elwardianschool


elwardianschool

مـنـتـدى مـــكـتـبــة مـدرسـة الـورديـان الـثـانـويـة * بـنـيـن...( تعليمى.متنوع.متطور )

 
الرئيسيةالبوابةبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول
نتمنى لكم قضاء وقت ممتعا و مفيدا فى المنتدى

شاطر | 
 

 محمد عبد العال ... كلية الآداب - قصة الأفعى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: محمد عبد العال ... كلية الآداب - قصة الأفعى   الإثنين 19 يناير 2015, 5:21 am





بُستَانٌ صَغِير بِأَطرَافِ القَريَة، تَحُفُّهُ الْمِيَاه وَالأشجَار، فَأصبَح كَالوَاحَة الجَمِيلَة، يَغفُو بِخُلوَتِه بَعد أنْ ازدَادَت أقَاوِيل أهل القَريَة عَلَى أنَّه تَسكُنُه أروَاحٌ شِرِيرَة، اعتَبَرَه «طارق» مَلاذَه الهَادِئ وَمَلجَأ لِلسَكِينَة وَسِحر الطَبِيعَة، حَيث يُمَارِس طُقُوس حُرِيَتِه بِسَاعَات طُوَال يَصرِفُهَا بِقِرَاءَة دُرُوسِه العِلمِيَة، إضَافَةً إلى الكَم الهَائِل مِن القَصَص وَالأشعَار وَالرِوَايَات، لَقَد كَان مُثَابِرَاً وَطَمُوحَاً, يَرتَوِي مِن مَنَابِع الفِكر وَيَلهُو مَع العَصَافِير، وَيُغَنِي مَع الأطيَار وَيَرقُص طَرِبَاً لألحَانِهَا الشَجِيَة، تَسحِرُه رُؤيَة سَعَف النَخِيل وَهُو يُعَانِق نَسَمَات الرِيح الهَادِئَة، يَستَظِل بِظِلال النَخِيل وَيَتَذَوَق ثِمَارَهَا كُلَّمَا أحَسَّ بِالجُوع، تَملأه نَشوَة الشَبِيبَة الثَائِرَة بِكُلِّ انفِعَالاتِهَا، وَيَستَبِيح المَكَان بِفَوضَى تَنَاثُر أورَاقِه وَكُتُبِه بِأرجَاء المَكَان، فَأصبَح البُستَان كَمَكتَب يَحتَضِن خُصُوصِيَاتَه وَجُنُون أفكَارَه وَثَورَة عَواطِفِه الجَامِحَة وَمُتَنَفَسَاً مِن ضَجِيج الحَيَاة وَهُمُومَهَا.

وَفي أحَد الأيَام مَرَّ بِه فَلاحٌ عَجُوزٌ عَائِدَاً مِن حَقلِه، ألقَى مِعوَلَه وَجَلَس قُرب «طارق» وَبَعد أنْ شَرَب المَاء أشعَل سِيجَارَة رَخِيصَة، يَتَذَوقهَا بِطَرِيقَة سَاحِرَة وَيَنفِّث الدُخَان بِكَبِد السَمَاء وَيُصحِبُه بِزَفَرَاتٍ مُحرِقَة وَآهَاتٍ عَمِيقَة، مِمَّا أثَار انتِبَاه «طارق» فَسَألَه: ـ

مَا الذِي يُقلِقُك يَا شَيخ؟! ـ لَقَد أثَار هَذَا المَكَان ذِكرَيَاتي، وَأيَام شَبِيبَتِي عِندَمَا كُنت فَرِحَاً أرفِل بِصِحَّة جَامِحَة بَين هَذِه البِقَاع، وَتَحدِيدَاً هُنَا كُنت ألتَقِي مَنْ أَحَبَّهَا قَلبِي وَاختَارَتهَا رَوحِي، فَكَم غَنَينَا مَعَّاً عَلَى ضِفَاف ذَلِك النَهر ـ وَأشَار بِأصبَعِه المُعوَّج وَيَدِه المُرتَجِفَّة ـ وَلَكِن يَا وَلَدِي صَدَمَتنِي الحَيَاة بِزَوَاجِهَا مِن رَجُلٍ آخَرٍ بِرَغبَة وَالِدُهَا الذِي كَان يَمقِتُنِي دُون سَبَب.

بَعد صَمتٍ بَدَأ الشَيخ يُرَدد مَقَاطِع غِنَائِيَة لِمُطرِبٍ رِيفِي مَشهُور بِالحُزن، وَبَعد أنْ أنهَى أُغنِيَتَه نَهَض مُستَأذِنَاً بِالانصِرَاف، وَبَعد أنْ مَضَى خُطوَات رَجَع إلى «طارق» قَائِلاً: ـ

تَذَكَّرتُ يَا وَلَدِي أُوَدُّ أنْ أُخبِرَك أمرَاً، إنَّ لِهَذَا البُستَان حِكَايَة قَدِيمَة لِصَاحِبِه الذِي رَحَل عَن الحَيَاة، فَقَد كَان يُرَبِّي أفعَى جَلَبَهَا مِن مَكَان قَصِّي لِتَحرُس البُستَان وَبَعد وَفَاتِه بَقِيَت الأفعَى تَتَرَدد عَلَى البُستَان تَحت دِرَايَة وَأنظَار أهل القَريَة وَقَد أثَارَّت الرُعب بِالقُلُوب لِضَخَامَتِهَا فَلِذَا أُحَذِرُك مِن هَذِه الأفعَى. قَال «طارق» مُتَسَائِلاً: ـ وَهَل رَأيتَهَا أنْتَّ؟ ـ لا وَلَكِن أهل القَريَة يَقُولُون ذَلِك.

فَأجَابَه «طارق»: ـ دَعهُم يَقُولُوا مَا يَشَاءُون فَقَد قَالُو الكَثِير مِن الخُرَافَات عَن وُجُود غِيلان وَجِن بِهَذَا البُستَان لِيَمنَعُوا الآخَرِين مِن التَمَتُّع بِسِحرِه. رَحَل الفَلاح وَهُو لا يَزَال يُغَنِي أُغنِيَتَه الحَزِينَة وَبَقِّي «طارق» يُقَلِّب الأفكَار وَلا يُنكِّر، لَقَد تَسَلَلَت المَخَاوِف إلى قَلبِه وَمِمَّا تَجلِبُه الأيَام القَادِمَة مِن مُفَاجَآت, اعتَاد «طارق» المَجِيء إلى هَذَا البُستَان كُل مَسَاء وَفي إحدَى الأُمسِيَات عِندَمَا كَان مُمسِكَاً بِكِتَابٍ حَتَى أفزَعَته حَرَكَة مُرِيبَة بَين الحَشَائِش القَرِيبَة، فَقَفَز مَذعُورَاً مِن شَبَح الأفعَى وَإذَا بِه يَقِف أمَام فَتَاة سَاحِرَة الجَمَال كَأنَّهَا حُورِيَة سَاقَتهَا الرِيح إلى وَاحَتِه الجَمِيلَة, ابتَسَمَت لَه الفَتَاة وَهِي تَهُزُّ عَصَاهَا قَائِلَةً: ـ

مَا الذِي أخَافَك؟! وَهَل أنَا قَبِيحَة إلى دَرَجَةٍ أثَارَت خَوفَك؟ أم اعتَقَدتَنِي جِنِيَّةٌ جِئتُ لأسلُبُكَ الحَيَاة؟ أو وَحشٌ لأفتَرِسَك؟! ـ بَل اعتَقَدتُكِ تِلك الأفعَى المَشهُورَة التِي تَحرُس هَذَا البُستَان. فَضَحِكَت الفَتَاة وَتَسَاءَلَت قَائِلَة: ـ وَهَل تُصَدِّق ثَرثَرَة عَجَائِز القَريَة الفَارِغَة؟ دَعك مِن هَذِه الخُرَافَات وَلنَتَحَدَّث عَن اختِيَارِك هَذَا المَكَان لِلقِرَاءَة لَقَد أعَدتَّ إلَيه نَبضَ الحَيَاة بَعد أنْ كَان مُوحِشَاً.

فَشَكَرَهَا «طارق» سَائِلاً إيَاهَا: ـ مَنْ تَكُونِي أيَّتُهَا الجَمِيلَة؟ لَم يَسبِق لِي أنْ رَأيتُكِ مِن قَبل! ـ أنَا ابنَة الحَاج «صالح» وَنَحن حَدِيثِي عَهدٍ بِالقَريَة.

ـ عَرفِتُكِ. هَل أنْتِّ «ياسمين»؟ قَالَت مُتَعَجِبَّة: ـ وَكَيف عَرِفتَ؟!

ـ مِن مَدِيح فَتَيَات القَريَة بِجَمَالِك وَخُلُقِك، وَلَكِن مَا الذِي جَاء بِك هُنَا؟

ـ أبحَث عَن بَقَرَتنَا المَفقُودَة. فَهَل رَأيتَهَا هُنَا؟

أجَابَهَا «طارق»: ـ وَهَل أنَا حَارِسٌ لأبقَارِكُم؟

فَضَحِكَت الفَتَاة مِن مُزَاح «طارق», وَجَلَسَت بِقُربِه تَتَصَفَّح بَعض أورَاقِه، ثُم رَفَعَت رَأسَهَا نَحوَه قَائِلَة: ـ هَل مَازِلتَ خَائِفَاً مِنِّي؟

ابتَسَم «طارق» لَهَا وَقَال: ـ أنَا الآن بِغَايَة السَعَادَة لِوُجُودِك مَعِي. فَشَكَرَته بِلُطفٍّ وَهِي تَصِف لَه سَعَادَتِهَا بِمُلاقَاتِه حَيث كَانَت كَمَا تَدَّعِي أنَّهَا تُرَاقِب وُجُودَه مُنذ زَمَنٍ وَتَتَمَنَّى أنْ تَلقَاه يَومَاً.

فَقَال «طارق»: ـ وَقَد تَحَقَقَّت رَغبَتُكِ وَأنْتِّ الآن قُربِي فَحَدِثِينِي عَمَّا يَجُول بِأفكَارِك.

ـ وَهَل بَقِّي شَئٌ مِن الكَلام لأقُولُه لَقَد قُلتُ كُل شَئٍ في قَلبِي وَأخجَلُ أنْ أَقُول المَزِيد.

أجَابَهَا «طارق»: ـ أنْتِّ أجمَّل يَاسَمِينَة رَأيتُهَا بِحَيَاتِي وَأجمَّل هَدِيَة قَدَرَت الأقدَار أنْ لَقَيتُكِ هُنَا. ثُم سَارَا خُطوَات لِيَستَطلِعَا المَكَان قَبل رُجُوعُهَا مُتَسَائِلاً:

ـ هَل نَلتَقِي مُجَدَدَاً؟

ـ دَعهَا لِلظُرُوف.

ـ هَذِه أعذَار المُنهَزِمِين يَجِب أنْ تُحَدِدِي مَوعِد لِقَاءَنَا.

ـ وَكَيف أعرِف بِوُجُودِك بَين هَذِه الأدغَال العَالِيَة، وَلَكِن عِندِي فِكرَة.

قَال مُتَعَجِبَاً: ـ مَا هِي؟!

ـ احمِّل مَعكَ مِرآة صَغِيرَة وَاصعَد عَلَى جِذع نَخلَة عَالِيَة، وَاعكِّس فِيهَا ضَوء الشَمس السَاطِع عَلَى مَنزِلِي حَتَى أعرِفُ بِوُجُودِكَ.

فَشَكَرَهَا «طارق» عَلَى هَذِه الفِكرَة التِي لَم تَخطِر لَه عَلَى بَال,

بَقَّى «طارق» هَائِمَاً مَع صَدَى صَوتُهَا وَكَلِمَاتِهَا الحُلوَّة تَرِنُّ في المَكَان وَبَقَّي مُنتَشِيَاً بِأحَاسِيس لاتُوصَف, تَكَرَرَت اللِقَاءَات بِحَبِيبَة القَلب «ياسمين» حَيث امتَزَجَت مَشَاعِرُه الجَمِيلَة مَع هَذَا المَكَان السَاحِر فَأصبَح مَنبَع الوَجد وَمَلجَأ لِلغَرَام وَنَدِيم مُؤنِس لِوِحدَتِه فَأصبَح عَلَى عَهدٍ لا يَتَرَدَد عَنه بَعد مُفَارَقَة المَكَان, يَومَاً عِندَمَا دَبَّ اليَأس بِقَلب «طارق» مِن عَدَم مَجِيء حَبِيبَتِه استَلقَى عَلَى الحَشَائِش مُغمِضَاً عَينَيه حَتَى سَمِعَ صَوتَاً لِحَرَكَة الحَشَائِش فَعَلِم بِمَجِيء «ياسمين»

فَتَظَاهَر بِالنَوم حَالِمَاً أنْ تَلمِس «ياسمين» أطرَاف أصَابِعُه وَتُوقِظُه بِلُطفٍّ وَتَدعُوه لِجَولَةٍ حَالِمَةٍ بَين الحُقُول، وَلَكِن الصَوت ازدَاد وَاقتَرَب دُون أنْ تُكَلِمُه «ياسمين» وَبَعد أنْ هَدَأ الصَوت سَمِع فَحِيحَاً مُقرِف، فَفَتَح عَينَيه عَلَى ذَلِك المَشهَد المُرعِب وَجَد أفعَى عِملاقَة مَهُولَة الشَكل نَائِمَة بِقُربِه وَرَأسُهَا مَرفُوع أعلَى رَأسَه وَفَحِيحَهَا قَد اقتَلَع أحشَائَه وَلِسَانَهَا المَشطُور يَتَلَوَّى كَالسِيَاط فَأحَسَّ بِوَهَن قَوَائِمِه وَشُلَّت أطرَافَه وَجَمُد بِمَكَانِه دُون أيَّة حَرَكَة مِن شَأنِهَا قَد تَستَفِز الأفعَى فَتَقضِي عَلَيه بِلَدغَةٍ وَاحِدَة وَرُبَّمَا تَبتَلِعُه فَاكتَفَى بِالنَظَر إلَيهَا وَكَأنَّه يَستَعطِفُهَا وَيَلتَمِس العُذر مِنهَا مِن استِبَاحَتِه البُستَان, بَعد لَحظَاتٍ عَصِيبَة مَرَّت بِـ«طارق» خَفَضَت الأفعَى رَأسهَا وَتَابَعَت طَرِيقَهَا بِكُلِّ هُدُوءٍ بَين الحَشَائِش وَهُو يُتَابِعُهَا بِنَظَرَاتٍ مَذهُولَة..

نَهَض «طارق» وَلَم يُصَدِّق مَا رَآه وَلَكِنَه أدرَك أنَّهَا أفعَى مُسَالِمَة فَلَم تَتَجَرَأ عَلَى إيذَائِه وَلَرُبَّمَا مَرَّت سَابِقَاً بِقُربِه دُون عِلمِه أثنَاء لَحظَات نَومِه, أصبَح مِن المُلزِم عَلَيه إعَادَة حِسَابَاتِه وَالبَحث عَن مَكَانٍ آخَر رَغم قَسوَة المُعَادَلَة بِفَقد رُؤُيَة حَبِيبَتِه «ياسمين» التِي لَم تَتَمَكَّن مِن لِقَائِه في أي مَكَانٍ آخَر, انقَطَع عَن الذَهَاب إلى البُستَان لأيَام طَوِيلَة وَهُو يَعِيش ذِكرَيَات حُبَّه المُمتَزَجَة بِالخَوف وَمُلتَصِقَة بِجَنَبَات ذَلِك البُستَان، أخبَرَته إحدَى النِسَاء مِن أقَارِبه عَن رَغبَّة «ياسمين» بِرُؤيتِه في البُستَان وَعِندَهَا اضطَّر لِلذَهَاب.

التَقَى الحَبِيبَان بَعد شَوقٍ وَلَهفَّة لِفِرَاقٍ طَال لأيَامٍ حَيث حَدَثَهَا «طارق» عَن الأفعَى فَضَحِكَت وَلَم تُصَدِقُه، وَلَكِنَه أكَدَّ لَهَا وَبَقِيَا يَبحَثَان عَن سُبُلٍ أُخرَى لِلقَاء وَبَينَمَا هُم يَتَحَدَثَان فَاجَأتهُم الأفعَى بِمَكَانٍ قَرِيبٍ جِدَاً فَأشَار «طارق» لِـ«ياسمين» ألا تَقُوم بَأيَّة حَرَكَةٍ وَأنْ تَصمُت وَفِعلاً انقَطَعَت الأنفَاس وَأُخرِسَت الألسُن لِسُلطَانِ هَذِه الأفعَى التِي زَحَفَت بِقُربِهِمَا وَتَابَعَت طَرِيقَهَا, تَنَفَّس الاثنَان الصُعَدَاء

وَقَال «طارق»: ـ هَل رَأيتِ كَم هِي مُسَالِمَة وَهَادِئَة أصبَح لَدَيَّ شُعُور بِالرِضَا وَالحُب لِهَذِه الأفعَى.

قَالَت لَه «ياسمين»: ـ لا أُصَدِّق مَا رَأيتُ أين تَختَفِّي هَذِه الأفعَى؟ وَأين تَذهَب بِكُل هَذِه الضَخَامَة.

انتَهَت تِلك الأُمسِيَة بِمَشَاعِر مُتَنَاقِضَة بَين الحُب وَالفَرَح وَالخَوف وَالحُزن وَالتَرَقُب، وَمَرَّت الأيَام وَتَكَرَرَت اللِقَاءَات بَين الحَبِيبَين حَتَى أصبَح وُجُود الأفعَى مَألُوفَاً لَدَيهِمَا مُتَشَوقِين لِرُؤيَتِهَا وَفي أحَد الأيَام سَمِعُوا فَحِيحَهَا فَذَهَبَا إلَيهَا حَتَى وَقَفَا عَلَى مَقرِبَةٍ مِنهَا حَيث أزَاحَا شِبَاكٍ التَفَّت عَلَى وَسَطِهَا وَهِي تَنسَاب بِكُل هُدُوءٍ وَكَأنَّهَا تَشكُرهُمَا وَبَقِيَا لِلَحظَاتٍ بِقُربِهَا وَكَان «طارق» يَتَمَنَّى لَو يَجرُأ عَلَى لَمسِهَا وَيَمسَح عَلَى رَأسِهَا وَيَعرِف أسرَارَهَا وَيُلَبِي رَغبَاتَهَا وَلَكِنَه يَخشَى المُجَازَفَة, ابتَسَمَت «ياسمين» وَهِي تَقُول: ـ سُبحَان الله لَقَد انشَغَلنَا جَمِيعَاً بِحُب الأفعَى وَتَنَاسَينَا قِصَة حُبَّنَا.

أجَابَهَا «طارق»: ـ إنَّ حُبُّكِ يَا «ياسمين» تَمَلَكَنِي حَد الجُنُون أتَمَنَى لَو تُحَدِثِي وَالِدَتُكِ بِشَأن حِكَايَتِنَا لِتَكُون مُهَيَأة لاستِقبَال وَالِدَتِي لِقَبُول مُوَافَقَة مَبدَئِيَة.

هَذِه الكَلِمَات أفرَحَت وَأثلَجَت قَلب «ياسمين»التِي تَمَنَّت كَثِيرَاً أنْ تُتَوِّج قِصَة حُبَّهُمَا بِنِهَايَةٍ سَعِيدَة, الأيَام تَمضِي وَالأحدَاث تَتَسَارَع وَالأفعَى أصبَح وُجُودُهَا مَألُوفَاً بَين الحَبِيبَين وَكَثِيرَاً مَا تَزحَف عَلَى أورَاقِه وَكَأنَّهَا تَفهَم مَا يَجُول بِقَلب «طارق» مِن مَوَدَة لَهَا فَكَم بَحَث عَنهَا بِرِوَاق البُستَان وَفي الحُفَر المُظلِمَة عِندَمَا يَفتَقِدُهَا عِلمَاً بِأنَّه لَم يَتَفَوَّه بِأيَّة كَلِمَةٍ لأهل القَريَة عَن وُجُودِهَا فَهُم يَتَرَبَصُون بِهَا شَرَاً لِلتَخَلُّص مِن شَبَحِهَا المُخِيف.

ذَات يَوم عِند المَسَاء جَاء «طارق» كَعَادَتِه أمَلاً بِلِقَاء حَبِيبَتِه وَصَدِيقَتِه الأفعَى التِي تَتَلَوَّى أمَامَه عَلَى الحَشَائِش بِكُل وَدَاعَةٍ وَمَوَدَةٍ فَرِحَاً بِهَذِه العَلاقَة الرُوحِيَة مَع أخطَر المَخلُوقَات في الوُجُود, عِند وُصُولِه إلى البُستَان تَفَاجَأ بِالجَمع الغَفِير مِن أهَالِي القَريَة وَهُم يَحمِلُون الفُؤُوس وَالمَعَاوِل وَالبَنَادِق في ذَلِك البُستَان, فَرَّق الجَمع حَتَى وَقَف عَلَى جَسَد الأفعَى المِسكِينَة بَعد أنْ تَمَكَنُوا مِن قَتلِهَا وَقَف حَزِينَاً بَينَهُم وَهُو يَنظُر إلى هَيأتِهَا المُرعِبَة وَلَكِنَه أحَسَّ بِمَشَاعِر التَعَاطُف وَالحُزن مِن أجلِهَا فَصَاح بِأعلَى صَوتِه: ـ

اسمَعُوا يَا أهَل القَريَة لَقَد ارتَكَبتُم إثمَّاً بِقَتل هَذِه الأفعَى المُسَالِمَة لَقَد كَانَت خَير رَفِيقٍ لِي تُؤنِس وِحدَتِي وَأنَا أتَشَوَّق لِرُؤيَتِهَا كُل يَوم وَاعلَمُوا كَم أشعُر بِالرِضَا عَن إنسَانِيَتِي بِقَبُولَهَا كَمَخلُوقٍ وَشَرِيكٍ في الحَيَاة فَكَانَت تَتَصَرَّف بِوَدَاعَةٍ وَلُطفٍّ لَقَد احزَنتُمُونِي جِدَاً بِقَتلِهَا.

فَذُهِل أهَل القَريَة لِسَمَاع كَلِمَاتِه حَتَى اقتَرَب إلَيه شَيخ كَبِير يَسألُه: ـ وَهَل أنْتَّ يَا وَلَدِي تَعرِف بِوُجُودِهَا؟ ـ نَعَم مُنذ عِدَة أشهُر. فَصَمَت الرَجُل حَتَى أمَر ثَلاثَة رِجَالٍ أقوِيَاء عَلَى حَملِهَا خَارِج البُستَان لِدَفنِهَا, حَمَل الرِجَال الأفعَى وَأطرَافَهَا تَتَدَلَى عَلَى الأرض وَبَقِّي «طارق» حَزِينَاً مِن أجلِهَا, في اليَوم التَالِي التَقَى بِـ«ياسمين» وَطَال بَينَهُمَا الحَدِيث عَن الأفعَى المِسكِينَة وَتَبَادَلا كَلِمَات المُوَاسَاة بِفَقدِهَا وَأخِيرَاً قَالَت «ياسمين»: ـ لَقَد أخبَرَتنِي أُمي إنْ لَم تَتِم خِطبَتِي مِنك بِسُرعَة سَتُضطَّر لِرَغبَّة وَالِدِي بِزَوَاجِي مِن ابن عَمِي.

طَمأنَهَا «طارق» بِأنَّ كُل شَئٍ سَيَكُون عَلَى مَا يُرَام وَفِعلاً في مَسَاء اليَوم التَالِي دَوَّت زَغَارِيد النِسَاء بِمُنَاسَبَة خُطُوبَة «طارق» و«ياسمين» وَانتَهَت حِكَايَة حُبَّهُمَا بِنِهَايَةٍ سَعِيدَة تَحمِل بَين طَيَاتِهَا أجمَّل الذِكرَيَات.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
محمد عبد العال ... كلية الآداب - قصة الأفعى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
elwardianschool :: المكتبة :: من أخبار أصدقاء فى الكليات والحياة العامة-
انتقل الى: