elwardianschool


elwardianschool

مـنـتـدى مـــكـتـبــة مـدرسـة الـورديـان الـثـانـويـة * بـنـيـن...( تعليمى.متنوع.متطور )

 
الرئيسيةالبوابةبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول
نتمنى لكم قضاء وقت ممتعا و مفيدا فى المنتدى

شاطر | 
 

 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (101) الإرهاب ومسئولية الفيلسوف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3, 4  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (101) الإرهاب ومسئولية الفيلسوف   الأربعاء 25 نوفمبر 2015, 2:24 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (101) الإرهاب ومسئولية الفيلسوف


الثلاثاء 12 من صفر 1437 هــ 24 نوفمبر 2015 السنة 140 العدد 47104


تكمن مسئولية الفيلسوف فى المطالبة بتغيير وضع قائم مأزوم باستدعاء وضع قادم لازالة الأزمة. ومغزى هذه العبارة أن ثمة وضعين متناقضين، ومسئولية الفيلسوف تقوم فى إزالة التناقض من أجل الارتقاء إلى وضع أفضل. وفى تاريخ الفكر الانسانى ثمة نموذجان يعبران عن هذه المسئولية: نموذج سقراط فى القرن الرابع قبل الميلاد، ونموذج سارتر فى القرن العشرين الميلادي.
والسؤال اذن: ماذا فعل كل منهما؟
ارتأى سقراط أن الوضع القائم المأزوم فى أثينا يتمثل فى تخلف البنية الذهنية حيث الانسان يتوهم أنه يعلم وحاصل الأمر أنه لا يعلم، وعندئذ ارتأى أن هذا التناقض يمكن أن يزول بالحوار. والحوار عنده يتم على مرحلتين: التهكم ثم التوليد. فى مرحلة التهكم يصطنع سقراط الجهل ثم يطلب من محاوره إزالة هذا الجهل فيكتشف أن محاوره جاهل وأنه فى حاجة لأن يعلم. وهنا ينتقل سقراط إلى مرحلة التوليد وهى المرحلة التى يقوم فيها سقراط بتوليد العلم من محاوره. وكان سقراط يقول فى هذا المعنى إنه يحترف صناعة أمه، وكانت قابلة، أى تولد الأجسام أما هو فيولد الأفكار الصحيحة. ومع ذلك فإن هذا الحوار قد أثار حفيظة رجال الحكم بدعوى أن سقراط يفسد العقول فحوكم وصدر الحكم باعدامه.
أما سارتر فقد ارتأى أن الوضع القائم المأزوم هو من إفراز الحرب العالمية الثانية التى انتهت بالقاء قنبلتين ذريتين على هيروشيما ونجازاكي. أما الوضع القادم فدار عنده على بناء السلام. وكان الرأي، فى حينها، أن انجاز هذا البناء هو حرفة الفيلسوف. ولاأدل على ذلك من المحاضرة التى ألقاها فى جامعة السوربون فى أول ديسمبر من عام 1946 وجاء فيها أنه مسئول عن اندلاعها مادام أنه يعاصرها. وأن الفيلسوف الذى لم يجرؤ على إدانة النازية هو أيضاً مسئول عما أحدثته من شرور. و الفيلسوف الذى يعاصر نظاماً قهرياً دون أن يدينه هو مسئول عما يفرزه من ظلم. ومعنى ذلك أن سارتر قد ارتأى أن الفيلسوف مسئول عما يحدث من شر وظلم على كوكب الأرض.
ومع بداية القرن الحادى والعشرين أصبحت اليونسكو وهى إحدى منظمات الأمم المتحدة على وعى بمسئولية الفلاسفة فى مواجهة أحداث 11/9 التى دمرت مركز التجارة العالمى أعلى مراحل الثورة العلمية والتكنولوجية من قبل أصوليين اسلاميين فاصطنعت مشروعاً فلسفياً عبارة عن حوار فلسفى يقوم بين فلاسفة كل اقليمين من الأقاليم الموجودة على كوكب الأرض، فبدأت بدعوة فلاسفة من آسيا والعالم العربى لاجراء حوار فى 16 نوفمبر من عام 2004. وكنت أحد المدعوين الذين شاركوا فى ذلك الحوار.
وكان الرأى عندى أنه من اللازم معرفة الغاية من الحوار فارتأيت أنها تكمن فى البحث عن مشروع مشترك وهو أمر يستلزم أن يكون المتحاورون شركاء وليسوا أعداء، شركاء فى تدمير وضع قائم مأزوم فى مقابل استدعاء وضع قادم يكون بديلاً عن ذلك الوضع القائم، وبالتالى ينتقى التفكير فيما هو قائم فى الحاضر وبالتالى فيما كان قائماً فى الماضي، ويحل محله التفكير فيما هو قادم، أى فى المستقبل، وأن يكون ذلك التفكير مواكباً لظاهرة أخرى قادمة وهى ظاهرة الكوكبية التى تلازمها موت المسافة زمانياً ومكانياً وبذلك تكشف عن قدوم حضارة واحدة مشتركة بديلاً عن النزعات القومية المتزمتة والأصوليات الدينية المنغلقة والتى تفضى إلى تفكيك الحضارة مستعينة فى ذلك بالارهاب الانتحارى الذى بدأ مع أحداث 11/9 وبدأت معه العلاقة العضوية بين الأصولية والإرهاب.
والسؤال إذن: ما هى مسئولية الفيلسوف فى مواجهة هذه العلاقة؟
إن أحداث 11/9 تسهم فى الاجابة عن هذا السؤال. فإذا كان الأصوليون هم الذين تسببوا فى هذه الأحداث فعلينا إذن تحليل الذهنية الأصولية. وبتحليلها نكتشف أنها تستند إلى مطلق معين هو من صنعها. وإذا كان المطلق بحكم طبيعته واحدا لايقبل التعدد فهو بالضرورة عدو لأى مطلق آخر. ومن هنا ينشأ صراع المطلقات لكى ينتهى فى النهاية إلى مطلق واحد يتحكم فى كوكب الأرض. إلا أن هذه النهاية لا تتحقق بالحرب التقليدية إنما بالارهاب لأن الأصولية الدينية أيا كانت ملتها ليس لها وطن لكى يكون لها جيش. وحيث إن الارهاب ليس له وطن فهو إذن وسيلة الأصولية. والأصولية، بهذا المعني، تكون هى وما تفرزه من ارهاب حالة ذهنية مرضية. ومن هنا تكون ازالة هذه الحالة مسئولية الفلاسفة. ومن هنا أيضا يلزم الحوار.
والسؤال بعد ذلك: هل من شأن هذا الحوار أن يواجه إشكاليات، أى تناقضات؟
أستعين فى الجواب عن هذا السؤال بجمعيتين دوليتين كنت قد دعوت إلى تأسيسهما فى القرن الماضى وهى الجمعية الفلسفية الأفروآسيوية فى عام 1978 والجمعية الدولية لابن رشد والتنوير فى عام 1994. وقد واجهت كل من هاتين الجمعيتين إشكالية محددة كان من اللازم إزالتها من أجل تأسيس حضارة واحدة مشتركة.
الاشكالية التى واجهتها الجمعية الفلسفية الأفروآسيوية تكمن فى التناقض بين التراث من جهة والتنوير من جهة أخري. فالتراث، فى هذين الاقليمين، محصن ضد اعمال العقل وبالتالى فإنه لم يكن مؤهلاً لحركة اصلاح دينى تحرر العقل من السلطة الدينية ولا لحركة تنوير تحرر العقل من أى سلطة ما عدا سلطة العقل. ومن هنا ترعرت الأصوليات الدينية بلا مقاومة، وبذلك كانت مجالاً خصباً لمولد الارهاب.
أما الاشكالية التى واجهتها الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير فتكمن فى أن ابن رشد ميت فى الشرق حى فى الغرب، كان ولا يزال.
والسؤال فى النهاية: هل فى إمكان الفيلسوف فى كل من آسيا والعالم العربى أن يكون على وعى بمسئوليته فى مواجهة هاتين الاشكاليتين؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (102) جدوى التفاوض مع الإرهابيين   الخميس 03 ديسمبر 2015, 7:40 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (102)
جدوى التفاوض مع الإرهابيين


الثلاثاء 19 من صفر 1437 هــ 1 ديسمبر 2015 السنة 140 العدد 47111



عنوان هذا المقال مشتق من عنوان كتاب لخبير التفاوض مع الإرهابيين، اسمه جوناثان باول. كان رئيس المفاوضين البريطانيين فى شأن قضية ايرلنده الشمالية فى الفترة من 1997 إلى 2007. وإثر انتهاء المدة صرح بأنه من اللازم التفاوض مع طالبان فى أفغانستان وحماس فى غزة وتنظيم القاعدة بدعوى أن أى صراع مهما يكن دموياً قابل للحل ولكن مع توافر شرطين: المثابرة ومرونة القيادة السياسية. أما كتابه فعنوانه الرئيسى «المفاوضات مع الإرهابيين» وعنوانه الفرعى «كيف ننهى الصراعات المسلحة»؟.والسؤال إذن:ما الإرهاب؟
صُك هذا المصطلح أثناء الثورة الفرنسية، وأٌلصق بالدولة التى كانت تزعم أنها مسئولة عن حماية الثورة، كما أُلصق بالذين هاجموا نابليون وهو فى عربته فى اليوم السابق على عيد الميلاد فى عام 1800. وكذلك أطلقه النازيون على الأوروبيين المعادين لهم أثناء الحرب العالمية الثانية.
وفى عام 2000 قال مانديلا زعيم إفريقيا الجنوبية : «قيل عنى بالأمس إننى إرهابى بما فى ذلك أعدائى». أما ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية فقد حاول تعريف الإرهاب عندما قال: «الفارق بين الثورى والإرهابى يكمن فى الأسباب التى تدفع كلا منهما إلى إشعال الحرب». وفى هذا المعنى يمكن أن يقال لفظ إرهابى على الذى يحارب من أجل تحرير الأرض من المحتل. ومع ذلك ظل الفارق بين الثورى والإرهابى موضع تساؤل.
ففى عام 2006 حاولت مجلة «تايم» الإجابة عن السؤال فأصدرت عدداً فى 24 يوليو تحت عنوان «لماذا يحاربون؟ ولماذا هذه الحرب مغايرة عن الحروب السابقة فى هذا الزمان». وفى ذلك العدد لفت انتباهى مقال عنوانه «جاء الوقت لبدء التفاوض» بقلم روبرت مولى الذى كان مساعداً للرئيس الأمريكى الأسبق بيل كلينتون لشئون الصراع العربى الإسرائيلى. فكرته المحورية أن هذا الصراع لن ينتهى إلا بدخول طرف ثالث فى الوقت المناسب وكان يقصد أمريكا، إذ بدونها فلا جدوى من المفاوضات، ولكنه اشترط لدخولها أن تكون لديها حزمة من الأفكار المتكاملة بحيث تكون صالحة للعثور على حل نهائى، إلا أن هذا الحل النهائى لن يكون ممكناً إذا ظل الطرفان فى حالة رعب متبادل والسؤال إذن: كيف نزيل هذا الرعب؟

أجيب بسؤال: ما أساس هذا الرعب؟
الجواب عندى أنه مردود إلى أصولية دينية متحكمة خفية فى إطار الصراع العربى الإسرائيلى، وروادها حماس فى غزة وحزب الله فى لبنان والثورة الإسلامية فى إيران والأصولية اليهودية فى إسرائيل. والقاسم المشترك بينهم هو أنهم من ملاَك الحقيقة المطلقة. وهذا النوع من الملكية مانع من التفاوض، أى مانع من إنجاز أى سلام، لأن الحقيقة المطلقة واحدة ولا تتعدد، وإذا تعددت فالحرب ضرورية للقضاء على تعددية الحقائق المطلقة وبذلك لا تبقى سوى حقيقة مطلقة واحدة. ومن هنا يمكن القول إن الإرهابيين فى هذا الزمان يدخلون فى علاقة عضوية مع معتقد دينى مطلق لا يدعو إلى تحرير وطن إنما يدعو إلى تدمير مسار حضارى يُتوهم أنه مناقض لما أنزل الله . ومن هنا فإن الإرهابى ليست له مطالب بعد إتمام عملية القتل.
والسؤال إذن: لماذا تخلو عملية القتل من المطالب؟
لأن الارهابى الأصولى يقحم الله فيما يقوم به من قتل. وإذا أقحمت الله فإن التنازل أو التوافق ممتنع، وبالتالى فإن الإرهاب هنا يتسم بأنه مطلق ، ومن ثم فهو على الضد من الإرهاب غير الأصولى الذى هو نسبى، ومن هنا فهو يقبل التفاوض. ومعنى ذلك أنك إذا أردت أن تقضى على الإرهاب المطلق فعليك أن تحوله إلى إرهاب نسبى.
والسؤال إذن: هل هذا التحول ممكن؟
هذا التحول ممكن فى حالة إمكان تحول المطلق إلى نسبى، أى فى حالة تحول الأصولى إلى علمانى.
والسؤال إذن: هل هذا التحول ممكن؟
هذا التحول أيضاً ممكن إذا اتفقنا على أن كلا من الأصولية والعلمانيةحالة ذهنية. ومن هنا تكون مسئولية التحول هى مسئولية الفيلسوف. ولا أدل على ذلك من أن ما هو حادث الآن عبارة عن حرب تكنولوجية بين إرهابيين من جهة، وجيوش دول من جهة أخرى. والمفارقة هنا أن الإرهابيين يستعينون بالتكنولوجيا المعاصرة من انترنت وفيس بوك وبريد إلكترونى وموبايل لتغيير البنية الذهنية دون مراقبة لا من دول ولا من أحزاب من أجل خلق جيل من الانتحاريين الأصوليين الذين فى إمكانهم بعدد قليل من إحداث كوارث لا تمس الإنسان وحده بل تمس حضارة الإنسان. ومن هذه الزاوية تكون الحرب بين الإرهابيين والدول حرباً غير تقليدية.
وتأسيساً على ذلك كله يمكن القول إن الفلاسفة هم الذين ينبغى أن يكونوا فى الصدارة، ولكنهم ليسوا كذلك. وبحكم خبرتى الدولية أزعم أن المنظمات الفلسفية سواء محلية أو اقليمية أو دولية مصابة بــــ «سبات دوجماطيقى» كان قد نبه إليه الفيلسوف الألمانى العظيم كانط. وكان يقصد به أن الفيلسوف قد يصاب بغيبوبة عقلية تمنعه من تغيير عاداته الذهنية التى أدمن تعاطيها ولم تعد صالحة للتغيير.
والسؤال بعد ذلك: كيف يمكن الخروج من هذا المأزق لإنقاذ حضارة الإنسان من الإرهابيين حيث التفاوض ممتنع؟
بتأسيس «تحالف كوكبى دفاعاً عن الحضارة» ضد الإرهاب الأصولى. وقد أشرت إلى ضرورة تأسيس هذا التحالف فى مقال لى بجريدة الأهرام فى 26/ 8/ 2014 تحت عنوان «دفاعاً عن الحضارة» وليس دفاعاً عن الحضارات لأن الحضارة، فى رأيى، واحدة مع تعدد الثقافات ومسارها من الفكر الأسطورى إلى الفكر العقلانى. والأصوليات فى هذا الزمان عائق أمام هذا المسار ومن ثم تكون مهمة التحالف اجتثاث جذور هذه الأصوليات.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (103) فرنسا فى مفترق طرق   الخميس 10 ديسمبر 2015, 2:53 am





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (103) فرنسا فى مفترق طرق


الثلاثاء 26 من صفر 1437 هــ 8 ديسمبر 2015 السنة 140 العدد 47118


ورد إلى ذهنى عنوان هذا المقال وأنا أتابع ما حدث من إرهاب مروع فى 13 نوفمبر من هذا العام حيث قُتل 130 من الشعب الفرنسى. وورد أيضاً بعد قراءتى لكتاب صدر فى أكتوبر من نفس ذلك العام تحت عنوان «كيف يفكر الفرنسيون» لمؤلفه سودير هازارينغ عضو الأكاديمية البريطانية. واللافت للانتباه قول مؤلفه أن كتابه يصدر فى لحظة تعانى فيها فرنسا من وجود دولة مضطربة بمعنى أن حاضرها ومستقبلها موضع قلق. ثم هو يصدر فى نفس ذلك العام الذى حدث فيه هجوم ارهابى على المجلة الساخرة «شارلى إبدو» وسوبر ماركت فى باريس فى شهر يناير من قبل ثلاثة شبان فرنسيين أصولهم من مهاجرين. وبالرغم من المظاهرات العارمة التى وصل عدد المتظاهرين فيها إلى المليون ونصف المليون فى اليوم التالى لذلك الحدث فإن الاحساس بالرعب وعدم الأمن والأمان كان هو المهيمن. ومن ثم تساءل الفرنسيون: هل فى الإمكان المحافظة على إعمال العقل المتجذر فى ثقافتنا التى امتازت بأنها مثال يحتذى؟ ثم تساءلوا ثانياً بعد أن كانوا فى حالة زهو من أن تمثال الحرية بأمريكا هو من صنع النحات الفرنسى فردريك بارتولد، ومن أن علم البرازيل عليه شعار «النظام والتقدم» للفيلسوف الفرنسى أوجست كونت مؤسس علم الاجتماع. ثم تساءلوا ثالثاً بعد أن كانوا فى حالة من الاحساس بالعظمة فى أن فيلسوفهم العظيم رينيه ديكارت فى القرن السابع عشر هو الممهد لتأسيس عصر التنوير فى أوروبا فى القرن السابع عشر. ومن هنا كان من المنطقى أن يكون عنوان الفصل الأول من كتاب «كيف يفكر الفرنسيون» «جمجمة ديكارت» المحفوظة فى «متحف الانسان» بباريس.
والسؤال اذن:

لماذا جاء عنوان الفصل الأول «جمجمة ديكارت»؟
لأنه هو الذى حرر أوروبا بوجه عام وفرنسا بوجه خاص من الأوهام التى كانت متحكمة فى العصور الوسطى المظلمة.
والسؤال اذن:

كيف؟
بالدعوة إلى بتر التراث ثم إعمال العقل فى البحث عن الأفكار الواضحة والخالية من الغموض التى تكون أساساً لبناء براهين عقلية على إشكاليات الحياة من غير معونة من أى سلطة حتى لو كانت سلطة دينية. وقد أصبحت هذه الدعوة متجذرة فى العقل الفرنسى إلى الحد الذى يمكن يقال عنده أن أى فرنسى هو ديكارتى, سواء كان على وعى بذلك أو لم يكن. ومن هنا قال عنه رئيس الحزب الشيوعى موريس توريز فى محاضرة ألقاها بجامعة السوربون فى عام 1946 إنه كان ومازال يحرضنا على الايمان بالعقل وعلى أن الانسان سيد مصيره.
ومع ذلك كله أصيب الفرنسيون بالاحساس بالرعب وعدم الأمن والأمان من جراء ما حدث من هجوم ارهابى فى 13 نوفمبر من هذا العام.
والسؤال اذن:

لماذا تولد هذا الاحساس؟
تولد بسبب جواب المؤلف أن فرنسا فى صيف عام 2013 شاعت فيها الروح السلبية إلى الحد الذى قيل عنده إنها فى الطريق إلى «الانحلال» وأن الفرنسيين أصبحوا أبطال أوروبا فى التشاؤم. ومع ذلك فإن المؤلف يفتتح كتابه بعبارة ملهمة لوزير خارجية فرنسا دومينيك دى فيلبان قالها فى فبراير عام 2003 أمام مجلس الأمن بمناسبة الشروع فى اتخاذ قرار باستخدام القوة ضد نظام صدام حسين، وجاءت على النحو الآتى: «إن إشعال الحرب ضد النظام العراقى له نتائج كارثية على استقرار المنطقة. قالها وهو على ثقة من أن المجتمع الدولى قادر على بناء عالم متناغم لأنه حارس للمُثل وحارس للضمير. ومن هنا يمكن ارساء سلام بلا حرب». إلا أن عبارته جاءت على الضد من نوايا أمريكا وبريطانيا التى كانت تشى بضرورة شن الحرب. وعندما تجسدت النوايا فى اعلان الحرب على العراق تاهت العبارة الملهمة التى قالها وزير خارجية فرنسا ثم توارت، وبعد ذلك ساد التشاؤم. وكان من شأن ذلك أن اندفع الفرنسيون إلى «انغلاق أنانى» وإلى الحنين إلى عصورهم الذهبية. ومن ثم حدث صراع بين النخب حول ما أسموه «أزمة هوية». ومن هنا ابتدع رئيس الدولة ساركوزى وزارة للهوية القومية فى إطار معاداة الاسلام، ومن ثم أصبحت الحركات الاسلامية مهددة لهذه الهوية. وفى هذا المعنى صدر كتاب فى خريف 2003 عنوانه «الهوية التعسة» لأحد المفكرين الفرنسيين.
والسؤال بعد ذلك:

ما السبب فى بزوغ «الهوية التعسة» ليس فقط فى فرنسا بل فى أوروبا وأمريكا أيضاً؟
بحكم خبرتى الدولية ابتداء من عام 1968 حتى الآن أستطيع القول بأن السبب مردود إلى توهم أوروبى أمريكى بأن التنوير حالة غربية غير صالحة للشيوع فى الدول غير الغربية بوجه عام، والدول الاسلامية بوجه خاص. والمفارقة هنا أن هذه الدول أصبحت على قناعة بهذا الذى توهمته الدول الأورو- أمريكية. ومن هنا شاعت العداوة ضد التنوير إلى الحد الذى أصبحت عنده هذه العداوة كوكبية. وفى هذا المناخ نشأت «مدرسة فرانكفورت ومعهد البحوث الاجتماعية» (1923-1950). فكرتها المحورية أن التنوير ينطوى على نقيضه وهو معاداة التنوير. وقد بزغت هذه المعاداة عند كل من النازية والفاشية، ومن ثم تحول التقدم الذى هو فى صميم التنوير إلى البربرية وما لازمها من عداوة السامية.وقد شاعت أفكار هذه المدرسة فى اوروبا وأمريكا. ومن ثم كان لابد من إعادة النظر فى مفهوم التنوير. وتجاوب العالم الاسلامى مع هذه المدرسة إلى الحد الذى أصبح عنده معادياً للتنوير واتهم دعادته بالكفر والالحاد.
وعندما يتوارى التنوير يتوارى معه السلام ويكون البديل بزوغ الأصوليات الدينية مع بزوغ الارهاب وشيوعه بالضرورة لأنه أعلى مراحل هذه الأصوليات.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (104) تحالف كوكبى دفاعا عن الحضارة   الثلاثاء 15 ديسمبر 2015, 7:40 pm




رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (104)
تحالف كوكبى دفاعا عن الحضارة

الثلاثاء 4 من ربيع الأول 1437 هــ 15 ديسمبر 2015 السنة 140 العدد 47125



فى 4/12/2015 قرر مجلس الأمن باجماع الدول الأعضاء اختيار مصر لرئاسة اللجنة المعنية بمكافحة الارهاب، وهى لجنة كانت قد أنشئت إثر أحداث 11 سبتمبر 2001. واللافت للانتباه أن الإرهاب تطور منذ ذلك التاريخ حتى أصبح كوكبياً، أما اللجنة فقد توارت إلى حد النسيان. والمطلوب اذن تطويرها حتى تلحق بكوكبية الارهاب، وذلك بأن تكون هى الأخرى كوكبية وهى لن تكون كذلك إلا إذا تغيرت رؤية مجلس الأمن لمفهوم، الأمن وهو لن يتغير إلا إذا أصبح المجلس كوكبيا فى مواجهة نقيضه وهو الارهاب. ومعنى ذلك أن الأمن والارهاب فى الوضع القائم- على علاقة متناقضة. فحيث الارهاب لا أمن، وحيث لا أمن لا تنمية وحيث لا تنمية، لا تقدم وحيث لا تقدم لا حضارة. الأمن اذن فى زمن الارهاب الكوكبى هو أمن حضاري. ومع ذلك فهذا المصطلح، أى الأمن الحضاري، فى حاجة إلى بيان. وبيانه مرهون بتحديد معنى الحضارة. والرأى عندى أن الحضارة نسق تكنو- أيديولوجي- ينشأ من تفاعل الانسان مع البيئة كحد أدنى ومع الطبيعة كحد أقصي. ومن سمة النسق أن تكون له هُوية.
والهوية يراد بها ما يبقى دائماً ثابتاً بالرغم مما يطرأ على هذا الثبات من تغير فيقال عن أى شيء إنه هو هو، أى أن له هوية ( تنطق بضم الهاء) وأن هذا الشيء يرفض نقيض هويته. ومن هنا كان مبدأ عدم التناقض الذى وضعه ارسطو يعنى أن الشيء لا يمكن أن يكون هو وليس هو فى آن واحد. ثم جاء هيجل وارتأى أن الهوية تنطوى على نقيضها، فأقول أنا هو أنا وأنا لست أنا. ومن هنا كان مبدأ التناقض.
وسواء كانت الهوية ثابتة على نحو ما ارتأى أرسطو أو متطورة على نحو ما ارتأى هيجل فالهوية مهيأة للدخول فى أزمة، إما بسبب ثباتها على الرغم من تطور الواقع أو بسبب تطورها من الداخل لمواكبة واقع مغاير.
ومع بداية بزوغ الأصوليات الدينية فى الثلث الأول من القرن العشرين كان الحسم لصالح الهوية بالمعنى الأرسطي، لأن الأصوليات أيا كانت سمتها الدينية «تفكر فى النسبى بما هو مطلق وليس بما هو نسبي»، أى أنها تمطلق النسبى وهو هنا الهوية فتمنعها من التطور على الرغم من تطور الواقع، وبذلك تدخل فى تناقض مع ظاهرة بازغة وغير مسبوقة وهى ظاهرة الكوكبية، وتعنى أن كوكب الأرض أصبح وحدة بلا تقسيمات، الأمر الذى يلزم منه القول بالاعتماد المتبادل بين الأمم والشعوب بديلاً عن القول بالاستقلال التام. ومن شأن هذا الاعتماد المتبادل استحالة حل أى إشكالية إقليمية إلا فى إطار كوكبي. والعكس بالعكس. ومن أمثلة الإشكاليات الإقليمية الصراع العربى الإسرائيلي. ومن أمثلة الإشكاليات الكوكبية الأصوليات الدينية والارهاب.
وتأسيساً على ذلك كله يمكن فهم أسباب تدمير مركز التجارة العالمى بنيويورك. فهذا المركز هو أعلى مراحل الثورة العلمية والتكنولوجية من حيث هو رمز على الكوكبية. وقيل عن هذا التدمير إنه مرتبط ارتباطا عضويا بهيمنة القطب الواحد وهو أمريكا، أو هو مرتبط بالفجوة العميقة بين الشمال والجنوب أو بالصراع التقليدى بين الغرب والعالم الاسلامي. واللافت للانتباه هنا أن هذه أقوال كانت شائعة قبل تدمير المركز. ولكن مع بزوغ ظاهرة الكوكبة مع بداية القرن الحادى والعشرين فيكون من اللازم أن يأتى التعليل متسقاً مع هذا البزوغ. ولا أدل على ذلك من الذى قيل عن ذلك التدمير بأنه إرهاب، وأن هذا الارهاب مع التطور أصبح الآن ارهابا كوكبيا لا تخلو منه أية دولة على كوكب الأرض. ومن هنا يكون علينا تحليل الارهاب برؤية كوكبية. وإذا كانت الكوكبية من افراز الثورة العلمية والتكنولوجية، وإذا كانت هذه الثورة من إفراز المسار الحضارى الذى بدأ بالعلمانية فى القرن السادس عشر وانتهى بالليبرالية فى القرن التاسع عشر مروراً بنظرية العقد الاجتماعى فى القرن السابع عشر والتنوير فى القرن الثامن عشر، نقول إذا كان ذلك كذلك فتكون الكوكبية من إفراز ذلك المسار الحضاري. وإذا كان مولد الارهاب كوكبيا فى 11 سبتمبر فمولده اذن ممهد لتدمير الحضارة. ومن هنا تنطوى الحضارة على نقيضها، أى تنطوى على فنائها. وإذا كان ذلك كذلك فالمطلوب إذن إزالة هذا التناقض، إلا أن هذه الإزالة لن تتحقق إلا بابتداع حل يكون مركبا من مفهومين من بين المفاهيم الكامنة فى الطرفين المتناقضين.

والسؤال اذن: ما هو هذا المركب؟
من مفهوم الحضارة نستنبط التقدم المستند إلى العقل، ومن مفهوم الارهاب نستنبط الدين بعد استبعاده من الأصولية الدينية التى هى أصل الارهاب. والمقصود بالدين هنا الدين بمعنى الايمان المدعم بالعقل من أجل فهمه، أى الدين فى إطار إعمال العقل. والتحدى هنا يكمن فى قبول سلطان العقل المحرك للحضارة، ومن ثم يوصف هذا التحدى بأنه تحدياً حضارياً يستلزم تحالفا كوكبيا دفاعا عن الحضارة.
والسؤال بعد ذلك: كيف نؤسس هذا التحالف؟

وأجيب بسؤال: التحالف ضد من؟
ضد عدو يلزم تحديده. وهذا العدو يشير إليه ضمنيا ذلك التحدى الحضاري، وهو الأصولية الدينية النافية للعقل لأنها تنكر إعمال العقل فى النص الديني، أى تنكر التأويل، كما تنكر مؤسسه وهو ابن رشد الذى كان سببا فى تقدم أوروبا ابتداء من القرن الثالث عشر بفضل بزوغ الرشدية اللاتينية وكان سبباً فى تخلف العالم الاسلامى عندما كفروه وأحرقوا مؤلفاته، أى عندما استبعدوه ابتداء من القرن الثالث عشر إلى القرن الحادى والعشرين.
التحالف الكوكبى اذن نؤسسه برشدية كوكبية تؤلف بين نقيضين هما أوروبا والعالم الإسلامي، وتكون الغاية منه الدفاع عن الحضارة.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (105) التنمية برؤية كوكبية   الثلاثاء 22 ديسمبر 2015, 7:35 pm





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (105) التنمية برؤية كوكبية


الثلاثاء 11 من ربيع الأول 1437 هــ 22 ديسمبر 2015 السنة 140 العدد 47132




تلقيت ببالغ الإعزاز والتقدير دعوة كريمة من الدكتور ناصر القحطانى المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الادارية -وهى إحدى المنظمات المنبثقة عن جامعة الدول العربية- للمشاركة كمتحدث رئيسى فى الجلسة الافتتاحية فى المؤتمر السنوى الخامس عشر فى الفترة من 15-17 ديسمبر 2015و عنوانه «الأجندة التنموية لما بعد 2015 فى الدول العربية».

وكان عنوان بحثى «التنمية برؤية كوكبية» وهو عنوان يشى بأن مفهوم التنمية له أكثر من رؤية. فقد كانت التنمية، فى بدايتها، محكومة برؤية اقتصادية. وقد نشأت هذه الرؤية مع نشأة علم الاقتصاد السياسى عند آدم سميث فى كتابه المعنون «بحث فى طبيعة ثروة الأمم وأسبابها» (1776). وكانت الغاية من تأليفه تشكيل الإنسان الاقتصادى المواكب فى بزوغه لنظام رأسمالى يستند إلى مبدأ «دعه يعمل». وقد سماه سميث «اليد الخفية للسوق» حيث تتحدد الأسعار بحسب العرض والطلب دون تدخل الحكومة، إلا أن الأسعار فقدت اتزانها إلى الحد الذى أصبح عنده الاتزان هو الاستثناء وعدم الاتزان هو القاعدة، وبالتالى دخل النظام الرأسمالى فى أزمة فلزم تعديله، وأجرى هذا التعديل الاقتصادى الإنجليزى جون كينز فأدخل الحكومة كطرف أساسى فى إحداث الاتزان وذلك برفع سعر الفائدة أو خفضه، أو بزيادة الضرائب أو بتقليلها.

وفى بداية السبعينيات من القرن الماضى لم تعد نظرية كينز صالحة لمواجهة الأزمات الاقتصادية لأنها دارت على أن الإنسان كائن اقتصادى ليس إلا. وكان من شأنه أن قررت الأمم المتحدة أن تكون التنمية برؤية ثقافية، ومن ثم صكت مصطلح «التنمية الثقافية» فى عام 1988. إلا أن المفارقة هنا أنه مع صك هذا المصطلح كانت الأصوليات الدينية فى طريقها إلى الانتشار ومن ثم أحدثت تأثيرها على الثقافة فتعثرت التنمية بسبب أن هذه الأصوليات ترفض إعمال العقل فى النص الدينى فتأخذه على معناه الحسى الحرفى ثم ترقى به إلى مستوى المطلق. وحيث إن المطلق واحد وإذا تعدد فيلزم القضاء على ذلك التعدد وبذلك لا يبقى سوى مطلق واحد، إلا أن هذا القضاء لا يمكن أن يتم إلا بقتل أصحاب المطلقات المعادية لمطلق معين.

ومع بداية التسعينيات بزغت ظاهرة الكوكبية، والكوكبية نسبة إلى كوكب الأرض سواء فى اللغة العربية أو فى اللغات الأجنبية، وهى تعنى موت المسافة زمانيا ومكانيا بسبب الانترنت

(الكل المترابط) والإيميل (البريد الالكترونى) والإيكومرس (التجارة الإلكترونية). وكان من شأن ذلك أن تلاشت الفواصل بين الدول والشعوب، وحل محلها الاعتماد المتبادل فرفضت الأصوليات الدينية الدخول فى الكوكبية لأنها معادية لبعضها البعض، وكان الإرهاب وسيلتها. وهذا هو مغزى تدمير مركز التجارة العالمى فى 11/9. ومن هنا كان رأيى أن التنمية الثقافية لم تعد صالحة، والبديل هو التنمية الكوكبية ولكن بشرط التخلص من الأصوليات الدينية. وكان هذا التخلص هو الفكرة المحورية للكتاب القنبلة المعنون «تصادم الحضارات وإعادة صياغة النظام العالمى» (1997) لعاِلم الاجتماع الأمريكى صموئيل هنتنجتون والذى تنبأ فيه بأن الصراع القادم هو صراع بين الغرب والمجتمعات الاسلامية والآسيوية. وكان الرأى عندى أن الأصوليات الدينية دخلت فى علاقة عضوية مع الرأسمالية الطفيلية لأن كلا منهما ضد التنوير، وبالتالى ضد الحداثة، ومن ثم ضد التنمية بالرؤية الكوكبية. ومن هنا فإن التنمية الإقليمية لن تكون منفصلة عن التنمية الكوكبية، أى أن العلاقة بينهما متبادلة. ومن هنا أيضا تكون العلاقة بين الدول المتخلفة والدول المتقدمة متبادلة بمعنى أن الدول المتخلفة أمامها أحد أمرين: إما أن تتمثل مفهوم التنمية برؤية كوكبية فتلحق بالدول المتقدمة وإما أن ترفض هذا التمثيل فتزداد تخلفاً، بل تجد نفسها مضطرة إلى جذب الدول المتقدمة نحو التخلف. أما الدول المتقدمة فأمامها هى الأخرى أحد أمرين: إما أن تعمل عل إقناع الدول المتخلفة بتمثل الكوكبية فتندمج فى التقدم وإما أن تعمل على تفكيك هذه الدول بحيث تصبح مشلولة التأثير.

التنمية الكوكبية إذن هى أساس التنمية الإقليمية. والمطلوب بعد ذلك إدارة التنمية الإقليمية فى إطار التنمية الكوكبية بمعنى أن على جميع مؤسسات الدولة أن تكون غايتها الدخول فى المنافسة الكوكبية وذلك بخلق قيادات بمعايير كوكبية. مثال ذلك أنت لا تستطيع أن تؤسس مشروعا اقتصاديا على عمالة رخيصة، إذ ليس فى إمكان هذا المشروع أن ينمو ويتطور إلا إذا كانت القوة العاملة ترقى إلى مستوى القوة العاملة فى الدول ما بعد الصناعية، بل إن القوة العاملة بوجه عام لا تستطيع أن ترقى إلى المستوى الكوكبى من غير ثقافة كوكبية تستند إلى ثقافة التنوير. ومن هنا تكمن أهمية النخبة فى الترويج لمثل هذه الثقافة، وأهمية مديرى المشروعات فى أن يكونوا على وعى بتمثل هذه الثقافة. إلا أن هذا التمثل لن يكون ممكنا إلا بتغيير النسق الثقافى، وهذا التغيير لن يكون ممكناً من غير إدارة الدولة ولكن بشرط أن تكون هذه الادارة ممهدة للفكر المبدع وذلك بإزالة العوائق البيروقراطية الكامنة فى الجهاز الإدارى للدولة. إلا أن هذه الإزالة لن تتحقق إلا إذا تم تدريب المدير على متطلبات العملية الإبداعية من حيث إنها قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الوضع القائم بحسب تعريفى. والمطلوب بعد ذلك أن يتمثل المدير هذه المتطلبات حتى لا يكون هو عائقاً أمام المبدع. ومن أهم هذه المتطلبات رفض مقولة الإجماع باعتبارها العائق الأعظم أمام الإبداع. ومع رفض الإجماع من أجل الإبداع يلزم التحرر من الأصوليات الدينية وما يلازمها من إبطال إعمال العقل، ومن اقتصاد طفيلى يستند إلى الإتجار فى غير المشروع.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (106) المخ والعقل والمناخ   الثلاثاء 05 يناير 2016, 9:08 pm


رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (106)
المخ والعقل والمناخ


الثلاثاء 18 من ربيع الأول 1437 هــ 29 ديسمبر 2015 السنة 140 العدد 47139






من الظواهر اللافتة للانتباه فى القرن الواحد والعشرين ظاهرة كوكب الأرض. والمفارقة أن الانسان يحيا على هذا الكوكب ومع ذلك لم يكن على وعى بمدى تأثيره على العقل إلا فى زمنين: فى القرن السادس عشر وفى القرن الواحد والعشرين. فى القرن السادس عشر كان الفضل فى بزوغ ذلك الوعى إلى العالم الفلكى كوبرنيكس عندما أعلن نظريته القائلة بدوران كوكب الأرض حول الشمس فى كتابه المعنون «عن دوران الأفلاك». والمفارقة أيضا أن السلطة الدينية قد ارتعبت من هذه النظرية إلى الحد الذى عنده صادرت الكتاب وحاكمت جليليو لأنه أيد النظرية. وأظن أننى أول مَنْ فطِن إلى العلاقة الكامنة فى هذه النظرية بين دوران كوكب الأرض والعلمانية. وكانت حجتى فى تبرير هذه العلاقة مردودة إلى أن هذه النظرية تعنى أن الانسان يدور مع كوكب الأرض ومع دورانه يكون فى حالة حركة والحركة تنطوى على تغير، والتغير يعنى النسبية، والنسبية تعنى عدم قدرة العقل على امتلاك الحقيقة المطلقة. ومن هنا جاء تعريفى للعلمانية بأنها التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق.
ثم انشغلت بتشريح المخ مستعينا فى ذلك بكتاب كننجهام فى التشريح. إلا أن المفارقة هنا أننى أجريت التشريح على مخ لجثة ولم يكن على مخ حى حتى أتبين العلاقة بين حركة المخ ومسار العقل. وبعد ذلك قرأت كتاباً لعالِم الأمراض العقلية الفرنسى جورج دوما وعنوانه «عالم الأرواح والآلهة». ومن هنا قررت الانشغال ببحث العلاقة بين المخ والعقل والجنون فترددت على مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية، وفيها التقيت مريضاً بالبارانويا. والبارانويا مرض عقلى يدور على فكرة ثابتة ولكنها كاذبة، ومع ذلك فإن المريض يدلل على صدقها بحجج منطقية. وكان صاحبنا يعتقد بأنه إله الكون. ومن ثم تساءلت: ماذا حدث للعقل حتى يصل بصاحبه إلى الاعتقاد بأنه اله الكون. إن عقل صاحبنا قد أبدع فيما أبداه من أدلة، ولكنه إبداع مرضى يمنعه من تغيير الواقع. ومن هنا تساءلت: فماذا عن الابداع السوى؟ ومن هنا بدأت الاهتمام بدراسة الابداع فى عام 1977 عندما قدمت بحثاً إلى مؤتمر بجزيرة كيفالونيا باليونان، وكان عنوانه «العقل الانسانى والابداع الفنى» انتهيت منه إلى أن الذكاء لفظ غير علمى سواء عرفناَه بأنه القدرة على التكيف مع البيئة أو القدرة على تكوين علاقات جديدة. التعريف الأول يعنى أن السلوك الانسانى سلبى فى حين أنه ايجابى لأن الانسان مجاوز للبيئة. والتعريف الثانى يعنى أن الذكاء لا يتميز عن العقل لأن تكوين العلاقات الجديدة هو من شأن العقل. ومن هنا ليس ثمة مبرر لهذه الازدواجية، وبالتالى يلزم أن نكتفى بلفظ العقل. وحيث إن العقل قادر على تكوين علاقات جديدة فهو اذن مجاوز للوضع القائم، ومن ثم فهو مبدع.
وفى عام 1978 ألقيت بحثاً عنوانه «أسس فلسفية للتربية» فى مؤتمر ببغداد، ودار على التضاد بين ثقافة الذاكرة وثقافة الابداع. فالأنظمة التربوية تفرز ما يمكن تسميته «ثقافة الذاكرة» بمعنى أن القدرة على الحفظ دليل على قوة الذاكرة، وقوة الذاكرة دليل على شدة الذكاء. ولا أدل على ذلك من أن مقاييس الذكاء التى اصطنعها علماء النفس تدور على اختبار الانسان من حيث قدرته على استخدام الماضى. أما ثقافة الابداع فعلى الضد من ذلك إذ تنشغل بالمستقبل.
وفى عام 1984 ألقيت بحثاً عنوانه «الابداع: ايديولوجى أم ثقافى» فى مؤتمر بكيبك بكندا. الفكرة المحورية فيه تدور على العلاقة العضوية بين الابداع والمستقبل. فالابداع تجسيد للمستقبل وليس امتداداً للماضى. الابداع اذن معطى كمشروع للمستقبل.
وفى 7/ 11/ 1988 اقترحت على وزير التعليم الدكتور فتحى سرور عقد ندوة عن مشروعى الذى تقدمت به إليه وعنوانه «الابداع والتعليم العام» فوافق ومن ثم انعقدت الندوة وامتددت بها إلى كلية التربية، ولكن المشروع قُبر فى المؤسستين. ومع ذلك ظل السؤال قائما: ما العلاقة بين المخ والعقل؟ وعندئذ قرأت كتاباً من تأليف مفكريْن أحدهما عالِم متخصص فى المخ اسمه جون اكلس والآخر فيلسوف اسمه كارل بوبر. وعنوان كتابهما «النفس ومخها». والاتفاق بينهما أن كلا منهما يساير كوبرنيكس ودارون فى أن مكانة الانسان فى الكون متميزة. أما الافتراق فيكمن فى أن اكلس بؤمن بالله وخلود الروح بينما بوبر لا يدرى عنهما شيئا. كان ذلك فى القرن العشرين، أما فى القرن الحادى والعشرين فقد قرأت كتاباً عنوانه الرئيسى «العقل يتغير» وعنوانه الفرعى «كيف تترك التكنولوجيات الرقمية آثارها على أمخاخنا». ومعنى ذلك أن ثمة علاقة عضوية بين العقل والمخ.

والسؤال إذن:

كيف يصبح المخ عقلاً؟


وكان جوابى عندما نربط بين مشاعر ذاتية وبين أحداث فيزيقية فى المخ، أى عندما تكون الروابط بين الخلايا العصبية هى أساس الوعى، ويكون فيها الحدث الفيزيقى سببا فى الحدث العقلى. ومعنى ذلك أن الوعى عملية تحدث فى المخ. وبناء عليه نثير هذا السؤال: هل معرفة آليات علم الأعصاب يمكنها أن تكشف لنا عن سبب فقدان العقل؟ وإذا كان العقل الانسانى يتميز بأنه عقل مبدع فهل معرفة هذه الآليات تكون مصدراً لمعرفة آليات الابداع؟
واليوم ثمة تغير فى المناخ يمكن أن يحدث تخريباً فى كوكب الأرض عندما يمتلئ بثانى أكسيد الكربون المفسد لحياة الانسان فهل فى الامكان التقليل من نسبة ارتفاع ذلك الغاز؟ وإذا قيل إن البترول أدى دوراً مساعداً فى ذلك الارتفاع فهل فى إمكان الانسان ابداع طاقة بديلة لانقاذ كوكب الأرض؟ هذا هو السؤال العمدة فى هذا القرن.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (107) حوار بين ثقافتين   الثلاثاء 05 يناير 2016, 9:14 pm

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (107)
حوار بين ثقافتين


الثلاثاء 25 من ربيع الأول 1437 هــ 5 يناير 2016 السنة 141 العدد 47146


والمقصود بالثقافتين الأوروبية والمتوسطية. وقد تولت مؤسسة «أناليند» رعاية الحوار بينهما. وسبب تسمية المؤسسة بهذا الاسم هو أن أناليند كانت أول مؤيدة لذلك الحوار وكانت فى حينها وزيرة خارجية السويد، إلا أنها استشهدت بسبب فعل إرهابى تم فى عام 2003. وإثر ذلك اقترحت مصر أن تكون مكتبة الاسكندرية هى المقر، وقد كان، وتم افتتاحها فى مايو 2005. وفى عام 2006 تأسس مجلس علمى أورومتوسطى برعاية الحكومة الألمانية من ممثلين عن ست مدن: باريس وتونس وبرلين ومراكش ومدريد والقاهرة. وفى نفس ذلك العام قرر هذا المجلس انعقاد ندوته الأولى بمكتبة الاسكندرية فأجريتُ اتصالاً بالمسئول المختص إلا أن الاستجابة كانت سلبية فانعقدت فى المعهد السويدى المواجه للمكتبة.

وكانت الغاية من الحوار بين الثقافتين الكشف عما هو مشترك بينهما من أجل تحقيق الاعتراف المتبادل، وهو اعتراف ليس بالأمر الميسور فى إطار تنوعهما الثقافى الذى هو فى حالة منافسة تصل إلى حد الصراع، ومن ثم تتوهم كل ثقافة بأنها تملك الحقيقة المطلقة وأنها المتحكمة فى مسار الحضارة الانسانية والتى من غايتها الاطاحة بالثقافات الأخرى على غرار ما يحدث عندما تتحول المنافسة التجارية إلى احتكار السوق. ومن هنا كان من اللازم تكوين شبكة اتصالات بين فلاسفة وعلماء اجتماع وسياسيين من أوروبا واقليم البحر المتوسط لبيان أسباب التوترات والمقاومات التى يمتنع معها إجراء حوار من أجل تخفيضها أو إزالتها، ويكون من شأن ذلك تفجير الطاقة الابداعية فى جميع مجالات المعرفة الإنسانية وفى جميع الطبقات الاجتماعية بلا تمييز.

فى هذا الاطار انعقدت ندوة القاهرة تحت عنوان «الإيمان والعنف والعقلانيات» بمنطقة البحر المتوسط حيث وُلدت أوروبا وتطورت متأثرة بالأنماط المتباينة من العقلانية الفلسفية والدينية والعلمية التى ألهمتها فى تأسيس عصر النهضة وعصر الحداثة. أما الايمان الدينى فقد تبلور فى ثلاثة أديان: اليهودية والمسيحية والاسلام. وهذه الأديان بدورها أحدثت تأثيرها فى الثقافات كما أن هذه الثقافات أحدثت تأثيرها فى الأديان. واللافت للانتباه أن هذا التأثير المتبادل قد أدى إلى توليد العنف وما لازمه من قتل وذلك بسبب صعود الأصوليات الدينية. وهكذا تشوه الايمان الدينى وتحولت الحمية الدينية إلى تعصب. وقد قيل إن هذا التعصب كان مجرد رد فعل ضد الكوكبية التى قيل عنها إنها مهددة للهويات الدينية والثقافية بحكم تجاوزها لهذه الهويات. وقيل بعد ذلك عن الحمية إنها تعصب مفرط، وقيل عن هذا النوع من التعصب أنه يدفع إلى القتل باسم الله، وبذلك تلاحم الإرهاب مع الإيمان الديني. ولكن قيل أيضا عن هذا التلاحم إنه ثمرة تأويل معين للايمان من شأنه أن يحيل الايمان إلى معتقد مطلق، أى دوجما، ومن ثم كان التساؤل على النحو الآتي:

أيهما على علاقة بالعنف أو القتل: الإيمان أم المعتقد؟ وأيهما على علاقة بالعقل؟

وتأسيساً على ذلك كله أعددت ورقة عمل للمشاركين فى الندوة لمجرد الاسترشاد بها. وكانت تدور حول سؤالين أساسيين:

هل العلاقة بين الايمان والعنف والعقلانية هى التى تدفع الثقافات إلى الصراع أم إلى الحوار؟


ما هى العوامل التى تضعف الصراع وتقوى الحوار فى عالم محكوم بظاهرتين: الكوكبية ومجتمع المعرفة. وقصدت بالكوكبية موت المسافة زمانياً ومكانياً الأمر الذى من شأنه موت الفواصل والحدود من أجل الدخول فى اعتماد متبادل بين الأديان والثقافات. أما مجتمع المعرفة فقصدت به أن المعرفة هى القوة الفعالة بديلاً عن الحقيقة لأن المعرفة لا تستقيم مع الدوجماطيقية التى تتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة إذ هى فى حالة تطور دائم أما الحقيقة فهى تنشد قنص المطلق بالضرورة حتى تتجنب الشك الذى قد يطيح بها ويجعلها فى طى النسيان. ومن هنا نقول مع الكوكبية مجتمع المعرفة ولا نقول مجتمع الحقيقة لأن الكوكبية تنسف المطلقات التى تقف ضد التطور الدائم. ومن هنا أيضا يلزم بيان علاقة التناقض الحاد بين الكوكبية والأصوليات الدينية، وليس بين الكوكبية والدين. فى حالة التناقض الحاد الإزالة لا يمكن أن تتم إلا بإقصاء احد الطرفين إما الكوكبية أو الأصوليات الدينية أما فى الحالة الثانية فليس ثمة تناقض لأن الدين فى ذاته هو كوكبى بالضرورة، بمعنى أنه لا يكون محصوراً فى شعب معين أو أمة بعينها، ولا يكون مكفِراً لدين دون آخر، أو يكون زاعماً بأنه الدين الوحيد الممثل للكوكبية لأنها بحكم طبيعتها ليست ممثلة لدين دون آخر، إنما هى ممثلة للحضارة فى مسارها العلمانى ولكن بشرط أن نفهم العلمانية ليس على أنها مضادة للدين على نحو ما هو وارد فى تعريفها الشائع بأنها فصل الدين عن السياسة أو عن الدولة إذ القول بــــ «الفصل» يعنى القول بـــ «الاقصاء» والاقصاء ليس من شأن الكوكبية لأنها تُقصى بالمجاوزة بمعنى أنك إذا تجاوزتْ فقد أقصيتْ.

ويترتب على الجواب عن هذين السؤالين بيان المفاوضات التى تعيق الحوار الثقافى الأورومتوسطى بل بيان قدرة هذا الحوار على دفع الثقافتين إلى الارتقاء بمجتمعاتهما إلى مجتمع المعرفة فى إطار الكوكبية وبالتالى فى إطار افراز عقول مفتوحة على الابداع فى جميع مجالات المعرفة الانسانية، دون دوجماطيقيات تكون فى حالة عداء متبادل وقاتل، والمضى قدماً بعد ذلك إلى الانخراط فى ثورة المعلومات وانفجار المعرفة دون إقصاء إذ هما متكاملان لأن المعلومات فى حاجة إلى روابط لكى نفهم مغزاها، والروابط من شأنها الدفع بها إلى المعرفة التى هى فى جوهرها مغيرة لوضع قائم من أجل استدعاء وضع قادم. والوضع القادم لن يكون إلا باستدعاء العلمانية أساسا للحوار بين الثقافتين.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين » (108) المطران العلمانى غريغوار حداد   الأربعاء 13 يناير 2016, 5:34 pm





رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين » (108)
المطران العلمانى غريغوار حداد


الثلاثاء 2 من ربيع الآخر 1437 هــ 12 يناير 2016 السنة 140 العدد 47153





رحل عن عالمنا المطران غريغوار حداد رئيس ايبارشية الروم الكاثوليك ببيروت فى 2015/11/24. كان ينادى بالعلمانية، ومن أجل ذلك أصدر مجلة “ آفاق” فى بداية عام 1974 ونشر فيها سلسلة مقالات ابتداء من العدد الأول تحت عنوان على هيئة سؤال: “هل البحث الدينى الجذرى كفر وشك أم هو فى منطق الانجيل؟”. وجاء جوابه بأن البحث الدينى الجذرى كامن فى منطق الانجيل، ومن ثم طالب بتغيير جذرى للغة الدينية . وكانت حجته أن لغة القرن الثانى عشر لا يمكن أن تسهم فى فهم الايمان المسيحى، إذ من شأن التمسك بها يكسبها قيمة مطلقة فى حين أن القيمة المطلقة تخص الله وحده. ومن هنا يصبح تغيير اللغة حتمياً للمحافظة على الرسالة الكنسية، ومن ثم يصبح إقصاء الطائفية من الهوية حتمياً كذلك. وتأسيساً على ذلك أدان سنودس الروم الكاثوليك فى مايو من عام 1974 أفكار المطران حداد بدعوى تناقضها مع العقيدة المسيحية.

لذا كان لزاماً أن أكتب عنه فى مجلة “ الطليعة” وكنت فى حينها مشرفاً على “ ملحق الفلسفة والعلم”. قرأت افتتاحية مجلة “ آفاق” تحت عنوان “لماذا آفاق؟” وجاء جوابه على النحو الآتى: “ آفاق مجلة ملتزمة، والتزامها هو الانسان. ولكن مَنْ هو هذا الانسان؟ جواب “ آفاق”: “ إذا كان الله فى داخل الانسان فالايمان بالله يتجسد فى الايمان بالانسان”. ثم جاء فى خاتمة الافتتاحية أن الحوار يعنى أن أي قضية لن ينتهى فهمها نهائياً، بل بالعكس كلما ازداد الانسان فهماً لها تبينت له آفاق جديدة”.

والسؤال اذن:

ما هى هذه الآفاق الجديدة ؟


ذهبت إلى بيروت فى شهر نوفمبر من نفس ذلك العام للمشاركة فى ندوة محدودة تحت عنوان “ الحضارة والبترول” اشترك فيها معى اثنان مرموقان هما الشاعر المبدع أدونيس والمطران جورج خضر من الروم الأرثوذكس وكان من المتفق عليه أننى بعد انتهاء الندوة أجرى ثلاثة حوارات مع الإمام موسى الصدر والمطران غريغوار حداد والمطران جورج خضر.

وفى بداية الحوار مع المطران حداد سألته عن رأيه فيما كتبته عنه فى مجلة الطليعة فكان جوابه بأنه موافق على كل كلمة وردت فيما كتبت وعندئذ استطردت قائلا:

أنت إذن ترفض الوضع القائم فى لبنان دينياً وسياسياً، وترنو إلى آفاق جديدة فما هى هذه الآفاق:

أفق يذهب إلى رفض العقيدة المسيحية كشىء موضوعى متحجر.

وأفق ثان يدعو إلى العودة إلى الأصول الأولى للمسيحية.

وأفق ثالث ينادى بنقد جذرى للدين. لايكتفى بالمطالبة بالاصلاحات السطحية وحتى العميقة فى الكنيسة، بل يتجاوزها إلى المطالبة باعادة النظر فى الكنيسة ذاتها والتساؤل حول أن تكون أو لا تكون. وأنا من الذين ينادون بالأفق الثالث.

سألته: وما هى ركائز هذا النقد الجذرى للدين؟

أجاب: ركيزتان: المسيح والانسان. وكل منهما مطلق.

سألته: أليس القول بمطلقين تناقضاً فى الحدود باعتبار أن المطلق بحكم طبيعته واحد بالضرورة؟


أجاب: إذا فهمنا القول بمطلقين على أنه ينطوى على ازدواجية فهذا فهم مرفوض. أما أنا فأفهم هذا القول بمعنى اندماج الانسان فى الله، أى بمعنى تداخل المطلقين مع ملاحظة أن مطلقية الانسان أقل من مطلقية الله. وهذا القول حرفياً قد يوحى بالكفر والالحاد، ولكن مجازياً يعنى مشاركة الانسان فى الألوهية، ويعنى أن الانسان كائن متطور وغايته من التطور أن يصبح الهاً.

سألته: وماذا يترتب على هذا التصور من نتيجة؟

أجاب: فك الاشتباك بين المطلق والنسبى حتى يظل المطلق محتفظاً بمطلقيته.

سألته: وعملياً كيف تجسد هذه النتيجة؟

أجاب: أطالب بتغيير جذرى. وفى مقدمة هذا المطلب تغيير لغة الكنيسة من أجل المحافظة على الكنيسة.

سألته: هل ثمة دوافع سياسية وراء هذا النقد الجذرى للدين؟

أجاب: إذا كان ذلك كذلك فهذه ديماجوجية. ليس لدى من دوافع سوى إيمانى. ففى أثناء دراستى فى كلية اللاهوت كنت أقرأ ما يصلنى سراً من كتابات اللاهوتى وعالم الجيولوجيا تيار دى شاردان ( مات 1955)، وكانت تصلنى مكتوبة بالآلة الكاتبة لأن بابا الفاتيكان كان قد أصدر أمراً بعدم طبع مؤلفاته كما أصدر أمراً بمنعه من إلقاء محاضرات فى الجامعات الفرنسية.

سألته: لماذا ؟

أجاب : لأنه أحدث تغييراً فى مفهوم الله. فالله عنده لم يعد ثابتاً، إذ هو متطور. ويترتب على ذلك تأسيس علم لاهوت جديد اسمه لاهوت التاريخ أو لاهوت التطور. ومن هنا اكتشف أن الايمان الحقيقى لا يمكن أن يكون أفيوناً للشعوب، بل قوة دافعة لتغيير المجتمع وتحرير الانسان،

ولكن اللافت للانتباه هاهنا هو أنه فى اليوم السابق على التقائى المطران حداد أى فى 11/13/ 1974 كان الرئيس عرفات يلقى خطاباً فى الجمعية العامة للأمم المتحدة جاء فيه قوله إنه يعرض رغبة الفلسطينيين فى التعايش مع اليهود فى الدولة الفلسطينية الديمقراطية، أى الدولة التى لا تقوم على أساس دينى،بل تقوم على أساس علمانى. واللافت للانتباه هنا أيضاً أن الامام موسى الصدر فى حواره معى قال إن الربط بين الدين والدولة كان فى خدمة الطغاة المسلمين. وفى هذا المعنى كان الاتصال سراً بين الامام والمطران.

والمفارقة هنا أن هذه الدعوة إلى العلمانية من قبل موسى الصدر وحداد وعرفات قد قُبرت إثر اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية فى عام 1975 وحذف مصطلح العلمانية من قبل حركة فتح فى عام 1978 واشتعال الثورة الايرانية الأصولية فى نفس ذلك العام، وتصفية الامام الصدر فى ليبيا بأمر من القذافى وتأسيس حزب الله الأصولى فى جنوب لبنان فى عام 1982.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (109) مصير الإنسان على كوكب الأرض   الثلاثاء 19 يناير 2016, 7:11 pm





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (109)
مصير الإنسان على كوكب الأرض



الثلاثاء 9 من ربيع الآخر 1437 هــ 19 يناير 2016 السنة 140 العدد 47160


ورد إلى ذهنى عنوان هذا المقال وأنا أقرأ اتفاقية تغيير المناخ الكوكبى التى أبرمت فى باريس فى 13 ديسمبر 2015. والغاية منها منع ارتفاع الحرارة درجتين مئويتين مع منع انبثاق غاز ثانى أكسيد الكربون نهائياً والبحث عن طاقة جديدة من الشمس والماء والهواء بديلاً عن الطاقة الراهنة من بترول وفحم وغاز. وإذا لم تتحقق هذه الغاية فالبديل عواصف عارمة مع ارتفاع مستوى سطح البحر وذوبان الجليد، ومن ثم تصبح الحياة على كوكب الأرض مستحيلة. ومن هنا يمكن القول بأن الانسان فى مفترق طرق الآن.

والسؤال إذن: لماذا أصبح على هذا الحال؟

جوابى على هيئة قصة جديرة بأن تُروى؟

منذ 13٫5 بليون سنة حدث « الانفجار العظيم» أو ما يسمى باللغة الانجليزية

Big Bang وهو عبارة عن مادة وطاقة وزمان ومكان، وقيل عن هذه الرباعية بأنها تعبر عن قصة الفيزياء.

ومنذ 300٫000 سنة كونت هذه الرباعية تركيبات معقدة سميت الذرات، وقيل عنها إنها تعبر عن قصة الكيمياء.

ومنذ 3٫8 بليون سنة تجمعت على كوكب الأرض جزيئات لتكوين تركيبات ضخمة ومعقدة سميت كائنات عضوية، أى حية. وقيل عن هذه الكائنات إنها تعبر عن قصة البيولوجيا.

ومنذ 70٫000 سنة ظهرت كائنات حية جديدة تنتمى إلى ما سُمى باللغة اللاتينية

Homo sapiens يُعرب ولا يترجم، أى ينطق باللغة اللاتينية ويكتب بحروف عربية فيقال «هومو سابينس». وأوجز فأقول «سابينس». إلا أن هذا الانسان لم يكن هو النوع الوحيد من البشر، إذ كان معه أربعة أنواع بأسماء متباينة تسكن فى مناطق متعددة من كوكب الأرض: نوع كان يقيم فى شرق افريقيا، وثان فى شرق آسيا، وثالث فى سيبريا، ورابع فى أوروبا وغرب آسيا. انقرضت كلها ماعدا الـــ «سابينس» الذى هو «نحن»، وهو من نسل القردة العليا.

والسؤال اذن: بماذا تميز هذا الــــــ» سابينس»؟

تميز بالثورة، أى بالتغيير الجذرى، وكانت بدايته ابتداع التكنيك الزراعى لمواجهة « أزمة طعام» فى عصر الصيد، إذ كان من شأن هذا التكنيك أن تحولت العلاقة بين الانسان والبيئة الطبيعية. فبدلاً من أن تكون أفقية بمعنى تكيف الانسان معها أصبحت رأسية بمعنى تكييف الانسان لها. ومن ثم أصبح لديه « فائض طعام» بديلا عن «أزمة طعام». وكان من شأن ابتداع ذلك التكنيك أن أصبح لديه الوعى بضرورة «استئناس الحيوان» ليكون بعضه صالحاً لأن يكون وسيلة الاتصال بين البشر، ومن ثم أصبح التجمع ممكناً فى أماكن معينة كانت فى البداية قرى ثم مدن. ومع التجمع ابتدع الــــ» سابينس» اللغة. كانت فى البداية مجموعة من الأصوات والاشارات ثم تحولت إلى عبارات، وكل عبارة لها معنى محدد. ومن هنا قيل عنه إنه حيوان لغوى. ولما كانت اللغة تتحدث عن أشياء غير موجودة ولا يمكن لمسها فقد أدت بــــ «السابينس» إلى ابتداع الأساطير والآلهة والأديان التى أصبحت فيما بعد أساساً لأى نظام اجتماعى . ومن هنا تكوَن لدى الــــ «سابينس» عالمان: عالم واقعى وعالم افتراضى ، والثانى هو المتحكم فى الأول وهما معاً يكونان «ثقافة» المجتمع أو ما يسمى بــــ «العقل الجمعى».

ومع ذلك فثمة إشكالية كامنة فى الثورة الزراعية. فقد قيل إنها وضعت الـــ «سابينس» على طريق التقدم والثراء، ولكن قيل أيضاً إنها قادته إلى جهنم عندما أحدثت «بتراً» بينه وبين الطبيعة واتجهت به نحو الاغتراب فتمركز حول ذاته و أصبح له منزل مغلق ومعزول عن جاره فضاق به المكان ولكن الزمان كان به إطلالة على المستقبل، إلا أن هذه الإطلالة سببت له قلقاً. ومن هنا جاءت شريعة حمورابى فى عام 1776 قبل الميلاد لضبط الايقاع. وقيل إن ثلاثة آلهة اختارت حمورابى وألهمته الشريعة التى تنشد العدالة وتلاشى الشر وتمنع القوى من قهر الضعيف. إلا أن شيئاً من ذلك لم يتحقق، بل الذى تحقق كان على الضد من ذلك. ومن هنا كان على الــــ» سابينس» أن يحفر فى الجذور لكى يبحث عن السبب فوجد أنه كامن فى تذوق الموت دون تذوق الحياة. ولا أدل على ذلك من العمليات الانتحارية التى يمارسها الارهابى فى تفجير ذاته مع تفجير الآخرين.

والسؤال إذن: هل فى الإمكان تذوق الحياة دون تذوق الموت؟

فى الامكان حدوث ذلك إذا تداخل الموت مع الحياة، أى إذا تداخلت المادة الميتة مع المادة الحية. وقد تم ذلك بفضل علم أطلق عليه اسم bionics ومعناه العلم الذى يدربنا على كيفية خلق أنسقة آلية شبيهة بالكائنات الحية. ومن هنا يمكن خلق آلات حية.

وفى هذا السياق تأسس «مشروع المخ البشرى» فى عام 2005 والغاية منه خلق مخ بشرى كامل داخل كومبيوتر به دوائر الكترونية، ومن ثم يمكن إحداث حوار بين مخ كومبيترى ومخ حى، ومع التطور يمكن ادخال ما هو كومبيوترى فى ما هو حى، ومن ثم ينعدم التناقض الحاد بين ما هو ميت وما هو حى، أى ينعدم إقصاء أحدهما عن الآخر، أى ينعدم إقصاء الموت عن الحياة.

والسؤال المدهش بعد ذلك هو على النحو الآتى: هل يحدث للـــ «سابينس» ارتقاء إلى نوع جديد من البشر؟

أظن أن الجواب يمكن أن يكون بالايجاب إذا قرأنا تاريخه. فقد كان حيواناً مهملاً يعيش فى ركن من أركان افريقيا، ولكنه مع مرور الزمن أصبح سيد كوكب الأرض. واليوم يقف على عتبة تطور جديد يردد فيه الآية المذكورة فى الأصحاح الأول من سفر التكوين «خلق الله الانسان على صورته».





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (109) مصير الإنسان على كوكب الأرض   الثلاثاء 19 يناير 2016, 7:31 pm





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (109)
مصير الإنسان على كوكب الأرض



الثلاثاء 9 من ربيع الآخر 1437 هــ 19 يناير 2016 السنة 140 العدد 47160


ورد إلى ذهنى عنوان هذا المقال وأنا أقرأ اتفاقية تغيير المناخ الكوكبى التى أبرمت فى باريس فى 13 ديسمبر 2015. والغاية منها منع ارتفاع الحرارة درجتين مئويتين مع منع انبثاق غاز ثانى أكسيد الكربون نهائياً والبحث عن طاقة جديدة من الشمس والماء والهواء بديلاً عن الطاقة الراهنة من بترول وفحم وغاز. وإذا لم تتحقق هذه الغاية فالبديل عواصف عارمة مع ارتفاع مستوى سطح البحر وذوبان الجليد، ومن ثم تصبح الحياة على كوكب الأرض مستحيلة. ومن هنا يمكن القول بأن الانسان فى مفترق طرق الآن.

والسؤال إذن: لماذا أصبح على هذا الحال؟

جوابى على هيئة قصة جديرة بأن تُروى؟

منذ 13٫5 بليون سنة حدث « الانفجار العظيم» أو ما يسمى باللغة الانجليزية

Big Bang وهو عبارة عن مادة وطاقة وزمان ومكان، وقيل عن هذه الرباعية بأنها تعبر عن قصة الفيزياء.

ومنذ 300٫000 سنة كونت هذه الرباعية تركيبات معقدة سميت الذرات، وقيل عنها إنها تعبر عن قصة الكيمياء.

ومنذ 3٫8 بليون سنة تجمعت على كوكب الأرض جزيئات لتكوين تركيبات ضخمة ومعقدة سميت كائنات عضوية، أى حية. وقيل عن هذه الكائنات إنها تعبر عن قصة البيولوجيا.

ومنذ 70٫000 سنة ظهرت كائنات حية جديدة تنتمى إلى ما سُمى باللغة اللاتينية

Homo sapiens يُعرب ولا يترجم، أى ينطق باللغة اللاتينية ويكتب بحروف عربية فيقال «هومو سابينس». وأوجز فأقول «سابينس». إلا أن هذا الانسان لم يكن هو النوع الوحيد من البشر، إذ كان معه أربعة أنواع بأسماء متباينة تسكن فى مناطق متعددة من كوكب الأرض: نوع كان يقيم فى شرق افريقيا، وثان فى شرق آسيا، وثالث فى سيبريا، ورابع فى أوروبا وغرب آسيا. انقرضت كلها ماعدا الـــ «سابينس» الذى هو «نحن»، وهو من نسل القردة العليا.

والسؤال اذن: بماذا تميز هذا الــــــ» سابينس»؟

تميز بالثورة، أى بالتغيير الجذرى، وكانت بدايته ابتداع التكنيك الزراعى لمواجهة « أزمة طعام» فى عصر الصيد، إذ كان من شأن هذا التكنيك أن تحولت العلاقة بين الانسان والبيئة الطبيعية. فبدلاً من أن تكون أفقية بمعنى تكيف الانسان معها أصبحت رأسية بمعنى تكييف الانسان لها. ومن ثم أصبح لديه « فائض طعام» بديلا عن «أزمة طعام». وكان من شأن ابتداع ذلك التكنيك أن أصبح لديه الوعى بضرورة «استئناس الحيوان» ليكون بعضه صالحاً لأن يكون وسيلة الاتصال بين البشر، ومن ثم أصبح التجمع ممكناً فى أماكن معينة كانت فى البداية قرى ثم مدن. ومع التجمع ابتدع الــــ» سابينس» اللغة. كانت فى البداية مجموعة من الأصوات والاشارات ثم تحولت إلى عبارات، وكل عبارة لها معنى محدد. ومن هنا قيل عنه إنه حيوان لغوى. ولما كانت اللغة تتحدث عن أشياء غير موجودة ولا يمكن لمسها فقد أدت بــــ «السابينس» إلى ابتداع الأساطير والآلهة والأديان التى أصبحت فيما بعد أساساً لأى نظام اجتماعى . ومن هنا تكوَن لدى الــــ «سابينس» عالمان: عالم واقعى وعالم افتراضى ، والثانى هو المتحكم فى الأول وهما معاً يكونان «ثقافة» المجتمع أو ما يسمى بــــ «العقل الجمعى».

ومع ذلك فثمة إشكالية كامنة فى الثورة الزراعية. فقد قيل إنها وضعت الـــ «سابينس» على طريق التقدم والثراء، ولكن قيل أيضاً إنها قادته إلى جهنم عندما أحدثت «بتراً» بينه وبين الطبيعة واتجهت به نحو الاغتراب فتمركز حول ذاته و أصبح له منزل مغلق ومعزول عن جاره فضاق به المكان ولكن الزمان كان به إطلالة على المستقبل، إلا أن هذه الإطلالة سببت له قلقاً. ومن هنا جاءت شريعة حمورابى فى عام 1776 قبل الميلاد لضبط الايقاع. وقيل إن ثلاثة آلهة اختارت حمورابى وألهمته الشريعة التى تنشد العدالة وتلاشى الشر وتمنع القوى من قهر الضعيف. إلا أن شيئاً من ذلك لم يتحقق، بل الذى تحقق كان على الضد من ذلك. ومن هنا كان على الــــ» سابينس» أن يحفر فى الجذور لكى يبحث عن السبب فوجد أنه كامن فى تذوق الموت دون تذوق الحياة. ولا أدل على ذلك من العمليات الانتحارية التى يمارسها الارهابى فى تفجير ذاته مع تفجير الآخرين.

والسؤال إذن: هل فى الإمكان تذوق الحياة دون تذوق الموت؟

فى الامكان حدوث ذلك إذا تداخل الموت مع الحياة، أى إذا تداخلت المادة الميتة مع المادة الحية. وقد تم ذلك بفضل علم أطلق عليه اسم bionics ومعناه العلم الذى يدربنا على كيفية خلق أنسقة آلية شبيهة بالكائنات الحية. ومن هنا يمكن خلق آلات حية.

وفى هذا السياق تأسس «مشروع المخ البشرى» فى عام 2005 والغاية منه خلق مخ بشرى كامل داخل كومبيوتر به دوائر الكترونية، ومن ثم يمكن إحداث حوار بين مخ كومبيترى ومخ حى، ومع التطور يمكن ادخال ما هو كومبيوترى فى ما هو حى، ومن ثم ينعدم التناقض الحاد بين ما هو ميت وما هو حى، أى ينعدم إقصاء أحدهما عن الآخر، أى ينعدم إقصاء الموت عن الحياة.

والسؤال المدهش بعد ذلك هو على النحو الآتى: هل يحدث للـــ «سابينس» ارتقاء إلى نوع جديد من البشر؟

أظن أن الجواب يمكن أن يكون بالايجاب إذا قرأنا تاريخه. فقد كان حيواناً مهملاً يعيش فى ركن من أركان افريقيا، ولكنه مع مرور الزمن أصبح سيد كوكب الأرض. واليوم يقف على عتبة تطور جديد يردد فيه الآية المذكورة فى الأصحاح الأول من سفر التكوين «خلق الله الانسان على صورته».





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (110) التنوع الثقافى فى زمن الأصوليات   الخميس 28 يناير 2016, 11:18 pm





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (110)
التنوع الثقافى فى زمن الأصوليات



الثلاثاء 16 من ربيع الآخر 1437 هــ 26 يناير 2016 السنة 140 العدد 47167




فى الثانى من نوفمبر من عام 2001، أعلن اليونسكو وثيقة عنوانها« الإعلان العالمى للتنوع الثقافى». وقد أبرمت هذه الوثيقة إثر أحداث 11 سبتمبر من ذلك العام وجاء فيها أن حوار الثقافات هو أفضل ضمان للسلام، وبالتالى تكون نظرية حتمية تصادم الحضارات مرفوضة لأن الإرث المشترك بين بنى البشر وضرورته مماثلة لضرورة التنوع البيولوجى فى الطبيعة، ومن ثم فالدفاع عنه أمر أخلاقى لأنه يقف ضد الأصوليات الدينية التى ترفض إعمال العقل فى النص الدينى كما ترفض النظريات العلمية المتناقضة مع حرفية النص الدينى. وفى هذا السياق يمكن القول إن التنوع الثقافى فى إمكانه أن يكون دافعاً إلى الابداع الذى هو أساس نشأة الحضارة الانسانية وتطورها، بل هو أساس أمنها وسلامها.

والمفارقة هنا أن ارهاب 11/9 لم يكن ارهاباً لحظياً بل كان نقطة بداية لإرهاب متواصل من أجل أن يكون مدمراً لظاهرة الكوكبية التى كان صعودها مواكباً مع بداية الارهاب، ومن ثم يتوارى الأمن والسلام ويكون البديل تحكم الارهابيين فى إعادة مسار الحضارة إلى ما قبل نشأتها. وتأسيساً على هذه المفارقة عقدت منظمة اليونسكو ندوة فى مايو من عام 2007 دعت إليها عشرة من قادة الفكر، وكنت واحداً من هؤلاء لإعادة النظر فى المفاهيم التى انطوت عليها وثيقة « الاعلان العالمى للتنوع الثقافى».

والسؤال اذن:

هل إعادة النظر فى المفاهيم محكومة بقواعد المنطق أم بقواعد اللغة؟


الجواب الشائع هو القول بأن ضبط الفكر مرهون بضبط اللغة. والرأى عندى على الضد من ذلك، بمعنى أن ضبط اللغة مرهون بضبط الفكر. فإذا كان الفكر واضحاً فألفاظ اللغة واضحة. وقد دارت مناظرة حول هذه المسألة بين أبى سعيد السيرافى ( مات 979م) المشهور بأنه شارح كتاب سيبوبه وبين أبى بشر متى بن يونس ( مات 940 م) المترجم للتراث اليونانى أو بالأدق للتراث الأجنبى. وكان السيرافى قد ارتأى أنه إذا كان الفيلسوف اليونانى أرسطو قد أسس المنطق على لغة أهل اليونان فليس من اللازم أن ينظر العرب فيه ويتخذوه حَكماً لهم وعليهم. وكان رد أبى بشر بأن معانى المنطق واردة لدى جميع بنى البشر. وعندما يئس السيرافى من قدرة أبى بشر على الفهم قال: النحو منطق ولكنه مسلوخ من العربية، والمنطق نحو ولكنه مفهوم باللغة. وأنا أظن أن إيثار النحو على المنطق عند السيرافى مردود إلى رؤية النحويين إلى المنطق على أنه مدخل إلى الأجنبى، والأجنبىشر، ومن ثم فالمنطق شر. ولهذا قيل « مَنْ تمنطق تزندق».

ومن هنا تأتى الأهمية التاريخية لتلك المناظرة إذ هى يمكن أن تكون تفسيراً لرفض العالم الاسلامى للغرب برمته باعتباره أجنبياً، وبالتالى لرفض التنوع الثقافى ومحاولة تدميره بالارهاب من غير إعمال العقل.

والسؤال بعد ذلك:

ما العمل؟

الحفر فى الجذور حتى نكتشف بداية المسار الأصولى فى العالم الاسلامى؟

أظن أن بدايته مردودة إلى اللحظة التى كُفر فيها ابن رشد وأُحرقت مؤلفاته. وهذه اللحظة واردة عندما دعا إلى « التأويل»، أى إلى إعمال العقل فى النص الدينى، وإلى « منع تكفير المؤول»، ومن ثم إلى « مشروعية الخروج على الاجماع لأن دعوته تعنى ضمنياً الانفتاح على « الآخر المرفوض» كما تعنى الخروج على الاجماع وقبول التنوع الثقافى.

والسؤال اذن:

هل فى الامكان إعادة صياغة الاعلان العالمى؟

جوابى بالايجاب فى ضوء ظاهرة الكوكبية، ومن ثم يأتى الاعلان على النحو الآتى:« الاعلان العالمى لكوكبية التنوع الثقافى»، وتأتى البنود بعد ذلك متسقة فى إطار العلاقة بين الكوكبية والتنوع الثقافى.

والسؤال بعد ذلك:

لماذا هذه العلاقة دون غيرها؟


الجواب يلزمنا بالكشف عن طبيعة الكوكبية. والرأى عندى أن الكوكبية هى المكون الثانى من رباعية القرن الحادى والعشرين وهى على النحو الآتى: الكونية والكوكبية والاعتماد المتبادل والابداع. الكونية تعنى إمكان تكوين رؤية علمية عن الكون استناداً إلى الثورة العلمية والتكنولوجية. فقد أصبح من الممكن أن يرى الانسان الكون من خلال الكون ذاته وذلك بفضل غزو الفضاء، وكان من قبل ذلك يرى الكون من خلال الأرض على نحو ما فعله كل من نيوتن وأينشتين. والكوكبية لازمة من الكونية حيث يمكن رؤية كوكب الأرض من خلال الكون فتبدو وكأنها وحدة بلا تقسيمات. والاعتماد المتبادل لازم من الكوكبية حيث تمتنع الفواصل والحدود، وعندئذ تدخل الدول والشعوب فى اعتماد متبادل ينتفى معه الشعار الشائع « الاستقلال التام أو الموت الزؤام»، ومن ثم لا يكون التفكير التقليدى صالحاً. ومن هنا ضرورة الابداع للكشف عن حلول جديدة. ومن هنا أيضا يمكن الجواب عن السؤال المثار: لماذا تكون العلاقة ضرورية بين التنوع الثقافى والكوكبية؟ لأن الكوكبية تمتنع معها الأصولية التى ترفض التنوع الثقافى بدعوى أنها هى وحدها التى تملك الحقيقة المطلقة. وحيث إن الحقيقة المطلقة واحدة فلا تنوع وبالتالى لا ابداع لأن الابداع يستلزم التفكير الناقد، وهذا بدوره كفيل بهز الاعتقاد فى حقيقة مطلقة واحدة، وبالتالى بهز الأصولية وما يلزم عنها من ارهاب.

واللافت للانتباه هنا أن كلا من ديباجة الاعلان وبنوده الاثنى عشر تأتى خالية من مصطلح الأصولية وهى تتحدث عن تحدى الكوكبية للتنوع الثقافى، إذ لا يكفى القول إن فيضان المعلومات الجديدة وتكنولوجيا الاتصالات يشكل تحدياً، كما لا يكفى القول بأن الكوكبية توجد مناخاً لتجديد الحوار بين الثقافات والحضارات. فالتحدى الحقيقى الذى يواجه التنوع الثقافى فى ضوء الكوكبية هو الأصوليات الدينية وفى مقدمتها الأصولية الاسلامية وما ترتب عليها من ارهاب كوكبى. ومن هنا يلزم إعادة النظر فى الاعلان العالمى للتنوع الثقافى.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» جواب عن سؤال: ما الحقيقة؟ (111)   الثلاثاء 02 فبراير 2016, 6:59 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين»
جواب عن سؤال: ما الحقيقة؟ (111)


الثلاثاء 23 من ربيع الآخر 1437 هــ 2 فبراير 2016 السنة 140 العدد 47174

عنوان هذا المقال به تعديل جزئى لمقال كان قد نشره الفيلسوف العظيم كانط فى عام 1784 فى مجلة شهرية فى برلين، وكان عنوانه «جواب عن سؤال: ما التنوير؟» وأنا هنا أكتب لفظ «الحقيقة» بديلاً عن لفظ «التنوير».والسؤال إذن: لماذا هذا البديل؟

بسبب الفارق بين هموم القرن الثامن عشر وهموم القرن الواحد والعشرين. فى القرن الثامن عشر كانت الهموم متمركزة حول تحرير العقل من كل سلطة ما عدا سلطة العقل. وقد تمثل هذا التحرير عند كانط فى الشعار الذى صكه للتنوير وهو «كن جريئاً فى إعمال عقلك». وكانت الجرأة عنده تعنى إقصاء الحراس المكلفين بإخضاع بنى البشر للسمع والطاعة سواء كان هؤلاء الحراس من المؤسسة الدينية أو من أى مؤسسة من المؤسسات التى كانت تغط فى السُبات الدوجماطيقى، أى فى النوم الذى يسببه المعتقد المطلق. وفى هذا السياق ألَف كانط أربعة كتب: انقد العقل الخالصبو «نقد العقل العملى» و«صراع الملكاتب» «الدين فى حدود العقل وحده». وفى هذا السياق أيضا صدرت مؤلفات لفلاسفة التنوير فى فرنسا. وإثر ذلك حدثت الثورة الفرنسية ثم الثورة الأمريكية.

أما فى القرن الواحد والعشرين فقد شاعت الأصوليات الدينية فى أديان كوكب الأرض، وتميزت بأن كل واحدة منها تزعم أنها تملك الحقيقة المطلقة. وحيث إن الحقيقة المطلقة واحدة فقد نشب صدام دموى بين قيادات هذه الحقائق المطلقة. إلا أن هذا الصدام الدموى لم يقف عند حد هذه القيادات بل تعداه إلى كيانات الدول وهويات الشعوب. وقد قيل عن هذا النوع من الصدام إنه ارهاب. ومن هنا صككت هذه العبارة «الارهاب أعلى مراحل الأصوليات الدينية». فإذا أردت أن تقضى على الارهاب فعليك القضاء على هذه الأصوليات. والسؤال اذن: كيف نقضى عليها؟

إذا كانت الأصولية الدينية تزعم أنها تملك الحقيقة المطلقة فالسؤال اذن: هل فى الامكان امتلاك الحقيقة المطلقة؟ وأجيب بسؤال: هل ثمة حقيقة مطلقة؟ والمفارقة هنا أن هذا السؤال مثار الآن فى الدوائر الثقافية والدينية الغربية وليس مثاراً فى أى من الدوائر العربية والاسلامية بل المثار فيها إدانة التطرف الدينى ويقصد به فى نهاية المطاف الخروج على الاجماع وعلى السمع والطاعة، أى الخروج على السلطة الدينية، ومن هنا تُجهض أى دعوة يقال عنها إنها تجديد للخطاب الدينى أو إنها ثورة دينية أو إنها ثورة فكرية. ومن هنا أيضا يشيع الارهاب ويتحكم ولا يقف عند حد الدول العربية والاسلامية إنما يتعداه إلى الدول الأوروبية والأمريكية والأفروآسيوية.

وإذا كان ذلك كذلك فالسؤال عما إذا كانت ثمة حقيقية مطلقة جدير بأن يكون مُلزما لدول وشعوب كوكب الأرض. وتطور الحضارة يشهد على عجز العقل عن امتلاك الحقيقة المطلقة. فما كان حقيقة بالأمس يصبح لا حقيقة فى الغد. إلا أن هذه الشهادة لم تسلم من الادانة والمطاردة. أمثل لما أقول بما حدث فى الماضى. فى القرن الخامس قبل الميلاد نشر بروتاغوراس كتاباً سماه «الحقيقة» وصلت إلينا منه شذرات. منها شذرة تقول أن «الانسان مقياس الأشياء جميعا»ً بمعنى أن «الأشياء هى بالنسبة إلىَ على ما تبدو لى، وهى بالنسبة إليك على ما تبدو لك وأنت انسان وأنا انسان». ورتب على هذه العبارة عبارة أخرى «لا أستطيع أن أعلم إن كان الآلهة موجودين أم غير موجودين» فاتهم بالالحاد وحكم عليه بالاعدام وأحرقت كتبه ففر هارباً ومات غرقاً. وفى القرن السادس عشر أعلن كوبرنيكوس نظريته القائلة بدوران الأرض حول الشمس فى كتابه المعنون «عن حركات الأفلاك» فصودر الكتاب من قبل السلطة الدينية. وعندما أيد جليليو النظرية أعلن ديوان الفهرست وهو الديوان المكلف بمراقبة الكتب أن جليليو قد خرج على الدين لقوله بنظرية منافية للكتاب المقدس. وفى القرن التاسع عشر دعت الأصولية المسيحية إلى تجريم تدريس نظرية التطور فى المدارس والجامعات فى أمريكا.

الرعب اذن ملازم لأى نظرية علمية تتوهم السلطة الدينية أنها تهز المعتقد، أى تهز حقيقة مطلقة. وإذا كان ذلك كذلك فنحن اذن فى مأزق وهو على النحو الآتى: إما تطور العلم مع عدم الالتزام بالحقيقة المطلقة، أو الالتزام بالحقيقة المطلقة مع منع العلم من التطور. ومعنى ذلك أن الخروج من المأزق يستلزم التضحية بأى منهما. وقد تمت التضحية بالحقيقة المطلقة، بل بالحقيقة ذاتها. والسؤال اذن كيف حدث ذلك؟

بفضل شعار التنوير ذاته على نحو ما ارتآه كانط: «كن جريئاً فى إعمال عقلك». الجرأة تعنى عدم التهور، وذلك بعدم الخروج على حدود العقل. وحدود العقل محكومة بعدم قنص المطلق، ولكنها محكومة أيضاً بمحاولة قنصه دون قنصه. وإذا كان المطلق مرتبطاً بالحقيقة فالمطلوب اذن فك الارتباط بين المطلق والحقيقة. والبديل ماذا يكون؟ ارتباط العقل بالمعرفة وليس بالحقيقة. وفى هذا السياق أسست علماً جديداً اسمه «ثلاثية العلم»، أى الفلسفة والفيزياء والسياسة، الفلسفة فيه هى الوحدة الكلية للمعرفة وتتأسس على الفيزياء والسياسة. السياسة تُرد إليها العلوم الانسانية، والفيزياء ترد إليها العلوم الطبيعية. وهذه الثلاثية قابلة للتطور بعيداً عن حراس الحقيقة المطلقة الذين لا يعنيهم سوى المحافظة عليها، والمحافظة هنا ممكنة بلا رعب لأن العلم الجديد لا يعنيه سوى المعرفة فى تطورها من أجل تغيير الواقع والتقدم بلا حدود. وفى هذا السياق تدخل المعرفة كعامل رابع لعوامل الانتاج الثلاثة: المال والأرض والعمل. وكانت مقدمات هذه الثلاثية فى المؤتمر الفلسفى الدولى الثالث الذى عقدته فى القاهرة فى عام 1980.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (112) حياة بلا موت   السبت 20 فبراير 2016, 8:04 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (112) حياة بلا موت


الثلاثاء 30 من ربيع الآخر 1437 هــ 9 فبراير 2016 السنة 140 العدد 47181

عنوان هذا المقال كان عنواناً لبحث ألقيته فى بداية هذا القرن فى مؤتمر بتونس تحت عنوان «ما الحياة؟» وفى حضور فرنر أربر الحاصل على جائزة نوبل فى الطب، وريمون دوديل رئيس الأكاديمية الأوروبية للعلوم والفنون والآداب وصلاح الدين فطوم بكلية الطب بتونس.

وأظن أولاً أن السؤال عن الحياة هو سؤال هذا القرن بسبب شيوع الارهاب الأصولى القاتل للحياة.

وأظن ثانياً أن الانشغال بمعرفة أصل الحياة على كوكب الأرض وليس خارجه قد بدأ علمياً مع دارون. فقد عرض نظريته عن أصل الحياة فى كتابه « أصل الأنواع» ومفادها أن الأحياء تطورت عن أصل واحد حى يُفسر تكاثرها وتنوعها بقانون الانتخاب الطبيعى أو بقاء الأصلح وهو القانون اللازم من تنازع البقاء.

وأظن ثالثاً أن التمهيد لهذا السؤال ورد فى منتصف القرن العشرين لدى الفزيائى النمساوى الحاصل على جائزة نوبل فى الطب ارون شرودنجر عن أهم مؤلفاته وعنوانه «ما الحياة؟» الذى صدر منه ثمانى عشرة طبعة، وفيه يربط بين الفزياء وعلم البيولوجيا، أى بين المادة والحياة. كما ورد لدى فرانسوا جاكوب الطبيب الفرنسى الحائز على جائزة نوبل فى الطب. وهو مشهور بكتابه المعنون « منطق الحياة» وقد صدرت منه سبع طبعات. فكرته المحورية أن الحياة عملية متواصلة لا تقف عند حد تذكر الماضى بل تتجه أيضا إلى المستقبل، والجهاز العصبى من حيث إنه أداة التنسيق بين سلوك الخلايا المتباينة أصبح قادراً على اختراع مستقبل يحتوى على الموت وعلى ما بعد الموت ومن ثم يحدث حوار بين ما هو واقعى وما هو ممكن استناداً إلى عقل قادر على التمييز بين الحلم والواقع ولكنه أيضا قادر على التعامل معهما بشرط أن يكون الأمل هو الذى يعطى معنى للحياة. وهنا يختتم جاكوب كتابه بعبارة قالها الأديب الفرنسى تريستان برنارد عندما قبض عليه وعلى زوجته جستابو هتلر: « لقد انتهى زمن الخوف والآن جاء زمن الأمل».

وتأسيساً على ذلك يمكن القول إنه لم يعد ينظر إلى المنظومة الحية على أنها جملة أعضاء ووظائف أعضاء، إنما على أنها رسالة ضد التفكك، أى ضد الموت. والاتزان هو العملية التى بفضلها تقاوم المنظومة الموت. بيد أن هذا الاتزان لا يتم بمعزل عن البيئة. فثمة علاقة جدلية، أى علاقة وحدة مع الصراع، بين المنظومة الحية والبيئة. ولهذا فعلى المنظومة التفاهم معها. إلا أن هذا التفاهم لا يستلزم المعرفة فحسب بل يستلزم وحدة المعرفة فتتداخل علوم الحياة مع علوم البيئة. وأى اختلال فى هذا التفاهم من شأنه أن يفضى إلى المرض، ذلك أن المرض يعنى أن الانسان ليس على مايرام. واللفظ الانجليزى diseased

أى مريض مكون من مقطعين dis و eased وهما معاً يعنيان «عدم الراحة». وحيث إن المرض ضد الصحة فالصحة اذن تستلزم وحدة المعرفة. واللفظ الانجليزى يدلنا على ذلك. فلفظ health يعنى الصحة وهو مشتق من اللفظ الانجلوسكسونى hal ومعناه whole أى الكل. ولذلك يقال to be made whole ومعناه أن يكون كلاَ، ومن ثم تكون مهمة الطبيب سؤال المريض عن هويته قبل سؤاله عن هوية مرضه. فيسأله أولاً: مَنْ أنت؟ قبل أن يسأله: مم تعانى؟ ولا أدل على ذلك من تعريفنا لمرض السرطان بأنه نتوء فى أسلوب الحياة. وتفصيل هذا التعريف على النحو الآتى:

السرطان ليس ورماً يبزغ بلا مقدمات فى جسم سليم.

والسؤال اذن:

ما هى مقدمات هذا الورم؟


إن ثمة مقدمات ينبغى استبعادها، وهى مقدمات تتسم بتفكير تقليدى آلى عن نشأة أى مرض. فالمرض فى ضوء هذا اللون من التفكير هو ثمرة عامل محدد وهو إما بكتيريا أو فيروس أو نقص فى الهرمونات. والطب الحديث يعتمد هذا التعليل فى نشأة السرطان مع إضافة أسباب سيكوسوماتية، أى أسباب نفسية جسمية، تذهب إلى أن العوامل النفسية قد تفسد الاتزان الهرمونى للكائن الحى، أو تضعف آليات المناعة، أو إضافة أسباب بيوكيميائية مثل نقص الأكسجين.

ومع ذلك يظل السؤال العمدة قائماً:

ما السبب؟

إذا كان هو الفيروس فكيف نشأ؟

وإذا كان أعمق منه كأن يكون كيميائياً فما هو؟

وإذا كانت الانفعالات فكيف تولد السرطان؟

وإذا كان ثمة علاقة بين هذه الأسباب والسرطان فتحول الخلية السليمة إلى خلية سرطانية مازال مجهولاً؟

وإذا كانت معرفة السبب معضلة فذلك مردود إلى أن الطب ينظر إلى الورم السرطانى لا على أنه عرض لمرض ولكن على أنه المرض ذاته. وفى هذه الحالة ليس أمام الطبيب سوى بتر الورم بالجراحة أو تدميره بالكيماويات. ومع ذلك فاحتمال عودته مرة أخرى أمر وارد.

والسؤال اذن:

كيف تتحول الخلية السليمة إلى خلية سرطانية؟

جواب هذا السؤال مشتق من معرفة خاصية الخلية السرطانية. وهذه الخاصية تكمن فى أنها قد حصلت على طاقة حيوية تجاوزت الحد السوى فتختل عدالة توزيع الطاقة الحيوية فنكون لدينا خلية ثرية بالطاقة الحيوية وخلية فقيرة من هذه الطاقة فتأكل الأولى الثانية بأسلوب وحشى، ومن ثم يمكن أن يقال على الخلية السرطانية إنها خلية تتارية تدمر الحياة ذاتها على غرار تدمير التتار للحضارة، وبالتالى فإن السبب الذى يسمح ببزوغ التتار هو الذى يسمح ببزوغ الخلية السرطانية. فإذا كان سبب نشوء التتار رفض الحضارة فسبب نشوء السرطان رفض الحضارة أيضاً، أو بالأدق رفض شهوة الحياة. السرطان اذن كامن فى فلسفة الحياة وليس فى فسيولوجيا الحياة. وإذا استقامت فلسفة الحياة مع الحياة استمرت الحياة بلا نهاية.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (113) مصر والإرهاب الكوكبى   السبت 20 فبراير 2016, 8:11 pm





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (113)
مصر والإرهاب الكوكبى


الثلاثاء 7 من جمادي الاولى 1437 هــ 16 فبراير 2016 السنة 140 العدد 47188

قرأت خبرا كوكبيا فى جريدة «المصرى اليوم» بتاريخ 6/2/2016 مفاده أن مصر تسلمت رسمياً «لجنة مكافحة الارهاب» بمجلس الأمن الدولى فى اجتماعها بنيويورك بحضور مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة السفير عمرو أبو العطا الذى عرض رؤيته على النحو الآتى: مكافحة تمويل الارهاب، والتصدى لظاهرة قيام التنظيمات الارهابية بتجنيد مقاتلين وارسالهم للدول المختلفة. ثم استطرد قائلاً: «إن منهجنا فى مكافحة الارهاب هو منهج عملى، الغاية منه تحديد التدابير الملموسة ذات الصلة بمكافحة الارهاب».

والجدير بالتنويه أن أعضاء مجلس الأمن اختاروا مصر بالاجماع لرئاسة اللجنة التى أنشئت إثر أحداث 11/9.

والسؤال اذن: لماذا يكون الحادث الارهابى الذى وقع فى 11/9 بنيويورك وتكون مصر هى رئيسة اللجنة المكلفة بمكافحة الارهاب؟

أغلب الظن أن الجواب يكمن فى أن مصر هى مصدر الارهاب، وبالتالى تكون أوْلى من غيرها فى مكافحة الارهاب كوكبيا، ذلك أن الذين كلفوا بتدمير مركز التجارة العالمى بنيويورك هم أعضاء من الاخوان المسلمين التى تأسست فى عام 1928 وأنشأت قسماً خاصاً للاتصال بالعالم الاسلامى لنشر الدعوة.

وعندما قامت ثورة 23 يوليو أفرج الضباط الأحرار عن المعتقلين من الاخوان المسلمين، وعندما صدر قانون حل الأحزاب فى 17/1/ 1953 طٌبق على الجميع باستثناء الاخوان المسلمين بدعوى أنهم جماعة وليسوا حزباً. والجدير بالتنويه أن عبد الناصر شخصياً قبل الثورة هو الذى كان يعطيهم السلاح ويدربهم عسكرياً لارسالهم إلى فلسطين للاشتراك فى حرب 1948. ومع ذلك فقد حاول عضو بالجماعة اغتيال عبد الناصر بأن أطلق عليه رصاصات فى 26 أكتوبر 1954، إلا أن عبد الناصر لم يصب بشىء.

وفى عام 1964 صدر كتاب سيد قطب المعنون “ معالم فى الطريق”. وفيه الحاكمية الفكرة المحورية التى تعنى أن يكون كوكب الأرض محكوماً بسلطة اسلامية لا تنازعها أية سلطة أخرى ليتم الانتقال من الجاهلية إلى الاسلام، وأن تصبح الحياة كلها تطبيقاً للاسلام ومن ثم يعود البشر إلى حكم الله، وأن كل مَنْ ينازع حق الله فى الحاكمية وفى تنحية شريعة الله لتكون جهة أخرى غير الله هى مصدر السلطة فانه يُتهم فى البداية بالكفر، وإذا عاند فانه فى النهاية يحكم عليه بالقتل.

وتأسيساً على مفهوم الحاكمية عُقد مؤتمر للجمعيات والجماعات الإسلامية برئاسة فضيلة الامام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود الذى كان قد أصدر بياناً جاء فيه “ أن كل التشريعات وكل الأحكام التى تتعارض مع الاسلام تعتبر زائفة”. وإثر انتهاء المؤتمر بدأ مجلس الدولة فى إعداد مشروع القانون.

ويترتب على ذلك كله أسلمة كوكب الأرض استناداً إلى أصولية إسلامية والارهاب أعلى مراحلها، وتكون جماعة الاخوان المسلمين هى الداعية إلى هذه الأسلمة. ومن هنا يكون قول السفير عمرو أبو العطا بأن منهجه عملى فى مكافحة الارهاب فى حاجة إلى إعادة نظر من حيث إن هذا المنهج ينبغى أن يسبقه تأصيل نظرى لكى يكون دليلاً ومرشداً، ومن غير ذلك فإن القول بمكافحة الارهاب مجرد شعار. وإذا قيل رداً على ذلك بأن مسألة الارهاب الكوكبى لا تحتمل إضاعة الوقت فى التنظير فإن هذا القول لن يكون إلا مجرد تغطية على العجز فى التنظير.

وإذا كان التنظير ضرورياً فثمة أسئلة الاجابة عنها تعتبر مقدمات ضرورية لكل مَنْ يريد القضاء على الارهاب: هل الاخوان المسلمون جزء من التراث أم هل هم التراث؟ وفى صياغة أخرى: إذا كان فكر ابن تيمية هو تراثهم فهل يمكن اعتبار فكر ابن رشد تراثاً مغايراً يمكن الاستعانة به بديلاً عن تراث ابن تيمية؟

إذا كان جواب الاخوان المسلمين أنهم جزء من التراث فيلزم أن ينصتوا إلى الجزء الآخر ويدخلوا معه فى حوار ينتهى بهم بالضرورة إلى أن تفكيرهم نسبى، ومن ثم يكونون ملزمين بتبنى الفكر العلمانى الذى يقف عند حد ما هو نسبى ولا يتجاوزه إلى ما هو مطلق من غير نفيه ولكن أيضاً من غير قنصه.

أما إذا كان جواب الاخوان المسلمين أنهم هم التراث فإنهم فى هذه الحالة يكونون ملاكاً للحقيقة المطلقة، ومن ثم ينتهون إلى اشعال الارهاب. وعندئذ يثور السؤال العملى: كيف يكون التعامل معهم؟ هل يكون التعامل معهم محصوراً بين أن نكون أو لا نكون؟ وإذا كان ذلك كذلك يكون هذا السؤال هو سؤال عن مصير البشرية على كوكب الأرض. وإذا لم يكن كذلك فهل يمكن التعايش بين الذين يملكون الحقيقة المطلقة وبين الذين لا يملكونها؟ أو فى صياغة أخرى: هل يمكن التعايش بين المطلق والنسبى؟ تاريخياً الجواب بالنفى. وفى هذا المعنى يمكن تذكر ما حدث فى ايران فى عام 1951 عندما قُتل رئيس وزراء الشاه رزم آراه من قبل عضو فى «فدائيان اسلام» عندما أصدر آية الله كاشانى الزعيم الروحى فى زمانه بياناً جاء فيه «أن الرصاصات التى قتلت رزم آراه كانت مصحوبة بتوفيق الله». ومعنى ذلك أن القتل باسم الله مشروع ولازم.

وثمة مقدمات أخرى ضرورية عندما أثار السفير عمرو أبو العطا مكافحة تمويل الارهاب وهى أن ثمة علاقة عضوية بين الأصولية الاسلامية والرأسمالية الطفيلية التى تتاجر فى غير المشروع مثل الاتجار فى المخدرات، وأن هذه الرأسمالية قد تغلغلت هى والأصولية فى مؤسسات الدول بحيث تشابكت مع الرأسمالية العالمية.

والسؤال اذن: كيف نجهز على الرأسمالية الطفيلية وهى فى حالة تشابك مع الرأسمالية العالمية؟

والمفارقة بعد ذلك هى أن الارهاب كوكبى ومصر هى المصدر ومكافحته فى مكان آخر غير مصر!!





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (114) لاهوت عصبى   الثلاثاء 23 فبراير 2016, 8:38 pm





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (114) لاهوت عصبى


الثلاثاء 14 من جمادي الاولى 1437 هــ 23 فبراير 2016 السنة 140 العدد 47195

الرأى عندى أن حركة الاصلاح الدينى فى القرن السادس عشر كانت تعنى عند لوثر «الفحص الحر للانجيل»، أى تأويل النص الدينى من غير معونة من سلطة دينية تزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، ومن ثم تمتنع الدوجماطيقية التى تعنى توهم امتلاكها، ومع امتناعها لا يحق لأحد أن يتهم غيره بالالحاد. وإثر انطلاق هذه الحركة تعددت المدارس اللاهوتية إلى الحد الذى أفضى إلى نشأة علم لاهوت علمانى فى النصف الثانى من القرن العشرين. ففى عام 1965 صدر كتاب لهارفى كوكس عنوانه «المدينة العلمانية» دار عليه جدل حاد صدر فى كتاب عنوانه «جدل حول المدينة العلمانية» (1966). والعلمانية، عند كوكس، تعنى انتقال المسئولية من السلطة الكنسية إلى السلطة السياسية. وتأسيساً على ذلك يميز كوكس بين الانسان العلمانى والانسان ما قبل العلمانى.

الانسان ما قبل العلمانى يحيا فى عالم من الأرواح الخيرة والشريرة، والواقع عنده مشحون بقوة سحرية إما نافعة أو ضارة. والسحر، هنا، رؤية كونية، فالأديان السومرية والمصرية الفرعونية والبابلية ليست إلا شكلاً من أشكال السحر التى توحَّد بين الانسان والكون.

أما الانسان العلمانى فقد نشأ، عند كوكس، مع بداية الديانة اليهودية حيث انفصلت الطبيعة عن الله، وانفصل الانسان عن الطبيعة. وهذا التحرر للطبيعة هو شرط أساسى لتطور العلم الطبيعى، وشرط أساسى لنشأة الثقافة العلمية. ولهذا فإن استيراد التكنولوجيا ليس كافياً لرفع التخلف عن الثقافة، إذ لابد للثقافة من أن تكون علمية. ولهذا فلا أحد يحكم بالحق الإلهى فى المجتمع العلمانى.

ولم يقف أمر اللاهوت العلمانى عند حد التفرقة بين ما هو علمانى وما هو قبل علمانى بل امتد إلى إعادة النظر فى مفهوم الله. ففى عام 1963 صدر كتاب للأسقف روبنسون عنوانه «كن أميناً لله» جاء فى مفتتحه أن الانجيل يتحدث عن «الله موجود فوق»، وعن كَوْن ذى ثلاث طبقات: السماء فوق والأرض تحت، والمياه تحت الأرض. أما فى عصر الفضاء فهذا «الموجود فوق» فى طريقه إلى الانزواء. ولهذا لابد من تغيير هذه المفاهيم إذ لم يعد الله مفارقاً بل محايثاً، بمعنى أنه ليس فى السماء إنما هو فى العمق.

وفى عام 1966 نشر اللاهوتيان توماس ألتيزر ووليم هاملتون كتاباً عنوانه «اللاهوت الراديكالى وموت الله». وما يقصدانه هو أن الله مات فى زماننا، وفى تاريخنا وفى وجودنا. وفى رأى ألتيزر أن المفهوم التقليدى عن الله من حيث إنه منفصل عن الكون المخلوق هو مفهوم مؤقت لأنه مجرد إسقاط للاغتراب الذى يعانى منه الانسان. وقد آن الأوان لتجاوز هذا الاغتراب.

أما هاملتون فيرى أن موت الله ليس حادثاً لحظياً، إنما هو حادث تاريخى وثقافى حدث فى أوروبا وأمريكا فى القرنين الأخيرين. وبديلاً عن هذا الموت يوصى هاملتون بقبول العالم العلمانى على أنه تطهير للفكر من الصيغ المسيحية التقليدية. ومع ذلك كله فقد كانت العلمانية موضع مقاومة من الأصولية المسيحية.

أما فى العالم الاسلامى فقد بزغت الأصولية الاسلامية وتحكمت فيه دون مقاومة من العلمانية لأنها كانت غائبة. وحتى حين أصبح النظام التركى نظاماً علمانياً إثر إلغاء الخلافة الاسلامية فى عام 1924 فقد جاء أردوغان وألغى ذلك النظام.

ولم تقف التنويعات العلمانية عند حد اللاهوتيين بل تجاوزتهم إلى العلماء، وخاصة علماء فسيولوجيا المخ، ومنهم ديك سواب فى كتابه المعنون «هويتنا فى أمخاخنا» (2014). هو عالم متخصص فى علم الخلايا العصبية، وكان مديراً للمعهد الهولندى لأبحاث المخ لمدة سبعة وعشرين عاماً. وميزة هذا الكتاب أن كل فصل من فصوله العشرين يمكن أن يقرأ على حدة. واللافت للانتباه الفصل الخامس عشر المعنون «لاهوت عصبى: المخ والدين». وفى مفتتحه يقول: إن أهم سؤال مثير للانتباه ليس هو التساؤل عما إذا كان الله موجوداً إنما التساؤل عن سبب وجود كثرة من البشر متدينة. فلدينا عشرة آلاف دين، وكل دين يعتقد أنه هو وحده المالك لحقيقة واحدة. ومع ذلك فثمة دراسة صدرت فى ابريل 2007 تقول إنه فى خلال أربعين عاما ازدادت نسبة العلمانية من 30% إلى 61%، وأن أغلب الحاصلين على جائزة نوبل غير متدينين. ومع ذلك فإن سواب يتحدث عن المخ المتدين إذ يقول إن التجارب الروحية تسبب تغيرات فى نشاط المخ، الأمر الذى يترتب عليه زيادة فهمنا لأبنية المخ وأنسقته التى بدورها تؤدى دوراً فى بزوغ الخبرة الدينية السوية والخبرة الدينية المريضة، وفى صعوبة التفرقة بينهما. أما إذا أردنا التفرقة فيلزم الانتباه إلى علاقة الثقافة بالتدين. فما تراه ثقافة هذيانا دينيا تراه ثقافة أخرى رؤى دينية سوية. ومن هنا يرى سواب أنه من الأفضل أن توظف الروحانيات فى الفن والعلم على أن توظف فى تطعيم عقول الأطفال بالدين. ومن هنا أيضاً يقول سواب إن الاضطرابات فى الخلايا العصبية للمخ قد تسبب الاصابة بمرض الهوس الدينى. وينتهى سواب من كل ذلك إلى القول بأن ما يشكل المخ هو الذى يحدد مسلكه: هويتنا فى أمخاخنا. بل إن سواب يذهب إلى أبعد من ذلك ويقول بأن ما يميزنا يتحدد فى زمن الرحم ولكن ليس معنى ذلك أن أمخاخنا تكون «كاملة» يوم أن نولد. إذ المخ يواصل بعد ذلك تطوره. أما أنا فأقول إن مخ الطفل يولد كاملاً ولكنه عاجز عن النطق دون أن يكون عاجزاً عن الفهم. ودليلى على ذلك أن الطفل منذ الولادة يفهم لغة هو يجهلها.وهذا هو سبب تطوره.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (115) رجل الشارع فى زمن السَيْبر   الأربعاء 02 مارس 2016, 2:58 am





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (115)
رجل الشارع فى زمن السَيْبر


الثلاثاء 21 من جمادي الاولى 1437 هــ 1 مارس 2016 السنة 140 العدد 47202

لفظ «السَيبر» هنا وارد فى عنوان المؤتمر العالمى الثالث عشر «البشرية الكوكبية فى زمن السَيبر» الذى أقيم فى مكسيكو سيتى فى نوفمبر من عام 1996 ودُعيت إليه القيادات الفكرية العالمية. وكانت الغاية منه مواجهة الثورة السَيبرية التى كانت من افراز تطور الاتصالات وتكنولوجيا الكومبيوتر والتى كان من شأنها افراز ثورات ثقافية واجتماعية واقتصادية ترتب عليها البحث عن استجابات انسانية وعقلانية ونحن فى الطريق إلى القرن الحادى والعشرين.والسؤال اذن: ما معنى لفظ «السَيبر» الوارد فى عنوان كل من المقال والمؤتمر؟

لفظ «السَيْبر» اختصار للفظ الأصلى «السيبرنطيقا» الذى كان عنواناً لكتاب من تأليف العالم الأمريكى نوربرت فينر فى عام 1948 وعرَفه بأنه علم التحكم والاتصال فى الحيوان والآلة. ثم أصدر موجزاً عنه فى عام 1950 تحت عنوان «الاستخدام الانسانى للكائنات البشرية». وجاء فيه أنه هو الذى اخترع لفظ «سيبرنطقيا» وأنه اشتقه من لفظ يونانى يعنى بالعربية «ربان السفينة» أو «الحاكم». ثم اكتشف أن العالِم الرياضى والفزيائى الفرنسى أمبير فى القرن الثامن عشر كان قد صكه للدلالة على علم مختص فى أساليب تنظيم المجتمع كان قد وضعه تحت علم أعم وهو «السياسة». أما فينر فقد ارتأى أن الآلات قد تكون فى عملها مماثلة لعمل الجهاز العصبي. وقد تسهم نظرية الاتصالات فى دراسة دماغ الانسان وبذلك تدخل العلوم البيولوجية فى العلوم الرياضية فتنشأ عن ذلك علوم بينية.

وبفضل السيبرنطيقا تمت صناعة الكومبيوتر. وفى عام 1982 ظهر على غلاف مجلة «تايم» الأمريكية عنوان مثير «انسان عام 1982»إلا أنه لم يكن انسانا بل آلة تسمى الكومبيوتر تنبئ بثورة هى ثورة الكومبيوتر تدور على صناعة «عقل صناعي» يدلل ويبرهن. وبفضل هذا العقل أصبحنا نميز بين المعلومات والمعرفة من حيث إن المعرفة كانت أصلاً معلومات ثم صيغت وأولت وأحدثت تأثيراً فى الواقع. وبهذا المعنى تكون المعرفة قوة انتاجية تحدث تأثيراً فى قوى الانتاج فتصبح قوة رابعة تضاف إلى قوى الانتاج الثلاث التقليدية وهى الأرض ورأس المال والعمل. وفى تقديرى أن العمل فى ضوء «المعرفة قوة» هو العمل العقلي، ومن ثم يمكن أن يقال على عمال المستقبل إنهم عمال عقليون أو معرفيون. ومن هنا يكون عالم الاجتماعى الأمريكى دانيل بلَ محقاً فى عبارته القائلة بأن «المعرفة تحكم» والتى وضعها عنوانا فرعياً على غلاف كتابه المعنون «بزوغ مجتمع ما بعد الصناعي».

وتأسيساً على ذلك يمكن القول بأن العلوم البينية وثورة الكومبيوتر وقوة المعرفة تكشف عن منطق جديد هو منطق الابداع. وقد يبدو أن ثمة تناقضاً بين المنطق من حيث هو جملة قواعد التفكير السليم والابداع من حيث هو خروج على هذه القواعد. إلا أن هذا التناقض يزول إذا كنا على وعى بأن الحضارة الزراعية كانت ابداعا بشريا من حيث إنها قد نقلت البشرية من عصر الصيد حيث الأسطورة تتحكم إلى عصر الزراعة حيث العقل فى الطريق إلى التحكم لاقصاء بقايا الأساطير التى تناضل من أجل منع العقل من ممارسة الإقصاء. وكان من ضحايا النضال ضد الأساطير بروتاغوراس وسقراط وهيباتيا وابن رشد وكوبرنيكوس وجليليو وبرونو. والجدير بالتنويه أن هؤلاء وضعوا أساس العلمانية التى هى بحسب تعريفى «التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق» فى مواجهة الأصولية التى هى «التفكير فى النسبى بما هو مطلق وليس بما هو نسبي». وفى مسار هذا التناقض أحدثت العلمانية تفكيكاً فى الأصوليات. إلا أن عنصراً جوهرياً أدخلته الأصولية فى نضالها ضد العلمانية وهو رجل الشارع. والسؤال اذن: مَنْ هو رجل الشارع فى العصر السَيبري؟

كان هذا السؤال هو الدافع وراء عقدى المؤتمر الدولى الفلسفى الخامس فى نوفمبر من عام 1983 وكان عنوانه «الفلسفة ورجل الشارع» إلا أن لفظ «رجل الشارع» ترجمة غير دقيقة للفظ الانجليزى mass-man وترجمته «انسان جماهيري» وهى ترجمة مواكبة لألفاظ أخرى أفرزتها الثورة العلمية والتكنولوجية مثل ثقافة جماهيرية وانتاج جماهيرى ووسائل إعلام جماهيرية, والسؤال بعد ذلك: هل فى الامكان دفع رجل الشارع إلى تمثل العصر السَيبرى حتى يمكن تحريره من التيار الأصولي؟ أو فى صياغة معكوسة: هل فى إمكان العصر السيبرى ذاته دفع رجل الشارع إلى تمثله؟

الجواب عندى أن العصر السَيبرى هو عصر النسبية بسبب ظاهرة الانترنت، أى الكل المترابط حيث لا فواصل بين الشعوب والدول، ولا بين أديان ومعتقدات، ومن ثم لا تكون المطلقات قادرة على إبقاء هذه الفواصل. ومع ذلك فالجدير بالتنويه أن المطلقات لم تتوار والنسبيات تبزغ على استحياء، والعقبة رجل الشارع والقنوات التليفزيونية الفضائية.

والسؤال اذن: ما العلاقة بين رجل الشارع وهذه القنوات؟

قديماً كانت الأسواق ملتقى سقراط مع رجل الشارع، وكان هذا الملتقى رمزاً على الخطر، والخطر كان كامناً فى الاتصال المباشر بين الفيلسوف ورجل الشارع. وبسبب هذا الخطر واصرار سقراط على عدم الابتعاد عنه حُكم عليه بالاعدام، وبعد ذلك ارتعب الفلاسفة فتفلسفوا فى داخل بناء أكاديمى ومن ثم اعتزلوا رجل الشارع والذى أصبح عقبة أمام التقدم. وإذا أردنا إزالة هذه العقبة فعلى الفلاسفة الذهاب إلى الأسواق الجديدة التى أفرزتها الثورة العلمية والتكنولوجية وهى القنوات الفضائية حيث الملايين من رجال الشارع فى انتظار علمنتهم حتى يتمثلوا تلك الثورة من أجل التحرر من السجن الأصولى الذى دخلوه بلا وعى من قبل السجان الحارس للحقيقة المطلقة، ومن ثم تبزغ البشرية العلمانية الكوكبية.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (116) العلم فى النصف الأول من هذا القرن   الثلاثاء 08 مارس 2016, 7:53 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (116)
العلم فى النصف الأول من هذا القرن


الثلاثاء 28 من جمادي الاولى 1437 هــ 8 مارس 2016 السنة 140 العدد 47209

والسؤال اذن: بماذا يتميز العلم مستقبلاً حتى نتحدث عنه كما لو كان ظاهرة جديرة بالتنويه وهو ليس فى حاجة إلى تنويه؟

أنظر إلى وسائل الاعلام فى تغطيتها للقضايا العلمية مثل الخلايا الجذعية والاستنساخ والذكاء الصناعى والكومبيوتر، وهى قضايا تتميز بأن تناولها لا يقف عند حد علم بالذات بل يمتد إلى علوم أخري. ولهذا يلتزم علماء هذا الزمان بالكتابة بلغة يمكن أن يفهمها المتخصصون فى علوم أخري، ومن ثم يفيد القارئ أيا كان من هذا التبسيط اللغوى فى تناول القضايا العلمية المعقدة. ولكن هذا التبسيط لا يعنى السقوط فى السطحية الشعبية، إنما يعنى أن يكون العلم مفهوماً فى مجال أرحب من مجال صانعيه، بل يعنى ما هو أهم من ذلك وهو نوعية السؤال المثار. مثال ذلك: كيف تُغير منجزات العلم هذا العالم الذى نعيش فيه؟ كيف تغير هذه المنجزات الأسئلة التى تدور حول هويتنا؟ ما هى التغيرات المفاجئة التى قد تحدث فى كيفية ادراكنا للعالم؟

واللافت للانتباه فى هذه الأسئلة الثلاثة أن لا علاقة لها بما مضى أو بما هو قائم إنما لها علاقة بما هو قادم، اى بالمستقبل. ومن هنا يحق لى القول بأن الأولوية فى آنات الزمان الثلاث هى للمستقبل.

هذا مجرد مدخل إلى كتاب صدر مع بداية هذا القرن تحت عنوان رئيسى " الخمسون سنة القادمة" وعنوان فرعى " العلم فى النصف الأول من القرن الواحد والعشرين" والذى اخترته عنواناً لهذا المقال. اشترك فى تأليفه خمسة وعشرون عالماً من تخصصات متباينة وتحت إشراف مفكر أمريكى اسمه جون بروكمن كان قد انشغل بالكتابة عن كبار المخترعين الذين بزغوا على مدار ألفى عام. ومن هنا كان انشغاله أيضا بما سيكون عليه العلم فى هذا القرن. إلا أنه لم يكن فى كل ما كتبه يريد أن يكون محصوراً فى حدود إخبار العلماء دون غيرهم من غير العلماء، بل يريد أن يتجاوز هذه الحدود. ومبرره فى هذا التجاوز هو التبشير بثقافة جديدة كانت عنواناً لمقال حرره فى عام 1991 وأطلق عليها مصطلح " ثقافة ثالثة".

والسؤال اذن: ما الذى دفعه إلى صك ذلك المصطلح؟

كان الرأى الشائع أن ثمة ثقافتين هما العلم والآداب وأنهما لا يلتقيان. أما هو فكان يعنى بالثقافة الثالثة ثقافة الجمهور التى تضم العلماء والمفكرين الذين بفضل كتابتهم احتلوا المكانة التى كان يحتلها المثقفون التقليديون وذلك بسبب اهتمامهم بالكشف عن المعانى العميقة لحياتنا وعن إعادة النظر فى هويتنا. ومن هنا أصبح العلم فى الصدارة عند بنى البشر أجمعين. وفى هذا السياق كان السؤال المحورى الذى دارت حوله أجوبة العلماء المختارين: ما هو تأثير العلم على الانسان؟

وكانت الغاية من هذا السؤال الانشغال بمواجهة تغير الذهنيات بسبب الأدوات الجديدة غير المسبوقة التى هى " نحن". وتترتب على ذلك ضرورة تغيير الأسس التى تستند إليها الثقافة القائمة من أجل مواجهة التكنولوجيا التى تقوم بتغييرنا. ويترتب على ذلك أيضاً أن كل شئ سيصبح مغايراً، ومن ثم نعيد النظر فى طبيعتنا وفى طبيعة العالم الذى نعيش فيه.

والجدير بالتنويه أن " الكسمولوجيا" أى علم الكون تأتى بديلاً عن " الميتافيزيقا". والسؤال اذن: ما الفارق بين المصطلحين؟ أبدأ بتحديد معنى مصطلح الميتافيزيقا. هو لفظ يونانى معناه " ما بعد الطبيعة" كان قد صكه أحد أتباع أرسطو بعد أن قرأ جملة مقالات بلا عنوان تتناول موضوعاً يأتى فى المرتبة التالية بعد كتاب " الطبيعة" لأرسطو فقال هذا التابع اذن نطلق عليها مصطلح ما بعد الطبيعة، وكان هذا العلم يتناول الوجود العام الذى يمكن أن يقال عنه إنه الله أو المطلق أو ما شئت من أسماء أخري. وراح الفلاسفة بعد ذلك يتخذون من هذا الوجود العام أساساً للبرهنة على وجود الله أو على إنكار وجوده. ومع القرن السابع عشر ظهر فيلسوف فرنسى اسمه بليز بسكال أبدى يأسه من الانحياز إلى الاثبات أو الإنكار، ومن ثم انتهى إلى الاستعانة بالقلب دون العقل لكى يتحرر من يأسه وقال عبارته المشهورة " للقلب حجج يجهلها العقل"، ومن ثم دخل العقل فى أزمة ومعه أزمة الميتافيزيقا. ومن هنا لم تعد الميتافيزيقا صالحة لكى يتناولها العقل إنما الذى اصبح صالحاً هو " الكسمولوجيا" أى علم الكون بعد نشأة نظرية " البج بانج" أى الانفجار العظيم الذى تطايرت منه ذرات تجمعت على هيئة جزيئات ومنها نشأ الكون الذى نعيش فيه. وبناء عليه تغيرت الأسئلة ولم يعد من بينها أسئلة تخص الله. مثال ذلك: ما هى طبيعة القوى القوية التى تتسبب فى تماسك الجزيئات؟ وما هى طبيعة القوى الضعيفة المسئولة عن تآكل النشاط الاشعاعي؟ ولماذا الالكترون أخف وزناً من البروتون أو النترون؟ ولماذا النيوترينو بلا وزن؟

ولكن اللافت للانتباه أن هذه الأسئلة تخص الفيزياء النووية كما تخص الكسمولوجيا، أى علم الكون. ومن هنا تداخل العلمان ومعهما تداخلت الأسئلة المذكورة.

والسؤال بعد ذلك: ما هى التكنولوجيا المتطورة التى يكون فى إمكانها الاسهام فى الاجابة عن هذه الأسئلة؟

وأجيب بسؤال: ماذا لو فوجئنا فى مستقبل الأيام بتكنولوجيا متطورة يكون من شأنها تغيير الأسئلة المذكورة بحيث ننتهى إلى صياغة أسئلة جديدة تنقلنا إلى آفاق أرحب وأعمق؟

شرط واحد مطلوب وهو أن يظل العقل الانسانى منفتحاً على تغيير رؤيته بلا توقف. وهو لن يكون كذلك إلا إذا كان مطعما بمضاد حيوى يمتنع معه السقوط فى " السُبات الدوجماطيقي"، أى توهم امتلاك الحقيقة المطلقة؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (117) البابا فرنسيس وتجديد الخطاب الدينى   الأربعاء 16 مارس 2016, 2:53 am




رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (117) البابا فرنسيس وتجديد الخطاب الدينى


الثلاثاء 6 من جمادي الآخرة 1437 هــ 15 مارس 2016 السنة 140 العدد 47216



إذا أردت أن تحدث تجديداً للخطاب الدينى فاقرأ هذا الحوار الذى أجراه أندريا تورنيللى مراسل الفاتيكان لدى أشهر جريدة فى ايطاليا «لاستمبا» مع البابا فرنسيس وأصدره مع بداية هذا العام فى كتاب تحت عنوان «الرحمة هى اسم الله». واللافت للانتباه فى هذا العنوان أن لله صفة واحدة هى الرحمة، واللافت للانتباه أيضا أن رؤية البابا فرنسيس لله ليست على غرار المألوف سواء فى علم اللاهوت المسيحى أو علم الكلام الاسلامى. فقد كانت الاشكالية السائدة لدى هذين العلمين محصورة إما فى القول بتعدد الصفات لله أو فى نفى الصفات برمتها عن الله. أما فى حالة البابا فرنسيس فليس ثمة تعدد للصفات أو نفى لها جميعا، إنما ثمة صفة واحدة هى الرحمة. وهنا لابد أن يثار سؤالان: ماذا يقصد البابا فرنسيس بهذا المصطلح؟ ولماذا اقتصر عليه دون غيره من الصفات؟

ولكن ليس فى الامكان الجواب عن هذين السؤالين من غير أن نكون على وعى بالحالة اللاهوتية التى يواجهها البابا فرنسيس منذ أن أصبح بابا روما فى 13 مارس 2013 إثر الاستقالة المفاجئة التى قدمها البابا بنديكت بعد مرور عامين على رسامته. وقد قيل إن سبب هذه الاستقالة المفاجئة مردوده إلى شعوره بالشيخوخة. ولكن الشيخوخة لا تأتى فجأة. وبناء عليه لابد من البحث عن سبب آخر غبر معلن. والسؤال اذن: ما هو هذا السبب غير المعلن؟

كان الفاتيكان يواجه إشكالية حادة هى على النحو الآتى: فى عام 1981 أصدر البابا يوحنا بولس الثانى قراراً بأن يكون الكاردينال جوزيف راتسنجر (الذى أصبح اسمه فيما بعد البابا بنديكت السادس عشر) رئيساً لمجمع عقيدة الايمان المكلف بادانة كل مَنْ يخرج على العقيدة . ومعنى ذلك أن رئيس هذه اللجنة هو بالضرورة مالك للحقيقة المطلقة. إلا أن هذه اللجنة لم تعد بلا منافس إذ أصدر البابا يوحنا بولس الثانى قراراً فى أول يناير 1983 بتأسيس المجلس البابوى للثقافة. وفى أول اجتماع لهذا المجلس أعلن البابا أن ثمة علاقة عضوية بين الثقافة ورسالة المسيحية لثلاثة أسباب: السبب الأول أن الثقافة وسيلة الانسان لتحقيق انسانيته، والسبب الثانى أن الثقافة لها تأثير على الحياة الدينية للمؤمنين، والسبب الثالث أن على المسيحيين فهم ثقافة الآخرين لتدعيم التفاهم الثقافى.

وفى 16 سبتمبر 1986 تسلمت خطاباً من الأب هيرفى كاربيه أمين عام المجلس البابوى للثقافة ينبئنى فيه بأن الكاردينال بول بوبار رئيس المجلس قد وافق على عقد مؤتمر مشترك بين المجلس والجمعية الفلسفية الأفروآسيوية التى شرفت بتأسيسها ورئاستها فى عام 1978. وأهم ما جاء فى الكلمة الافتتاحية للكاردينال بول بوبار قوله: «إننا اليوم أكثر من أى وقت مضى فى حاجة إلى الكشف عن عوامل الصراع بين الجماعات البشرية، وإلى البحث عن حلول تستند إلى العقل والعدالة والحب الأخوى خاصة أن مصر مازالت حتى يومنا هذا نموذجاً أصيلاً لملتقى الثقافات بين الغرب والشرق».

ومع بداية القرن الحادى والعشرين شاعت الأصوليات الدينية التى تتوهم أنها مالكة للحقيقة المطلقة، وبالتالى تكون مهمومة بإدانة الآخر. ويبدو أن المجلس البابوى للثقافة قد دخل فى صراع خفى مع مجمع عقيدة الايمان. ومن هنا كانت المفاجأة فى استقالة البابا الأصولى بنديكت السادس عشر وانتخاب اللاأصولى البابا فرنسيس إذ إن فكرته المحورية فى ذلك الحوار هى رفض الادانة إلى الحد الذى اكتفى فيه بأن اسم الله هو الرحمة ، وبأن الرحمة هنا تعنى أن ليس من حق أى انسان مهما تكن سلطته إدانة أى انسان آخر. وعندما سئل البابا فى الحوار لماذا البشرية فى حاجة إلى الرحمة؟ كان جوابه: لأنها مجروحة، ولا تعرف كيف تضمد جراحها. والجروح لا تكمن فى الأمراض الاجتماعية أو فى الفقر أو الاقصاء الاجتماعى، إنما تكمن فى أننا جميعاً خطاة ومع ذلك يدين كل منا الآخر.

ومع ذلك فإن البابا فرنسيس قال إن ثمة بشرا ليسوا على وعى بأنهم خطاة، إنما على وعى بأن الآخرين الذين ليسوا على شاكلتهم هم الخطاة. وهؤلاء البشر هم الذين يلتزمون بالشريعة ويطبقونها على الآخرين حرفياً بلا رحمة. وهؤلاء فى رأى البابا فرنسيس هم «الفاسدون» الذين لديهم احساس مزيف بأنهم مكتفون بأنفسهم ومن ثم فهم ليسوا فى حاجة إلى الرحمة. وبلغة العصر يمكن أن يقال عنهم إنهم «الأصوليون» أو «مُلاك الحقيقة المطلقة». وفى سياق هذا المعنى يقارن البابا فرنسيس بين الرحمة والعدالة فيقول بأن الله إذا كان محكوماً بالعدالة فإنه لن يكون الهاً بل يصبح مثل بنى البشر أجمعين لا يريد إلا تطبيق القانون. ومعنى ذلك أننا إذا اكتفينا بالعدالة فإن العدالة عندئذ تدمر ذاتها ولهذا فهى فى حاجة إلى الرحمة التى هى أساسية فى العلاقات الانسانية. والسؤال بعد ذلك: إذا لم يكن البابا فرنسيس أصولياً فمَنْ يكون هو؟

أستعين فى الجواب عن هذا السؤال بما ارتأيته منذ زمن من تناقض حاد بين الأصولية والعلمانية من حيث إن الأصولية بحسب تعريفى هى «التفكير فى النسبى بما هو مطلق وليس بما هو نسبى» وإن العلمانية بحسب تعريفى أيضاً هى «التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق». وفى هذا السياق هل يمكن القول بأن البابا فرنسيس إذا لم يكن أصولياً فهل هو بالضرورة علمانى؟ السؤال مثار للحوار إذا كنت تريد إحداث تجديد للخطاب الدينى. أما إذا كنت تريد إحداث هذا التجديد خارج هذا السؤال فأنت وما تشاء ولكن بشرط ألا تقوم بتجريح هذا السؤال.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (118) العالم الإسلامى فى مفترق الطرق   الأربعاء 23 مارس 2016, 3:04 am





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (118)
العالم الإسلامى فى مفترق الطرق


الثلاثاء 13 من جمادي الآخرة 1437 هــ 22 مارس 2016 السنة 140 العدد 47223

والسؤال إذن: هل هو كذلك؟ وإذا كان هو كذلك فلماذا هو كذلك؟ وإذا لم يكن كذلك فلماذا هو متهم بأنه صانع الارهاب؟

أستعين فى الجواب عن هذه الأسئلة بكتاب عنوانه الرئيسى « المعلومات والعالم الاسلامى» وعنوانه الفرعى « استراتيجية للقرن الحادى والعشرين» لمفكر باكستانى اسمه ضياء الدين سردار. تربى وتعلم فى بريطانيا. يقف عند قمة الثقافة البريطانية مع مائة شخص. مشهور بأنه موسوعة اسلامية بريطانية بفضل ترحاله فى العالم الاسلامى ومؤلفاته عن هذا العالم وعن مستقبله فى مجال العلم والتكنولوجيا والتنمية. أما عن تأليفه لذلك الكتاب فمردود إلى بحث كان قد ألقاه فى مفتتح الجلسة الأولى للمؤتمر الثانى لأمناء المكتبات الاسلامية وعلماء المعلومات فى أكتوبر 1986 تحت عنوان « المعلومات والعالم الاسلامى». وقد انتهى هذا المؤتمر إلى توصية تنص على ضرورة وضع استراتيجية للمعلومات للعالم الاسلامى من حيث إن المعلومات هى السلعة الأساسية فى هذا العصر ومن هنا سُمى هذا العصر بـــ«عصر المعلومات»، ومن حيث إن العالم الاسلامى هو كيان مستقل أو بالأدق حضارة قائمة بذاتها.

وهنا يثير سردار سؤالاً فى حاجة إلى جواب: هل ثمة إشكالية كامنة فى عصر المعلومات؟

جوابه بالايجاب والاشكالية هى على النحو الآتى: إن عصر المعلومات يفضى إلى اللامركزية، وبالتالى إلى مزيد من الديمقراطية والتنوع الثقافى، ومن ثم إلى تنمية مهارات جديدة يكون من شأنها دفع عجلة الانتاج. وفى هذا السياق قيل إنه كلما زادت المعلومات زادت المعرفة وزادت قوة التحكم. ولكن ما حدث هو على النقيض من ذلك وهو أنه مع ازدياد المعلومات لم يعد الانسان متحكماً لا فى البيئة ولا فى المجتمع، إذ حدث تدهور فى البيئة وتفكك فى الأسرة، ولم يعد أحد يعرف شيئا عما هو قائم أو عما هو قادم.

هذه هى إشكالية عصر المعلومات على نحو ما يرى سردار، ولكنه يرى إشكالية أخرى مغايرة فى العالم الاسلامى أثارها على هيئة سؤال: هل يلزم العالم الاسلامى أن يحتضن تكنولوجيا المعلومات وهى تكنولوجيا تتسم بالشمولية أى بالتحكم فى الكل، ومن ثم يقامر بالسقوط فى نوع جديد من الاعتماد على الآخر، أو يلزم أن يحتفظ بمصادره الهزيلة ويتجاهل تلك التكنولوجيا ولكنه فى النهاية يقع فريسة فى يد الآخر وهو الغرب؟

ويجيب سردار باثارة إشكالية جديدة وهى على النحو الآتى: إن العالم الاسلامى ليس فى إمكانه تجاهل التعامل مع تكنولوجيا المعلومات ولكنه فى الوقت نفسه ليس فى امكانه التعامل معها من غير نقد. ونقده يلزمه، بحكم العادة، بتصور هذه التكنولوجيا على أنها نوع من الاستعمار الجديد لأنها من انتاج الغرب، وبناء عليه فإنه ملزم بتفريغها من قيمها الغربية. فهل هذا التفريغ ممكن؟ وأنا بدورى أحيل فى الجواب عن هذا السؤال إلى مؤرخ أمريكى اسمه ريتشارد متشل كنت قد دعوته للمشاركة فى مؤتمر دولى عقدته فى القاهرة فى عام 1979 تحت عنوان « الاسلام والحضارة». أما بحثه فقد كان عنوانه « التكنولوجيا والقيم». وكان رأيه أن التكنولوجيا تنطوى بالضرورة على نسق ما من القيم. أما فى العالم الاسلامى فثمة تيار شائع يدعو إلى استيراد التكنولوجيا الغربية بعد استبعاد نسق القيم الخاصة بها. وسبب ذلك مردود، فى رأيه، إلى أن الاسلام دين ودولة، والشريعة هى المنظمة لهذه العلاقة. ومن هنا فإن الشريعة هى التى تجعل الاسلام متميزاً عن المسيحية لأن كل شىء فى الاسلام متعلق بالله وحده. وقد وعدنى ميتشل بارسال بحثه بعد ادخال بعض التعديلات ولكنه تردد فى ارساله ومات. وسبب تردده مردود إلى أنه كان متخوفاً من الدخول فى صراع مع مجلة « الدعوة» على نحو ما حدث عندما نشر كتابه المشهور» مجتمع الاخوان المسلمين» وهو صراع أحدث اضطراباً فى حياته بلا حدود.

وأظن أن ما ارتآه ميتشل متسق مع ما ارتآه سردار من أن الاسلام دين ودولة، لذلك يلزم ابتداع تكنولوجيا معلومات خاصة بالعالم الاسلامى وذلك لا يكون إلا بأسلمة العلوم أيا كانت ومن هنا كان العلماء والفلاسفة المسلمون على وعى بأن تناول المعلومات من غير قيم اسلامية يكون بلا معنى، وأنه من اللازم ارتباط المعلومات بالرؤية الكونية الاسلامية التى يقع «التوحيد» فى أعلاها، وبالتالى تتحدد مكانة كل من المطلق والنسبى وذلك بانصياع النسبى للمطلق، أو بالأدق بانصياع المعلومات التى هى نسبية للقيم الكامنة فى الرؤية الكونية الاسلامية وهى رؤية مطلقة ويحصرها سردار فى سبعة مكونات: التوحيد والعلم والحكمة والعدل والاجماع والشورى والأمة الاسلامية. ومن شأن التوحيد عدم خضوع المجتمعات الاسلامية لأى قوة خارجية لأن هذا الخضوع نوع من الشرك لا يستقيم مع التوحيد بل ينفيه.

والسؤال بعد ذلك: هل تستقيم الرؤية الكونية الاسلامية لتكنولوجيا المعلومات مع الدعوة إلى الحوار أيا كانت سمته؟ أظن أن جواب سردار يكون بالنفى لأنه يرى أن كل رؤية كونية منغلقة على ذاتها بالضرورة إلا أن هذا الانغلاق فى رأيه لا يمنع القول بالتعددية أيا كانت سمتها ولكن يمنع الدعوة إلى الحوار أيا كانت سمته. وماذا إذا قيل عن العالم الاسلامى إنه مصدر الارهاب؟ إذا كان هذا القول صحيحاً فمعناه أن هذا العالم هو وحده المسئول عن محاربة الارهاب. وإذا لم يكن صحيحاً فليس لأحد الحق فى دفع ذلك العالم إلى محاربة الارهاب لأنه منغلق على ذاته. والسؤال بعد ذلك: ما العمل؟

تأسيس ذهنية علمانية يمتنع معها اعتقاد العقل فى قدرته على قنص الحقيقة المطلقة الكامنة فى أى رؤية كونية أيا كانت سمتها الدينية.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (119) هذا الديكتاتور أفلاطون   الثلاثاء 05 أبريل 2016, 7:11 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (119)
هذا الديكتاتور أفلاطون
الثلاثاء 20 من جمادي الآخرة 1437 هــ 29 مارس 2016 السنة 140 العدد 47230






هو من أشهر الفلاسفة فى تاريخ الفكر بوجه عام، وتاريخ الفكر اليونانى بوجه خاص. وُلد فى القرن الرابع قبل الميلاد ولكن النزعة السوفسطائية كانت قد سبقت مولده فى القرن الخامس قبل الميلاد وكان زعيمها اسمه بروتاغوراس. لم يصلنا من مؤلفاته سوى شذرات من كتابه المسمى “ الحقيقة”. وقد عُرف بعنوان آخر “ اللكمات” و معناه الانتصار على حجج الخصم بالضربة القاضية. وأشهر شذرة فيه وردت فى البداية وهى على النحو الآتى: “ أنت تعلم أن الانسان مقياس الأشياء كلها”، وبالتالى ليس أحد على خطأ فى شأن القول بأن اعتقاده هو الحق. وقد دلل على ذلك بأمثلة مأخوذة من إحساسات متناقضة و أحكام متناقضة، وليس فى إمكاننا المفاضلة. وهذا معناه نسبية الحقيقة. وكل ذلك من شأنه إثارة سؤالين: كيف يمكن أن تكون كل المعتقدات، على تناقضها، حقيقية؟ وهل الأشياء لها خصائص ناشئة من الانسان الذى يدركها؟

والسؤال بعد ذلك:

ماذا كان موقف أفلاطون من نسبية الحقيقة عند بروتاغوراس؟


تحامل عليه إلى حد أنه ميَز بين الفيلسوف والسوفسطائى. فالفيلسوف ينشد دقة اللفظ وصدق النتيجة استناداً إلى قوانين الاستدلال. أما السوفسطائى فتستهويه البلاغة والتلاعب بالحجج. ومن هنا قرر أفلاطون طرد بروتاغوراس ومعه النزعة النسبية من مجال الفلسفة، بل أغلب الظن أنه أمر بحرق مؤلفاته. ولا أدل على ذلك من أنه لم يبق منها سوى شذرات. وتابعه فى التنديد بالسوفسطائية تلميذه أرسطو الذى استند فى ذلك إلى ما ذكره أفلاطون عن بروتاغوراس.

واللافت للانتباه هاهنا أنه بالرغم من ادعاء أفلاطون بأنه تلميذ سقراط إلا أن سقراط كان حظه أسوأ من حظ بروتاغوراس، إذ إنه لم يكتب حرفاً واحداً مما قال، إنما الذى كتب نيابة عنه هو أفلاطون الذى عرض أفكار سقراط على هيئة محاورات، ومع ذلك فحتى هذه المحاورات قيل عنها إن أفلاطون استخدم فيها سقراط كوسيلة لصياغتها على نحو ما يرى هو وليس على نحو ما يرى سقراط. والشواهد على ذلك متعددة. فعندما سأل أحد مريدى سقراط كاهنة معبد دلفى الناطقة بوحى الاله أبولون “ هل يوجد رجل أحكم من سقراط؟” جاء الجواب بالسلب. وأراد سقراط أن يستبين غرض الاله فى ذلك الجواب، وقد كان، إذ اكتشف أنه يعرف أنه جاهل بينما غيره جاهل يدَعى العلم. أما أفلاطون، فى هذه المسألة، فهو على الضد من سقراط إذ كان يقول “ العلم تذكر والجهل نسيان”. لماذا؟ لأن النفس، فى رأى أفلاطون، قبل اتصالها بالبدن كانت فى صحبة الآلهة تشاهد المُثل التى هى عبارة عن موجودات ثابتة لا تتغير فى عالم مغاير لعالم المحسوسات الذى يموج بأشياء ندركها بحواسنا فى هذه الحياة الدنيا. وهى، من هذه الزاوية، ليست إلا أشباح هذه المُثل التى هى مطلقات بينما الأشباح نسبيات. وأفلاطون ينحاز إلى المطلق دون النسبى. أما سقراط فلم نعرف عنه إلا أنه منحاز إلى النسبى. ولا أدل على ذلك من أنه دعا إلى تغيير آلهة المجتمع الأثينى. ومعنى ذلك أن الآلهة نفسها تتغير بتغير الزمان. ومن هنا فإن سقراط يماثل بروتاغوراس. وكان هذا التماثل هو السبب فى الحكم على الاثنين بالاعدام إلا أن بروتاغوراس استطاع الهروب أما سقراط فنفذ الحكم.

ولم تقف مطاردة النزعة النسبية عند حد القرن الرابع قبل الميلاد بل امتدت إلى القرن السادس عشر الميلادى عندما أصدر كوبرنيكس كتابه المعنون “عن دوران الأفلاك” (1543) وفيه أعلن نظرية دوران الأرض حول الشمس والتى بمقتضاها يدور الانسان مع الأرض، ومع دورانه فإنه يتحرك ومع الحركة التغير، والتغير بدوره يفضى إلى نسبية الحقيقة فما هو صادق اليوم يكون كاذباً غداً. فصودر الكتاب بسبب هذه النظرية وحوكم جليليو بسبب تأييده لهذه النظرية.

وقد ظل هذا الصراع بين المطلق والنسبى حتى القرن الحادى والعشرين، إذ صدر فى عام 2005 كتاب عنوانه الرئيسى “ نظرية المعرفة فيما بعد بروتاغوراس” وعنوانه الفرعى “ ردود أفعال ضد النزعة النسبية لدى أفلاطون وأرسطو وديموقريطس” من تأليف ماى كيونج لى أستاذ الفلسفة بجامعة كولورادو.

وأظن أن صدور مثل هذا الكتاب فى هذا القرن هو رمز على الصراع بين المطلق والنسبى، أو بالأدق بين الأصوليات الدينية التى تزعم امتلاك الحقيقة المطلقة وبين العلمانية التى تمتنع عن تحويل ما هو نسبى إلى ما هو مطلق.

ولم تكن مصر بعيدة عن هذا الصراع الذى دار حول النزعة السوفسطائية، إذ تبلور عند اثنين من مشاهير أساتذة الفلسفة وهما يوسف كرم وعبد الرحمن بدوى. كان يوسف كرم يقول عن السوفسطائيين فى كتابه “ تاريخ الفلسفة اليونانية” إن السوفسطائيين مجادلين ومغالطين، وكانوا مُتَجرين بالعلم، وكانوا يفاخرون بتأييد القول الواحد ونقيضه على السواء. أما عبد الرحمن بدوى فيقول فى كتابه المعنون “ ربيع الفكر اليونانى”: “ إن النزعة السوفسطائية نزعة انسانية لأنها أدخلت الانسان كمقياس للأشياء جميعاً، ومن ثم فهى نزعة تنويرية.

ويبقى بعد ذلك سؤال:

ما الدافع إلى اهتمام المؤلف بنشر صراعات كانت سائدة فى العصر اليونانى القديم؟


يمكن الكشف عن هذا الدافع فى الصفحة الأولى من الكتاب فى قول المؤلف بأن أول مَنْ صاغ النزعة النسبية فى الفلسفة الغربية هو بروتاغوراس. وقد جاءت هذه الصياغة تحدياً لمن يتوهم أن عقله قادر على قنص الحقيقة المطلقة على نحو ما ارتأى كل من أفلاطون وأرسطو. وأظن أن هذا التحدى مازال قائماً حتى الآن مع صعود الأصوليات الدينية المتوهمة امتلاك الحقيقة المطلقة والمتجذرة فى فلسفة الديكتاتور أفلاطون.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» ( 120) كلنا أيونيون   الثلاثاء 05 أبريل 2016, 7:17 pm




رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» ( 120)
كلنا أيونيون


الثلاثاء 27 من جمادي الآخرة 1437 هــ 5 أبريل 2016 السنة 140 العدد 47237


هذه العبارة وردت فى نهاية كتاب صدر عام 2006 لفيلسوف متخصص فى الفلسفة اليونانية اسمه دانيل جراهام وعنوانه الرئيسى “ تفسير الكون”. وعنوانه الفرعى “ التراث الأيونى فى الفلسفة العلمية”. والسؤال اذن: مَنْ هم الأيونيون؟ وما هو التراث الأيوني؟ وما العلاقة بينه وبين القرن الحادى والعشرين؟

كان اليونان فى قديم الزمان أربع قبائل كبرى من بينها الأيونيون. كانوا يقيمون فى منطقة اسمها أيونية قامت فيها مدن من بينها ملطية التى كان يقال عنها إنها “ جوهرة أيونية” وتضم تجاراً أثرياء وحكماء. وكان يقال عن هؤلاء الحكماء إنهم سبب نشأة الفلسفة والعلم فى العالم الغربي. وكان يقال أيضاً إن هؤلاء قد ارتحلوا إلى أكثر الحضارات تقدماً ومن بينها مصر وبابل ليعرفوا أسرار تقدمهما. والسؤال اذن: ما هى هذه الأسرار؟

كانت لهاتين الحضارتين “ أدوات البحث العلمي”، ولكن لم يكن لديهما “ تصور” عن البحث العلمي. فالبابليون كانوا يراقبون تحركات الأفلاك من أجل مساعدتهم على التنجيم. أما المصريون فكانوا يراقبونها من أجل تحديد مواعيد الأعياد الدينية وفيضان النيل والفصول الزراعية. وفى شأن الرياضيات كانت الحضارتان مصر وبابل تهتمان بالعمليات الحسابية وحل المشكلات العملية، ولكن لم يكن لديهما مفهوم “ البرهان” الذى هو أصل نشأة الفلسفة والعلم. ومن هنا أيضاً قيل عن الأيونيين إن قيمتهم الحضارية تكمن فى أنهم انشغلوا بتكوين رؤية علمية عن الكون . وفى هذا السياق يمكن الحديث عما يسميه دانيل جراهام “ التراث الأيوني”. والسؤال إذن: ما هى الفكرة المحورية فى ذلك التراث؟

إنها تدور حول أصل الأشياء فى هذا الكون مع اختلاف بين فريقين. فريق يرى أن الأصل متمركز فى مادة تتولد عنها مواد أخري، ومع تغيرها تصبح مادة جديدة. واسم المادة الأصلية يختلف باختلاف الرأى عند هذا الفريق. فقد قيل إنها الماء أو النار أو مادة لا محدودة ولكنها ثابتة وأبدية، أى تبقى المادة الأولى كما هى على الرغم من تحولها إلى مواد أخري. وفريق آخر يرى أن هذه المادة التى هى الأصل ليست واحدة إنما متعددة.

واللافت للانتباه هاهنا أنه على الرغم من تباين آراء هؤلاء الأيونيين إلا أن ثمة مشروعاً مشتركاً بينهم وهو تفسير ما يحدث فى الكون فى إطار ألفاظ طبيعية مختارة على أساس مكونات طبيعية خالية من أى عنصر أسطوري. ومن هنا يمكن القول إن المشروع الأيونى هو فى صميمه مشروع يتسم بأنه ينشد إحداث وحدة ولكنها فى حالة تقدم، بمعنى أن ثمة استعداداً لتغيير الاطار النظرى إذا عجز عن تفسير ظواهر جديدة. ومعنى ذلك أن البديل وارد ولكن بشرط أن يكون هذا البديل متسقاً مع التفسير الطبيعى للكون. ومعنى ذلك أن الأيونيين هم الذين ابتدعوا العلم الطبيعيي، وكان مكوناً من ثلاثة تصورات: الكون والطبيعة والعلم. والكون هنا بمعنى النظام، وهو بهذا المعنى ينطوى على اتساق قائم بين مكوناته التى هى عبارة عن طبائع تتفاعل فيما بينها على أساس طبيعة كل واحدة من هذه الطبائع. ومن هنا يمكن دراستها علمياً بمعنى أن الماء يؤثر من حيث هو ماء، والنار تؤثر من حيث هى نار. ومن هنا ثانياً يكون الكون نسقاً متسقاً قابلاً للبحث العلمى فى حدود قدرة العقل من حيث إن هذه القدرة محكومة بادراكات حسية وبتفاعل بين الانسان والكون. وأى تطور علمى بعد ذلك لم يكن ممكناً إلا فى إطار التراث الأيوني. وحتى الذين كانوا يعترضون على ذلك التراث كانوا مشاركين فيه من حيث التزامهم بألا سلطان على العقل إلا العقل نفسه. وإذا كان هذا الالتزام هو سمة التنوير فى القرن الثامن عشر الميلادى فمعنى ذلك أن عصر التنوير مدين لذلك التراث الأيوني. ومن هنا ثالثا يمكن القول إن العلم المعاصر إنما هو استمرار لذلك التراث. ومن هنا رابعاً يمكن القول مع دانيل جراهام بأننا كلنا أيونيون.

واللافت للانتباه بعد ذلك أن جراهام لم يذكر فى كتابه المصريين إلا أربع مرات، وفى إطار أنهم لم يتجاوزوا ما هو عملى وأسطورى إلى ما هو نظرى وعقلاني. وهنا يلزم إثارة هذا السؤال: لماذا توقف المصريون عن مجاوزة ما هو أسطورى إلى ما هو عقلاني؟

الرأى عندى أن ذلك مردود إلى سببين: الفرعون وأسطورة عودة الروح. الفرعون ينقلك من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة، إذ كان فى البداية ابن حورس ثم أصبح ابن رع وفيما بعد أصبح رع إله الشمس. ومن هنا أصبح هو الحاكم المطلق فى إطار مفهوم المقدس المتجسد فى الكهنة. ومن هنا أيضاً كانت لدينا سلطتان متداخلتان – وهما الفرعون والكهنة- وكان كل منهما يغذى الحكم الالهي. أما أسطورة عودة الروح فكانت السبب فى نشأة علمين عمليين وهما الهندسة العملية والطب. الأولى من أجل بناء الأهرامات التى هى عبارة عن مقابر ضخمة يدفن فيها الفراعنة إلى أن تعود أرواحهم إليهم. أما الثانى فهو من أجل تحنيط أجسادهم لكى تظل سليمة حتى موعد عودة أرواحهم. وبعد ذلك يبقى سؤال: هل الحضارة الغربية تقدمت بلا عائق ابتداء من التراث الأيوني؟

الجواب بالنفي. فقد تمثل العائق فى العصور الوسطى التى كانت فيها السلطة الدينية تتوهم أنها تمتلك حقيقة مطلقة تفرضها على البشر. ومَنْ يرفض يتهم بالالحاد وأحياناً ما يُقتل. وقد تحررت أوروبا من هذه العصور بفضل حركة الإصلاح الدينى فى القرن السادس عشر وتيار التنوير فى القرن الثامن عشر. وبذلك تجاوزت أوروبا ذلك العائق ومنعته من التدمير.

ونفس هذا السؤال موجه الآن إلى الحضارة الإسلامية فكيف يكون الجواب؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» (121) هل ماتت الحقيقة المطلقة؟   الثلاثاء 12 أبريل 2016, 9:38 pm






رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» (121)
هل ماتت الحقيقة المطلقة؟

الثلاثاء 5 من رجب 1437 هــ 12 أبريل 2016 السنة 140 العدد 47244

كن جريئاً فى إعمال عقلك إذا كنت تريد إحداث ثورة دينية أو ثورة فكرية. وقد كان الفيلسوف الألمانى العظيم كانط جريئاً فى إعمال عقله عندما أصدر كتاباً عنوانه “ الدين فى حدود العقل وحده” (1793) يؤول فيه الدين تأويلاً رمزياً. وفى أكتوبر 1794 تسلم رسالة من الملك يعرب فيها عن عدم رضاه عما جاء فى الكتاب من تشويه العقائد الجوهرية فى المسيحية والحط من قدرها، ويطلب منه مستقبلاً الكف عن نشر مثل هذه الأضاليل. أما إذا واصل العناد فإنه يعرض نفسه لإجراءات صارمة. فأجابه كانط بأن كتاباته فى الدين موجهة إلى العلماء، فى مجالىْ الفلسفة واللاهوت، الذين لهم الحق فى إبداء الرأى بمعزل عن أية سلطة. ومع ذلك فقد تعهد بعدم الكتابة فى الدين لأنه “ جد أمين لجلالة الملك”. إلا أن هذا التعهد يفيد ضمنياً بأنه مرهون بحياة الملك. ولا أدل على ذلك من أنه عاد إلى الكتابة فى الدين بعد موت الملك. أما فى القرن الحادى والعشرين فلدينا لاهوتى بريطانى جرئ أصدر كتاباً عنوانه الرئيسى “ ما بعد الله” وعنوانه الفرعى “ مستقبل الدين” ولكن لم يحدث له ما حدث لكانط. اسمه دون كَبِت. والسؤال اذن: ماذا يعنى كَبِت بالعنوان الرئيسى؟ جاء جوابه على هيئة قصة بدايتها تصورات البشر قديماً عن الله. كان شبيهاً بالانسان وجالساً على عرش فى معبد حجرى فى قلب المدينة ومحاطاً بكهنة مهمتهم تنفيذ ما يصدره من قوانين. ومن هنا كانت السلطة الالهية هى مصدر جميع السلطات. ومن هنا أيضاً كانت العلاقة عضوية بين مجال المقدس ومجال الدنيوى إلى أن جاء التنوير فانفصل المجالان. إلا أن التنوير أفرز ثلاث ظواهر: الدين مسألة تخص الفرد وحده، والدولة سوقاً للمعاملات الدنيوية، أما الله فانطوى على إشكالية. والسؤال اذن: أين تكمن هذه الاشكالية؟ جواب كَبِت أنها تكمن فى أن البشر أنفسهم هم بناة المدينة بل هم بناة المعبد، وراسمو صورة الله، وبعد ذلك أسسوا المعتقد ثم أعلنوا فجأة أن الله نفسه هو الذى اختار موقع المدينة وهو الذى صمم المعبد وهو الذى عيَن الكهنة. وهنا يتساءل كَبِت: متى بدأ هذا النسق الدينى وكيف تطور؟ كانت البداية فى عام 3500 قبل الميلاد عندما تم العثور على مخطوط تصويرى يحتوى على كهنة مساعدين لله وملتفين حوله. أما تطوره فكان ضرورياً استناداً إلى العبارة القائلة “ الكل أو اللاشئ” وهى عبارة تعنى استبعاد أحد الطرفين وكان الطرف المستبعد هو اللاشئ وبقى الطرف الآخر وهو الكل متمثلاً فى تحول النسق الدينى إلى معتقد مطلق.ولكن إذا كان التطور يعنى أن له تاريخاً فيلزم اذن دراسة الدين منذ بزوغه فى قديم الزمان حتى الآن. إلا أن هذه الدراسة لن تكشف إلا عما هو نسق دينى وليس الدين من حيث هو كذلك، ذلك أن هذا النسق من صنع الانسان وهو الذى يوحَد بينه وبين رؤيته الكونية، ومن ثم لم يعد الله بعيداً عن الانسان، أى أنه ليس فى عالم غير عالم الانسان. ومن هنا كان كانط محقاً فى قوله بأن الله فى عقل الانسان وليس خارج هذا العقل. وبذلك انتهى العلم الذى يُسمى“ ما بعد الطبيعة” والذى يزعم أن فى قدرته البرهنة على وجود الله من حيث هو مفارق لهذا الكون، ومستقل عن الانسان، وبالتالى لم يعد ثمة مبرر لأن يرتبط الله بدين معين أو بجنس معين، وبالتالى لن يكون فى حاجة إلى أن يدخل فى معاداة مع أى دين أو أى جنس. ومن ثم ينتقى الآخر من حيث هو عدو، أى تنتفى قدرة الدين فى افراز “عدو”، ومع صعود ظاهرة الكوكبية فى القرن الحادى والعشرين فإن الثقافة الكوكبية أجهزت على جميع الحواجز ودمرتها، بل إن التكنولوجيا الكوكبية أصبحت من القوة بحيث أصبحت فى تناول الكل، واختفى الآخر العدو فى رحابة تكوين علاقات حرة بغض النظر عن التباينات الدينية, ومن ثم تاه التعصب. ويقال هنا إن ثلثى البشرية فى عام 2025 سيكون مغروساً فى هذه الثقافة الكوكبية. وبالمقارنة فإن سلطة المدينة- الدولة فى صورتها القديمة كانت لديها مركزية مقدسة. ولكن مع التطور تولدت ثنائية بين المقدس والدنيوى، وبين الاله والملك. الاله فى معبده يشبك شعبه المقدس بأرضه المقدسة وكان من شأن هذا التشابك أن تميز الشعب المقدس عن باقى الشعوب الأخرى بهوية هى نسيج وحدها، وكانت كفيلة بابتداع الناموس أى الشريعة. وكان أفلاطون الديكتاتور هو النموذج لهذا الابتداع. ولكن مع التطور وبزوغ الحضارة الصناعية المؤسسة على العلم تكاتف الفلاسفة وفى مقدمتهم الفيلسوف الألمانى العظيم فى إزاحة الديكتاتور وما كان لديه من حقيقة مطلقة، وأعادوا إلينا عالمنا الذى صنعناه بلغتنا ونظرياتنا وبرؤيتنا الكونية.

والرأى عندى أن ثمة مفارقة هنا وهى أننا ونحن عند هذا المستوى من الوعى الكونى ثمة دول وأحزاب وميليشيات متعصبة تحيا فى العصر الزراعى وتريد فرض تخلفها على سكان كوكب الأرض بالارهاب المسلحوالسؤال اذن: ما العمل؟ أخشى أن يكون هذا السؤال قد أتى متأخراً عن موعده بقرن من الزمان. ويبقى السؤال قائماً: هل ماتت الحقيقة المطلقة؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» (122) إشكالية جاليليو فى هذا الزمان   الثلاثاء 19 أبريل 2016, 6:57 pm






رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» (122)
إشكالية جاليليو فى هذا الزمان


الثلاثاء 12 من رجب 1437 هــ 19 أبريل 2016 السنة 140 العدد 47251


ثمة إشكاليات تبقى مع الزمن دون أن تزول، وثمة إشكاليات تتوارى مع الزمن ثم تزول. وإشكالية جاليليو من النوع الأول، إذ هى نشأت فى القرن السادس عشر وظلت باقية حتى هذا القرن: والسؤال اذن: كيف؟ ولماذا؟ أستعين فى الاجابة عن هذا السؤال بكتاب صدر فى عام 2007 لمفكر بريطانى اسمه مايكل وايت وعنوان كتابه “ جاليليو”. وجاليليو من علماء الفلك الايطاليين ولكنه مشهور بتأييده لنظرية دوران الأرض حول الشمس التى كان قد دعا إليها العالم الفلكى البولندى كوبرنيكس فى كتابه المعنون عن “ دوران الأفلاك” (1543). وكان المجمع المقدس قد أصدر حكماً بأن هذه النظرية منافية لنظرية بطليموس الاسكندرى القائلة بثبات الأرض ودوران الشمس حولها، والتى كانت مؤيدة من السلطات الكاثوليكية وأتباع أرسطو. وبذلك أصبح جاليليو منشقاً عن هذه السلطات فاتهمته بالهرطقة وحاكمته دينياً فى 13 فبراير 1633. ومع ذلك فإنه يعتبر من سلالة عصر النهضة الذى تميز بإحداث ثورة ثقافية فى مجال الفن. وقد تمركزت هذه الثورة فى مدينة فلورنسا بايطاليا حيث كان للنبلاء شهوة التعلم كما كان لديهم المال فأرسلوا وفوداً عديدة إلى المكتبات المتهالكة وإلى الأديرة القديمة للبحث عن المخطوطات واحضارها لترجمتها، وقد كان. ومع ذلك ظلت السلطة الكنسية الأصولية معارضة لكل ما حدث من تقدم مما دفع الراهب الكاثوليكى لوثر إلى أن ينشق عن الكنيسة بعد أن علق على باب كنيسة فيتنبرج لافتة مكتوباً عليها خمسة وتسعين اعتراضاً، إلا أن البابا ليون العاشر قد وقف ضدها ودعا الجمعية العامة للانعقاد برئاسة الامبراطور الرومانى وحضر لوثر وواصل هجومه على الكنيسة ثم اختفي. وقيل فى حينها إن لوثر ابتدع ديناً جديداً أطلق عليه اسم “ البروتستانتية”، أى المحتجة. ومع ذلك ظلت الكنيسة الكاثوليكية متماسكة بفضل فيلسوفها توما الأكوينى الذى مازال حتى الآن هو كذلك تحت اسم التوماوية الجديدة. .. والجدير بالتنويه هنا أن توما الأكوينى بإشارة من البابا فى عام 1256 دخل فى صراع مع رواد الرشدية اللاتينية،

والجدير بالتنويه أيضاً أن الكنيسة الكاثوليكية مازالت حريصة على عدم الافراج عما تبقى من أبحاث جاليليو. وهنا تكمن إشكالية جاليليو فى القرن الحادى والعشرين. وأظن أن هذا هو السبب الذى دفع البابا يوحنا بولس الثانى فى عام 1981 إلى تكوين لجنة سماها “ لجنة جاليليو” من أجل إعادة النظر فى مسألته. وقد انتهت إلى القول إن جاليليو كان على حق . وبعدها أعلن البابا بأنه ابتداء من عصر التنوير حتى الآن كان جاليليو رمزاً على رفض الكنيسة للتقدم العلمى بسبب دوجماطيقيتها التى تمنع البحث الحر عن الحقيقة، وبالتالى تؤدى إلى إحداث تناقض بين العلم والعقيدة المسيحية. ثم استطرد قائلاً إن اللجنة قد حددت ثلاث نقاط جديرة بالتنويه وهى على النحو الآتي: يبدو أن جاليليو لم يفهم أن نظرية كوبرنيكس كانت مجرد فرض ولم تكن حقيقة مطلقة، ولم يكن لديه برهان للتدليل على صحة القول إن الشمس هى المركز وليست الأرض. لم يفهم اللاهوتيون فى زمن جاليليو طبيعة الانجيل.أما وقد ثبتت صحة نظرية كوبرنيكس بالبراهين فإن الكنيسة أصبحت ملتزمة بالموافقة عليها والاقرار بأنها قد أخطأت فى إدانتها.وأظن أن هذه النقاط الثلاث تنطوى على فكرتين أساسيتين وهما التأويل والادانة. ومن هنا ثمة أسئلة ثلاثة لابد من إثارتها: ما هو الفهم اللاهوتى فى زمن جاليليو؟ وما مدى مشروعية الادانة؟ وما العلاقة بين العلم والدين والمجتمع؟

عن السؤال الأول أجيب بأنه فى زمن جاليليو لم يكن مفهوم التأويل وارداً لدى الكنيسة الكاثوليكية لأنها كانت ملتزمة بحرفية النص الديني، وكان هذا الالتزام سبباً فى منعها من البحث عن المعنى الباطن للنص الدينى وهو متعدد بحكم تعدد التأويلات التى هى عبارة عن اجتهادات بشرية هى نسبية بحكم بشريتها. وعن السؤال الثانى أجيب بسؤال : ما الدين؟ والرأى عندى أن للدين ثلاثة معانٍ: الدين بمعنى الايمان برسالة من غير إعمال العقل ولكن بتصديق القلب. والدين بمعنى العقيدة عندما نُعمل العقل فى النصوص الدينية وتنتهى إلى تحديد بنود الايمان. وهذا هو دور علماء العقيدة فى أى دين من الأديان سواء كان ديناً سماوياً أو أرضياً. والدين بمعنى عقيدة يلزم تطبيقها واقعياً بحيث يُتهم مَنْ يخرج عليها بالكفر فى الحد الأدنى وبقتله فى الحد الأقصى . وفى سياق هذه المعانى الثلاثة يمكن القول إن الصدام بين الدين والعلم وارد بالضرورة فى المعنى الثاني، أما الصراع بين الدين والمجتمع فوارد فى المعنى الثالث، وهو المعنى الذى تلتزم به الأصوليات أيا كانت سمتها الدينية.وعن السؤال الثالث أجيب بعبارة أقتبسها من البابا فرنسيس فى كتابه “ اسم الله الرحمة” الصادر فى بداية عام 2016 والتى قالها عندما سئل عن رأيه فى المثليين: مَنْ أنا حتى أُدين





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» (123) الفلسفة فى حالة ترانزيت   الثلاثاء 26 أبريل 2016, 1:47 pm




رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» (123)
الفلسفة فى حالة ترانزيت


الثلاثاء 19 من رجب 1437 هــ 26 أبريل 2016 السنة 140 العدد 47258


لفظ «ترانزيت» فى عنوان هذا المقال معَرب وليس مترجماً، إذ ليس ثمة لفظ عربى دقيق وواضح للتعبير عن معناه. ففى المطارات ثمة لوحة مكتوب عليها «ترانزيت» وموجهة إلى المسافرين الذين يغادرون طائراتهم عند محطة معينة ويتجهون إلى طائرة أخرة راحلة فى اتجاه آخر. وتأسيساً على هذا المعنى فإنه إذا قيل عن الفلسفة إنها فى حالة ترانزيت فإن هذا القول يعنى أن الفلسفة ستغير اتجاهها. والسؤال اذن: لماذا تغير اتجاهها؟

ورد الجواب عن هذا السؤال فى كتاب أصدرته دار نشر كبرى هى دار نشر “ بنجوين” المشهورة بطباعتها لكتب رخيصة الثمن تشيع ما فيها من أفكار بين الجماهير المثقفة. و” الحقيقة” عنوان ذلك الكتاب ( 2013) وهو من تأليف فيلسوف أمريكى اسمه جون كابوتو، مؤسس حركة لاهوتية تسمى “ اللاهوت الضعيف” ويقصد به دين بلا دين، واله لا مشروط ولكنه بدون قوة. والسؤال بعد ذلك: ما الذى حدث للحقيقة حتى يُطلب تغيير مفهومها؟

كان فلاسفة التنوير فى القرن الثامن عشر يقيمون فى أوطانهم دون مغادرتها. وجاء تصور الحقيقة ملازماً لهذا النوع من الاقامة فأصبحت هى أيضاً مستقرة. وإذا تساءلنا بعد ذلك عن “ ما هى الحقيقة؟” فالسؤال هنا يعنى السؤال عن الــــ “ماهية”، ومن هنا تكون الحقيقة ثابتة بالضرورة. ومن هنا تتسم الحقيقة بأنها هى هى فى أى زمان وفى أى مكان. ولكن مع ثورة المعلومات ومع الترحال عبر التواصل الاجتماعي”الفيسبوك” والانترنت “ الكل المترابط” فإن ماهية الحقيقة لم تعد محصنة بالمكان أو الزمان، إذ أصبحت “ اللحظة” ذاتها متغيرة، وكل شئ متغير.

ومن شأن ذلك التغير أن يحدث تغييراً فى الاطار المرجعى للعقل. وهذا هو مغزى مصطلح ما بعد الحداثة عند كابوتو. وإذا كانت الحداثة مرادفة للتنوير فمن شأن ما بعد الحداثة أن تُحدث تغييراً فى التنوير، أو بالأدق تستلزم تنويراً ثانياً وبأسلوب مغاير.

والسؤال اذن: ما هو هذا الأسلوب المغاير؟ إنه، فى رأى كابوتو، فوضى مختلطة بنظام. وإذا كان التنوير الأول مهموماً بالنظام المؤسس على العقل وما يلازمه من الحقيقة فإن التنوير الثانى يكون مهموماً بالفوضى وما يلازمها من اللاعقل وبالتالى اللاحقيقة. ومن هنا لا تكون الحقيقة مطلقة بل نسبية. ومع ذلك فإن هذه النسبية مهددَة للحقيقة لأنها تمنعنا من القول بأن ثمة خطأ. ومن هنا أيضاً نحن فى حاجة إلى الخروج من النسق التقليدي، وهو فى رأى كابوتو، نسق نشأ فى زمن الحداثة الذى يشيد بأن العقل بلا حدود، ومن ثم فالمطلوب وضع حدود. إلا أن وضع الحدود لن يكون ممكناً من غير «العودة إلى الدين» ولكن بشرط أن يكون خالياً من تكفير الآخرين. وبالرغم من هذه المتناقضات الكامنة فى لفظ الحقيقة فإن كابوتو يطلب منا الموافقة على أن تكون الحقيقة هى القائدة ونحن التابعين. ومع ذلك فثمة سؤال لابد أن يثار: إذا كنا لا نعرف ماذا ستفعل الحقيقة بنا فهل فى امكاننا أن نكون على وعى بمعرفة إلى أين نحن ذاهبون؟

جواب كابوتو أن هذا ممكن إذا تجاوزنا زمن ما بعد الحداثة إلى زمن «ما بعد الانساني»، وهو زمن يتميز بالتغير السريع، إذ انتقلنا من التحرك بين القارات إلى التحرك بين الكواكب، كما انتقلنا من تدفق المعلومات إلى تدفق سرعة التفكير عبر السموات كما لو كنا ملائكة. ومن هنا يكون المستقبل مفتوحاً بلا حروب بين ما هو دينى وما هو علماني، وبين العقل والايمان، وبين وجود الله والالحاد، وبين العلوم الانسانية والعلوم الطبيعية.

وتأسيساً على ذلك كله فإن كابوتو يدعو إلى تأسيس عقد جديد، عقد مع المحال حيث الدين، فى هذه الحالة، يعنى عشق المحال. ويترتب على ذلك أن المفهوم الجديد للدين لا يبعث على راحة المؤمن لأنه يجد نفسه واقفاً عند الحافة بين ما هو معروف وما هو غير معروف، وبين الحقيقة واللاحقيقة، وبين الممكن والمحال. ومعنى ذلك أن الانسان، فى هذا الوضع، يكون فى حالة ترانزيت بين ما هو قائم وما هو قادم، أى فى حالة تغيير الاتجاه. والتأويل هو الذى يسمح بهذه الحالة لأنه المضاد الحيوى لجرثومة الحقيقة المطلقة، ولكن بشرط ألا نتوهم أن تأويلاً معيناً هو التأويل الوحيد، لأننا إذا وقعنا فى هذا الوهم فإن الحقيقة ذاتها تسقط، وتتلاشى الحافة، وينتهى التأويل ذاته، وتأتى الشرطة المكلفة بالدفاع عن الحقيقة المطلقة.

والرأى عندى أن ثمة تناقضاً فى فكر كابوتو ينبغى إزالته أو بالأدق ينبغى رفعه. وهذا التناقض يكمن فى أن كابوتو يريد الاحتفاظ بمفهوم الحقيقة وفى الوقت نفسه يريد تغيير الاتجاه الفلسفى استناداً إلى أن الفلسفة فى حالة ترانزيت. والفلسفة لا يمكن أن تكون كذلك وتاريخ الحقيقة يدل على أنها تتجه فى الأغلب الأعم نحو المطلق، أى نحو أن تكون مطلقة. فإذا أردنا رفع التناقض فعلينا بمفهوم “ المعرفة” بديلاً عن مفهوم الحقيقة. ولا أدل على صحة ما أذهب إليه من شيوع لفظى انفجار المعرفة ومجتمع المعرفة.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15103
نقاط : 25210
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» التقدم بالثورة (124)   الثلاثاء 03 مايو 2016, 12:52 pm





رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» التقدم بالثورة (124)

الثلاثاء 26 من رجب 1437 هــ 3 مايو 2016 السنة 140 العدد 47265


عنوان هذا المقال هو عنوان الفصل الثانى عشر من كتاب للفيلسوف الأمريكى توماس كُون عنوانه بنية الثورات العلمية (2012)، وفوق العنوان عبارة تقول طبعة رابعة للاحتفال بمرور خمسين عاماً على الطبعة الأولى التى صدرت فى عام 1962. وقد كُتب فى السطر الأول من تقديمه أن الكتب العظيمة نادرة. وهذا الكتاب هو كذلك. ومن عظمته أنه يُكتب عنه إنه الكتاب دون ذكر عنوانه أو مؤلفه.

والسؤال إذن: أين تكمن عظمة هذا الكتاب؟ يقول توماس كُون إنه بدأ فى تأليف هذا الكتاب قبل صدوره فى عام 1962 باثنتى عشرة سنة، أى فى عام 1950. وفى رأيى أن هذا العام يتسم بسمة لم تكن موضع تنويه بالرغم من أهميته التاريخية، ذلك أن بداية التفكير فى تأليفه مردودة إلى كتاب لوزير خارجية أمريكا جون فوستر دالاس وعنوانه حرب أم سلام. والسؤال إذن: ما المغزى التاريخى لذلك الكتاب؟

مغزاه أن دالاس دعا فيه إلى ضرورة القضاء على الاتحاد السوفيتى بدعوى أنه يتوهم أنه يمتلك الحقيقة المطلقة وبالتالى فهو يمثل نظاما سياسيا منغلقا على ذاته، وبالتالى لا يستحق الحياة. ومع ذلك فإن اللافت للانتباه هو أن كُون قد بدأ يفكر فى عام 1950 فى تأليف كتابه بأسلوب مغاير، وهو أن التقدم بالثورة. والثورة هنا تعنى تغيير البارادايْم. وماذا يعنى هذا المصطلح؟ هذا المصطلح أصله باليونانية paradeigma ومعناه النموذج، وقد أطلقه أفلاطون على عالم المطلقات الثلاثة: الحق والخير والجمال، وهى موجودة فى عالم علوى مستقل عن عالمنا السفلى الذى خلقه إله أفلاطون على غرار العالم العلوى ولكن بأسلوب مشوه يصل إلى درجة التحقير. أما كُون فقد ذهب بهذا المصطلح إلى معنى مغاير للمعنى الذى كان يقصده أفلاطون، إذ ليس لدى كُون عالمان إنما عالم واحد فى حالة ثورة. ولا أدل على ذلك فى رأى كُون من أن كانط كان يعيش فى زمن مضطرب انتهى بقيام الثورة الفرنسية. وفى هذا السياق أصدر كانط كتابه نقد العقل الخالص فى عالم 1781، ثم أصدر الطبعة الثانية فى عام 1787، أى قبل الثورة بعامين وتحدث فى الافتتاحية عن ثورتين علميتين: الثورة الأولى عن ارتقاء الرياضيات من مستوى الممارسات العملية إلى المستوى النظرى الذى أساسه مفهوم البرهان. والثورة الثانية عن مولد العلم التجريبى من نظريات جاليليو فى القرن السادس عشر الميلادى. ومن هنا يقول كُون إن كانط هو الذى صك مصطلح الثورة العلمية. ومن هنا أيضا كان أول كتاب لكُون عنوانه الثورة الكوبرنيكية التى حدثت أيضاً فى القرن السادس عشر وكانت تعنى نظرية دوران الأرض حول الشمس. وفى هذا السياق وُلد ثلاثة عظماء: الفيلسوف الانجليزى بيكون ولقبه النبى والعالم الإيطالى جاليليو ولقبه الفنار والعالم الانجليزى نيوتن ولقبه الشمس. وفى رأى كُون أن الثورة الكوبرنيكية هى الثورة العلمية الأولى. أما الثورة العلمية الثانية فهى الثورة الصناعية فى بداية القرن التاسع عشر وفيها أصبحت الرياضيات هى لغة العلم فى عدة مجالات مثل الحرارة والضوء والكهرباء والمغناطيسية. وثورة راديكالية ثالثة حدثت فى الفزياء مع بداية القرن العشرين عندما تم اكتشاف أن الذرة ليست هى نهاية المطاف لأنها تحتوى على عناصر إلكترونية وذلك فى عام 1900. وفى عام 1905 أعلن أينشتين نظرية النسبية الخاصة وفى عام 1916 أعلن نظرية النسبية العامة. وفى عام 1927 اهتز مفهوم اليقين المطلق بسبب بزوغ مفهوم اللايقين فى الفزياء النووية، وبذلك انتهى العلم القديم. وإذا كان البارادايم فى العلم يتغير مع كل ثورة فالسؤال إذن: كيف؟

جواب كُون على النحو الآتى:

فى البداية لدينا علم يقال عنه إنه علم سوى، أى علم تنصاع له جميع الظواهر. ولكن مع التطور تبزغ ظواهر جديدة يقال عنها إنها ظواهر شاذة لأنها لا تنصاع للعلم السوى الذى أساسه القانون. وعندئذ تحدث أزمة فى البارادايم الكامن فى العلم، ويكون من شأن الأزمة إبداع بارادايم جديد. وحيث إن مجالات الحياة متعددة فالبارادايم متعدد وضرورى لأنه من غير البارادايم يموت العلم. والمفارقة هنا أن تعدد البارادايم يعنى تعدد الحقيقة. ولكن إذا كانت الحقيقة فى جوهرها تعنى عدم التغير، أى تعنى الثبات فهى إذن ضد التغير وضد الإقرار بعدم إمكان ظهور حالات شاذة. ولكن عدم التغير يعنى نفى الثورة ومع نفى الثورة ينتفى التقدم. وفى هذا السياق إذن يمكن القول إن تعدد البارادايم يفضى إلى حدوث أزمة فى مفهوم الحقيقة . والسؤال إذن:
ما الحل؟ الحل قائم فى إحلال مفهوم التقدم بديلاً عن مفهوم الحقيقة وأن يكون معيار التقدم ما ينطوى عليه أى بارادايم من رؤية كونية علمية منفتحة وليست منغلقة، بمعنى أن تسمح هذه الرؤية بتعدد رؤى أخرى من غير يقين حتى تكون البشرية فى حالة ثورة علمية بلا توقف، وهو ما يتسق، فى رأيى، مع طبيعة العقل البشرى من حيث إنه مبدع لأن لديه القدرة على مجاوزة الوضع القائم عندما يتأزم، وهو متأزم بالضرورة.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (101) الإرهاب ومسئولية الفيلسوف
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 4انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
elwardianschool :: المكتبة :: تحميل كتب :: العلوم الاجتماعية (300)-
انتقل الى: