القول بأن هذا الشخص متعلم وبدأنا الحديث عن أنه رجل المعرفة أو امرأة المعرفة‏,‏ كما أنه لن يتحقق إلا إذا توقفنا عن الالتزام بأية ايديولوجيا‏,‏ أي المذهب الذي ينتهي بالــــ إية كأن نقول مثلا الفاشية أو الاشتراكية أو الرأسمالية‏,‏ لأن مجتمع المعرفة يولد من ظاهرة الكوكبية بسبب التجارة الالكترونية البازغة من الانترنت التي هي قناة دولية للسلع والخدمات والأسواق والوظائف الفنية‏.‏ وقد أحدث ذلك كله تغييرا جذريا في الاقتصاد والأبنية الصناعية والاستهلاك‏.‏ بيد أن التغيير الأهم يكمن في أسلوب رؤيتنا للعالم ولأنفسنا‏.‏ ومع سقوط الحدود تبزغ وحدة المعرفة‏.‏

ومن هنا جاء تنظيمي لمؤتمر فلسفي دولي في القاهرة في عام‏1980‏ تحت عنوان وحدة المعرفة‏.‏ وفي الجلسة الافتتاحية قال الفيلسوف البريطاني سير ألفريد إير‏:‏ منذ خمسين عاما كنا نناقش وحدة العلم في حلقة فيينا‏,‏ أما البروفيسير وهبه فقد ذهب إلي أبعد من ذلك إذ يريد مناقشة وحدة العلم والفلسفة والدين‏.‏ وكان الفيلسوف الألماني رودلف كارناب هو الذي أدخل مصطلح وحدة العلم في حلقة فيينا في عام‏1933‏ عندما أصدر كتابا عنوانه هذا المصطلح‏,‏ وكان يقصد أن حلقة فيينا لم تعد تنشغل بالفلسفة لأنه لم يتبق منها شئ بعد انفصال جميع العلوم عنها إلا المنطق‏.‏ومع ذلك فإن إير تساءل عما إذا كان للفلسفة دور في وحدة المعرفة‏.‏

وكان رأيي أن وحدة المعرفة تستلزم علما جديدا أطلقت عليه اسم ثلاثية العلم‏,‏ أي الفلسفة والفيزياء والسياسة‏.‏ الفلسفة هي الوحدة الكلية للمعرفة وتتأسس علي الفزياء التي ترد إليها العلوم الطبيعية‏,‏ والسياسة التي ترد إليها العلوم الاجتماعية والانسانية‏,‏ والوحدة بين العلمين تقوم في السيبرنطيقا وهو العلم الذي أحدث وحدة بين الآلة والانسان وبذلك أصبح شاهدا علي امكان تحقيق وحدة المعرفة‏.‏

وقد كان لذلك المؤتمر نتيجتان‏:‏ النتيجة الأولي تطبيقية وتبلورت في مشروع تطوير مناهج التعليم الجامعي في ضوء وحدة المعرفة قدمته إلي وحدة تنسيق العلاقات الخارجية بأمانة المجلس الأعلي للجامعات‏,‏ ووفق عليه في‏1988/7/13‏ مع تمويله‏.‏ ومنذ ذلك التاريخ وحتي الآن أنا لا أعرف إلا أن المشروع قد تبخر وكأنه لم يكن‏.‏ والنتيجة الثانية مماثلة للنتيجة الأولي في خاتمتها‏.‏ فعندما اطلعت جامعة تورنتو علي أعمال المؤتمر بعد نشرها تحمست لتبني المشروع وذلك في رسالة وصلتني من رئيس الجامعة في فبراير‏.1988‏ وقد أشير إلي هذا المشروع في المؤتمر الذي عقده الاتحاد الفيدرالي للعلوم الاجتماعية في أونتاريو بكندا في أكتوبر‏.1988‏

وبعد ذلك قررت جامعة تورنتو تشكيل لجنة للتنسيق معي بهدف المشاركة في تنفيذ المشروع الذي ينص علي ضرورة تغيير المناهج وتغيير ذهنية عضو هيئة التدريس إلا أنني لم أجد صدي لكل ذلك في بلدي فتوقفت المشاركة‏.‏ والجدير بالتنويه هنا أنه في عام‏2005‏ اجتمع عشرون عالما من مختلف التخصصات في ندوة أقيمت بالجامعة الحرة ببلجيكا تحت عنوان هل وحدة المعرفة لها وجود؟‏.‏ وجاء في كلمة رئيس الجامعة وهو يفتتح الندوة إن مسألة وحدة المعرفة تفرض ذاتها في زمن يفتقد فيه الانسان إلي اشارات موجهة تتجاوز العلوم المتخصصة من جهة وإلي تفكك الروابط الاجتماعية والسياسية مع أن الانسان هو الانسان سواء كان في حالة حكم أو في حالة تفكير‏,‏ في حالة تكوين معادلات في الفيزياء أو في حالة كتابة قصيدة أو في حالة تأليف سيمفونية‏.‏

ويبقي بعد ذلك سؤال‏:‏ هل في إمكان المجتمع المصري الدخول في مجتمع المعرفة؟ ونجيب بسؤال‏:‏ إذا كان مجتمع المعرفة مرادفا لمجتمع ما بعد الرأسمالية‏,‏

أظن أن جواب الرئيس عبد الفتاح السيسي يكمن في أن هذا الدخول ممكن بعملية ز س‏.‏ أن القفز في هذه الحالة يشترط أن يكون الانسان مبدعا لأن الابداع يعني مجاوزة العادات الفكرية التقليدية‏,‏ والمحرمات الثقافية‏,‏ بل يعني مجاوزة الأزمنة‏.‏ ولا أدل علي ذلك من أن الانسان ظل أسيرا لعصر الصيد لمدة أربعة ملايين من السنين ولكنه انتهي إلي حضارة العصر في عشرة آلاف سنة‏.‏ أليست هذه قفزة تمت بفضل الابداع؟‏‏




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» (133) التعليم بالإبداع لماذا هذا العنوان؟   الثلاثاء 05 يوليو 2016, 11:56 pm

رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» (133)
التعليم بالإبداع لماذا هذا العنوان؟


الثلاثاء 30 من رمضان 1437 هــ 5 يوليو 2016 السنة 140 العدد 47328

لسببين: الأول أن الحضارة الانسانية بدأت عندما أبدع الانسان التكنيك الزراعى لتحويل التربة من غير زراعية إلى زراعية فحدث «فائض طعام» لمجاوزة «أزمة طعام» كان قد واجهها الانسان فى عصر الصيد. ومن هنا جاء تعريفى للانسان بأنه «حيوان مبدع» بمعنى أن الانسان إذا توقف عن الابداع توقفت الحضارة عن التقدم. والسبب الثانى يكمن فيما بزغ من تناقضات مع نشأة ظاهرة الكوكبية فى هذا القرن والمتمثلة فى الانترنت، أى الكل المترابط، والبريد الالكترونى والتجارة الالكترونية الأمر الذى ترتب عليه موت المسافة مكانياُ وزمانياً، وبالتالى تم التداخل بين الدول والشعوب فبزغ الاعتماد المتبادل، ومع ذلك ظلت الهويات الثقافية والدينية منغلقة على ذاتها الأمر الذى أدى إلى صراع الثقافات والحضارات والأديان. وليس فى الامكان رفع هذه الصراعات أو بالأدق هذه التناقضات إلا بإبداع أفكار جديدة. ومن هنا أصبح الابداع فى صميم ظاهرة الكوكبية.

والسؤال إذن: ما الابداع؟ إنه على حد تعريفى «قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الوضع القائم». وحيث إن تعريفى للابداع فى شقه الثانى ينص على تغيير الوضع القائم فبديل هذا الوضع هو الوضع القادم، وهو رؤية مستقبلية. المستقبل اذن محايث فى الابداع. وإذا كان المستقبل مرتبطاً بالغاية فالفعل اذن غائي. وإذا كانت الغاية مطروحة فى المستقبل فالفعل اذن مستقبلي. ولأنه مستقبلى فهو رمز على النفى من حيث إنه رافض لوضع قائم. ولكنه أيضا رمز على الايجاب لأنه محقق لوضع قادم أى لوضع ممكن. إلا أن هذا الممكن لن يتحقق إلا بإزالة ما أطلقتُ عليه «محرمات ثقافية» وهى كامنة فى الذاكرة. ومن هنا تحدث علاقة طردية بين الذاكرة وهذه المحرمات، بمعنى أنه كلما قويت الذاكرة تجمد المحرم الثقافي، ومن ثم تصبح الذاكرة هى ذاكرة السلف، أو بالأدق هى «العقل الجمعى». فإذا استند التعليم على الذاكرة فقد استند على التذكر، ومن ثم يصبح العلم محصورا فى التذكر، ومن ثم يكون لدينا ثقافتان: ثقافة الذاكرة وثقافة الابداع، والعلاقة بينهما علاقة تناقض حاد. وتاريخ العلم شاهد على هذا النوع من التناقض. فالابداع، فى مجال العلم، يلازمه اضطهاد المبدع. فهيباتيا قتلت دينياً وجاليليو حوكم دينياً وبرونو أُحرق دينياً. ومع ذلك انخرط هؤلاء فى مسار الحضارة وطُرد مضطهدوهم من هذا المسار. والوضع القائم لنسق التعليم الآن فى مصر وفى دول أخرى يقوم على ثلاثية التلقين والحفظ والتذكر. تلقين حقيقة من قبل المعلم، وحفظها من قبل المتعلم وتذكرها عند الامتحان. ومن البيَن أن هذه الثلاثية لا تستقيم مع مقتضيات الابداع، وبالتالى يلزم تكوين وضع قادم لنسق تعليمى مغاير. إلا أن هذا النسق المغاير يثير أربع إشكاليات هى على النحو الآتي:

إشكالية بين انفجار المعرفة وانفجار السكان. فانفجار المعرفة نقلة كيفية بينما انفجار السكان نقلة كمية. وهنا يثار سؤالان: ماذا نعلَم فى ضوء انفجار المعرفة؟ وكيف نعلَم فى ضوء انفجار السكان؟

ومع ذلك فثمة مفارقة كامنة فى هذين السؤالين وهى أننا نقول عن انفجار المعرفة إنه نقلة كيفية، ولكن السؤال عنه كمي، ونقول عن انفجار السكان إنه نقلة كمية، ولكن السؤال عنه كيفي.

إشكالية تداخل العلوم من جهة، ووجود أقسام فى كليات التربية لا تتجاوز تخصصها الدقيق من جهة أخري.

إشكالية تقوم فى القسمة الثنائية بين التربويين والأكاديميين. والنتيجة الحتمية من هذه القسمة أن التربويين ليسوا أكاديميين. فهل معنى ذلك أن التربية ليست علماً من العلوم الأكاديمية؟

فى ضوء مبدأ اللاتعين أو بالأدق اللايقين المهيمن على علم الفيزياء النووية والممتد إلى مجالات العلوم الأخرى هل تظل العلاقة بين المعرفة والحقيقة عضوية أم يحدث تفكك فى هذه العلاقة بحيث تتوارى الحقيقة وتبقى المعرفة؟

هذه هى الاشكاليات الأربع. وأعتقد أن رفع التناقض الكامن فيها يمكن أن يكون ارهاصاً لتأسيس النسق التعليمى الجديد. بيد أن هذا التأسيس ليس بالأمر الميسور لأن البنية التعليمية متداخلة مع البنية الاجتماعية والبنية الاجتماعية متداخلة مع نسق القيم، ونسق القيم مملوء بمحرمات ثقافية.

والسؤال اذن: كيف نعيد تركيب المجتمع؟
باشاعة إعمال العقل الذى غيبته الأصوليات الدينية. ومن شروط إعمال العقل كسر المحرمات الثقافية التى كانت سائدة فى مجالات ثلاثة: الدين والجنس والسياسة. وحيث إن هذه المحرمات كامنة فى التراث فيلزم نقد التراث. والمثقفون هم المكلفون باشاعة هذا النقد من أجل استعادة العقل المبدع الكامن فى الانسان من حيث هو حيوان مبدع. ومن هنا يلزم تدريب الكل على قبول الفكر المغاير من غير اتهام بالتكفير، أى قبول الخروج عن الاجماع وهو الأمر الذى كان يلح عليه ابن رشد فى شأن التأويل، أى فى شأن إعمال العقل فى النص الديني. وهو الشرط اللازم للانفتاح على الثقافات الأخرى ومن ثم يتوارى ملاك الحقيقة المطلقة آفة الحضارة الانسانية فى مسارها من الفكر الأسطورى إلى الفكر العقلاني. واللافت للانتباه أن مصطلح ز الحضارة الانسانية وارد فى السطر الأول من هذا المقال كما هو وارد فى السطر الأخير منه، ومغزى ذلك أن التعليم بالابداع مسألة حضارية وليس مجرد مسألة قومية.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشــرين» (134) ابن رشد فى أبو ظبى   الأربعاء 13 يوليو 2016, 12:09 am



رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشــرين» (134)
ابن رشد فى أبو ظبى


الثلاثاء 7 من شوال 1437 هــ 12 يوليو 2016 السنة 140 العدد 47335


اتسمت الدورة السادسة والعشرون للمعرض الدولى للكتاب الذى عقدته أبو ظبى فى مايو من هذا العام بميزتين: الميزة الأولى أن شعار المعرض كان اسم الفيلسوف الاسلامى العظيم ابن رشد. والميزة الثانية أن ايطاليا كانت ضيف شرف على المعرض.

والسؤال اذن:
لماذا ابن رشد؟ ولماذا ايطاليا؟

فى 11/5/2008 شاركت فى ندوة أقيمت فى أبو ظبى تحت عنوان “ رائد التنوير ابن رشد” مع البروفيسير الاسبانى خوسيب بويغ مونتادا أستاذ الدراسات العربية والاسلامية بجامعة مدريد وبحضور سفراء دول عربية وغربية. وكان عنوان محاضرته “علاقة ابن رشد بدولة الموحدين” التى أسسها ابن تومرت فى عام 1129 فى الأندلس. وبعد أن تولى الخلافة أبو يعقوب يوسف (1163-1184) طلب من الفيلسوف ابن طفيل شرح ما غمض من عبارات الفيلسوف اليونانى أرسطو فأوكل هذه المهمة إلى ابن رشد ووافق الخليفة. ومع ذلك حدثت أزمة بين ابن رشد والخليفة المنصور ابن أبى يعقوب يوسف.

والسؤال اذن: ما سمة هذه الأزمة؟

جواب بويغ أن الأزمة مردودة إلى أن ابن رشد كان ناشطاً فى دولة الموحدين، ولكنه لم يكن جزءاً من تكوينها العقائدى، إذ كان ابن تومرت مؤسس الدولة يتبع الأشعرية التى تقف عند حد المعنى الظاهر للنص الدينى دون أن تتجاوزه إلى المعنى الباطن الكامن فى النص، ولهذا كانت تشترط الإجماع فى التشريع. أما ابن رشد فكان على الضد من ذلك.

أما جوابى فقد جاء على النحو الآتى:

الأزمة مردودة إلى سببين: السبب الأول مفهوم ابن رشد عن التأويل، إذ جاء على غير الشائع والمألوف، إذ يعرفه بأنه “ إخراج اللفظ من دلالته الحقيقية (أى الحسية) إلى دلالته المجازية”. وبناء عليه قسم الشريعة إلى ظاهر وباطن، والباطن يخضع للتأويل، ومع التأويل لا اجماع، ومن ثم لا تكفير. ومن هنا جاء اكتشافى لمغزى عنوان كتاب ابن رشد “ فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال” وهو قولى بأن “ الحكمة (الفلسفة) هى الشريعة مؤولة”. ولا أدل على سلامة قولى من تقرير ابن رشد أن الحكيم يخل بالشريعة إذا أفصح عن تأويلاته لها خارج كتب البرهان. وفى هذا السياق هاجم ابن رشد المتكلمين وفى مقدمتهم الأشعرية التى تناولها بالتحليل والنقد فى ثلاثة من مؤلفاته “ فصل المقال” و“ مناهج الأدلة” و“ تهافت التهافت”. قال عنها فى مؤلفه الأول “ إن طرقهم التى سلكوها فى اثبات تأويلاتهم ليسوا فيها لا مع الجمهور ولا مع الخواص لكونها – إذا تؤملت- وجدت ناقصة من شرائط البرهان، ولا هى مع ذلك مما يفهمه جمهور الناس، بل كثير من الأصول التى بنت عليها الأشعرية معارفها هى سوفسطائية”. ونصوص عديدة من قبيل هذا النص كفيلة بأن تُكتل المتكلمين وتدفعهم إلى وضع خطة تآمرية للاطاحة بابن رشد، وقد كان إذ أُحرقت مؤلفاته واتهم بالكفر ثم نفاه الخليفة المنصور إلى قرية أليسانه المسكونة باليهود. ومن هنا أذاع أعداؤه أنه يهودى وليس مسلماً، وأنه ينسب إلى بنى اسرائيل.

هذا جوابى عن السؤال الأول: لماذا ابن رشد؟

أما عن جوابى عن السؤال الثانى: لماذا ايطاليا؟

دُفنت الفلسفة الاسلامية فى نهاية القرن الثانى عشر بقرار سياسى من الخليفة المنصور، ولكنها بُعثت إلى الحياة فى فرنسا وايطاليا بمرسوم سياسى من فردريك الثانى ( 1197- 1250) ملك نابولى وصقلية فترجمت مؤلفات ابن رشد إلى اللاتينية والعبرية. وإثر ذلك شاع فى فرنسا وايطاليا تيار فلسفى اسمه “ الرشدية اللاتينية” لمقاومة السلطة الدينية المدعومة من كبار الاقطاعيين وذلك فى مواجهة الطبقة الصاعدة وهى طبقة التجار. وقد نشأ عن هذه المقاومة بفضل الرشدية اللاتينية عصر النهضة وعصر الاصلاح الدينى فى القرن السادس عشر وعصر التنوير فى القرن الثامن عشر.

وإثر الانتهاء من القاء بحث بويغ وبحثى دار الحوار بين السفراء المشاركين وما ورد فى البحثين. قال سفير المغرب عبد القادر زاوى “ إن تنظيم هذه الندوة الفكرية يؤكد أن فكر ابن رشد لم يكن جسراً بين العرب والغرب فحسب إنما كان حلقة وصل بين الحضارة اليونانية والحضارة العربية والاسلامية أولاً وبين الحضارة العربية والاسلامية والحضارة الأوروبية ثانياً. وتأسيساً على ذلك يمكن القول إن الحضارة العربية الاسلامية متجسدة فى الحضارة الانسانية”. ودعا السفير الاسبانى مانويل بينييرو إلى تدعيم اللجنة المشتركة بين المغرب واسبانيا لدراسة ابن رشد لتكون إطاراً بين مفكرى البلدين.

وقبل مغادرة القاعة همس فى أذنى أحد السفراء العرب قائلاً: “ إن مشروعك الرشدى ليس أمراً سهلاً، إذ هو فى حاجة إلى أزمنة هذا إذا حدث”.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (135) العقل مِعْبرا حواريا للسلام   الأربعاء 20 يوليو 2016, 1:07 am





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (135)
العقل مِعْبرا حواريا للسلام


الثلاثاء 14 من شوال 1437 هــ 19 يوليو 2016 السنة 140 العدد 47342

إثر الانتهاء من «إعلان كوبنهاجن» فى 30/1/1997 عدتُ إلى القاهرة وفى ذهنى مواصلة الانخراط فى عملية السلام، فارتأيت عقد ندوة فى طابا تحت عنوان «الشرق الأوسط فى مفترق الطرق: التنوير والمجتمع» فى نوفمبر من ذلك العام، إلا أننى لم أوفق فى عقدها بسبب رفض سياسى وقصور مالى. وعندئذ فكرت فى الخروج من النسق الداخلى إلى نسق خارجى يكون قابلا لإجراء حوار مصرى إسرائيلى فلسطينى، وقد كان، إذ دخلت الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير التى أشرف بتأسيسها ورئاستها فى علاقة مع مؤسستين دوليتين: الأولى هى «مركز زايد العالمى للتنسيق والمتابعة» بأبو ظبى والمنبثق عن الجامعة العربية، والثانية هى «لجنة التعاون الدولى» بالجمعية الفلسفية الأمريكية، وعقدنا ندوات اجتزئ منها ندوة عُقدت فى شيكاغو فى عام 2004 تحت عنوان «هل فى إمكان العقل أن يكون أساسا للحوار فى الشرق الأوسط؟» شارك فيها فلاسفة دوليون من الشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا. وكان عنوان بحثى «هل فى إمكان العقل أن يكون مِعْبرا حواريا للسلام فى الشرق الأوسط؟» الجواب عن هذا السؤال يلزم منه تحديد ألفاظ ثلاثة: العقل والحوار والسلام. والسؤال إذن: ما العقل؟

إن العقل لا يدرك وقائع لأنه ليس ثمة وقائع قائمة بذاتها إذ الوقائع موضع إدراك من الإنسان بالضرورة. ومعنى ذلك أن العقل يدخل فى عملية الإدراك فيؤول ما يدركه، إلا أن هذا التأويل لا يقف عند حد المستوى النظرى إنما يتجاوزه إلى المستوى العملى وذلك بسبب تعريفى للإبداع بأنه قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الواقع. ولا أدل على صحة هذا التعريف من أن الحضارة الإنسانية بدأت بالعصر الزراعى وليس بعصر الصيد، حيث كانت العلاقة بين الانسان والبيئة علاقة أفقية، بمعنى أن الإنسان كان متكيفاً مع البيئة. ولكن عندما حدثت «أزمة طعام» فكر الإنسان فى تغيير العلاقة بينه وبين البيئة بحيث تكون العلاقة رأسية، بمعنى تكييف الإنسان البيئة لإشباع حاجاته الجديدة فحدث «فائض طعام». ومن هنا كان تعريفى للعقل بأنه القدرة على ممارسة تأويل عملى مجاوز للواقع. ومن هنا انطوى هذا التعريف للعقل على اكتشاف علاقة عضوية بين العقل والإبداع إلى الحد الذى يمكن أن نقول عنده إن العقل، بحكم طبيعته، مبدع. ومعنى ذلك أنه إذا توقف الإنسان عن الإبداع توقف العقل عن أن يكون عقلاً. وإذا كان ذلك كذلك فما الذى يوقف العقل عن الإبداع؟

إنها المحرمات الثقافية التى تمنع الانسان من ممارسة الفكر الناقد من أجل تغيير الوضع القائم. وهنا أنوه بعبارة الفيلسوف الألمانى العظيم كانط القائلة: إن الفيلسوف الاسكتلندى ديفيد هيوم الذى كان متشككا فيما اعتدنا عليه من مبادئ مطلقة قد أيقظه من سباته الدوجماطيقى، ومن ثم اندفع نحو التفكير فى مسار جديد للفلسفة. وكان هذا المسار الجديد هو الدافع إلى تأليفه ثلاثة كتب تبدأ عناوينها بلفظ «نقد» وهى: «نقد العقل الخالص» و «نقد العقل العملى» و«نقد ملكة الحكم». وفى هذا السياق يكون العقل المبدع بحكم طبيعته عقلا ناقدا، ومن ثم يقف ضد الدوجماطيقية التى تتوهم أنها مالكة للحقيقة المطلقة. وأظن أن هذا النوع من العقل كان الغاية من تأسيس عصر التنوير. وفى هذا السياق يكون اللاعقل أو اللاعقلانية هو نقطة البداية فى السقوط فى الدوجماطيقية، ومن ثم السقوط فى الأصولية الدينية التى تبطل إعمال العقل.

هذا عن العقل فماذا عن الحوار؟

ونسأل: ما الغاية من الحوار؟

الغاية ليست إقناع الخصم بالحجة ،لأن الحجة تزعم أنها تريد قنص الحقيقة والحقيقة وهْم لأنها لا تدوم، وبالتالى فإنها معرضة لأن تكون لا حقيقة. ومن هنا لا علاقة للحوار بالحقيقة سواء قيل عنها أنها نسبية أو إنها مطلقة.

هذا عن الحوار فماذا عن السلام؟

السلام له معنيان: معنى سلبى ومعنى إيجابى. المعنى السلبى هو الامتناع عن شن حرب، أى هدنة يمكن أن تعقبها حرب. أما المعنى الإيجابى فيكمن فى التعايش البشرى فى مجتمع مدنى تحت حكومة مدنية تتعامل مع ما هو نسبى وليس مع ما هو مطلق، أى ليس مع ما هو عقائدى. وتأسيسا على ذلك كله يمكن تطبيق هذه المعانى الثلاثة على حوار حدث فى جامعة تل أبيب فى 19 ديسمبر 1980 بين مصريين وإسرائيليين من أهمهم حاييم بن شحار رئيس جامعة تل أبيب، وشيمون شامير أستاذ تاريخ الشرق الأوسط وأول مترجم لروايات نجيب محفوظ إلى العبرية، ومصطفى خليل رئيس وزراء مصر، وبطرس غالى الأمين العام السابق للأمم المتحدة.

بن شحار فكرته المحورية أن الأولوية للتفكير فى المستقبل، أو بالأدق لممارسة التفكير المبدع لتغيير الوضع القائم لمجاوزة المطبات السياسية وتحقيق السلام الدائم. وشيمون شامير فكرته المحورية تغيير البنية الذهنية لترسيخ سلام صلب.

ومصطفى خليل أشار إلى نقطة سلبية وهى الهوة الدوجماطيقية التى تقف عائقا أمام التفاهم المتبادل وذلك بسبب إنكار المصريين للهوية القومية لليهود.

وبطرس غالى أشار إلى مسألة مهمة وهى أن التطرف متأصل عند الطرفين.

والرأى عندى أن ثمة هوة ثقافية كامنة فى أن كلا من الطرفين المتصارعين لديه نمط دوجماطيقى يمتنع معه ابتداع نمط جديد من الحوار.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (136) مطلوب منفستو ثالث   السبت 30 يوليو 2016, 8:34 pm





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (136)
مطلوب منفستو ثالث


الثلاثاء 21 من شوال 1437 هــ 26 يوليو 2016 السنة 140 العدد 47349

لدينا حتى الآن نوعان من المنفستو:

المنفستو الأول صدر فى عام 1848 عن ماركس وانجلز تحت عنوان “ منفستو الحزب الشيوعى”، والغاية منه دعوة عمال العالم إلى الاتحاد من أجل إحداث ثورة شيوعية لتأسيس عالم جديد. وقال عنه لينين زعيم هذه الثورة إنه كتب بوضوح وبعبقرية متألقة وبتحديد موجز لرؤية عالم جديد من صنع البروليتاريا خالقة المجتمع الشيوعى الجديد. ومع ذلك فقد انهار الاتحاد السوفيتى المؤسس لهذا المجتمع فى عام 1991 . والمنفستو الثانى صادر فى عام 1955 تحت عنوان “ منفستو رسِل- أينشتين”: رسِل فيلسوف وعالم رياضى وأينشتين صاحب نظرية النسبية. وفى 9 يوليو من عام 2005 احتفل العالم بمرور خمسين عاماً على مولد ذلك المنفستو لأنه كان تمهيداً للدعوة إلى حملة ضد التسليح النووى وإلى تأسيس “حركة بجواش” من أجل السلام. والسؤال بعد ذلك:

هل مصير هذا المنفستو مثل مصير منفستو ماركس وانجلز؟


إثر تدمير مدينتى هيروشيما ونجازاكى بقنابل ذرية فى أغسطس 1945 وجه رسِل وأينشتين تحذيراً إلى العالم من الخطر العظيم للأسلحة الجديدة. ومع ذلك حدثت مواجهة بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة الأمريكية فى منتصف الخمسينيات من القرن العشرين وكانت أشد خطراً لأن كلا منهما كان مسلحاً بقنبلة هيدروجينية أقوى ألف مرة من القنبلة الذرية. وعندئذ أرسل رسِل رسالة إلى أينشتين يطالب فيها العلماء بتحذير الحكومات والجماهير بالكوارث القادمة، وقد أوجزها فى احتمال موت الحياة على كوكب الأرض. وفى حينها أرسل أينشتين خطاباً إلى رسِل قبل وفاته فى 13 ابريل 1955 جاء فيه الموافقة على كل كلمة وردت فى خطاب رسِل. وإثر هذه الموافقة أعلن رسِل فى 9 يوليو 1955 أمام حشد من وسائل الاعلام منفستو رسِل- أينشتين الذى اعتمده فى البداية أحد عشر عالماً تسعة منهم كانوا حائزين على جائزة نوبل. وإثر هذا الاعلان تأسست حركة بجواش فى يوليو 1957 حيث انعقد المؤتمر الأول لهذه الحركة.

وكان السؤال الذى أثير إثر إذاعة المنفستو هو على النحو الآتى: لماذا العلماء من دون بنى البشر هم الذين اعتمدوا المنفستو؟ لأنهم هم الذين ابتدعوا أسلحة الدمار الشامل، وبالتالى كانوا على وعى بالموقف المأساوى الذى تواجهه البشرية. ومع ذلك فإنهم قد تجاوزوا مسئوليتهم المباشرة عن انتاج هذه الأسلحة إلى القول بأنهم قد اعتمدوا المنفستو من حيث إنهم بشر ينتمون إلى الجنس البشرى الذى هو مُهدَد بالفناء بسبب الصراع الحاد بين الشيوعيين والرأسماليين مع أنهم جميعاً متساوون أمام خطر واحد.

والحل ماذا يكون؟ جواب العلماء أنه يكمن فى أن نتعلم كيف نفكر بأسلوب جديد، كما نتعلم أن نصيغ سؤالاً ليس عما يمكن اتخاذه من خطوات لإحراز نصر عسكرى لأنه لم يعد هناك نصر من هذا القبيل، إنما نصيغ سؤالاً آخر: ما الخطوات التى ينبغى اتخاذها لمنع أى صراع عسكرى تكون نتيجته مأساوية لبنى البشر أجمعين؟ إن الرأى العام ومعه الحكام ليسوا على وعى بما تكون عليه الحرب عندما تكون محكومة بقنابل هيدروجينية، ومن هنا جاء السؤال المحورى للمنفستو: هل نضع نهاية للجنس البشرى وإذا كان الجواب بالسلب فهل فى الامكان وضع نهاية لحرب محكومة بقنابل هيدروجينية تُفنى الجنس البشرى؟ صعوبة الجواب عن هذا السؤال تكمن فى غموض مصطلح “ الجنس البشرى”. وسبب هذا الغموض مردود إلى تواصل الصراع بين البشر أجمعين إلى الحد الذى لا يكون فيه جنس بشرى واحد إنما تكون فيه أجناس بشرية متعددة ومتصارعة . ولا أدل على ذلك من أن الاحتفال بمنفستو رسِل- أينشتين فى 9 يوليو 2005 كان مواكباً لبزوغ نوع جديد من الحرب لم تألفه البشرية من قبل وهو ما أسميه بــــ” الارهاب الأصولى” وفى مقدمته “ الارهاب الأصولى الاسلامى”. ومغزاه أن البشرية مهددة ليس بقنابل هيدروجينية إنما بقنابل بشرية انتحارية يصنعها بشر عاديون دون أن يكونوا علماء ويقتلوا بشراً عاديين دون أن يكون هؤلاء البشر عسكريين، ويزعمون أن كل ذلك فى سبيل الدفاع عن مطلق هو يجهلهم. وقد لفَتُ الانتباه إلى هذه الظاهرة فى عام 1986 فى سانت لويس بأمريكا حيث كنت مشاركاً فى تنظيم مؤتمر دولى حوارى بين فلاسفة المعسكر الاشتراكى وفلاسفة أمريكيين. وكان رأيى الذى أعلنته أمام الفلاسفة المشاركين أن الصراع بين الشيوعية والرأسمالية هو صراع ثانوى أما الصراع الرئيسى فهو بين الأصولية الاسلامية من جهة والشيوعية والرأسمالية من جهة أخرى، وعندما ينهار المعسكر الشيوعى يأتى الدور على المعسكر الرأسمالى بدعوى أن الرأسمالية مدمرة للانسان. وقد قيل فى حينها اعتراضاً على هذه الاستراتيجية بأننى متشائم. لكن ما حدث بعد ذلك كان دليلاً على صحة رأيى ويمكن ايجازه فى انهيار المعسكر الشيوعى فى عام 1991 وبداية انهيار المعسكر الرأسمالى فى أحداث 11/9/2001 بنيويورك.

وإذا أريد التحرر من الأصوليات الارهابية بوجه عام ومن الأصولية الاسلامية بوجه خاص فالبشرية فى حاجة إلى “ منفستو ثالث” يدعو إلى تأسيس “ علمانية كوكبية” باعتبارها المضاد الحيوى لجرثومة الأصولية.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ القرن الحادى والعشرين 137 مسئولية النخبة فى هذا الزمان   الأربعاء 03 أغسطس 2016, 6:51 pm





رؤيتى لـ القرن الحادى والعشرين 137
مسئولية النخبة فى هذا الزمان


الثلاثاء 28 من شوال 1437 هــ 2 أغسطس 2016 السنة 140 العدد 47356


تسلمت دعوة كريمة من أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة بالمغرب ووزير خارجيتها السابق محمد بن عيسى وهو شخصية متميزة برؤية فلسفية حضارية للمشاركة فى موسمها الثقافى الدولى الثامن والثلاثين فى الفترة من 24 إلى 26 يوليو من هذا العام تحت عنوان “ النخب العربية والاسلامية: الدين والدولة”. وقد ارتأى أن أُبدِى الرأى فى المحور الثانى من محاور الندوة الثلاثة وعنوانه” النخب العربية والاسلامية وآليات التأثير السياسى”، وأوجزه على النحو الآتى: يلزم من هذا العنوان تحديد معنى “ النخبة”. وهو فى البداية، كان يعنى أقلية تحكم ما تبقى من المجتمع. ومن هنا قيل عنها إنها نخبة سياسية تستحوذ على مؤسسة سياسية حائزة على السلطة.

ومع التغيرات التى حدثت فى القرن العشرين انقسمت النخب إلى ثلاثة أنواع: المثقفون ومديرو الصناعة وأصحاب المناصب الحكومية العليا.

والسؤال اذن: مَنْ هم ؟ وما مدى تأثيرهم؟

والذى يهمنى عند الجواب عن هذا السؤال هم المثقفون الذين ينقدون ثقافة المجتمع من أجل تغييرها، وابتداع غيرها. والرأى عندى أن التغيير يستلزم وضعين: وضع قائم مأزوم ووضع قادم يزيل الأزمة ومن ثم يحل محل الوضع القائم، كما يستلزم بالتالى فهماً جديداً للزمن. فإذا كان الزمن مكوناً من آنات ثلاثة فالسؤال اذن: أى هذه الآنات له الأولوية؟ الرأى الشائع أن الأولوية للماضى. وسبب هذه الأولوية مردود إلى مبدأ العلية و هذا المبدأ يلزمنا بالسير فى اتجاه واحد من السابق إلى اللاحق. السابق هو العلة واللاحق هو المعلول. ومعنى ذلك أن الزمان فى اطار العلية يدور على السابق واللاحق، أى على الماضى. أما الرأى عندى فهو أن الأولوية ليست للماضى لأنه، فى أصله، مستقبل، أى هو مستقبل فات. ومعنى ذلك أن الماضى مسلوب من سمته الأساسية وهى أنه كان مستقبلاً، وأنه لم يعد كذلك. كما أن الأولوية ليست للحاضر لأنه وهم. فالحاضر نهاية ماض وبداية مستقبل. يبقى اذن أن تكون الأولوية للمستقبل. ولا أدل على ذلك من أن المستقبل مشحون بامكانات مطلوب تحقيقها فى الواقع. اذن هى امكانات واقعية. ثم إن البشر يستهويهم معرفة الغيب. وفى اللغة اليونانية النبى هو الذى ينبئنا بالمستقبل. ولهذا فهو موضع اضطهاد لأن من شأن هذا الإنباء تغيير الواقع. المستقبل اذن محايث فى عملية هذا التغيير. وإذا كان هذا التغيير من صنع الانسان فالمستقبل اذن محايث فى الانسان. وإذا كان المستقبل أحد آنات الزمان فالزمان اذن محايث فى الانسان، ومن ثم يتصف الزمان بالانسانية. وإذا كان الانسان هو الذى ابتدع الحضارة فالحضارة، فى هذه الحالة، تكون مؤسسة على الابداع، وبالتالى يكون الزمان مؤسساً على الابداع. الابداع اذن هو مصدر الزمان أو بالأدق هو مصدر المستقبل.

والمستقبل مرتبط بالغاية لأن الغاية مرتبطة بالضرورة بالمستقبل وليست بالماضى. ومن ثم فالفعل مستقبلى. ولأنه مستقبلى فهو رمز على النفى من حيث إنه رافض لوضع قائم ولكنه رمز على الايجاب أيضا من حيث إنه محقق لوضع قادم، أى لوضع ممكن. ومعنى ذلك أن الواقع الممكن هو “ علة” تغيير الوضع القائم، أى أن العلة مطروحة فى المستقبل وليست مطروحة فى الماضى، ومن ثم فالعلة ذاتها هى فى مجال الامكان، أى أنها لم تتحقق إنما هى فى الطريق إلى التحقق. والحرية اذن مطروحة فى المستقبل. الحرية اذن محايثة للابداع، ومن ثم فالذى يحد من الحرية يحد، فى الوقت نفسه، من الابداع، ويترتب على ذلك أن الذى يحد من الحرية هو المحرم. والمحرم هو الثقافة عندما تتمطلق، ومن ثم فالمحرم ثقافى الطابع. وهنا يأتى دور النخبة العربية والاسلامية فى تحرير الثقافة العربية والاسلامية من المحرم.

والسؤال اذن: أين يكمن المحرم فى الثقافة؟ إنه يكمن فى الدعوة إلى إبطال إعمال العقل. وهى دعوة قد روَج لها الفقيه ابن تيمية من القرن الثالث عشر عندما ألَف كتاباً عنوانه “ درء تعارض العقل والنقل” ينقد فيه ابن رشد فى تقديمه العقل على النقل عند التعارض لأن الأصل هو النقل وليس العقل. ولهذا ليس ثمة مبرر للتأويل على نحو ما يرى ابن رشد. وتترتب على ذلك نتيجتان جوهريتان: النتيجة الأولى إبطال إعمال العقل فى النص الدينى لأنه ظاهر وواضح وليس فى حاجة إلى تأويل. أما النتيجة الثانية فهى أن الشرع يقوم على السمع. وإذا كان ذلك كذلك فالسمع اذن هو مجموع الحواس، وهو ما يطلق عليه فلسفياً “ الحس المشترك”. والحس المشترك، من هذه الزاوية، هو الاجماع. ومن هنا يرفض ابن تيمية التأويل لأنه خروج على الاجماع، والخروج على الاجماع كفر وزندقة.

واللافت للانتباه بعد ذلك أن الفقيه ابن تيمية بالرغم من أنه من القرن الثالث عشر إلا أنه أصبح مؤسساً السلفية فى القرن الثامن عشر، ولحركة الاخوان المسلمين فى القرن العشرين.

والسؤال اذن: ما هو دور النخبة العربية والاسلامية فى مواجهة هاتين الحركتين ؟

أظن أن هذا هو سؤال الندوة؟

وإذا تحدد الوضع القادم أمكن تحديد آليات التأثير السياسى. إلا أن هذا الوضع لم يتحدد بعد من قِبل المثقفين لأنهم مهمومون بنقد السلطة دون نقد الثقافة.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ القرن الحادى والعشرين138 : مستقبل عقل   الثلاثاء 09 أغسطس 2016, 9:56 pm





رؤيتى لـ القرن الحادى والعشرين138 : مستقبل عقل


الثلاثاء 6 من ذو القعدة 1437 هــ 9 أغسطس 2016 السنة 141 العدد 47363

فى فبراير 1993 أهدانى فيلسوف أمريكى اسمه جيروم جلن كتابه المعنون «مستقبل عقل» وجاء الإهداء على النحو الآتى: «إلى مراد وهبه. إنها غبطة عظمى وشرف كبير أن أكون قادراً على العمل معك فى استكشاف الإبداع فى مصر».

والسؤال اذن: لماذا جاء الإهداء هكذا؟ فى عام 1990 تبنى مركز تطوير تدريس اللغة الانجليزية برئاسة الدكتورة منى أبو سنة «مشروع الابداع والتعليم العام» الذى كان قد وافق على تنفيذه وزير التعليم الأسبق الدكتور فتحى سرور، فأجرينا تجارب عديدة فى عدة مدارس، وعقدنا ندوات أثرنا فيها إشكاليات الابداع فى المؤسسات التعليمية. وفى عام 1993 وجهت دعوة إلى جيروم جلن (1945) لإلقاء محاضرة عن رأيه فى ذلك المشروع، وقد كان. ويقال عن جلن إنه أعظم قائد موهوب فى أمريكا. ففى عام 1972 ابتدع مصطلح «عحجلة المستقبليات» وهو أسلوب فى العصف الذهنى يدور حول المستقبل. وفى الفترة من 1988 إلى 2007 كان مديرا تنفيذيا للمجلس الأمريكى بجامعة الأمم المتحدة باليابان، ومستشارا لأكثر من عشرين دولة فى شأن الاستراتيجيات المستقبلية، .وفى هذا السياق يثار السؤال الآتى: ما المشترك بيننا؟الجواب عن هذا السؤال يستلزم أولاً معرفة رؤية جلن المستقبلية، وهو يوجزها فيما يسميه «حضارة التكنولوجيا الواعية». والجديد فى هذه الرؤية مردود إلى القول بأن التكنولوجيا ممكن أن تكون واعية على غرار وعى الانسان، ومن ثم تزول المسافة بين التكنولوجيا والانسان إلى الحد الذى يمكن أن يقال فيه إن التقدم فى التكنولوجيا يغيَر الوعى الانسانى، والوعى الانسانى يغيَر بدوره التكنولوجيا. ومن هنا يمكننا القول بأن العقل فى الطريق إلى أن يكون عقلا تكنولوجيا بفضل دخول البرامج الكومبيوترية فيه.

والسؤال اذن: هل دخول هذه البرامج إلى العقل الانسانى يمكن أن يحيله مع التطور إلى «روبوت» أى إلى انسان آلى؟ الجواب عند جلن بالنفى وذلك بفضل الانسان المتصوف الذى يكمن فينا، والذى يمنع تحقيق هذا التحول. إلا أن المتصوف على نحو ما يرى جلن ليس هو المتصوف الذى يسلب الحياة من ذاته ومن حوارييه إنما هو المتصوف المقبل على الحياة والذى يدخل فى علاقة مباشرة معها بفضل ما لديه من قوة أخرى غير قوة العقل وهى قوة الحدس. والحدس فى معناه الحقيقى هو القدرة على الوعى بالحياة مباشرة بدون وسيط. أما العقل فهو على الضد من الحدس يدرك العالم الخارجى بوسيط عبارة عن مجردات وتعميمات لمدركات حسية لا يصلح معها أن نقول إنها صادقة أو كاذبة إنما نقول عنها إنها قادرة على التحكم فى البيئة أو غير قادرة وذلك بما تستعين به من وسائط تكنولوجية. ومن هنا يقول جلن لدينا نوعان من الانسان: المتصوف والتكنوقراط، وبالرغم من أنهما متضدان فإنهما متكاملان، إذ كل منهما فى حاجة إلى الآخر إلى الحد الذى يمكن أن يقال فيه بأن مستقبل الحضارة محكوم بالعلاقة بين المتصوفة الذين يقول عنهم جلن إنهم «أسياد الوعى» والتكنوقراط الذين يقول عنهم جلن إنهم «أسياد التكنولوجيا». ومن هنا يمكن القول بأنه إذا اختفى أسياد الوعى تصبح الحضارة حضارة الروبوت. أما إذا اختفى أسياد التكنوقراط فإن الحضارة، فى هذه الحالة، تكون مفتقدة إلى وجود تنظيم، وبالتالى تنزلق الحضارة إلى الفوضى ويهتز اليقين ويشيع التشكك واللا يقين، ومن ثم يلجأ البشر إلى الماضى من باب السلوى وسكينة النفس، وعندئذ تبزغ الأصوليات الدينية استجابة لمطلب السلوى والسكينة، ويمتنع الارتقاء إلى عصر ما بعد المعلومات وهو الذى يسميه جلن «حضارة التكنولوجيا الواعية».واللافت للانتباه ها هنا قول جلن عن المتصوفة إنهم «أسياد الوعى». والرأى الشائع عنهم أنهم «أسياد الوعى الغائب» لأنهم يزهدون فى الحياة من أجل الفناء فى اللهس. ولا أدل على صحة هذا الرأى الشائع من أقوال المتصوفة، وأنا هنا أنتقى منهم أربعة من المشاهير وهم الحلاج وابن الفارض والبسطامى والشبلى. قال الأول «أنا الحق» وقال الثانى «أنا هى» ( أى الحقيقة المطلقة) وقال الثالث «سبحانى ما أعظمنى» وقال الرابع «الصوفى منقطع عن الخلق متصل بالحق». أما رأى جلن فعلى الضد من ذلك الرأى الشائع، إذ يرى أن المتصوف الحق هو الذى يقبل على الحياة ويريد إطالتها لكى يفنى فى التكنولوجيا الإلكترونية ويصبح لقبه «سيد الوعى» ومن ثم يدخل فى حوار مع سيد التكنولوجيا الذى هو التكنوقراط، وتكون الغاية من الحوار ليس الكشف عن الحقيقة وعن البرهنة عليها تجريبيا، إنما الكشف عن القيم التى تدفع الحضارة إلى التقدم. إلا أن جلن يشترط دخول الفلسفة وسيطا بين الصوفى والتكنوقراط ولكن بشرط أن تمتنع الفلسفة عن أن تكون معقدة لأنها فى هذا السياق لن تكون أكاديمية بل جماهيرية وعندئذ تضاف إلى مجموعة المصطلحات التى تنتهى بلفظ «جماهيرية» والتى شاعت فى القرن الحادى والعشرين مثل قولنا على سبيل المثال «ثقافة جماهيرية» وعلى غرار هذا المصطلح نقول فلسفة جماهيرية ولكن بشرط ألا تزعم أية فلسفة من هذا النوع أنها الفلسفة الوحيدة الحقة.

ومع ذلك يبقى سؤال فى حاجة إلى جواب: لماذا لا يكون الفيلسوف بديلا عن الصوفى ويدخل فى حوار مع التكنوقراط؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى ل «القرن الحادى والعشرين » رؤية إلى أبعد ( 139 )   الثلاثاء 16 أغسطس 2016, 7:50 pm

رؤيتى ل «القرن الحادى والعشرين »
رؤية إلى أبعد ( 139 )


الثلاثاء 13 من ذو القعدة 1437 هــ 16 أغسطس 2016 السنة 141 العدد 47370

رؤية إلى أبعد يلزم منها أن تكون مسبوقة برؤية بعيدة. وسواء كانت هذه الرؤية بعيدة أو أبعد فهى بالضرورة رؤية مستقبلية. ومغزى هذه الرؤية أنها تشير إلى أنه ليس فى الامكان التحرك إلا ابتداء من المستقبل وليس من الماضى. ولا أدل على صحة هذا الرأى من عنوان رئيسى لمجلد ضخم رؤية إلى أبعد وعنوان فرعى قصة العلم والجمعية الملكية. وقد صدر هذا المجلد فى عام 2010 بمناسبة مرور ثلاثمائة وخمسين عاماً على تأسيس الجمعية فى 28/11/1660 حيث اجتمع اثنا عشر عالماً ليستمعوا إلى محاضرة يلقيها عالم شاب اسمه كريستوفر رن تحدث فيها عن علم الفلك. وإثر انتهاء المحاضرة تم تأسيس الجمعية برؤية مستقبلية تنص على تأسيس علوم تجريبية مستندة إلى ابداعات علمية تسهم فى إطالة الحياة مع تذوقها وتحسين وسائل الاتصال مع التنمية الاقتصادية. ومن هنا قيل عن هذه الجمعية الملكية أنها السبب فى مولد العلم الحديث كوكبياً وليس اقليمياً.

والسؤال إذن: ماذا كانت الرؤية المستقبلية لهؤلاء العلماء وهم يؤسسون نظرياتهم العلمية؟ المحافظة على الروح المسيحية وعلى الله فى ضوء علم الكون المزمع تأسيسه الذى من الممكن أن يكون خالياً من الروح ومن ثم يطيح بخلود الروح. ومن هنا قال العالم الفلكى كبلر: كنت أفكر دائما فى أن أكون لاهوتياً، ومع ذلك فأنا الآن بفضل أبحاثى العلمية أحتفى بوجود الله فى علم الفلك.

ومع ذلك أيضاً فإنه عندما حاول التوفيق بين نظرية كوبرنيكس عن دوران الأرض حول الشمس وبين ما جاء فى التوراة فى أحد فصول أول كتاب له راجع المخطوط أساتذة اللاهوت وحذفوا منه ذلك الفصل. وفى القرن السادس عشر وبرؤية مستقبلية خشى العلماء من القول بأن ثمة تواصلاً بين العالم الأرضى والعالم السماوى لأنه مناقض لما جاء فى التوراة بأن العالم الأرضى كله فساد وموت أما العالم السماوى فكل ما فيه خالد وغير قابل للفساد فأحجموا عن تأييد ذلك التواصل. ومع ذلك ففى القرن السابع عشر كانت لدى نيوتن رؤية مستقبلية بأن ذلك التواصل لا يمكن تفاديه لأن قوة الجاذبية التى أسقطت التفاحة إلى الأرض هى نفسها قوة الجاذبية التى دفعت القمر إلى الدوران حول الأرض. المستقبل إذن هو لمصلحة الاتصال بين العالمين وليس لمصلحة الانفصال بينهما. ولهذا فمع نهاية القرن الثامن عشر أصبح الاتصال عقيدة علمية إلى الحد الذى فيه أحدثت تأثيراً فى علم اللاهوت حيث ألغيت الحدود بين الأرض والسماء. وأغلب الظن أن هذا هو السبب فى تأخر نيوتن فى الانضمام إلى الجمعية. ولكنه عندما انضم انتخب رئيساً للجمعية، ومن ثم تبنت الجمعية فلسفة نيوتن التى تخضع الكون كله لقانون واحد هو قانون الجاذبية.ومع ذلك فمع التطور بدأ العلماء والفلاسفة يتشككون فى وجود الله. ففى القرن الثامن عشر ارتأى الفيلسوف العظيم كانط أن العقل الانسانى عاجز عن الاختيار بين براهين إثبات وجود الله وبراهين نفى وجوده. وإذا كان علم ما بعد الطبيعة هو المشغول بهذه البراهين فإن هذا العلم يصبح موضع شك، والبديل هو المضى فى مسار آخر وكان هذا المسار كامناً فى تطوير الرياضيات. ومن هنا نشأ علم جديد اسمه المنطق الرياضى، ومن ثم أصبح علماء الجمعية الملكية على قناعة بأن ما هو رياضى أو بالأدق ما هو عقلى وما هو تجريبى مكملان لبعضهما البعض، إلا أن المفارقة هنا أن العقلانيين لم يستمروا على هذا المنوال، إذ ظهر دارون فى القرن التاسع عشر وأحدث ثورة علمية سُميت نظرية التطور التى لم يجد فيها أى مبرر لاستثناء الانسان من قانون التطور فارتأى أن أصله مردود إلى كائنات متدنية وهو رأى سيكون مقززاً لكثيرين، إلا أنه اعتذر عن هذا الذى فكر فيه لأنه نتيجة حتمية انتهى إليها فى كتابه أصل الأنواع. وكان من شأن هذه النتيجة أن أحدثت رعباً عبرت عنه سيدة إنجليزية عندما قالت لزوجها عزيزى، أرجو أن ما يقوله دارون لا يكون صائباً، وإذا كان صائباً أرجو ألا يصبح متداولاً إلا أنه أصبح متداولاً وأحدث تأثيراً على ذهنية العلماء وذهنية الشعوب الموجودة خارج مجال العلم. وحدث بعد ذلك تطور فى الرياضيات أحدثه جورج بول فى القرن التاسع عشر فى كتابه المعنون بحث فى قوانين الفكر وهو أساس النظريات الرياضية فى المنطق والاحتمالات. وقيل عنه إنه أساس علم الكمبيوتر، وبفضله يمكن أن نتخيل مستقبلاً التداخل فيه بين العقل والكمبيوتر إلى الحد الذى يمكن فيه إدخال عقل آلى بديلاً عن عقل حى يكون قد أصابه الموت، وبذلك تنتفى الثنائية أينما توجد سواء كانت بين الروح والجسم أو بين الحياة والموت، ومن ثم يصبح البحث عن الوحدة ممكناً علمياً بعد أن كان مجرد خيال عند فلاسفة اليونان الأقدمين. ومن هنا يثير المجلد أسئلة تستلزم الاجابة عنها رؤية مستقبلية وهى على النحو الآتى: عندما تحتفل الجمعية الملكية مستقبلاً بمرور أربعمائة سنة على تأسيسها فما القضايا المقبلة التى سينشغل بها العلماء؟

أغلب الظن أنها ستكون قضايا خاصة بعلم الفلك ومثارة على هيئة أسئلة هى على النحو الآتى: ماذا وراء كوكب الأرض؟ هل ثمة حياة خارجه؟ هل ثمة وحدة بين عالم ما تحت الذرة وعالم ما فوق الذرة؟ وفى هذا السياق هل فى إمكان علم الكون (الكسمولوجيا) أن يكون بديلاً عن علم ما بعد الطبيعة (الميتافيزيقا)؟





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» دين الإنترنت «140»   الإثنين 29 أغسطس 2016, 6:05 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين»
دين الإنترنت «140»


الثلاثاء 20 من ذو القعدة 1437 هــ 23 أغسطس 2016 السنة 141 العدد 47377

دين الإنترنت على غرار إنسان الإنترنت. والرأى الشائع أن ظاهرة الإنترنت وُلدت فى عام 1969 وكانت لأغراض تعليمية وعسكرية، ثم تمت مع بداية التسعينيات ببزوغ ظاهرة جديدة هى ظاهرة الحياة الدينية التى بدأت تتحرك من المعابد إلى الإنترنت. وبناء عليه لم تعد الممارسات الدينية فى حاجة إلى بناء مخصص للعبادة أو إلى علماء عقيدة أو إلى سلطة دينية. وقد وردت إلى ذهنى هذه الأفكار وأنا أقرأ كتابا صدر عام 2005 تحت عنوان «الدين والفضاء السَيبْرى» وهو عبارة عن اثنى عشر بحثا لعلماء فى علم الاجتماع الدينى وعلم اللاهوت وتاريخ الأديان والبحوث كلها منتقاة من مؤتمر دولى انعقد فى جامعة كوبنهاجن فى عام 2001، أى مع بداية القرن الحادى والعشرين تحت عنوان «الدين وكمبيوتر الاتصالات» والسؤال اذن: ما معنى الفضاء السيبرى؟

لفظ الفضاء هو المكان فى إطار الكون أما لفظ «سيبرى» فهو اختصار للفظ الأصلى «سيبرنطيقا» المشتق من لفظ يونانى ويعنى ربان السفينة أو الحاكم. واللفظ فى معناه العلمى يعنى الاتصال والتحكم فى الحيوان وفى الآلة وبفضله تمت صناعة الكمبيوتر. وقد صك هذا المصطلح أديب أمريكى اسمه وليم جيبسون فى عام 1948 وهو عبارة عن كمبيوتر يشتمل على كل معلومات العالم الذى نعيش فيه بحيث يمكن القول إنه يحاكى العالم أو إن شئت الدقة فقل إنه يحتوى على عالم افتراضى.

والسؤال بعد ذلك: ما العلاقة بين الدين والفضاء السيبرى؟ أو فى صياغة أخرى: ما العلاقة بين الدين والإنترنت؟ وفى حالة الصياغة الثانية يثار سؤال آخر:

هل الانترنت صالحة لتوليد دين أيا كان؟ وإذا كان الجواب بالايجاب فما هى خصائص هذا الدين؟ وبماذا يتميز عن أى دين آخر من الأديان القائمة على كوكب الأرض؟

وهل يكون محصورا فى الانترنت أم فى إمكانه أن يكون خارجه؟.


وقبل الجواب عن هذه الأسئلة ثمة مسألة فى حاجة إلى تنويه، وهى أن مصطلح «دين الانترنت» الذى صككته عنوانا لهذا المقال لم يكن واردا فى أبحاث ذلك الكتاب إنما الوارد هو التفرقة التى اصطنعتها أنا ستازيا كرافلوجا فى كتابها المعنون «الخطاب الدينى والفضاء السَيبرى» (2002) بين «الدين على الإنترنت» و«الدين فى الانترنت». الدين الأول يقصد به الدين الذى يولد فقط فى الفضاء السيبرى ويتمتع بدرجة من الواقع الافتراضى أما الثانى فيقصد به المعلومات الخاصة بأى دين سواء كان دين فرد أو دين مؤسسة والذى دفعنى إلى هذه التفرقة ما لاحظته على الانترنت من أنه فى الفترة من 1996 إلى 1997 وجدت صفحات بلغ عددها 865 وكلها عن طالبان ومع نهاية عام 2001 وصل عدد الصفحات إلى 329000 ومن هنا ينبغى النظر إلى هذه الزيادة فى ضوء الأحداث الارهابية الخاصة بـــــ11 سبتمبر 2001 والتى حدثت فى نيويورك وذلك بتدمير مركز التجارة العالمى إلا أن هذا الرصد يقف عند حد استخدام الإنترنت كوسيلة تكنولوجية وليس كوسيلة ابداعية لتوليد دين. أما إذا حدث هذا التوليد فيقال عن الدين، فى هذه الحالة، إنه دين الانترنت.

والسؤال إذن: كيف يكون ذلك؟ إن الانترنت تفرز بيئة ثقافية لمدينة كونية مغايرة للمدينة الأرضية. وقد تخيلها بوذى على النحو الآتى: رأى نفسه فى الحلم على هيئة فراشة فتساءل: هل أنا فراشة أحلم بأنى انسان أم أننى حلمت أننى فراشة؟ وترتب على هذين السؤالين سؤال آخر وهو على النحو الآتى: أين الحقيقة فى هذين السؤالين؟ أو فى صياغة أخرى: هل ثمة حقيقة؟ وأظن أن الجواب فى هذه الحالة يأتى بالسلب وإلا لم يكن ثمة مبرر لإثارته لأن الأغلب والأعم هو أن ثمة حقيقة، والمتشكك يصبح موضع اتهام كما حدث للفيلسوف «بروتاغوراس» فى العصر اليونانى القديم عندما أنكر الحقيقة فصدر حكم بإعدامه.

وإذا كان الجواب بالسلب فيمكن القول فى هذه الحالة إن دين الانترنت يأتى خاليا من المعتقد الذى هو، فى جوهره، حقيقة مطلقة لا تقبل التعددية وإذا خلا الدين من المعتقد فإنه يقف عند حد الإيمان المنفتح على بنى البشر أجمعين دون إقصاء وبذلك تمتنع الأسئلة التى يقال عنها إنها أسئلة ميتافزيقية وإذا لزم التوضيح وهو لازم فالسؤال اذن:

ما الميتافزيقا؟.

هذا الفظ معرب عن لفظ يونانى وهو يرادف بالعربية «ما بعد الطبيعة» والمقصود به العلم الذى يأتى بعد علم الطبيعة وموضوعه الوجود العام، أى المطلق أو الله. وقد ارتأى الفيلسوف الألمانى العظيم «كانط» أنه ليس فى مقدور العقل الانسانى قنص المطلق الذى هو الله، وبالتالى فإنه ليس فى مقدوره حسم الاختيار بين براهين إثبات وجود الله وبراهين عدم إثباته. وأظن أن «كانط» محق فيما يذهب إليه، لأن العقل الانسانى نسبى بحكم طبيعته الانسانية، ومن ثم فإدراكاته كلها نسبية وتدخل فى تناقض مع مطلقية الله وبناء عليه فإن الاشتغال بعلم الميتافزيقا أو ما بعد الطبيعة مضيعة للوقت والأفضل منه الاشتغال بعلم الكون أو «الكسمولوجيا». ولا أدل على ذلك من أن «الفضاء السَيبرى» يسمح لنا بالكشف عن بنية الكون وعن امتداد الكون إلى الحد الذى فيه يمكن القول إن «الكسمولوجيا» هى العصر الذهبى لعلم الفلك كما أنها العصر الذهبى للانسان بمعنى أنه فى الطريق إلى تأسيس الوعى الكونى الذى من شأنه أن يزيل اغتراب الانسان عن الكون إلا أن هذا الوعى الكونى لن يكون تاما إلا بوحدة الانسان مع الطبيعة. وهذه الوحدة تعنى تأنيسها إلا أن تأنيسها لن يكون تاما إلا ببزوغ انسان كونى.

فهل هذا فى الإمكان؟.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» «هناَ أرندت» واليهودية الليبرالية (141)   الثلاثاء 30 أغسطس 2016, 9:01 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين»
«هناَ أرندت» واليهودية الليبرالية (141)


الثلاثاء 27 من ذو القعدة 1437 هــ 30 أغسطس 2016 السنة 141 العدد 47384

والسؤال إذن: مَنْ هى هناَ أرندت؟ وما هى اليهودية الليبرالية؟


وما العلاقة بينهما؟ هناَ أرندت فيلسوفة ألمانية تتلمذت لفيلسوفين ألمانيين مشهورين هما مارتن هيدجر وكارل يسبرز. نالت درجة الدكتوراه وعمرها 22 عاماً، ولكنها هربت من ألمانيا إثر استيلاء هتلر على السلطة فى عام 1933. وفى عام 1940 رحلت إلى أمريكا حيث عينت فى نهاية المطاف أستاذة للعلوم السياسية بكلية المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية، وهى مدرسة تتميز بإعادة النظر فى مفهوم التنوير.

وفى عام 2013 صدر كتاب عنوانه الرئيسى إرث اليهودية الليبرالية وعنوانه الفرعى المحادثة المختبئة بين أرنست كاسيرر وهناَ أرندت. ثم أعيد نشره فى هذا العام وهو من تأليف ند كورثيز أستاذ الدراسات الانجليزية والثقافية بجامعة استراليا الغربية. وواضح من عنوان الكتاب بشقيه الرئيسى والفرعى أنه يدور حول العلاقة بين إرث اليهودية الليبرالية من جهة وآراء كل من كاسيرر وأرندت من جهة أخرى.

يتميز هذا الإرث بأن تاريخه متجدد فى مواجهة التحديات المعاصرة. وكانت لدى أرندت رغبة عارمة فى تبنى رؤية يهودية دنيوية، أى يهودية مشاركة فى الثقافة المعاصرة، وهى ثقافة يقال عنها إنها ثقافة ما بعد التنوير الألمانى اليهودى فى نهاية القرن الثامن عشر، وهى ثقافة تتميز باتجاهها نحو التأثير فى اليهود الذين هم ليسوا يهوداً بمعنى اليهود الذين تركوا المجتمع اليهودى أو هربوا منه، ومن أمثالهم الفيلسوف اليهودى سبنوزا. ومن هنا تركز اليهودية الليبرالية على أهمية التاريخ اليهودى فيما بعد الشتات- فى تشكيل الهوية اليهودية مع مراعاة تنوع المصادر الدينية والأدبية والثقافية فى اليهودية المعاصرة، وكذلك مع مراعاة دمج أفكار المفكرين من غيراليهود، من أمثال كانط، فى الفلسفة اليهودية. والغاية من كل ذلك أن تسهم اليهودية الليبرالية فى تكوين هوية يهودية ذات سمة علمانية ومتفاعلة مع العالم غير اليهودى حتى تصبح هوية إنسانية كونية فى مواجهة اليهودية القومية المنغلقة. وكانت أرندت فى هذه الرؤية متأثرة بأستاذها كاسيرر الذى كان قد ارتحل إلى أمريكا وبقى فيها حتى وفاته فى عام 1945. كان ناقداً حاداً للفلسفة الحديثة التى وقعت فى براثن المذاهب المادية التى كانت شائعة فى القرن التاسع عشر، كما كان ناقداً حاداً لاشتراكية هتلر التى هيمنت على الفكر الأوروبى، ومن هنا كان انحيازه للتنوير على نحو مايراه كانط والمتمثل فى سلطان العقل والذى بمقتضاه يكون الفيلسوف هو المشرع للعقل الانسانى. وفى هذا السياق كان كاسيرر ناقداً حاداً للفيلسوفين الألمانيين هيدجر و شبنجلر اللذين كانا لهما تأثير هائل على العقل الألمانى فيما بين الحربين العالميتين من حيث تنبؤهما بانحلال الحضارة. الأول وهو هيدجر كان يقول عن الانسان إنه المُلقى، أى إنه الموجود الذى يولد بلا هوية. وعند تأسيسه لهويته فإنه يؤسسها فى إطار حياته مع الناس ومن ثم يفكر كما يفكر الناس ويحكم كما يحكم الناس، أى يصبح مجرد نسخة من كائن بلا اسم هو الناس وبذلك يقضى الإنسان الفرد على فردانيته، أى على وجوده الحقيقى.

أما هناَ أرندت فلم تكن ترى فى التنوير ما كان يراه أستاذها كاسيرر من حيث رؤيته للعقل ،على أنه مجاوز للزمان وللتاريخ، بل كانت على الضد من ذلك إذ كانت ترى العقل فى مسار الزمان والتاريخ. وأظن أن سبب ذلك مردود إلى انشغالها بالمسألة اليهودية. ولا أدل على صحة هذا الظن من أنها نشرت مقالا فى عام 1932 عنوانه التنوير والمسألة اليهودية وجاء على النحو الذى ارتأته. وبعد ذلك نشرت مقالاً فى عام 1943 عنوانه يحتمل رفاهية الانسحاب من العالم بل هو على الضد من ذلك، إذ وهو ينتقل من بلد إلى آخر يكون فى الوقت نفسه من طليعة هذا البلد أو ذاك. ومعنى ذلك أن التاريخ اليهودى ليس منفصلاً عن تاريخ البلدان الأخرى. وإذا قيل عن اليهودى المهاجر إنه يهودى منبوذ فرأى هناَ أرندت أن هذا المنبوذ هو أيضا فى علاقة حميمة مع الشعب الذى يحيا معه. ومن ثم يكون اليهودى كمهاجر أو كمنبوذ تراثاً مستتراً فى الشتات اليهودى. ومن هنا جاء اهتمام أرندت بتحليل الشخصية اليهودية فارتأتها شخصية مكتسبة، ولكن بالرغم من أنها مكتسبة فإنها لا تبارح اليهودى وبالذات يهودى الشتات الذى يرتهن سعادته باحترام مبدأ الاختلاف، ومن هنا فإن شعاره لا أحد يكون حراً إلا إذا أصبح الكل أحراراً. ومن هنا يقال إن الالتزام بالثقافة اليهودية التزام فى الوقت نفسه بتحرير الانسان فى أى بلد كان.

وأظن أن رؤية هناَ أرندت جديرة بأن نكون على وعى بها فى ضوء تنفيذ بنود المعاهدة المصرية الاسرائيلية التى من أهمها البند الثالث من المادة الثالثة وهو على النحو الآتى:

يتفق الطرفان على أن العلاقات الطبيعية التى ستقام بينهما ستضمن الاعتراف الكامل بالعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية، وانهاء المقاطعة الاقتصادية والحواجز ذات الطابع المتميز المفروضة ضد حرية انتقال الأفراد والسلع.

ومغزى هذا البند أن التطبيع الثقافى لازم من لزوم المعاهدة، ومن ثم فإن منعه يعنى عودة العلاقات بين البلدين إلى ما كانت عليه قبل المعاهدة، أى إلى العداوة. والمفارقة هنا أن مَنْ يدعو إلى التطبيع الثقافى يتهم بالخيانة من المثقفين المصريين.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» حوار بين ملحد ومسلم عَلمانى «241»   الأربعاء 07 سبتمبر 2016, 1:48 am



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين»
حوار بين ملحد ومسلم عَلمانى «241»


الثلاثاء 4 من ذو الحجة 1437 هــ 6 سبتمبر 2016 السنة 141 العدد 47391

إذا شئت أن تقرأ ما بعد عنوان هذا المقال فبها ونِعْمت، وإذا لم تشأ فأنت لن تكون على وعى بأسباب ما يجرى فى هذا القرن من أحداث إرهابية ترتكبها عقول قاتلة تزعم أنها تمتلك الحقيقة المطلقة وعلى الآخرين امتلاكها وإلا فمصيرهم القتل.

والسؤال بعد ذلك: مَنْ هو هذا الملحد ومَنْ هو ذاك المسلم العلمانى؟

الملحد اسمه سام هاريس (1967-؟) فيلسوف أمريكى مشهور بكتابه المعنون “ نهاية الايمان” (2004). أما المسلم العلمانى فاسمه ماجد نواز (1978؟). وُلد فى بريطانيا ومشهور بكتابه المعنون “ الراديكالى” . كان عضواً فى حزب التحرير الاسلامى الذى كان قد تأسس فى القدس فى عام 1953 إثر إحساس بأزمة فى الهوية الاسلامية بسبب تأسيس دولة اسرائيل فى عام 1948 فارتأى ضرورة احياء الخلافة الاسلامية، والطريق إلى ذلك تشكيل ذهنية الرأى العام الاسلامى من أجل تأسيس جماعات مسلحة فى البلدان التى بها غالبية اسلامية مثل مصر وتركيا وباكستان. انضم نواز إلى ذلك الحزب وكان عمره 16 سنة، وكان مملوءاً بالأشجان إلا أن الأشجان لاتكفى لكى يصبح الانسان راديكالياً، إذ من اللازم تحولها إلى معتقد مطلق. وفى هذا السياق تمدد حزب التحرير الاسلامى إلى الأردن وسوريا والعراق و تركيا ، ومنها إلى جنوب آسيا. ونواز نفسه انشغل بترحيل اسلاميين ثوريين من بريطانيا إلى باكستان والدنمارك ومصر. وكان التركيز، فى عملية التجنيد، على ضباط الجيش لأنهم الوسيلة الوحيدة إلى إحداث انقلابات عسكرية. وقد حدث أثناء ذلك الانشغال أن وصل نواز إلى مصر فاعتقلته السلطة المصرية من عام 2001 إلى عام 2006. وإثر الافراج عنه ترك الحزب وتخلى عن آرائه الاسلامية الراديكالية. وفى عام 2015 صدر الحوار بين هاريس ونواز فى كتاب عنوانه “ الاسلام ومستقبل التسامح”. فى بداية الحوار قال هاريس لنواز “ إننى أختلف معك ولكنى أدعمك”. ورد نواز قائلاً: إن غايتنا المشتركة دفع الآخرين إلى الديمقراطية والعلمانية. ومن هذين القولين نخلص إلى أن الحوار لا يعنى مقارعة الحجة بالحجة لأن لكل حجة حجة مضادة ، إنما يعنى البحث عن مشروع مشترك.والسؤال اذن: ما هو هذا المشروع المشترك ؟ لفظ المشروع فى اللغة العربية كما فى اللغة الأجنبية يعنى رؤية مستقبلية، ومن ثم يكون البحث عن مشروع مشترك يعنى البحث عن رؤية مستقبلية مشتركة بين الملحد هاريس والمسلم العلمانى نواز. يبدأ نواز بالتفرقة بين الاسلاميين والجهاديين من حيث إن الاسلاميين هم الذين يشتهون تطبيق الشريعة على المجتمع فى حين أن الجهاديين هم الذين يستعينون بالسلاح. ثم يميز بين أربع فرق اسلامية وهم الاسلاميون والجهاديون والمحافظون والاصلاحيون. المحافظون هم الملتزمون بالقيم الاسلامية التقليدية. والاصلاحيون هم الذين لديهم تأويلات صالحة لهذا الزمان. وفى هذا السياق أنشأ نواز مؤسسة أطلق عليها لفظ “ كويليام” دعا فيها إلى اسلام علمانى يمكن أن يضم المحافظين والاصلاحيين الذين من الممكن أن يكونوا علمانيين. ومع ذلك فإن نواز يقر بأن الغلبة حتى الآن للاسلاميين الذين يؤمنون بضرورة الاستشهاد وكذلك الغلبة للجهاديين الذين هم ملتزمون بممارسة العنف دون الالتزام بممارسة طقوس المعتقد المطلق، وهم الذين كانوا وراء أحداث 11/9.

وسواء كنت اسلامياً أو جهادياً فإنه من المسموح لك أن تخدع العدو وذلك بأن تمارس أنواعاً من الملذات تكون متعارضة مع الايمان. غير أن هذا الخداع لن يمنعك من الذهاب إلى فردوس النعيم. ولا أدل على ذلك من انتهاك بوكوحرام لأعراض النساء. ولهذا فإن هزيمة الاسلاميين أو الجهاديين عسكرياً ليست كافية. ولا أدل على ذلك من أن قتل بن لادن لم يمنع من حدوث ما هو أسوأ والمفارقة هنا أن بن لادن نفسه كان يتوهم غرس قيم الديمقراطية ببرميل من البارود. والسخرية هنا أن أوباما توهم أن فى إمكانه غرس نفس هذه القيم بدون هذا البرميل فاشتد تحكم الاسلاميين حتى ساد تيار “ الدولة الاسلامية” الذى اسمه “ داعش”. ومن هنا يكون من اللازم الانشغال بمعرفة هوية داعش. ومع ذلك فإن نواز يحذرك من أن تقول عن هذه الهوية بأنها متطرفة لأنك فى هذه الحالة ستضطر إلى أن تدعو إلى اصلاح الدين ذاته لأن داعش ذاتها تبرر أفعالها قرآنياً. والسؤال اذن: ما البديل؟ كان جواب هاريس أن البديل هو نشر العلمانية فى المجتمعات الاسلامية. إلا أن نقطة الضعف فى هذا البديل أنه يُنظر إليه على أنه قاتل للهوية الدينية. وكان رد نواز أن هذا البديل ممكن إذا تحالف الاصلاحيون والاسلاميون مع غير الاسلاميين للتعامل بروح نقدية مع التخوف من قتل هذه الهوية. إلا أن هذا التحالف ليس وارداً حتى الآن، وبالتالى فإن البديل يمكن أن يكون فى تحالف المسلمين المعتدلين والليبراليين لمساندة المسلمين ضد المتطرفين.إلا أن هاريس كان له رأى آخر وهو إجراء حوار صريح حول التعصب الاسلامى لتغيير ذهنية ملايين من البشر.

والرأى عندى أن هذا الرأى ممكن إذا أٌخذ بتعريفى للعلمانية على أنها التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق. وفى هذا السياق يمكن اجراء حوار بين ملحد ومسلم علمانى.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» نهاية مناضل أصولى «143»   السبت 17 سبتمبر 2016, 12:29 am





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين»
نهاية مناضل أصولى «143»


الثلاثاء 11 من ذو الحجة 1437 هــ 13 سبتمبر 2016 السنة 141 العدد 47398

هذا المناضل الأصولى اسمه كارل مكِنْتير، وهو قس فى كنيسة مشيخية بأمريكا ورئيس المجلس الدولى للكنائس المسيحية فى مواجهة حادة ضد مجلس الكنائس العالمى. وإذا قيل إن الأضداد فى تماس فهذا القول يصدق على المجلسين، إذ التماس بينهما حدث فى أمستردام عاصمة هولنده فى أغسطس من عام 1948 حيث تم تأسيس المجلسين. وإذا قيل أيضاً إن ثمة وحدة وصراعا بين الأضداد فهذا القول أيضاً يصدق على المجلسين. والسؤال اذن: أين الوحدة الكامنة فى هذا التضاد؟ إنها كامنة فى السياسة الأمريكية الدولية التى دعا إليها وزير خارجية أمريكا جون فوستر دالاس فى كتابه المعنون « حرب أم سلام» (1950). ومفاد الدعوة أن العدو هو الحزب الشيوعى السوفييتى بزعامة ستالين أو هو بالأدق ستالين ذاته، وأنه لابد من القضاء عليه بطريقين: طريق سلبى هو طريق المعونات الاقتصادية والعسكرية، وطريق آخر ايجابى يكمن فى توحيد القوى الدينية والروحية فى القارات الثلاث للقضاء على الالحاد الذى يروج له ذلك الحزب ورئيسه.

هذا عن الوحدة فماذا عن التضاد؟

إن التضاد كامن فى أن مجلس الكنائس العالمى، فى رأى مكنتير، وثنى النزعة بنكهة اشتراكية. ومن أجل ذلك دعا إلى تأسيس المجلس الدولى للكنائس المسيحية لكى تكون نقية من الوثنية التى تتمثل فى حالة « الارتخاء» بين القوتين العظميين والتى يؤيدها مجلس الكنائس العالمى والتى كان قد أقرها الرئيس نيكسون فى عام 1972 عندما أبرم معاهدة مع الاتحاد السوفييتى للحد من الأسلحة النووية، ومن ثم لتخفيض التوتر.

وقد ازداد مكنتير قوة مع نشأة « حزب الأغلبية الأخلاقية» بزعامة قس من الكنيسة المعمدانية اسمه جيرى فولول فى عام 1979. ولم يكن هذا القس، فى البداية، على قناعة بتسييس الدين لأنه كان يرى أن مهمة الأصولى ليست فى أن يكون سياسياً إنما فى أن يكون رابحاً للنفوس. ولكنه بتأثير من مكنتير تحالف الحزبان، ومن ثم ازداد مكنتير قوة أكثر وبالأخص عندما ألقى الرئيس ريجان خطاباً أمام الجمعية الوطنية للانجيليين فى مدينة أورلاندو تحدث فيه عن «امبراطورية الشر» وكان يقصد بها الكتلة الشيوعية. وفى حينها قال مكنتير لريجان «إن الله يستخدمك بطريقة متفردة لم نعهدها من قبل». وفى هذا السياق أعلن مكنتير عن خطة لتأسيس السلام فى الشرق الأوسط إثر حرب الخليج فى عام 1990. إلا أن هذه الخطة كانت قد وردت إلى ذهنه فى عام 1978 وأوحى بها إلى كارتر. وكان الانجيل أساس هذه الخطة فى اطار الفهم الصهيونى المسيحى لمزمور 122 الذى جاء فيه أن « أورشليم المبنية كمدينة متصلة كلها»، وكذلك لسفر « خروج»، أية 12 « والتى تنص على أنه بعد إقامة استغرقت أربع مائة وثلاثين سنة خرجت جميع أجناد الرب من مصر إلى أورشليم». والمفارقة هنا أنه بعد أن وصل عدد أتباعه إلى عدة ملايين تخلوا عنه ولم يتبق سوى خمسون، إذ طالبوه بالتنحى عن الزعامة، إلا أنه رفض. وفى 19 مارس من عام 2002 مات مكنتير وعمره خمسة وتسعون عاماً.

والسؤال اذن: لماذا طالبوه بالتنحى؟ قيل أولاً إنه كان يناضل من أجل النضال وليس من أجل قضايا. وقيل ثانياً إن العمل معه يكسر القلوب، إذ هو عاشق لذاته ومتمركز حولها. وقيل ثالثاً إنه يحرض على تسييس الدين وهو أمر غير مرغوب. وهذا كله قيل فى كتاب عنوانه الرئيسى « مناضل أصولى» وعنوانه الفرعى « كارل مكنتير وتسييس الأصولية الأمريكية» (2016). وكان عام 1961 بداية التفاتى إلى كل من المجلسين: مجلس الكنائس العالمى والمجلس الدولى للكنائس المسيحية. قرأت عن الأول كتاب صدر عنه تحت عنوان « الكنائس والتغير الاجتماعى السريع» (1961) وباشراف بول أبرخت رئيس لجنة الكنيسة والمجتمع» وهو فى الوقت نفسه رئيس برنامج اسمه « المسئولية المسيحية المشتركة: نحو مناطق التغير الاجتماعى السريع». وبالذات منطقة الشرق الأوسط. وأهمية هذا البرنامج تكمن فى أن التغير الاجتماعى هو الوسط الذى يعمل من خلاله الله لكى يوقظ العالم من جديد. وهذه العبارة تعنى أن الله هو الحاكم لهذا التغير، وهو معنى قريب من معنى الحاكمية لله عند سيد قطب. ومن هنا نشأت علاقة عضوية بين مجلس الكنائس العالمى والمركز الاسلامى الذى أسسه سعيد رمضان فى عام 1961 فى جنيف، وهو يقع بجوار مجلس الكنائس العالمى. وقرأت عن الثانى كتاب صدر عن رئيسه كارل مكنتير تحت عنوان « موت كنيسة» (1967) وكان يقصد بها الكنيسة المسيحية المتحدة. وقد ماتت لأنها فى رأيه أيدت انتخاب يوجين كارسون بليك سكرتيراً عاماً لمجلس الكنائس العالمى، ومأساة هذا الرجل أنه كرس مواهبه للترويج للالحاد واحتضان الشيوعيين، وبذلك ألغى الصراع الحاد بين الأصوليين والليبراليين. وبعد ذلك تواصلت قراءاتى ليس فقط فى الأصولية المسيحية إنما فى الأصوليات الدينية بوجه عام. وفى عام 1995 أصدرت كتاباً عنوانه «الأصولية والمسيحية فى الشرق الأوسط» كان ثمرة ندوة عقدتها فى عام 1988 ببريتون بانجلترا. وخلاصة القول أنك لن تستطيع فهم الصراعات فى هذا الزمان بمعزل عن الأصوليات الدينية لأن الارهاب أعلى مراحلها.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» أوباما أصولى متواطئ (144)   الأربعاء 21 سبتمبر 2016, 2:55 am





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين»
أوباما أصولى متواطئ (144)


الثلاثاء 18 من ذو الحجة 1437 هــ 20 سبتمبر 2016 السنة 141 العدد 47405

فى 7/4/2014 نشرت مقالاً فى جريدة «المصرى اليوم» تحت عنوان «أصولى فى البيت الأبيض» جاء فيه إنه عندما انتخب أوباما رئيساً لأمريكا وجد ستة من الأصوليين الاسلاميين فى البيت الأبيض فدخل فى علاقة عضوية معهم، ثم امتد بهذه العلاقة إلى العالم الاسلامى. ولا أدل على ذلك من العبارة التى وردت فى خطابه فى جامعة القاهرة فى 4/6/2009 حيث قال إن الشراكة بين أمريكا والاسلام يلزم أن تستند إلى حقيقة الاسلام وليس إلى ما هو غير اسلامى. إلا أنه لم يعثر على حقيقة الاسلام إلا عند الاخوان المسلمين، أو بالأدق عند الأصولية الاسلامية التى تستند إلى فكر ابن تيمية الذى يُبطل إعمال العقل فى النص الدينى فيرادف بين العقل والحواس، وينتهى إلى ضرورة سيادة السمع والطاعة. وفى هذا السياق أعلن أوباما صراحة أن على الاخوان المسلمين الاستيلاء على السلطة، وقد كان إثر قيام ثورة 25 يناير وهروب الاخوان من المعتقلات وذهابهم إلى ميدان التحرير فى الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر من يوم 28 يناير ثم التفاهم مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة على الإذن لهم بتولى السلطة، وقد كان. وعندما عاثوا فساداً فى الدولة وفككوها قامت ثورة 30 يونيو وطردتهم من السلطة واستدعت المشير عبد الفتاح السيسى لكى يكون رئيساً للدولة. وهنا ثار أوباما وطالب بتنحيته وعودة الاخوان المسلمين. ومن هنا يمكن القول بأنك إذا أردت أن تكون على وعى بسياسة أوباما الخارجية فيلزم أن يكون حزب الاخوان المسلمين هو المدخل من أجل توليد هذا الوعى.

والسؤال بعد ذلك: هل أنا على صواب فى هذا السرد؟ استعنت فى الجواب عن هذا السؤال بكتاب صدر عن جامعة أكسفورد فى العام الماضى تحت عنوان رئيسى «نظرية أوباما» وعنوان فرعى «الاستراتيجية العظمى لأمريكا اليوم». والمؤلف مفكر سياسى أمريكى اسمه كولن ديوسك. خلاصة رأيه أن أوباما يتجنب الخوض فى الشئون الدولية لكى يتفرغ للاصلاحات الليبرالية الداخلية. ولا أدل على ذلك من أنه فى خطبه السياسية يوحى إليك بأنه يتحدث فى الشئون الدولية ولكنه لا يرغب فى فرضها على الواقع، إذ ليس لديه أى احساس بالمسئولية الأخلاقية إزاء السياسة العالمية، ومع ذلك فعندما اعتلى أوباما منصة الرئاسة وجد نفسه أمام حرب كانت قد شنتها أمريكا قبل عام 2001 ضد الجهاديين الارهابيين فارتأى أن إعلان إنهاء الحرب قد يكون مدخلاً إلى السلام. إلا أن رؤيته كانت خائبة لأن تنظيم القاعدة أعلن مواصلة الحرب. وهكذا أساء أوباما الفهم فى معرفة مكمن الخطر، إذ كان هذا التنظيم قد أعد نفسه لإحداث تكامل بين الجماعات الارهابية والاسلاميين الوطنيين والمجرمين المحليين واسقاط الحكومات العلمانية واسترداد الأراضى الاسلامية المحتلة . وكان الأجدر بأوباما البحث عن سياسات اقتصادية وتكنولوجية ومخابراتية من أجل هزيمة الجهاديين الارهابيين. هذا مع ملاحظة أن الذهنية الارهابية تدور حول ضرورة طرد الغرب من العالم الاسلامى واسقاط الحكومات والحصول على أسلحة الدمار الشامل. ومع ذلك فإن أوباما يصر على أن الحرب ضد الارهاب قد انتهت.

واللافت للانتباه هاهنا أن المفكر السياسى الأمريكى مؤلف كتاب «نظرية أوباما» قد ألمح إلى ثلاث ملاحظات سريعة من غير أن يتعمقها مع أنها محورية، وهى على النحو الآتى: لزوم التعاون مع مصر إلى أقصى حد فى محاربة الارهاب. الرعب من مولد عراق أخرى على غرار عراق صدام حسين. لزوم وجود قائد قادر على اتخاذ قرارات فى مجال السياسة الخارجية دون اعتبار للرأى العام، وبالتالى دون اعتبار لمتطلبات الديمقراطية التى تعنى حكم الشعب بالشعب من أجل الشعب. والرأى عندى هو على النحو الآتى: القول صحيح بلزوم التعاون مع مصر فى مكافحة الارهاب، ولكن الأصح يكمن فى ضرورة الجواب عن السؤال الآتى: لماذا هذا اللزوم؟ لأن مصر هى مصدر الارهاب والسؤال بعد ذلك: لماذا هى كذلك؟ ضد إحياء الخلافة الاسلامية التى انتهت فى عام 1924 بقرار من كمال أتاتورك. وجاء صدور كتاب الشيخ على عبد الرازق المعنون «الاسلام وأصول الحكم» فى عام 1925، أى بعد عام من إنهاء الخلافة الاسلامية تأييداً بطريق غير مباشر لكمال أتاتورك.

وقد يقال رداً على هذا الرأى بأن هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف قد أصدرت حكماً باجماع الآراء باخراج الشيخ على عبد الرازق من زمرة العلماء ومصادرة كتابه. وتأييداً لهذا الحكم تأسس حزب الاخوان المسلمين فى عام 1928، أى بعد ثلاث سنوات من إصداره. وكانت الغاية من تأسيسه إحياء الخلافة الاسلامية ليس فقط فى العالم الاسلامى بل على كوكب الأرض. والرئيس أوباما فى سياسته الخارجية يسير فى هذا الاتجاه، وهو اتجاه معاكس لما تسير فيه مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى وكان ينبغى أن يكون التعاون معه هو جوهر السياسة الخارجية الأمريكية. الرعب من مولد عراق أخرى وارد بالضرورة. صحيح أن أمريكا انتصرت على العراق عسكرياً ولكنها هُزمت ايديولوجياً لأن «داعش» هى العراق بعد الهزيمة. وإذا قيل إن قيادة أوباما للسياسة الخارجية «لغز» على نحو ما يتصور الأمريكيون فهو تصور واهم، إذ هو فى أعماقه أصولى متواطئ مع الاخوان المسلمين فى إحياء الخلافة الاسلامية.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» ثورة فكرية فى جامعة القاهرة (145)   الأربعاء 28 سبتمبر 2016, 3:29 am



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين»
ثورة فكرية فى جامعة القاهرة (145)


الثلاثاء 25 من ذو الحجة 1437 هــ 27 سبتمبر 2016 السنة 141 العدد 47412

فى مساء الثلاثاء 20/9/2016 هاتفنى رئيس جامعة القاهرة الأستاذ الدكتور جابر نصار وأبدى رغبة فى لقائى كانت موضع اعتزاز لسببين: السبب الأول أنها رغبة تأتى من رئيس جامعة متميز بفكره الثورى وبأدائه المبدع. والسبب الثانى أننى لست عضوا بهيئة تدريس جامعة القاهرة، إنما أنا أستاذ متفرغ للفلسفة بجامعة عين شمس. وفى هذه المكالمة قال إنه يريد أن أُسهم معه فى إحداث تيار رشدى فى جامعته، أى تيار يستند إلى فلسفة ابن رشد للقضاء على الفكر المتطرف المهدد لعقول الطلاب. وفى الساعة الرابعة من بعد ظهر 22/9/2016 تم اللقاء بمكتبه وقد استغرق ساعة وربع الساعة، وفيه أبدى رغبة فى أن أكون مشاركا فى الموسم الثقافى للجامعة فى هذا العام، أو بالأدق مشاركا فى تحرير ذهنية الطلاب والطالبات من فكر ابن تيمية وتنويرهم بفكر ابن رشد، خاصة أن أوروبا فى القرن الثالث عشر ترجمت مؤلفات هذا الفيلسوف الاسلامى العظيم لإحداث تيار أطلقوا عليه اسم «الرشدية اللاتينية» فى حين أن العالم الاسلامى قد قام بدفنه هو وفلسفته منذ ذلك القرن حتى الآن. ومن هنا استجبت لدعوته بلا تردد، إذ فى عام 1977 ألقيت بحثاً فى مؤتمر للفلسفة الاسلامية بسان فرنسسكو بأمريكا وكان عنوانه «ابن رشد والتنوير». وفى عام 1979 ألقيت بحثا فى مؤتمر «الاسلام والحضارة» بالقاهرة عنوانه «مفارقة ابن رشد» ومفادها أن ابن رشد ميت فى الشرق حى فى الغرب. وفى هذا السياق جاء فكر الأستاذ الدكتور جابر نصار مواكباً لفكرى. ثم استطرد سيادته قائلاً: لقد نشرنا كتبا تنويرية من بينهامستقبل الثقافة فى مصر لطه حسين و«الاسلام وأصول الحكم» للشيخ على عبد الرازق و «دليل المسلم الحزين» لحسين أحمد أمين. ثم أجرينا مسابقات ثقافية حول هذه الكتب وعقدنا ندوات حولها. هذا بالاضافة إلى إقامة مسرحيات وحفلات غنائية، وكلها تشى بأنها ذات طابع حضارى افتقدناه منذ بزوغ الأصوليات الدينية فى مصر ابتداء من منتصف السبعينيات من القرن الماضى مع ما لازمها من رأسمالية طفيلية تعملان سويا وبسرعة فائقة لإدخال مصر فى مجال التخلف بالعنف والقتل. وأظن أن كل ذلك النشاط من شأنه أن يشى بإرهصات لثورة فكرية.

وفى نهاية اللقاء قلت لرئيس الجامعة إننى ألتقى فى «منتدى ابن رشد» مع مثقفين متنورين فى جلسة شهرية منذ عام 2001، وأنا أرجو الالتقاء بهم فى موعد لاحق فوافق بلا تردد ثم استطرد قائلا: «أريد فى هذا اللقاء القادم أن ننتهى إلى صياغة «روشتة» إجرائية لتطبيق خطة تنويرية مع وضع آليات لهذا التطبيق لنرسلها إلى مؤسسات الدولة بوجه عام، وإلى مؤسستى التعليم والثقافة بوجه خاص لمواجهة الأفكار المتطرفة.

وفى اليوم التالى من اللقاء نشرت جريدة «الأهرام» حوارا أجرته مع الأستاذ الدكتور جابر نصار بمناسبة العام الدراسى الجديد. وأنا هنا أنتقى جزءا من هذا الحوار وهو على النحو الآتى: سنبذل مجهودا كبيرا فى هذا العام برؤية فلسفية جديدة تحقق كل ما هو علمى ومفيد للجامعة ولطلابها. ولهذا فإن الموسم الثقافى سيكون موسما تنويرياً. ثم تساءل: لماذا أحرقنا مؤلفات ابن رشد وسادت لدينا أفكار ابن تيمية فانتشر التطرف والعنف والارهاب؟! كما أشار رئيس الجامعة إلى أن لديه رؤية تقوم على تفكيك بنية التطرف ومنع الجماعات المتطرفة من احتضان الطلاب والسيطرة على أفكارهم، كما أننا لن نعطى فرصة تمكن الجماعات المتطرفة من استقبال الطلاب ومغازلة أفكارهم.

خلاصة هذا الحوار أن لدى رئيس جامعة القاهرة الأستاذ الدكتور جابر نصار مشروعين: أحدهما تنويرى رشدى، وآخر يمكن أن يقال عنه إنه تعليم بالابداع. وإذا حدث تجسيد لهذين المشروعين فيمكن القول إن هذا التجسيد هو استدعاء لوضع قادم كان من الممكن أن يكون ملازماً لتدمير الوضع القائم الذى كان موجودا قبل ثورة 25 يناير وكان مهيمناً على مصر منذ سبعة آلاف سنة تحت اسم «الدولة الفرعونية».

والجدير بالتنويه هاهنا أن الرئيس عبد الفتاح السيسى فى خطابه التاريخى الذى ألقاه فى 21/9/2016بمناسبة انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة إذ قال: «لقد أضحت ظاهرة الارهاب بما تمثله من اعتداء على الحق فى الحياة خطراً دامغاً على السلم والأمن الدوليين فى ظل تهديد الارهاب لكيان الدولة لصالح ايديولوجيات متطرفة تتخذ من الدين ستارا للقيام بأعمال وحشية والعبث بمقدرات الشعوب الأمر الذى يستلزم تعاونا دوليا واقليميا كثيفا.

ولقد حرصت مصر دوماً على التأكيد على أن التصدى للارهاب والمواجهة الحازمة للتنظيمات الارهابية والعمل على التصدى للايديولوجيات المتطرفة المؤسسة للارهاب ومروجيها. ويمر العالم الآن بمفترق طرق، فلم تعد تهديدات السلم والأمن الدوليين تقليدية بل أصبحت تمس ثوابت الحضارة الانسانية».

والسؤال التحدى هو على النحو الآتى: هل فى إمكان النخبة الثقافية المصرية بوجه عام القدرة على أن تكون فى صدارة المواجهين للارهاب؟ وهل فى إمكان الجامعات المصرية بوجه خاص الانخراط مع جامعة القاهرة فى تأسيس تيار رشدى يحدث تأثيراً دولياً للقضاء على جذور الارهاب وإلى إعادة الحضارة الاسلامية إلى الحضارة الانسانية؟





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» حقوق الإنسان فى زمن الإرهاب (146)   الثلاثاء 04 أكتوبر 2016, 8:30 pm

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين»
حقوق الإنسان فى زمن الإرهاب (146)


الثلاثاء 3 من محرم 1438 هــ 4 أكتوبر 2016 السنة 141 العدد 47419

ثمة مفهومان آخران يلازمان ما ورد فى عنوان هذا المقال وهما الديمقراطية والكوكبية. لفظ الديمقراطية مشتق من اللفظ اليونانى democratia. وكان هذا اللفظ يعنى عند أفلاطون حكومة الفوضى وصراع الطبقات.

وأظن أن الذى دفع افلاطون إلى كراهيته للديمقراطية حادثان مأساويان: الحادث الأول هو إعدام سقراط بدعوى أنه ينكر الآلهة ويفسد عقول الشباب. والحادث الثانى هو هزيمة أثينا فى حربها ضد اسبرطة فغادر أثينا ولم يعد إليها إلا بعد إحدى عشرة سنة. ولكنه لم يقم بتدريس الفلسفة فى الأسواق كما كان يفعل سقراط ولكن فى الأكاديمية التى بناها لكى يعزل الفلسفة عن الجماهير. وسواء كانت الفلسفة فى الأسواق أو فى الأكاديمية فإنها تعنى فى الحالتين أنها حالة عقلية وليست حالة سياسية، وقد تكون هذه الحالة منفتحة أو منغلقة. وقد كانت منغلقة منذ أفلاطون ولمدة ألفى عام. وكان النظام الملكى المطلق هو المعبر عن هذه الحالة العقلية المنغلقة. وعندما قامت الثورة الفرنسية للقضاء على ذلك النظام الملكى المغلق كان المدافع عنه هو الفيلسوف الايرلندى إدموند بيرك.

كان بيرك ضد حقوق الانسان لأن هذه الحقوق من شأنها دفع الجماهير إلى المطالبة بالاستيلاء على السلطة. وبيرك لا يثق فى حِكمة الجماهير، ويرى أن المساواة فى الديمقراطية ضد الطبيعة. ومن هنا قال عنها أولاً إنها «قانون العدد» وهو قانون ضد الطبيعة، وقال عن غالبية الجماهير إنه ليس لديها مفهوم واضح عن مصالحها. ومن هنا ثانياً حارب القول بأن العقل صفحة بيضاء من أجل التحرر من التراث. ومن هنا قال ثالثاً عن العقل إنه جملة انحيازات. والسؤال اذن: ما هى خصائص الثورة المضادة؟ إنها ضد التنوير، أى ضد سلطان العقل. وفى السبعينيات من القرن الماضى أصبح بيرك الأب الروحى للأصولية المسيحية التى أسسها القس جيرى فلول فى عام 1979 من أجل «توجيه المدافع اللاهوتية ضد الليبرالية والنزعة الانسانية والعلمانية».

والأصولية الاسلامية مماثلة للأصولية المسيحية وتمثلها الجماعات الاسلامية بزعامة المودودى (باكستان) وسيد قطب (مصر) وخومينى (ايران). وكان يرى هؤلاء الثلاثة أن كلاَ من الغرب الرأسمالى والشرق الشيوعى يمثل معسكر الجهل الذى يلزم القضاء عليه دفاعاً عن الله. والسؤال اذن: ماذا يعنى لفظ «جهل»؟ إنها، فى رأى سيد قطب، عصور النهضة والاصلاح الدينى والتنوير فى أوروبا، وأن من واجب المجاهدين الاسلاميين إزالة هذه العصور ولكن بشرط أن تتم هذه الإزالة بالحروب الدينية وليس بالوسائل السلمية. وقد بلوَر هذا الشرط على شريعاتى منظَر الثورة الايرانية وذلك فى كتابه «سوسيولوجيا الاسلام» (1979) وفيه يحاول فهم التاريخ بألفاظ دينية. يقول إن قصة هابيل وقابيل هى بداية حرب مازالت مستمرة. وكان الدين هو سلاح كل منهما. ولهذا فإن حرب دين ضد دين هو الثابت الذى لا يتغير فى تاريخ البشرية. فمن جهة لدينا دين الشرك ويعنى وجود شركاء لله، ومن جهة أخرى لدينا دين التوحيد، ويعنى أن الله واحد وهو الذى يبرر وحدة الطبقات ووحدة الأجناس. وتأسيساً على هذه الحرب الحتمية بين الشرك والتوحيد يتبنى على شريعاتى أهم مبدأ جوهرى فى الاسلام وهو قدرة الانسان على أن يقدم ذاته شهيداً. وفى هذا المعنى يمكن القول بأن الموت لا يختار الشهيد إنما الشهيد هو الذى يختار الموت. ومن هنا فإن المسلم الحق هو الشهيد المجاهد. أما أنا فأرى أن هذا الشهيد المجاهد هو الذى ينتحر بتفجير قنبلة فى ذاته، أو فى صياغة أخري، هو الارهابى المولود فى عصر كوكبى يتميز بإرساء الديمقراطية.

وهنا يثار السؤال الآتي: ما معنى الكوكبية؟ إنها فى اللغة العربية تعنى كوكب الأرض، وفى اللغة الأجنبية تعنى هذا المعنى أيضا لأنها مشتقة من اللفظ اللاتينى globus الذى يعنى كوكب الأرض.

والسؤال بعد ذلك؟ ماذا حدث لكوكب الأرض حتى نقول كوكبية؟ بفضل الانترنت والبريد الالكترونى والتجارة الالكترونية ماتت المسافة زمانياً ومكانياً، ومن ثم ماتت الفواصل ووُلد الاعتماد المتبادل، ومن ثم أصبح كل شئ يتصف بالكوكبية، وبالتالى أصبح الارهاب كوكبيا. ومع مولد تنظيم القاعدة واجهنا التحدى الحقيقى للكوكبية لأن تكنيكه هو أيضاً من ثمار المؤسسات الكوكبية الجديدة التى اخترعت أسلحة الدمار الشامل. ومن هنا تواجه الديمقراطية إشكالية خاصة بحقوق الانسان. فالارهابى هو مالك للحقيقة المطلقة أو بالأدق مالك لعقيدة مطلقة لا ترى فى العقائد الأخرى سوى أنها عقائد نسبية، لأن المطلق واحد بحكم تعريفه، ومن ثم فإنه لا يقبل تعدد المطلقات، وبالتالى فإنه يرفض التعايش معها، ووسيلة «الرفض» قتلها، ومن ثم يمكن القول بأن ثمة علاقة عضوية بين المطلق والقتل.

والسؤال اذن: هل فى الامكان القول بأن «الحق فى الحياة» يستلزم منى قتل الارهابى قبل أن يقتلني؟ إذا كان الجواب بالايجاب فيلزم إعادة النظر فى «الاعلان العالمى لحقوق الانسان» الذى أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 10 ديسمبر 1948 من أجل أن ينص فيه على سلب حق الحياة من الأصولى الارهابى قبل ممارسته عملية القتل.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (147) جامعة هارفارد 1976- 2015   الأربعاء 12 أكتوبر 2016, 1:32 am



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (147)
جامعة هارفارد 1976- 2015


الثلاثاء 10 من محرم 1438 هــ 11 أكتوبر 2016 السنة 141 العدد 47426

فى بداية هذا المقال ثمة سؤالان: لماذا جامعة هارفارد؟ ولماذا هذه الفترة الزمانية؟

تأسست جامعة هارفارد فى عام 1636 عندما تبرع قس ورع مهاجر اسمه جون هارفارد بـــ 780 دولاراً و260 كتاباً. ثم تطورت إلى أن أصبحت جامعة يقال عنها إن سحرها فى هيبتها، وهيبتها تكمن فى أنها الجامعة المؤثرة على سياسة أمريكا بل على سياسة العالم برمته، وهى كذلك لأنه يقال عنها إنها خزان فكر بلا منافس. من خريجيها ستة من رؤساء أمريكا وعديد من قضاة المحكمة العليا. وكثير من أعضاء الكونجرس والعلماء والأدباء. وفى مقدمة هؤلاء جميعاً هنرى كيسنجر. فأنت لا تستطيع ذكر اسمه من غير ذكر هارفارد. بل إن الأديب السوفييتى المنشق الكسندر سولجنستين قد رفض عدة دعوات من جامعات ومؤسسات مدنية لالقاء محاضرة، ولكنه لم يتردد فى الاستجابة عندما دُعى من جامعة هارفارد. وعندما سئل: لماذا اخترت هارفارد؟ كان جوابه: لأن هارفارد هى هارفارد.

ومع ذلك فإن ما هو جدير بالتنويه هى العلاقة الخاصة القائمة بين جامعة هارفارد وجهاز المخابرات الأمريكية. وعندما طُلب من ممثل الجهاز ديرك بوك أن يكف عن تجنيد الطلاب كان جوابى كالآتى: إن لأمريكا مؤسستين: جامعة هارفارد وجهاز المخابرات ومصالحهما متداخلة. ومن هنا فإن تجنيدها للطلاب أمر مشروع.

ومع بداية الحرب الباردة بين الكتلة الشيوعية والكتلة الرأسمالية أنشأ أساتذة جامعة هارفارد «مركز البحوث الروسية». وكان أول مشروع قام به المركز هو «مشروع الحوار مع اللاجئين» من المعسكر الشيوعى. وقد استعانت المخابرات الأمريكية بهذه الحوارات لكى تسبر أغوار شخصيات هؤلاء اللاجئين لتكشف عن المآسى الاقتصادية والسياسة والنفسية ولكى تستعين بها فى العمليات التى تقوم بها داخل النظام الشيوعى، بل إن بحوث هذا المركز قد امتدت إلى بلدان العالم الثالث لفهم عقلية المتمردين على السلطة. وفى ميدان جامعة هارفارد يلتقى الطلاب العرب فى مقهى أو فى مطعم ويتحاورون بحدة أحياناً وبمداعبات أحياناً أخرى حول الصراع العربى الاسرائيلى. كلهم يحضرون سمينار هنرى كيسنجر، وكلهم يؤدون بعد ذلك أدواراً سياسية متميزة فى الشرق الأوسط. ومن أشهر هؤلاء أحمد زكى يمانى خريج كلية الحقوق بجامعة هارفارد. وفى عام 1966 أصبح وزير البترول فى المملكة السعودية التى تتحكم فى صناعة البترول. وقد قالت جريدة «نيويورك تايمز» أن القوة الحقيقية فى عالم البترول فى قبضة العرب بوجه عام وقبضة الشيخ المبدع أحمد زكى يمانى.

وفى صيف 1946 أبحر ستة مصريين فى اتجاه بوسطن وأطلقوا على أنفسهم من باب الدعابة «الحجاج العرب». وكانوا قد حصلوا على منح من جامعة هارفارد ثم تخرجوا وأصبحت أسماؤهم مرموقة فى الدوائر الاقتصادية والقانونية والتعليمية فى مصر.

دكتور عزيز صدقى. تخصصه تخطيط مدن وأصبح رئيس وزراء

دكتور محمد مرزبان. تخصصه علوم سياسية ثم أصبح أستاذاً بجامعة القاهرة ورشحه دكتور عزيز صدقى ليكون نائباً لرئيس الوزراء.

دكتور أشرف غربال. تخرج فى كلية الحقوق ثم أصبح مستشاراً للرئيس السادات. أدى دوراً رئيسياً فى إعادة العلاقات بين مصر وأمريكا، ومن ثم عينه السادات سفير مصر لدى أمريكا لمدة ست سنوات لمواجهة الأزمات عندما تشتد.

دكتور زكى هاشم. أصبح عميداً لكلية الحقوق بجامعة القاهرة

دكتور يحيى الملا. تخصصه اقتصاد، وأصبح مستشاراً شخصياً لكل من عبد الناصر والسادات.

غسان توينى. الوحيد الذى لم يحصل على درجة الدكتوراه. فقد توقف عن استكمالها وارتحل إلى مصر ليتولى مسئولية أسرته بعد وفاة والده. ولكنه أصبح بعد ذلك من القيادات فى مجال الصناعة والمال.

إلا أن ما هو جدير بالتنويه هو أن جامعة هارفارد تموج بالطلاب اليهود وقلة من الطلاب العرب الأمر الذى من شأنه أن يسبب احساساً بالعزلة والغربة لدى هذه القلة.

هذا جوابى عن السؤال الأول: لماذا هارفارد؟ ويبقى بعد ذلك الجواب عن السؤال الثانى: لماذا الفترة الزمانية من 1976 إلى 2005؟

فى ابريل 1976 ارتحلت إلى بوسطن لاجراء حوارات مع الفلاسفة فى جامعة هارفارد بناء على دعوة من ادارتها وذلك على غرار الحوارات التى أجريتها مع الفلاسفة السوفييت فى جامعتى موسكو ولننجراد. ودار الحوار فى البداية مع أستاذ فى علم الاقتصاد وخبير فى الوقت ذاته فى الاقتصاد المصرى.

سألته: مع حضور أمريكا إلى مصر بديلاً عن الاتحاد السوفيتى إثر انتهاء حرب 1973 إلى أى مدى يمكن القول بأن أمريكا هى السبب فى تأسيس علاقة عضوية بين ظاهرتين: الأصولية الدينية والرأسمالية الطفيلية؟

أجاب: هذا التأسيس «مقصود» حتى يمكن تصفية القطاع العام وبعد ذلك يبزغ القطاع الخاص. وكان ردى هكذا: أنا لست متخصصاً فى الاقتصاد ومع ذلك فأنا أظن أن هاتين الظاهرتين، من حيث إنهما متضادتان مع مسار الحضارة الانسانية، تفرزان معاً قيماً طفيلية، وبالتالى يكون من العسير بل من المحال تأسيس قطاع خاص لايستقيم تأسيسه إلا مع إعلاء سلطان العقل، ومن ثم إعلاء سلطان العلم. وهذا هو تأويلى لما كان يسمى فى بلادنا فى السبعينيات من القرن العشرين «الانفتاح الاقتصادى».

ذهلت من لفظ «مقصودة» الوارد فى حوار أستاذ الاقتصاد ورحت أتتبع ما حدث بعد ذلك لهذه العلاقة العضوية بين الأصولية الدينية والرأسمالية الطفيلية ففوجئت بظاهرة جديدة اسمها «الارهاب» بدأت فى نهاية القرن الماضى وشاعت فى القرن الحادى والعشرين.وفى عام 2015 صدر كتاب لأستاذة قانون بجامعة هارفارد اسمها لويزة رتشاردسون عنوانه الرئيسى «ماذا يريد الارهابيون» وعنوانه الفرعى «فهم العدو واحتواء التهديد»؟ الجواب فى المقال القادم.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (148) ماذا يريد الإرهابيون ؟   الأربعاء 19 أكتوبر 2016, 2:11 am



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (148)
ماذا يريد الإرهابيون ؟


الثلاثاء 17 من محرم 1438 هــ 18 أكتوبر 2016 السنة 141 العدد 47433

ماذا حدث بعد أن تبنت جامعة هارفارد تأسيس علاقة عضوية بين الأصولية الدينية والرأسمالية الطفيلية ابتداء من مصر مع بداية حكم السادات، أو بالأدق مع بداية عام 1974؟

بزوغ ارهاصات الارهاب فى الربع الأخير من القرن الماضى وشيوعه فى هذا القرن. ومع ذلك فثمة سؤال لابد أن يثار: هل أصبحت جامعة هارفارد على وعى بالنتيجة الحتمية لهذا الشيوع، والتى كانت هى من أسبابها الرئيسية؟

جواب هذا السؤال وارد فى كتاب لأستاذة القانون بجامعة هارفارد لويزه رتشاردسون وعنوانه الرئيسى «ماذا يريد الارهابيون؟»وعنوانه الفرعى «فهم العدو واحتواء التهديد» (2006). والجدير بالتنويه أن محاضرات هذه الأستاذة كانت تلقيها عن الارهاب منذ التسعينيات من القرن الماضى، وكان الطلاب يوجهون إليها نقداً حاداً إلا أنها لم تفصح عن مضمون هذا النقد. وإثر أحداث 11/9 انهالت عليها الدعوات لإلقاء محاضرات عن الارهاب. وفى كل مرة كان السؤال المثار:

ما الكتاب العمدة الذى يتناول الارهاب؟

كان جوابها بالنفى بدعوى أن ليس ثمة كتاب يدور حول بيان الأسباب التى تدفع الانسان إلى الارهاب و النتائج التى يريد الارهاب تحقيقها. هذا بالاضافة إلى أن لها رؤية مغايرة لأن لديها سؤالاً مغايراً: كيف يقتل الارهابى انسانا بريئا، ويتوهم أنه يناضل ضد الظلم من أجل تأسيس عالم أفضل؟. وإذا كان السؤال مغايراً فيلزم أن يكون الجواب مغايراً. ولكى يكون مغايراً يلزم استبعاد الأجوبة الشائعة ومنها جوابان. الجواب الأول يرى أن الارهاب يقوم به مجنون. والجواب الثانى أن الارهاب مدعم من دولة مدمنة اشعال الحروب. والخطأ فى هذين الجوابين يكمن فى تجاهل دراسة المجتمع الذى أنتج ذلك الارهابى. ثم هى بعد ذلك تزيد الأمر ايضاحاً عندما تلفت الانتباه إلى أن ثمة خطأين عظيمين وفرصتين كبيرتين ضائعتين إثر أحداث 11/9.

الخطأ الأول يكمن فى إعلان الحرب ضد الارهاب. والخطأ الثانى إعلان الحرب ضد تنظيم القاعدة وضد صدام حسين.

والفرصة الضائعة الأولى تكمن فى عدم توعية الشعب بأبعاد الارهاب والتكاليف الباهظة التى تتحملها الدولة الوحيدة العظمى وهى أمريكا. والفرصة الضائعة الثانية مفادها عدم تحريك المجتمع الدولى للوقوف مع أمريكا ضد الارهاب.

وفى هذا السياق كان من اللازم الجواب عن سؤال أثاره الشعب الأمريكى: لماذا يكرهوننا؟ وجاء الجواب الذى يدعو إلى السخرية: لأننا أخيار وهم أشرار. أما الجواب الصحيح فى رأى لويزه أنه كان من اللازم توعية الشعب الأمريكى بسيكلوجية المقهور، وهو أمر من شأنه أن يدفع هذا الشعب إلى احتضان الارهابى بدلاً من قتله، ومن شأنه أيضا أن يدفعه إلى نقد ذاته بديلاً عن هذه القسمة الثنائية الساذجة بين أخيار وأشرار. ومن هنا كان من المنطقى أن يعلن بن لادن عن قسمة ثنائية ساذجة ومضادة بين المؤمنين والكفار.

وبعد ذلك تثير لويزه السؤال الوارد فى عنوان كتابها: ماذا يريد الارهابيون؟ تحقيق ثلاثة أهداف: الانتقام والشهرة ورد الفعل. الانتقام لأنه مقهور. والشهرة وذلك بإعلان الارهابى أنه أكبر عدو لأقوى بلد فى العالم، وبإعلان أمريكا بأنها تطلب تسليم الارهابى فى مقابل ملايين الدولارات. فإذا ظل حراً فإنه يواصل التحدى، ويعلن ضعف أمريكا. أما إذا قُتل فإنه يصبح شهيداً ومشهوراً. أما رد الفعل فهو توجيه انتباه البشر إلى الارهاب فتزداد عملية التجنيد.

وفى سياق هذه الأهداف الثلاثة تثير لويزه هذا السؤال:
ما العمل؟

فى البداية توجه الانتباه إلى أن الارهاب المهدد لأمريكا هو الارهاب الاسلامى، وهو يكمن فى مسلمى الشتات فى أوروبا وهم يتراوحون بين 15 مليوناً و20 مليوناً. ومما يسهم فى صعوبة مواجهة الارهاب أن المجتمعات الأوروبية تتبنى التعددية الثقافية بدعوى أنها من متطلبات الديمقراطية، إلا أن هذه الدعوى باطلة لأن المجتمعات الاسلامية فى أوروبا تعيش بمعزل عن الدولة المضيفة.

والسؤال اذن:
ما العمل فى هذا السياق؟

جوابها مثير للدهشة:
ليس المطلوب القضاء على الارهاب بالضربة القاضية لأنه من المحال شن حرب كوكبية على الارهاب، إنما المطلوب احتواؤه لكى نمنعه من تجنيد آخرين.

والسؤال اذن:
هل فى الامكان احتواء الارهاب؟

ونجيب بسؤال:
ما الارهاب الاسلامى؟

بحسب تعريف بن لادن: إذا كان قتل مَنْ يقتل أبناءنا ارهابياً فليشهد التاريخ على أننا ارهابيون. ثم يستطرد قائلاً إن غاية الارهاب قتل الطغاة والعدوانيين وأعداء الله. وبحسب الظواهرى أسلوب الارهاب هو الاستشهاد وهو أنجح الأساليب لأنه يدمر معنويات العدو.

وإذا كان الارهاب اسلامياً فجذوره فى الأصولية الاسلامية، وبالتالى ينتقل السؤال من الارهاب الاسلامى إلى الأصولية الاسلامية وصعودها مردود إلى ثلاثة أسباب على نحو ما ترى لويزه: الثورة الأصولية فى ايران، وحزب الله الأصولى فى لبنان، وحرب «طالبان الأصولى» فى أفغانستان ضد السوفيت. وأشهر الأصوليين اثنان: المودودى فى باكستان وسيد قطب فى مصر. وأمريكا فى مواجهة هؤلاء ضعيفة ولينة خاصة فى زمن كارتر وريجان. ولهذا فالحوار مطلوب مع الارهابيين إذ هو يكشف عن احساس بالحرمان مدعم باحساس بالفشل والدين يقوى هذا الاحساس المريض. ومعنى ذلك فى رأى لويزه أن الدين ليس سبباً للارهاب إنما هو مبرر للارهاب ومحرض عليه ومانح لشرعيته.

والرأى عندى أن الأصولية أيا كانت سمتها الدينية هى حالة ذهنية قبل أن تكون حالة نفسية أو حالة اقتصادية لأنها تقنع المؤمن بأنه مالك للحقيقة المطلقة وأنه من اللازم الدفاع عنها بتكفير مَنْ يناقضها وقتله إن لزم الأمر. ومن هنا كان من اللازم التعامل مع ذهنية الارهابى وليس مع سلاح الارهابى والمكلف بهذا التعامل مؤسسات التعليم والثقافة والاعلام فى الدول الموجودة على كوكب الأرض بلا استثناء.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (149) رؤية مستقبلية للتعليم   الأربعاء 26 أكتوبر 2016, 7:25 pm

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (149) رؤية مستقبلية للتعليم


الثلاثاء 24 من محرم 1438 هــ 25 أكتوبر 2016 السنة 141 العدد 47440



هذه الرؤية لن تستقيم إلا مع رؤية أخرى أشمل وهى رؤية مستقبلية لهذا القرن، وهى رؤية محكومة بأربعة مكونات: المكون الأول هو الكونية وأقصد بها إمكان تكوين رؤية علمية عن الكون استناداً إلى الثورة العلمية والتكنولوجية. فقد أصبح من الممكن أن يرى الانسان الكون من خلال الكون وذلك بفضل غزو الفضاء. وكان من قبل يرى الكون من خلال الأرض. والمكون الثانى لازم من المكون الأول وهو الكوكبية وأعنى بها أن الانسان أصبح فى إمكانه رؤية كوكب الأرض من خلال الكون فيبدو وكأنه وحدة بلا تقسيمات، والمكون الثالث لازم من المكون الثانى وهو الاعتماد المتبادل بين الأمم والشعوب الأمر الذى يمتنع معه القول بالاستقلال التام. والمكون الرابع هو الابداع وهو لازم من المكونات الثلاثة التى تنطوى على تناقضات ورفعها لن يتم إلا بالابداع للكشف عن حلول جديدة. وأنا أنتقى من هذه المكونات المكون الرابع وهو الابداع وأدخله فى التعليم.

والسؤال اذن: كيف يكون التعليم بالابداع؟ أجيب بسؤال: ما الابداع؟

بحسب تعريفى الابداع هو قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الوضع القائم. وهذا التعريف ينطوى على عنصرين: الجدة والتغيير، وهما عنصران يمارسهما العقل، وهذا على الضد من الرأى الشائع بأن العقل لا يعنيه سوى البحث عن الحقيقة. إلا أن الحقيقة مع التغيير تصاب بأزمة وهى أنها لن تكون ثابتة. وإذا لم تكن كذلك فهى والكذب مترادفان، وهذا تناقض غير مشروع. أما المشروع فيقوم بين العقل والتغيير

وتأسيساً على ذلك ينبغى إعادة النظر فى النسق التعليمى القائم لأنه لم يعد صالحاً للبقاء على ضوء المكونات الأربعة و تأسيس نسق تعليمى جديد يقوم على الابداع .

وقد يقال عن الابداع إنه ظاهرة نادرة قد تقترب من الجنون على نحو ما يرى أيزنك. وفى عام 1989 التقيته بمعهد الأمراض العقلية بالكلية الملكية بلندن بترتيب من المجلس الثقافى البريطانى لإجراء حوار حول مشروعى عن “ الابداع والتعليم العام”. وفى بداية الحوار أعلن أيزنك رفضه للمشروع بدعوى أن تعريفى للانسان بأنه حيوان مبدع يحيل المجتمع إلى فوضي، هذا بالاضافة إلى قوله بأن الابداع على علاقة حميمة بالجنون. وكان ردى أنه عندما يشيع الابداع بين البشر فهذا الشيوع لايترتب عليه إحالة المجتمع إلى فوضى لأن الابداع نفسه محكوم بقانون وهو على النحو الآتي: ثمة وضعان: وضع قائم ووضع قادم. وعندما يتأزم الوضع القائم يلزم استدعاء وضع قادم، اى استدعاء رؤية مستقبلية. المستقبل اذن وليس الماضى هو المحايث فى الابداع. ومعنى ذلك أن التغيير يبدأ من المستقبل وليس من الماضي. ومن هنا كانت الأصولية الدينية ضد الابداع لأنها ملتزمة بماض فاقد فاعلية التغيير. أما القول بأن الابداع على علاقة حميمة بالجنون فهذا القول لا يستقيم مع تعريفى للابداع بسبب أن الابداع لا يقف عند حد تكوين علاقات جديدة بل يتجاوزه إلى حد التغيير. والمجنون بالرغم من قدرته على ابداع ما هو جديد فإن هذا الجديد موجود فى عالم افتراضى لا علاقة له بالواقع. ومن هنا ارتأيت أن ثمة فارقاً كيفياً بين الابداع السوى والابداع المرضى وهو أن المبدع السوى يفضى فعله بالضرورة إلى إحداث تغيير فى الوضع القائم، أما المبدع المريض فإن فعله عاجز عن إحداث أى تغيير فى الوضع القائم.

والمفارقة هنا أن أيزنك أصدر كتاباً عنوانه “ العبقرية.. التاريخ الطبيعى للابداع” (1995)، أى بعد اللقاء بست سنوات وجاء فى خاتمته أنه يحرض الأطفال على الابداع، وأنه يدعو إلى تأسيس التعليم على الابداع، كما أنه يدعو إلى إزالة عقبات ثلاث أمام الابداع، التعصب والبيروقراطية والسلطة.

وتأسيساً على ذلك كله يمكن القول بأن النسق التعليمى القائم الآن لم يعد صالحاً للبقاء فى اطار “ رباعية المستقبل”. وبالتالى يصبح من حقنا القول بأن النسق البديل هو نسق التعليم بالابداع. ولكن ينبغى التنويه هنا بأن هذا النسق ينطوى على أربعة تناقضات:

التناقض الأول قائم بين انفجار المعرفة وانفجار السكان فانفجار المعرفة نقلة كيفية بينما انفجار السكان نقلة كمية. وهنا يثار سؤالان: ماذا نعَلم على ضوء انفجار المعرفة؟ وكيف نعلَم على ضوء انفجار السكان؟

وهنا ثمة مفارقة وهى أننا نقول عن انفجار المعرفة إنه نقلة كيفية والسؤال عنه كمي، ونقول عن انفجار السكان إنه نقلة كمية والسؤال عنه كيفي.

والتناقض الثانى قائم على تداخل العلوم فى هذا الزمان فى حين أن تدريس هذه العلوم ذاتها محصور فى التخصص الدقيق لكل منها.

والتناقض الثالث يكمن فى القسمة الثنائية بين التربويين والأكاديميين. والنتيجة الحتمية من هذه القسمة أن التربويين ليسوا أكاديميين فهل معنى ذلك أن التربية ليست علماً من العلوم الأكاديمية وبالتالى يلزم أن تكون تابعة لهذه العلوم وملحقة بها الأمر الذى يترتب عليه إلغاء الأقسام التربوية والحاقها بأقسام العلوم الأكاديمية؟

يبقى التناقض الرابع وهو أنه على ضوء مبدأ اللاتعين أو مبدأ اللايقين فى الفيزياء النووية هل تظل العلاقة قائمة بين المعرفة والحقيقة أم بين المعرفة والتغيير؟

هذه هى التناقضات الأربعة ورفعها يمكن أن يكون ارهاصاً لتأسيس النسق التعليمى الجديد. بيد أن هذا التأسيس الجديد ليس بالأمر الميسور ذلك أن البنية التعليمية متداخلة مع البنية الاجتماعية وهذه متداخلة مع نسق قيم مملوء بمحرمات ثقافية. ونخلص من ذلك إلى أن التأسيس الجديد يستلزم تغيير الثقافة تغييراً جذرياً. إلا أن هذا التغيير الجذرى هو من شأن النخبة الثقافية.

والسؤال إذن: هل لدى هذه النخبة وعى بضرورة هذا النوع من التغيير؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (101) الإرهاب ومسئولية الفيلسوف
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 3انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
elwardianschool :: المكتبة :: تحميل كتب :: العلوم الاجتماعية (300)-
انتقل الى: