elwardianschool


elwardianschool

مـنـتـدى مـــكـتـبــة مـدرسـة الـورديـان الـثـانـويـة * بـنـيـن...( تعليمى.متنوع.متطور )

 
الرئيسيةالبوابةبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول
نتمنى لكم قضاء وقت ممتعا و مفيدا فى المنتدى

شاطر | 
 

 رؤيتى للقرن الواحد والعشرين - مراد وهبه ... 1 : الخ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4
كاتب الموضوعرسالة
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (78) أزمة التنوير فى ألمانيا   الثلاثاء 09 يونيو 2015, 6:50 pm

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (78) أزمة التنوير فى ألمانيا


الثلاثاء 22 من شعبان 1436 هــ 9 يونيو 2015 السنة 139 العدد 46936


علاقتى بالتنوير بدأت فى المرحلة الجامعية الأولى حين كنت فى السنة الثانية بقسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة الآن) فى أكتوبر من عام 1944. وفى أحد أيام شهر يونيو عام 1945 التقيت أستاذى يوسف كرم بمعهد الدراسات الشرقية للآباء الدومنيكان بالعباسية بالقاهرة وكان فى حينها أستاذاً للفلسفة بجامعة الاسكندرية. وفى عام 1946 أرسلت إليه بحثا أعددته خصيصاً له وكان عنوانه «كانط والميتافزيقا». وكانط هو فيلسوف التنوير فى القرن الثامن عشر ألمانى الجنسية ويعد من أعظم فلاسفة البشرية. كتاباته عسيرة الفهم، ولا أدل على ذلك من أنه نشر موجزاً لكتابه «نقد العقل الخالص» يوضح فيه للفلاسفة ما هو غامض. وفى 18 ديسمبر 1946 تسلمت من أستاذى رسالة تعليقاً على بحثى جاء فى مفتتحها الآتي: «قرأت بحثك وإنى أهنئك فقد بذلت مجهوداً ظاهراً فى تفهم كانط وتلخيصه. ولقد فهمته جيداً وجاء تلخيصك دقيقا وإن لم يخل من الغموض». ثم توالت تعليقاته على البحث صفحة صفحة.
وبعد ذلك قرأت مقالاً كان قد نشره كانط فى عام 1784 بعنوان «جواب عن سؤال: ما التنوير؟». فكرته المحورية رفع الوصاية عن العقل سواء جاءت الوصاية من سلطة دينية أو سلطة سياسية، وفى الحالتين من الوصاية فإن العقل يمتنع عن آن يكون سلطان ذاته، ومن ثم يمتنع التنوير. ومن هنا يلزم رفع الوصاية لقنص التنوير. إلا أن هذا الرفع لن يكون ممكناً إلا إذا كانت لدى العقل الجرأة فى تأدية ذلك الرفع، وهذه الجرأة لن تكون ممكنة إلا إذا أفاق العقل من سباته الدوجماطيقي، أى من نومه الذى يحلم فيه أنه مالك للحقيقة المطلقة. وقد كان لعقل كانط هذه الجرأة فأفاق ثم دعا الآخرين إلى هذه الإفاقة، وقد كان، إذ شاع التنوير فى ألمانيا وفى فرنسا إلى الحد الذى لا يقولون فيه فلاسفة التنوير إنما يقولون «الفلاسفة» وكفي. وكان من شأن إشاعة التنوير قيام الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية.
وإذا كان للثورة قانون فقانونها أن لكل ثورة ثورة مضادة. وقد اشتعلت الثورة المضادة عندما استولى هتلر زعيم الحزب النازى على السلطة فى 30 يناير 1933. ومع صعود النازية فى ألمانيا صعدت الفاشية بقيادة موسولينى فى ايطاليا. وكان الفضل فى إفرازهما مردوداً إلى بزوغ مدرسة أُطلق عليها «مدرسة فرنكفورت» أو «معهد البحوث الاجتماعية» بقيادة فيلسوفين يهوديين هما: »تيودور أدورنو(1903-1969) وماكس هوركهيمر(1895-1973). نشرا معاً كتابهما العمدة لهذه المدرسة وعنوانه »ديالكتيك التنوير« (1944). فكرته المحورية أن التنوير ليس إلا خداعا للجماهير لأنه يستند الى ثقافة شعبية هى عبارة عن مصنع لانتاج سلع ثقافية نمطية مثل الأفلام والبرامج الاذاعية والمجلات، والتى كان من شأنها تحويل المجتمع الجماهيرى إلى مجتمع استهلاكى يفرز ملذات عابرة واحتياجات زائفة فى ظل نظام رأسمالى، وأن التنوير على الرغم من أنه هو المسئول عن التقدم الاجتماعى والثقافى والمادى فإنه فى طياته تكمن بذور التراجع إلى أشكال بدائية مضادة للحضارة. وعلى الرغم من أن العقل هو الفكرة المحورية وأنه أساس الحرية والعدالة والحقيقة بحيث تبدو هذه الأفكار وكأنها متجذرة فى العقل فإن التنوير سرعان ما سقط فى الشك إلى الحد الذى لم يبق فى العقل شيئا من اليقين، ومن ثم تحول إلى اللاعقل. ولا أدل على ذلك من أن هوركهيمر نشر مقالاً عنوانه «نهاية العقل» ثم كتاباً عنوانه «أفول العقل» وفيهما يقرر أن المفاهيم الأساسية للحضارة فى حالة تآكل. ثم انضم إليهما فيلسوف ألمانى ثالث اسمه جورجن هابرماس مدافعاً عن ثقافات ما قبل الحداثة التى تعادى العلمانية بعد أن كان مدافعاً عن الحداثة وعن علمانيتها وعن وضعها للعقل فى الصدارة وذلك فى كتابه المعنون «الخطاب الفلسفى للحداثة» (1985). ومعنى ذلك أن هابرماس قد انقلب على ذاته. وقد جاء هذا الانقلاب مواكباً لزيارته لايران بدعوة رسمية أعلن بعدها أنه من المشروع إقامة «حكومة الله» وأن هذه المشروعية تمنعنا من اتهام إيران بأنها ثورة دكتاتورية.والمفارقة هنا أن الاتحاد الدولى للجمعيات الفلسفية قد دعاه لالقاء المحاضرة الافتتاحية للمؤتمر الفلسفى العالمى الثامن عشر ببرايتون بانجلترا فى عام 1988. وكانت هذه المحاضرة رمزاً على بداية انزلاق الاتحاد العالمى نحو الاتجاه المضاد للتنوير. وفى عام 1990 دعوت رئيس الاتحاد إفاندرو أجاتسى للمشاركة فى ندوة بالقاهرة عنوانها «التنوير والثقافة»، وكان عنوان بحثه هو عنوان الندوة ذاتها. فكرته المحورية الدعوة إلى تنوير جديد يتجاوز تنوير كانط بدعوى أن هذا التنوير يتخذ من العقل معياراً أوحد لتقدم العلم و التكنولوجيا، وبالتالى فإنه يستبعد التراث فى حين أن التراث أيا كانت ملته فيه من الحكمة ما يرقى إلى الأسطورة التى من الممكن أن تلهمنا باتجاهات جديدة إزاء الواقع. وبهذا المعنى يمكن القول إن أجاتسى يمتنع عن المفاضلة بين تراث وآخر كما يمتنع عن المفاضلة بين التناقضات فى تراث بعينه. مثال ذلك: لدينا فى التراث الاسلامى ابن تيمية وابن رشد والأول يكفر الثانى ويقصيه. ولدينا فى التراث كذلك الوهابية وحركة الاخوان المسلمين اللتان تستندان إلى ابن تيمية وأغرقت أوروبا فى الارهاب وكانت ألمانيا هى أول بلد يلجأ إليه الاخوان المسلمون فى نهاية الخمسينيات من القرن الماضى بقيادة سعيد رمضان زوج ابنة حسن البنا. وبعدها توالى الزحف إلى بلدان أوروبية أخري. وإثر ذلك شاع مصطلح «الاسلاموفوبيا» أى الرعب من المسلمين. ومن هنا أهمية زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسى لألمانيا فى يونيو 2015، إذ تنطوى على سؤال محوري: ما هو مستقبل الارهاب فى ألمانيا بوجه خاص وفى أوروبا بوجه عام؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ «القرن الواحد والعشرين» ( 79) الله وقيصر   الثلاثاء 16 يونيو 2015, 2:57 pm

 رؤيتي لـ «القرن الواحد والعشرين» ( 79) الله وقيصر


الثلاثاء 29 من شعبان 1436 هــ 16 يونيو 2015 السنة 139 العدد 46943


عنوان هذا المقال صالح لأن يكون موضع حوار فى شأن «الثورة الدينية» أو «تجديد الخطاب الدينى» أو «الفاشية الدينية» على نحو ما ارتأى الرئيس عبد الفتاح السيسى فى إثارته لهذه المصطلحات الثلاثة. وهو صالح أيضاً لأن يكون موضع حوار فى شأن الصراع الدائر بين الأصوليات الدينية والعلمانية. هذا مع ملاحظة أن عنوان هذا المقال منقول من مجلة «لوماتينيه» الفرنسية الصادرة فى 10 ديسمبر 2005 بمناسبة مرور مائة عام على » قانون الفصل بين الكنائس والدولة« فى 9 ديسمبر 1905 وجاء فى بنده الأول أن الجمهورية الفرنسية مع حرية الضمير وحرية ممارسة الشعائر الدينية، وفى بنده الثانى أن الدولة لا علاقة لها بدين معين، وبالتالى فإنها تمتنع عن تمويل أي مؤسسة دينية. وفى إيجاز يمكن القول بأن العلمانية الكامنة فى قانون 1905 تعنى أن الدولة تمارس وظيفتها بلا دين، ومن ثم بلا مرجعية دينية تستند إلى سلطة دينية. وقيل فى حينها إن السيد المسيح هو أول علمانى فى تاريخ البشرية عندما قال: «اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، وأردفه بقوله أن «مملكتى ليست من هذا العالم». إلا أن هذا الفصل بين المملكتين لم يدم طويلاً، إذ بعد قرنين أو ثلاثة أصبح المسيحيون ضحية السلطة السياسية بقيادة الامبراطور قسطنطين الذى تحول من الوثنية إلى المسيحية التى اتخذ منها ديانة رسمية لإمبراطوريته. وبعد ذلك صك مصطلح «الهرطقة» ليصف به خصومه من المنشقين. ومن يومها والهرطقة أو الزندقة تطارد المفكرين والفلاسفة الذين يتجاسرون على إعمال العقل فى النص الدينى. فكُفر ابن رشد فى القرن الثانى عشر وكُفر فلاسفة التنوير على الرغم من أن بعضهم لم يكن ضد الايمان بوجود الله مثل روسو وديدرو ومونتسكيو وفولتير. ومع ذلك فقد نجحت الثورة الفرنسية فى إدخال العلمانية فى تاريخ فرنسا. إلا أن نابليون أعاد العلاقة الحميمة بين الدين والدولة من أجل تدعيم سلطته السياسية. ومع ذلك عادت العلمانية مرة أخرى فى عام 1879 عندما قرر البرلمان الفرنسى إقصاء الشعارات الدينية من الحياة العامة، ومن ثم تخلى علماء اللاهوت عن مكانتهم السياسية للعلمانيين. وفى القرن العشرين حدث تحول فى الكنيسة الكاثوليكية بين عامى 1906، 2003. ففى عام 1906 أدان البابا قانون عام 1905، أى قانون العلمانية. أما فى عام 2003 فقد أعلن البابا يوحنا بولس الثانى أن العلمانية جزء من تعاليم الكنيسة.
هذا موجز لما حدث فى أوروبا فى شأن العلاقة بين الله وقيصر. فهل هذا الذى حدث صالح لأن يكون موضع حوار فى مصر فى إطار المصطلحات الثلاثة التى أذاعها الرئيس عبد الفتاح السيسى؟
وأجيب بسؤال:
ما العلاقة بين هذه المصطلحات الثلاثة؟
تجديد الخطاب الدينى يعنى إجراء تعديلات جزئية فى إطار خطاب دينى قائم أما الثورة الدينية فتعنى تغييراً جذرياً لخطاب دينى قائم وذلك باستدعاء خطاب دينى قادم، ومبرر استدعائه بزوغ فاشية دينية بمعنى أنه دون الفاشية الدينية ليس ثمة معنى للثورة الدينية.
والسؤال اذن:
ماذا تعنى الفاشية الدينية؟
تعنى الدعوة إلى هوية عنصرية شمولية غايتها التحكم الكامل فى السياسة والاقتصاد والثقافة. فإذا أضفت الدينية إلى الفاشية فإنك تحصل على هوية دينية عنصرية غايتها التحكم فى أي هوية دينية مخالفة إلى الحد الذى تندفع فيه إلى إفنائها بالقتل. وبناء عليه تكون الثورة الدينية هى المطلوبة للاجهاز على الفاشية الدينية، وتكون الثورة الدينية، فى هذه الحالة، هى المسايرة لظاهرة الكوكبية التى تتميز بموت المسافة زمانياً ومكانياً الأمر الذى يترتب عليه أفول الهويات الدينية العنصرية لأنه مع موت المسافة تموت الحواجز ومعها يموت ملاك الحقيقة المطلقة، ومن ثم تكون الفرصة مواتية لبزوغ العلمانية. ولا أدل على صحة ما أذهب إليه من الحوار الذى أجرته مجلة لوماتينيه مع غالب بن شيخ «رئيس المؤتمر العالمى للأديان من أجل السلام» جاء فيه أنه ليس ثمة تناقض بين الإسلام والعلمانية، ولا أدل على ذلك من أنه فى القرآن ليس ثمة إشارة إلى العلوم السياسية أو إلى أي سلطة دينية. ثم إن ما يسمى الجهاد يعنى الجهد المبذول من قبل الانسان وهو فى طريقه إلى الله. أما ما يشاع عن ضرورة الدفاع عن الاسلام فى مواجهة أعدائه على نحو ما يرى الاسلام السياسى فإن بن شيخ يتساءل: أى اسلام يكون موضع دفاع؟ هل هو اسلام اندونيسيا أم اسلام اليمن أم اسلام بن لادن؟
وأظن أن بن شيخ محق فيما يرى، وهو في رؤيته منحاز إلى الثورة الدينية التى تعلن أن العلمانية لاتتناقض مع الاسلام إلا أن هذا الاعلان لا يتسق مع مسار الفكر الاسلامى. وقد عبر زكى نجيب محمود عن هذا المسار عندما قال فى حديث له نشرته صحيفة «الأهرام» عام 1985 : «إن الذين يقولون إن العلمانية خطر على الاسلام فاتهم أنهم فى كل ما ذكروه إنما يتكلمون عن ديانات أخرى غير الاسلام. وأنا أطالبهم بأن يذكروا لى مثلاً واحداً ليوم واحد مر فى التاريخ الاسلامى كله على شعب مسلم قد تم فيه الفصل بين الدين والدولة». وبناء عليه فإنه يمكن القول بأنه إما أن تكون مع بن شيخ أو تكون مع زكى نجيب فإن كنت مع الأول فأنت منحاز إلى الثورة الدينية وإن كنت مع الثانى فأنت لست فى حاجة إلى ثورة دينية ولا إلى تجديد الفكر الدينى، بل أنت فى حاجة إلى أن تسأل ذاتك: لماذا أنت ضد الإخوان المسلمين؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (80) إشكالية التغيير فى الشرق الأوسط   الثلاثاء 23 يونيو 2015, 4:00 pm

 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (80) إشكالية التغيير فى الشرق الأوسط


الثلاثاء 6 من رمضان 1436 هــ 23 يونيو 2015 السنة 139 العدد 46950


فى شهر مارس من عام 2005 انعقدت فى مدينة سان فرنسيسكو بأمريكا ندوة فلسفية عنوانها هو عنوان هذا المقال، ولكن فى ضوء «الفلسفة والدين والسياسة». وقد تولت تنظيمها مؤسستان دوليتان إحداهما «لجنة التعاون الدولى بالجمعية الفلسفية الأمريكية»، والأخرى «الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير» والتى أشرف برئاستها. ويطلق مصطلح «إشكالية» على القضية التى تبدو أنها صادقة ومع ذلك فإنها يمكن أن تكون كاذبة. ومعنى ذلك أن الإشكالية تنطوى على تناقض، أى أنها صادقة وكاذبة معا.
والسؤال إذن: ما هو التناقض الكامن فى الشرق الأوسط فى مجالات الفلسفة والدين والسياسة؟ يمكن تحديده على النحو الآتي: فى الفلسفة التناقض بين سلطان العقل وسلطان الأسطورة، وفى الدين بين إعمال العقل فى النص الدينى وإبطال إعماله فى ذلك النص، وفى السياسة بين الديمقراطية والديكتاتورية. وإذا أريد لهذه التناقضات الثلاثة أن يتم اختزالها فى تناقض واحد فإنه يمكن القول إنه بين النسبى والمطلق. فالنسبى كامن فى العقل وفى إعماله فى النص الدينى وفى الديمقراطية. أما المطلق فكامن فى الأسطورة وفى إبطال إعمال العقل وفى الديكتاتورية، ومن هنا تكون العلاقة المتناقضة بين النسبى والمطلق هى المدخل إلى تناول إشكالية التغيير فى الشرق الأوسط، أو بالأدق فى ثقافات الشرق الأوسط، وهى على أنواع ثلاثة: الثقافة اليهودية والثقافة المسيحية والثقافة الإسلامية. وإذا كان لكل ثقافة من هذه الثقافات الثلاث تاريخ فتاريخها إذن ينطوى على تناقض. إلا أن هذا التناقض قد يكون حادا، بمعنى ضرورة إقصاء أحد الطرفين المتناقضين والاكتفاء بالآخر، وقد يكون رخوا، بمعنى قبول المتناقضين معا مع إزالة التناقض وذلك بالبحث عن طرف ثالث يجمع بين الطرفين ويضيف. وإذا كان تعريفى للعلمانية بأنها «التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق» وتعريفى للأصولية بأنها «التفكير فى النسبى بما هو مطلق وليس بما هو نسبي» فالتناقض بين النسبى والمطلق إذن يرادف التناقض بين العلمانية والأصولية، وهو، فى هذه الحالة، تناقض حاد وليس تناقضا رخوا، ومن ثم فإنه يلزم إقصاء أحد الطرفين إما العلمانية أو الأصولية.
والسؤال إذن: مَن هو الأوْلى بالإقصاء العلمانية أم الأصولية؟
للجواب عن هذا السؤال انتقيت الأصولية الإسلامية لأنها من بين الثقافات الثلاث تقع فى الصدارة لأنها الأقوى من حيث الكم والكيف، إذ هى ليست مهيمنة فقط على الشرق الأوسط بل مهيمنة أيضا على كوكب الأرض بإرهابها الملازم لها والذى هو بلا حدود.
والسؤال بعد ذلك: ما مدى تأثير الأصولية الإسلامية فى المجالات الثلاثة: الفلسفة والدين والسياسة؟ الفلسفة ممتنعة لأنها محكومة بالفلسفة اليونانية الوثنية، والدين فى نصوصه يقف عند الظاهر المحسوس، والويل لمن يؤولها إذ التكفير والقتل فى انتظاره، والسياسة منحازة إلى الديمقراطية، والديمقراطية مرفوضة بحكم أنها منتج غربى ملحد.
وبعد ذلك يثار سؤال بالضرورة:
إلى أين يذهب العرب؟
وكان هذا السؤال قد أثارته «مؤسسة الفكر العربي» ووجهته إلى 30 مفكرا لمعرفة رؤيتهم فى مستقبل الثورات العربية، ثم صدرت الرؤى فى كتاب عنوانه هو هذا السؤال وكان صدوره فى عام 2012 مع أجوبة سلبية تشى بفشل الثورات العربية وأوجزه فى أسباب ثلاثة: فقدان القيادة وتحكم جماعة الإخوان المسلمين، وفوضى التنوع الثقافي. ومع ذلك يبقى السؤال:
هل ثمة سبب وراء هذه الأسباب الثلاثة:
جوابى بالإيجاب والكشف عن هذا السبب مرهون برؤية العلاقة بين وضع قائم يعانى أزمة، ووضع قادم يحاول رفع الأزمة. وإذا كانت الأزمة تنطوى على تناقض فالسؤال إذن: ما هو هذا التناقض الذى كان كامنا والمطلوب رفعه أو إزالته بوضع قادم، أى برؤية مستقبلية؟ التناقض الذى كان كامناً فى الوضع القائم فى مصر هو وجود رؤساء دائمين لا يتغيرون مع زعمهم بأن شعوبهم يتمتعون بالرفاهية ومع ذلك كانوا محرومين من توفير الحاجات الأساسية ومن هنا قامت حركات التغيير إلا أن هذه الحركات لم تقدم بديلا.
والسؤال إذن: لماذا غاب البديل؟
غاب البديل لأن الشباب هم الذين انفردوا بتفجير التغيير ولكن من دون قيادات فكرية. فحاصل الأمر أن الشباب اكتفى بالاستعانة بأحد منجزات الثورة العلمية والتكنولوجية وهو «التواصل الاجتماعي» وهو منجز يتميز بأنه يعمل خارج مراقبة أجهزة الدولة وخارج الأحزاب، ومن ثم يكون فى إمكانه تحديد مكان تفجير التغيير وزمانه، ولكن لا يكون فى إمكانه تفجير الرؤية المستقبلية لأن هذا التفجير ليس من اختصاص التواصل الاجتماعي، إنما من اختصاص العقل البشري. وهذه هى مهمة المثقفين، والمثقفون لم يتفرغوا لهذه المهمة إنما تفرغوا لمهمة أخرى وهى البحث عن إشباع طموحاتهم الذاتية، إلا أن هذا الإشباع لا يتوافر إلا باستجابة السلطة السياسية، فإذا استجابت انحازوا نحوها وإن لم تستجب انهالوا عليها باللعنات. ومن هنا جاءت عبارتى التى قلتها قبل الثورة وبعدها أن أكبر فئة خائنة للمجتمع هى فئة المثقفين. هذا بالإضافة إلى غياب الأحزاب المواكبة لحركة التغيير وسبب غيابها أنها حديثة النشأة، إذ نشأت فى مصر على سبيل المثال فى النصف الثانى من سبعينيات القرن الماضى وبقرار من الرئيس السادات. ومن هنا تكون حركة المثقفين فى الأحزاب محكومة بمنشئها، أى بالسلطة السياسية. ولم يبق بعد ذلك سوى الأصولية الإسلامية التى تستند إلى فكر ابن تيمية الفقيه من القرن الثالث عشر الذى ينهى عن تأويل النص الدينى لأنه رجس من عمل الشيطان. وإذا كانت وظيفة العقل التأويل فقد سُلبت منه بفضل ذلك النهى ويبقى الإنسان بعد ذلك بلا عقل فيسود الإرهاب، وقد كان.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (81) الحنين للسلام أم للأمن؟   الثلاثاء 07 يوليو 2015, 11:13 am

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (81) الحنين للسلام أم للأمن؟


الثلاثاء 13 من رمضان 1436 هــ 30 يونيو 2015 السنة 139 العدد 46957


عنوان هذا المقال مكون من جزءين: الجزء الأول هو العنوان الرئيسى لمؤتمر انعقد فى مدينة بلباو بأسبانيا فى عام 2005، أما العنوان الفرعى فهو «تحدى عالم مملوء بكثرة من الثقافات والأديان». وقد دُعى إليه مفكرون من أربعين دولة لاجراء حوار حول هذه الثقافات والأديان المتعددة. وليس فى الامكان إجراء حوار إلا إذا كان ثمة صراع، وليس فى الامكان بزوغ صراع من غير مطلقات لآن المطلقات فى حالة عداء بالضرورة بسبب أن المطلق واحد ويرفض التعدد. حدث مثل هذا الصراع فى العالم الأوروبى والعالم الاسلامى وفى أى عالم آخر تكون فيه مطلقات.
والسؤال اذن:

على مَنْ تقع بالتحديد مسئولية تفجير ذلك النوع من الصراع؟
قيل من بين ما قيل إجابة عن هذا السؤال إن الدين أيا كان هو المسئول لأنه على علاقة عضوية بمطلق ما. وقيل أيضا من بين ما قيل فى مواجهة ذلك الصراع إنه من اللازم إزاحة الدين من المجال العام لكى يستقر فى المجال الخاص. والمقصود بالمجال الخاص أن تكون العلاقة محصورة بين الانسان و مطلقه آياً كان. وأصحاب هذا القول هم العلمانيون. وفى مواجهة هؤلاء لدينا الأصوليون الذين يدعون إلى إعادة الدين إلى المجال العام لمنع الصراع. وتأسيساً على هذه القسمة الثنائية فى شأن مجال الدين قيل إن الحوار يلزم أن يكون خاليا من هذا المجال لكى نتجنب الصراع الكامن فى حوار الأديان، ومن ثم نفتح حواراً حول الثقافات والحضارات. ومع ذلك فقد قيل على الضد من ذلك إن تجاهل الدين هو من قبيل الوهم لأنه متجذر فى الثقافات والحضارات شئنا أو لم نشأ. وقيل من بين ما قيل إن الحوار ينبغى أن يدور حول الهويات لأنها البديل للصراع الأيديولوجى الذى انهارإثر انهيار حائط برلين فى عام 1989 و انهيار الكتلة الشيوعية فى عام 1991، إذ كان من شأن ذلك الصراع إزاحة الهويات التى كانت قد هُمشت من قبل النظام العالمى الذى انهار.ومع ذلك فان هذه الهويات المستعادة لم تكن نقية، إذ كانت مغموسة فى بعضها البعض، كما أنها كانت مغموسة فى الأديان والثقافات والحضارات. وفى هذه الحالة فان الدعوة الراهنة إلى نقاء الهوية من شأنها دفع الهوية إلى الخوف من التلوث بعناصر من هويات أخرى، وبالتالى تدخل كل هوية فى عداء مع الأخري. ومع ذلك فقد قيل إن هذا النقاء محال بسبب حركة الهجرة بين الدول. ومع ذلك أيضاً فقد قيل إن المهاجرين امتنعوا عن تخصيب هويتهم بهوية مَنْ هاجروا إليهم فدخلوا فى صراع، ودللوا بذلك على أن تعدد الهويات ينطوى على مغامرة من شأنها أن تُحدث خللاً فى الكوكبية.
والسؤال إذن:

ما الكوكبية؟ وماذا أحدثت من تغيير؟
الكوكبية ،فى اللغة العربية، مشتقة من كوكب الأرض، وفى اللغة الانجليزية لفظ globe يعنى أيضاً كوكب الأرض. ومغزى هذا اللفظ اللغوى أننا الآن على وعى بأننا نحيا على هذا الكوكب المتجاوز للدول. وهذه المجاوزة تعنى أن الدولة لم يعد لها السلطان المطلق على نحو ما ورد فى معاهدة وستفاليا التى أُبرمت فى عام 1648 و تنص على أن لا سلطان على الدولة إلا الدولة ذاتها، أى لاسلطان أعلى من سلطان الدولة. كان ذلك فى القرن السابع عشر، ولكن فى عصر التنوير فى القرن الثامن عشرقيل لاسلطان على العقل إلا العقل ذاته. نحن اذن أمام سلطانين متناقضين: سلطان الدولة وسلطان العقل. والتناقض هنا تناقض حاد لأن الأصل عند الانسان هو سلطان العقل وما جاء بعده من سلطان فهو سلطان بالرمز، أى بالمجاز. ولا أدل على ذلك من آن الكوكبية هى ثمرة الثورة العلمية والتكنولوجية، وهذه الثورة هى ثمرة التنوير، ومن هنا تكون الكوكبية ثمرة التنوير. وإذا كانت الكوكبية تعنى موت المسافة زمانياً ومكانياً فمعنى ذلك ان سلطان الدولة المطلق يتوارى ومن ثم تدخل الدول فى اعتماد متبادل فى جميع مجالات الحياة. ومن هنا يمتنع القول بأن الكوكبية ذات طابع اقتصادى ليس إلا، إذ هى ذات طابع اقتصادى و سياسى واجتماعى وثقافي. ومن هنا ثانياً حدث تفكيك للمطلقات فواجهت أزمة، وهذه الأزمة كامنة فى الخوف من تحولها إلى نسبيات فظهرت الأصوليات تدعيماً للمطلقات استناداً إلى دعوة بابطال إعمال العقل، أى بابطال التنوير والعودة إلى ما قبل التنوير، أى إلى ظلام العصور الوسطي. ومن هنا ثالثا كان لابد من الدفاع عن الكوكبية، أى الدفاع عن الاعتماد المتبادل فنشأت مؤسستان عابرتان للدول وهما البنك الدولى و صندوق النقد الدولي. إلا أن الغاية منهما لم تكن مجرد مجاوزة سلطان الدول بل كانت تأسيساً للسلام.
وفى عام 2006 انعقد التجمع العالمى الثامن فى طوكيو باليابان وكان عنوانه »مواجهة العنف وتدعيم الأمن المشترك«. فهل معنى هذا العنوان أن الأمن بديل عن السلام؟ أم هل معناه أن الأمن سابق على السلام؟ أظن أن السؤال الثانى هو الأدق لأن الاحساس بعدم الأمن ملازم لاحساس الانسان بوجوده فى كون يحيا فيه الانسان ثم يختفى بالموت. وإذا تساءل الانسان عن سبب الموت فلا مجيب. ومن هنا بدأ الانسان فى تكوين رؤية كونية كانت فى البداية أسطورية ثم تحولت مع تطور العلم إلى رؤية تحاول أن تكون علمية، ومن ثم يصبح الانسان على وعى بالأمن فى هذا الكون. وإذا كان السلام يخص الكوكبية، وإذا كانت الكوكبية نابعة من الكونية فهل معنى ذلك أن السلام لازم من الأمن؟ الجواب بالايجاب بحكم تبعية الكوكبية للكونية.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (82) البرجماتية قص ولصق   الثلاثاء 07 يوليو 2015, 11:18 am



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (82) البرجماتية قص ولصق


الثلاثاء 20 من رمضان 1436 هــ 7 يوليو 2015 السنة 139 العدد 46964


عنوان هذا المقال ليس من وضعى، إذ هو منقول من كتاب لوليم جيمس (1842- 1910) أشهر فلاسفة البرجماتية فى أمريكا وعنوانه «البرجماتية» ( 1907: ص 169).
وكان جيمس قد أعلن مولد هذا المصطلح فى عام 1898 مع أن تشارلس بيرس ( 1839- 1914) كان قد سبقه فى هذا الاعلان فى بداية السبعينيات من القرن التاسع عشر إلا أن إعلاته ظل مجهولاً إلى أن جاء جيمس وأشاعه وأشاع معه الغاية من البرجماتية وهى البحث عن الحقيقة.

والسؤال بعد ذلك:ما البرجماتية؟ وماذا فعل بها جيمس حتى قال عنها إنها قص ولصق؟
فى الأصل اللغوى الانجليزى اللفظ يعنى كل ما هو عملى، وما هو عملى هو تجريبى بالضرورة. ومقياس الحقيقة فى التجريب هو النفع أو الضرر. ما هو نافع هو حقيقى وواقعى، وما هو ضار فهو ليس كذلك. أما فى الأصل الفلسفى فالبرجماتية ضد اليقين لأنها ضد القول بأن ثمة أسسا يقينية للمعرفة لأن الانسان هو صانع الحقيقة، وهو فى صناعتها لا يقف عند حد معين، إذ هو «فى حالة» صناعة الحقيقة، وهو ملتزم بما تؤديه تلك الصناعة من نتائج مفيدة. فيقال مثلاً عن اعتقاد ما إنه صادق إذا أدى إلى نتائج مفيدة، أما إذا توقف عن أداء هذه النتائج فتغييره أمر لازم. ولكن ليس معنى ذلك أن البرجماتية تدفع إلى الشك فى كل الاعتقادات بسبب تغيرها، إنما المعنى الأدق أن البرجماتية تمنع المطلق عن الاعتقاد بمعنى أن ليس ثمة اعتقاد مطلق. ومع انكار المطلق تسود الكثرة على هيئة وحدات جزئية من المحال إدماجها فى إطار كلى، ويترتب على ذلك أن يكون من حق الانسان التعامل مع هذه الوحدات بالطريقة التى تستهويه.
ثم جاء جون ديوى ( 1859- 1952) وأوضح ما كان غامضاً فى شأن العلاقة بين الانسان والواقع الخارجى فارتأى أن الانسان لا يقف عند حد ادراك الواقع بل يتجاوزه إلى تغييره لأن الواقع مع تطوره يواجه إشكاليات فى حاجة إلى «البحث» عن حل. والانسان بما لديه من عقل ناقد تكون مهمته البحث عن فكرة يكون من شأنها إحداث تغيير فى الواقع من أجل تحقيق الغاية المنشودة. ومع توالى الإشكاليات يتوالى البحث ويتوالى التغيير من غير توقف. ومعنى ذلك أن الفكرة ليست إلا أداة لحل الاشكالية من أجل تغيير الواقع وتغيير الاعتقاد الأمر الذى من شأنه منع الاعتقاد، أيا كان، من أن يكون نهائياً حتى لا يتوقف البحث. ومن هنا فإن ديوى لا ينشغل بالبحث عن الحقيقة إنما بالبحث عن المعرفة الفاعلة والمغيرة. وتبقى الحقيقة مجرد مثال بعيد المنال. ومن هنا تكون وظيفتها المحافظة على أن يظل طريق البحث مفتوحاً. والسؤال بعد ذلك: ما هى النتيجة المترتبة على أن يكون الانسان فى حالة بحث بعيداً عن الوقوع فى براثن الحقيقة المطلقة؟
جاء الجواب من رتشارد رورتى (1931- 2007) على النحو الآتى: عندما تقاعد ديوى عن التدريس فى جامعة كولومبيا فى عام 1929 كان فلاسفة الوضعية المنطقية قد هاجروا من فيينا إلى أمريكا بسبب دكتاتورية هتلر واضطهاده لليهود. وكانت القضية المحورية لدى هؤلاء الفلاسفة أن الفكرة تكون صادقة إذا جاءت متطابقة مع جزء من أجزاء هذا العالم الحسى الخارجى. وعند هذه المرحلة التى فيها تداخلت البرجماتية مع الوضعية المنطقية اندفع رورتى نحو تجديد الفلسفة بوجه عام والبرجماتية بوجه خاص. فقد أخرج الفلسفة من الحصن الأكاديمى إلى الفضاء العام، ثم دفع البرجماتية إلى نتيجتها الحتمية. فإذا كانت البرجماتية تقف فى الوسط بين اليقين والشك فهى اذن محايدة، وحيادها يتجاوز نفى اليقين العقلى إلى نفى اليقين السياسى، وبالتالى تكون البرجماتية محايدة بين الديمقراطية والفاشية. وبناء عليه قيل إن رورتى دفن البرجماتية. وأظن أن الوضع القائم فى أمريكا يدلل على صحة ما انتهى إليه رورتى. والسؤال اذن: ما هو هذا الواقع القائم؟
حزب ديمقراطى برئاسة أصولى هو الرئيس الأمريكى باراك أوباما الذى يحتضن أصولية اسلامية متمثلة فى تيارها الرئيسى وهو حزب الاخوان المسلمين المتغلغل فى مؤسسات الدولة الأمريكية، ويقف فى عداء مع الدول المقاومة لذلك التيار، مفارقة مذهلة ولكنها البرجماتية بالاضافة إلى حزب أصولى مسيحى اسمه حزب الغالبية الأخلاقية الذى يقف ضد الأصولية الاسلامية: قص ولصق. ومع ذلك تزعم أمريكا أنها تقاوم الارهاب. وهذه هى الاشكالية التى فى حاجة إلى حل. والحل ليس ممكناً من غير تصور وضع قادم، وهذا التصور ليس ممكناً فى إطار البرجماتية التى لا تنشغل إلا بما يحدث فى الوضع القائم، وما يحدث فى هذا الوضع ليس فى الامكان رؤيته إلا بعد حدوث تراكم. البرجماتية اذن فى حالة «انتظار» لذلك الحدوث. ولا أدل على ذلك من أحداث 11/9 التى أدت إلى تدمير مركز التجارة العالمى بنيويورك أعلى مراحل الثورة العلمية والتكنولوجية. فبالرغم من تحذير أجهزة الأمن الدولية والمحلية من أن ثمة تدبيراً خفياً لتفجير عملية ارهابية على نطاق واسع إلا أن البرجماتية تُلزم القيادة السياسية بأن تظل فى حالة «انتظار» حتى تحدث الكارثة. وعندئذ يبدأ «البحث» الذى يدعو إليه ديوى، ولكن بعد فوات الأوان. والسؤال عندئذ: هل من بديل عن البرجماتية؟
أظن أن هذا السؤال كان هو الدافع إلى صدور مجلد ضخم عنوانه «الفلسفة الأمريكية» (2008) وهو عبارة عن ستة وعشرين بحثاً لأساتذة فلسفة من دول متباينة، أشرف على تحريره تشرلى ميساك أستاذ الفلسفة بجامعة تورنتو بكندا وطبعته جامعة أكسفورد بانجلترا ونُشر فى أمريكا.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» ( 83) إشكالية العلمانية فى أمريكا   الخميس 23 يوليو 2015, 11:31 pm



 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» ( 83) إشكالية العلمانية فى أمريكا


الثلاثاء 27 من رمضان 1436 هــ 14 يوليو 2015 السنة 139 العدد 46971


الرأى الشائع فى أمريكا أن الحكومة العلمانية هى سمة أساسية للديمقراطية الحديثة. ولكن هذا الرأى لا يعنى أن الحكومة العلمانية ضد الدين بل يعنى أن الحكومة ملزمة بأن تكون محايدة إزاء الدين وبالتالى ليست محكومة برجال دين أو بشريعة دينية، ومن ثم تكون ملزمة بفكر التنوير الذى يكون فيه العقل سلطان ذاته.
والرأى الشائع أيضا أن الحكومة العلمانية لاتعنى أن يكون الأفراد علمانيين، إذ هم أحرار فى أن يكونوا متدينين أو لا أدريين أو ملحدين أو بلا دين، ولكنهم جميعاً يرفضون أن تكون لهم هويةٍ دينية منصوص عليها فى الدستور، لأن الدستور، من حيث هو أبو القوانين، ملزم فقط بتنظيم الحياة الدنيا وليس الحياة الأخري. وكان توماس بين (1738-1809) وهو من مؤسسى أمريكا معبرا بدقة عن ذلك الرأى الشائع فى كتابه المعنون «عصر العقل» حيث يقول: «أنا لا أعتقد بالايمان الذى تروج له الكنيسة اليهودية أو الرومانية أو اليونانية أو التركية أو البروتستانتية أو أية كنيسة أخرى لأن عقلى هو كنيستى». بل إن أغلب المفكرين المؤسسين لأمريكا مثل فرانكلين ووشنطن و جيفرسون كانوا من المنشقين عن المؤسسة الدينية. وقد عبر عن هؤلاء جميعاً فيلسوف أمريكا جون ديوى (1859 ــ 1952) فى كتابه المعنون «ايمان مشترك» حيث يقول : «إن الهى ليس هو إله الدين التقليدي، إنما هو الإله الذى يكون على علاقة بالقوى الطبيعية بما فيها الإنسان والعلاقات الانسانية. وهو من هذه الزاوية مثال مطلوب تحقيقة». ومعنى هذه العبارة أن الله يكمن فى العلاقة الفاعلة بين ماهو مثالى و ما هو واقعي. ومن هنا قيل عن ديوى وأتباعه إنهم كانوا محقين فيما يذهبون إليه لأن النزعة الانسانية كانت فى حالة صعود إلى الحد الذى اعتبرت فيه أنها هى المستقبل.
ومع ذلك فان الدين التقليدى لم يتوار وفكر ديوى لم يقنع المحافظين المتدينين، بل إن هؤلاء قد ارتأوا أن إله ديوى هو إله الانجيل، وأن أمريكا بلد متدين، وأن المحافظين قوة سياسية مؤثرة. ولا أدل على ذلك من أن كارتر عندما رشح نفسه لرئاسة أمريكا فى عام 1976 تباهى بانه يقوم بالتدريس فى «مدارس الأحد» وأن تدينه يرمز إلى دفع هواء جديد منعش صحياً لغالبية الشعب الأمريكي. إلا أن العلمانيين لم يكترثوا بظاهرة كارتر واعتبروها سحابة صيف سرعان ما تنقشع إلا أنهم لم يكونوا على حق فى عدم الاكتراث، إذ تأسست الأصولية المسيحية على هيئة حزب اسمه «الغالبية الأخلاقية» بقيادة القس جيرى فولول فى عام 1979 و أيدت انتخاب ريجان رئيساً لأمريكا. وبعد ذلك تأسس حزب «التحالف المسيحى» بقيادة القس بات روبرتسون. وتحكم الحزبان فى الحزب الجمهورى بل فرضا على الحزب الديمقراطى أن يكون حريصاً على الدين و الايمان. وبعد ذلك أصبح الكل فى أمريكا ينادى بوضع ميزانية حربية مهولة لكى تكون تعبيراً عن موقف مسيحى موجه ضد العدو الأوحد وهو الحزب الشيوعى السوفيتي.
وكان على العلمانيين الأمريكان بعد ذلك تحديد هويتهم بدقة. وقد عبر عن هذا التحديد المفكر الأمريكى ديفيد نيوز رئيس الجمعية الأمريكية الانسانية و نائب رئيس التحالف العلمانى من أجل أمريكا وذلك فى كتابه المعنون «صعود العلمانيين الأمريكان» (2012) حيث يرى أن انتخاب جورج بوش الإبن الأصولى المسيحى قد أيقظ روح النضال من أجل تدعيم العلمانية لأنه كان لاعقلانياً، ولأنه لم يقف فقط عند حد ارضاء اليمين الأمريكى بل تجاوزه إلى حد المشاركة فى ازاحة العلمانيين من الساحة السياسية. ولم يكن ثمة مخرج لقهر اليمين الدينى سوى تكتيل العلمانيين والملحدين واللاأدريين و اليهود العلمانيين للدفاع عن القيم العلمانية. ومن هنا تحددت أبعاد المعركة الحقيقية التى لا تكمن فقط فى تأمين الحزب الديمقراطى إنما أيضاً فى أن تكون الثقافة ذاتها علمانية فتنعدم هامشيتها. والدستور الأمريكى يسهم فى تدعيم هذه الحركة، إذ هو لا يذكر شيئا عن الله أو عن المسيحية بل يذكر فى مفتتحه كلمتين «نحن الشعب». ومن هنا تأسس التحالف الطلابى العلمانى فى عام 2000 وكان له تأثير فعال فى عدة جامعات، إلا أنه قد أصيب بالقلق أثر أحداث 11/9/2001، إذ امتدت الذهنية الدينية من الارهابيين إلى القيادات العسكرية و السياسية التى كانت تحارب الارهابيين. ومن هنا أيضاً انقسمت أمريكا مع بداية القرن الحادى والعشرين الى أصوليين وعلمانيين، ومن ثم إلى رؤيتين متناقضتين وبلا وسط. رؤية كونية أصولية ترى أن الحداثة شر، والعلم ملعون، والتعددية مع التسامح خطيرة، كما ترى أن من حقها أن تكون فى الصدارة وأن تكون لها السيادة. وعلى النقيض منها رؤية كونية علمانية تدافع عن الحداثة و العلم و التعددية. بل ذهبت الحركة العلمانية إلى أبعد من ذلك إذ ارتأت ضرورة ايجاد بدائل للجماعات الأصولية
والسؤال إذن : ما هى هذه البدائل؟
قل ماشئت من أخطاء ترتكبها الذهنية الأصولية فى فهمها للأحداث التى تموج بها الحياة الدنيا إلا أمراً واحداً ليس موضع خطأ وهو تأسيس «تجمعات» يشعر فيها العضو بقيم مشتركة، وبالتالى بالانتماء. ومن هنا يكون العلمانيون ملتزمين بأن يكون لهم تجمعاتهم ولكن بشرط خلوها من ذلك المفهوم الكامن فى اللاوعى والذى يقال عنه إنه «الحقيقة المطلقة» التى تزعم المؤسسات الدينية أنها مالكة لها على حد تعبير ديفيد نيوز فى كتابه المذكور. والجدير بالتنويه أننى أصدرت كتاباً عنوانه «ملاك الحقيقة المطلقة» فى عام 1999، أى قبل تدمير الأصولية الاسلامية لمركز التجارة العالمى فى عام 2001، أى بعد صدور كتابى بعامين.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ» القرن الحادى والعشرين» ( 84) من الأصولية إلى الإرهاب   الخميس 23 يوليو 2015, 11:43 pm



رؤيتى لـ» القرن الحادى والعشرين» ( 84) من الأصولية إلى الإرهاب


الثلاثاء 5 من شوال 1436 هــ 21 يوليو 2015 السنة 139 العدد 46978

إذا شئت صياغة أخرى لعنوان هذا المقال ففى إمكانك القول « من زمن الأصولية فى القرن العشرين إلى زمن الإرهاب فى القرن الحادى والعشرين».

ومغزى هذه الصياغة أن جذور الإرهاب كامنة فى الأصولية، وبالتالى فإنك إذا أردت القضاء على الإرهاب عليك القضاء على الأصولية أيا كانت ملتها، إذ هى متماثلة فى جميع الملل. وتماثلها يكمن فى توهمها أنها مالكة لحقيقة مطلقة، وأن ليس من حق أى حقيقة أخرى الادعاء بأنها كذلك وإلا فإن مصيرها إرهابها. ومعنى ذلك أن الإرهاب حالة ذهنية فى نهاية المطاف.
ولا أدل على صحة الفقرة السابقة مما حدث فى 11/ 9 بنيويورك عندما تم تدمير مركز التجارة العالمى بنيويورك. إلا أن التمهيد لهذا الحدث كامن فى شيوع الأصوليات الدينية فى القرن العشرين، وكان أبرزها وأقواها الأصولية الاسلامية التى استثمرت منجزات الثورة العلمية والتكنولوجية بوجه عام والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعى بوجه خاص.
وبذلك استطاعت «القاعدة» بقيادة بن لادن أن تتحول إلى تنظيم كوكبى بعيداً عن رقابة أجهزة الأمن وذلك بتغذية عقول المسلمين بأسس الحقيقة المطلقة المطلوب تمثلها. وأدلل على ما أقول بمثال واقعى ضم شخصيتين هما عبد السلام فرج مؤلف كتاب « الجهاد الفريضة الغائبة» والآخر هو حسين عباس صاحب الرصاصة الأولى التى قتلت السادات فى يوم الاحتفال بانتصارات 6 أكتوبر. وقد دار بينهما الحوار الآتى على نحو ما رواه لى أحمد مجاهد المحامى الذى كان فى حينها نائب رئيس حزب العمل بمناسبة التقائه حسين عباس للدفاع عنه.
إلا أن استجابة حسين عباس كانت سلبية، إذ تساءل: لماذا حضرت للدفاع عني؟ هل لتحول الحكم من إعدام إلى مؤبد؟ هذا أمر مرفوض. إن نفسى تواقة إلى الموت بالاعدام لأرحل سريعاً إلى الجنة حيث الجميلات فى انتظاري. والسؤال اذن: ما هى ذهنية حسين عباس التى دفعته إلى تعاطى هذا الوهم الكبير؟.
إنها ذهنية مطابقة لذهنية عبد السلام فرج التى كانت ترى أن من حقها قتل مَنْ لم يحكم بما أنزل الله. إلا أن هذه الذهنية لم تكن إبداعاً من فرج إنما كانت اتباعا لذهنية تراثية بدايتها ابن تيمية فى كتابه المعنون «مجموع الفتاوى» وفيه يأمر بوجوب قتل الحكام الكافرين الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، ونهايتها سيد قطب فى كتابه المعنون «المستقبل لهذا الدين» وفيه يدعو إلى ضرورة القضاء على الغرب لأنه مصاب بمرض عقلى اسمه «الشيزوفرينيا النكدِ» ومن ملامحه ثلاثة: الإحياء الدينى والتنوير وعصر الصناعة. والمفارقة هنا أن الغرب وفى مقدمته أمريكا برئاسة الأصولى أوباما يتوهم أن موافقته على استيلاء الأصولية الاسلامية على الحكم فى جميع بلدان العالم الاسلامى كفيل بمنع الارهاب وترسيخ السلام. وهذا الوهم مردود إلى تجاهل فلاسفة الغرب لفهم أبعاد الأصولية الاسلامية مع تدعيم النخبة المثقفة فى العالم الاسلامى لهذا التجاهل.
ومن هنا فقد اعتادت هذه النخبة على إثارة قضايا لا علاقة لها بتغيير الذهنية الأصولية إلى ذهنية علمانية كأن تتحدث عن ضرورة مواجهة شرور الاستعمار الأمريكى والرأسمالية الشرسة والصهيونية العالمية، وعن تدعيم الأحزاب الأصولية الاسلامية مثل حزب الله فى لبنان وحزب الجهاد الاسلامى فى غزة.
ولا أدل على صحة ما أذهب إليه من المظاهرات المليونية التى قام بها الإيرانيون فى 10/7/2015 بمناسبة «اليوم العالمى للقدس» الذى تحييه طهران فى الجمعة الأخيرة من شهر رمضان وشارك فيها على لاريجانى رئيس مجلس الشورى الذى قال: «إن هزيمة العرب أمام الكيان الإسرائيلى حدثت بسبب ارتباطهم بالأنظمة الغربية» (الحياة، 11/7/2015). والسؤال يعد ذلك: ما الفرق بين ذهنية النخبة الإيرانية الأصولية والنخبة العربية؟.
لا فرق. فالمصطلحات المتداولة عندهما متماثلة، إلا أن الفرق بعد ذلك هو فى توهم النخبة العربية أنها تقف ضد الارهاب. ومع ذلك فإنها فى حديثها عن الارهاب تميل فى الأغلب الأعم إلى إلصاقه بالدولة إلى الحد الذى فيه يكون ارهاب الدولة أقوى من أى ارهاب آخر.
ولا أدل أيضاً على صحة ما أذهب إليه من دفاع منظمات حقوق الانسان فى مصر عن الارهابيين فى اللحظة التى ترى فيها الدولة أنها فى حاجة إلى تشريع جديد لمكافحة الارهاب.
فقد صرح رئيس أكبر منظمة من هذه المنظمات بأن القصور الأمنى وليس القانونى هو السبب فى تكرار حوادث الارهاب منذ عهد الرئيس الأسبق مبارك. المشكلة ليست فى القوانين ولكن فى ضعف كفاءة الأجهزة ( الحياة، 13/6/2015).
وعندما انتهيت من قراءة هذا التصريح قلت بلا تردد « يحيا الارهاب وتسقط الدولة»!.
ومع ذلك فأظن أنه من حقى إثارة السؤال الآتي: ما مغزى اغتيال الرجل الثانى فى الدولة النائب العام المستشار هشام بركات؟.
إن اغتياله يعنى سلب حق الحياة منه، وبالتالى سلب حقه فى إصدار أى حكم. ومعنى ذلك أن حق الحياة يقع فى الصدارة بالنسبة إلى حق حرية الاعتقاد أو حق حرية التعبير لأن حق الحياة هو الأصل فى نظرية « العقد الاجتماعي» التى تقرر موافقة أعضاء المجتمع على التنازل عن بعض الحقوق فى مقابل محافظة الحاكم على أمنهم، أى على حقهم فى حياة آمنة.
ويترتب على ذلك أن تدمير حق الحياة ينطوى على تدمير المجتمع. والسؤال بعد ذلك: هل النخبة المثقفة ومن معها من منظمات حقوق الانسان والمجلس القومى لحقوق الانسان على وعى بهذه النهاية المأساوية؟.
إذا جاء الجواب بالسلب فالكارثة قادمة، أما إذا جاء الجواب بالايجاب فإن مصر تكون فى طريقها إلى قيادة الأمم نحو السلام مع التنمية.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (85) إيمان بلا دوجما   الثلاثاء 28 يوليو 2015, 4:55 pm

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (85) إيمان بلا دوجما


الثلاثاء 12 من شوال 1436 هــ 28 يوليو 2015 السنة 139 العدد 46985




شئت أو لم تشأ فأنت فى الطريق إلى زمن يكون فيه الايمان أيا كان بلا دوجما، أى بلا معتقد مطلق. وقد ورد إلى ذهنى هذا الرأى إثر قراءتى لكتاب لمفكر انجليزى اسمه ستيوارت سيم وعنوانه الرئيسى «عالم أصولى» وعنوانه الفرعى «عصر مظلم جديد للدوجما» (2004). ومعنى العنوانين معاً أنك تحيا فى عالم أصولى يتسم بأنه عصر مظلم جديد للدوجما. والقول بعصر مظلم جديد يشير إلى عصر مظلم قديم.
والسؤال اذن:ما الفارق بين القديم والجديد؟ونجيب بسؤال: ماذا تعنى الذهنية الأصولية؟ وهو سؤال متضمن فى العنوان الرئيسى. والجواب عنه يسهم فى الجواب عن سؤالى السابق.
قيل عن الذهنية الأصولية إنها تعنى أن يكون الانسان مهموماً بالبحث عن الأمن فى زمن التغيرات الثقافية الجذرية، كما تعنى أن يكون مهموماً بالاستيلاء على السلطة حتى يستقر فيها المعتقد المطلق. وهى بهذين المعنيين تلفت الانتباه إلى أن هذه الذهنية هى من إفراز الطبيعة الانسانية. ومن هذه الزاوية يمكن القول بأن الأصولية واردة فى جميع الأديان الكبرى بدعوى أن كل دين يتصور أنه هو وحده الدين «الحق». ومن هنا لم تكن هذه الأديان متسامحة مع بعضها البعض، إذ كانت فى عدم تسامحها أو بالأدق فى تعصبها تضطهد وتقتل مخالفيها. والحروب الصليبية دليل على صحة هذا الرأى. ومع ذلك فقد لوحظ أن البروتستانتية، على سبيل المثال، قد انقسمت إلى فرق، وكل فرقة ادعت أنها مالكة للحقيقة المطلقة. ومن ثم لم يكن لأى منها «القدرة» على التحكم والسيطرة. أما ما يميز الأصوليات المعاصرة فهو التزامها بهذه القدرة. ومن هنا تولد الارهاب، وكانت الحجة فى ذلك أنه دون الارهاب فلا أمن للأصوليات. ومن هنا ثانياً أهمية تنظيم «القاعدة» برئاسة بن لادن، إذ هو يعنى «الأمن بالارهاب». والشهيد المفخخ هو أساس هذا النوع من الارهاب، ومن ثم صك مؤلف كتاب «عالم أصولى» مصطلح «أصولية البارود» وهو ترجمة للمصطلح الانجليزى gundamentalism . واللافت للانتباه أن المؤلف وضع حرف g بديلاً عن حرف F وبذلك أوضح ما هو كامن فى الأصولية من أنها قاتلة بالضرورة بحكم توهمها أنها مالكة للحقيقة المطلقة.
وإذا كانت هذه هى الذهنية الأصولية فى القرن الحادي والعشرين فكيف ذاعت وشاعت؟
تصور نفسك فى أفغانستان فى زمن طالبان حيث الحياة المعاصرة غائبة أو بالأدق حياة الغرب غائبة، وحيث أمور الاعتقاد الدينى أهم من أمور الحياة الدنيا، وحيث الدعوة إلى نقاء التراث وذلك بتدمير ما يخالفه. ثم تصور نفسك فى ايران فى زمن الخومينى، وهو زمن مماثل لزمن طالبان كما أنه مماثل لزمن الجمهوريات الاسلامية الست التى تحاصر روسيا. ثم تصور نفسك وأنت محاصر بـــ ـ«السوق الأصولى» وهو مصطلح كان قد صكه الملياردير المجرى جورج سوروس وكان يعنى به تحرر السوق من أى قيود تطبيقاً للشعار الذى ساد فى الغرب بعد الثورة الفرنسية وهو شعار «دعه يعمل» بلا شرط أو قيد، وهو الشعار الذى تتبناه مؤسستان دوليتان وهما البنك وصندوق النقد الدوليان لخدمة الدول النامية. وقد جاء بنتائج كارثية لأنهما يطبقان بغير قناعة من هذه الدول بل بغير وعى بأصولياتهما المخيفة. ومن هنا يمكن القول بأن ثمة تماثلاً بين السوق الأصولية والأصولية الدينية. إذ أن كلا منهما ليس فى حاجة إلى «تأويل» لأن النصوص واضحة وخالية من الغموض، ومن ثم فإن كلا منهما ملتزم بإخضاع البشر لأوامره، ومن ثم فالتقليد لازم والاجتهاد مرفوض، والنتيجة اغتيال العقل الناقد، وبالتالى اغتيال العقل المبدع وهما حجر الزاوية فى تقدم الحضارة الانسانية.
والسؤال اللازم بعد ذلك أين تكمن قوة كل من الأصولية الدينية والسوق الأصولية؟
قوة الأصولية الدينية تكمن فى استنادها إلى معتقد مطلق مدعوماً بأصولية البارود. أما قوة السوق الأصولية فتكمن فيما يسميه ستيوارت سيم «اليد الخفية»، وأنت تعرفها بما تتركه من آثار ليس فى إمكان أحد العبث بها لأنها مستقلة عن أى اعتبارات تخص الانسان. إنها تشبه اله الأصوليين من حيث إنه ليس محكوماً لا بالدول المستقلة ولا بالمؤسسات متعددة الجنسيات.
والنتيجة بعد ذلك أنك إذا تصورت كل ذلك ففى إمكانك بعد ذلك أن تتصور أنك تحيا فى عالم أصولى تخجل معه أن تدعو إلى علمانية قد تكون ترياقاً للذهنية الأصولية المريضة. وإذا أُغلق الباب على العلمانية فليس ثمة بديل بالايجاب، إنما ثمة بديل بالسلب وهو أن ترفض الأصولية، أى تقول «لا» بلا زيادة أو نقصان. وبهذا المعنى تكون «لا» فاقدة الأهلية لتغيير الذهنية الأصولية فيبقى الحال كما هو عليه أو يزيد. وهذه هى النتيجة التى النتهى إليها مؤلف كتاب «عالم أصولى» فى الخاتمة التى عنوانها «قل لا للأصولية».
والسؤال بعد ذلك:

أيها أقوى وأكثر فاعلية أن تقول «لا» للأصولية أو تقول نعم للعلمانية؟
الرأى عندى أن قول «نعم» أقوى، وأن قول «لا» هى الأضعف لأن قول «لا» خالية من تصور وضع قادم ومكتفية برفض وضع قائم. وبدون تصور وضع قادم فلا تغيير جذرى.
وإذا أردت مزيداً من الفهم فانظر إلى الشعارات المتداولة فى ثورة 25 يناير: ارحل.. لا أحزاب ولا إخوان. وماذا بعد؟ لا جواب، ومن هنا استولى على الثورة مَنْ لديه الجواب بــ «نعم» وكانوا الاخوان المسلمين. استولوا على السلطة ، واجبروا الوطن على السير فى اتجاه أصولية متجذرة فى فكر ابن تيمية حتى جاءت ثورة 30 يونيو فتوقف مسار الأصولية.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (86) سوروس بين المال والفلسفة   الثلاثاء 04 أغسطس 2015, 4:13 pm




رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (86)
سوروس بين المال والفلسفة


الثلاثاء 19 من شوال 1436 هــ 4 أغسطس 2015 السنة 139 العدد 46992


فى القرن الرابع قبل الميلاد قال أرسطو إن الانسان ابتدع الفنون أولا وكان بعضها للضرورات وبعضها للذات، ثم اكتشف الفلسفة التى لم تكن لها علاقة لا بالضرورات ولا باللذات، أى لم تكن لها علاقة بالانتاج أيا كان. ومن هنا قال عنها أرسطو إنها نشأت فى البلاد التى فيها الفراغ. ومن هنا ثانياً قال إن الفلسفة لم تنشأ إلا عندما توفرت ضرورات الحياة، وعندما توفرت الأشياء التى تجلب الراحة والمتعة. ومن هنا ثالثاً قال إن الفلسفة هى علم حر ابتدعه الانسان لذاته وليس لأية منفعة مادية. ومن هنا رابعاً اشترط أرسطو أن يكون الفيلسوف ثرياً لكى يتفلسف.
وفرة المال اذن، بحسب أرسطو، شرط لازم إذا أراد الانسان أن يتفلسف. ومع ذلك فاللافت للانتباه أن هذه العلاقة بين وفرة المال والتفلسف توارت فى تاريخ الفلسفة إلى أن جاء القرن الحادى والعشرين وأثارها ملياردير مجرى اسمه جورج سوروس، ووردت الإثارة فى كتاب عنوانه «سوروس.. حياة وأحوال بليونير حالم» (2003). تحدث فيه عن سيرته الذاتية ولكن صياغتها من صنع أحد مريديه اسمه ميكل كاوفمان وُلد فى باريس ولكنه يعيش فى أمريكا.
والسؤال اذن: مَنْ هو سوروس؟ وما إشكاليته مع نفسه ومع نهايات القرن العشرين وبداية هذا القرن؟
عندما كان طالباً بكلية الاقتصاد اللندنية اقترب من أستاذ الفلسفة كارل بوبر بريطانى الجنسية من أصل نمساوى. كان قد هاجر إلى بريطانيا بسبب اضطهاد هتلر لليهود وعدوانه على وطنه. وبسبب هذا الاضطهاد وذلك العدوان بدأ فى عام 1938 فى تأليف كتاب عنوانه «المجتمع المفتوح وأعداؤه» وانتهى من تأليفه فى عام 1945. وهو مكون من جزءين: الجزء الأول عن أفلاطون والجزء الثانى عن هيجل وماركس. والفكرة المحورية فى الجزءين تدور على مفهوم النظام الشمولى مثل النازية والشيوعية، وهو نظام يتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة، وبالتالى يقف عقبة أمام التطور نحو العقلانية والحرية والمساواة، هذا بالاضافة إلى أن الحضارة لم تتحرر بَعْد من الصدمة التى عانتها إثر تأسيسها، وهى التحول من المجتمع المغلق المحكوم بقوى سحرية إلى المجتمع المفتوح المندفع نحو اطلاق العقل الناقد لدى الانسان. وقد كانت هذه الصدمة من العوامل التى أفضت إلى بزوغ أصوليات دينية تحاول تدمير الحضارة والعودة بها إلى النزعة القبلية.
وانبهر سوروس بهذه التفرقة بين المجتمع المغلق والمجتمع المفتوح وانحاز إلى الثانى دون الأول، ومن ثم أنشأ فى عام 1982 «مؤسسة صندوق المجتمع المفتوح» وأعطى منه منحاً لدول أوروبا الشرقية على شرف بوبر الذى كان فى حينها حياً. وفى عام 1986 دفع 100 مليون دولار لدفع مرتبات العلماء السوفييت لأن الدولة كانت عاجزة عن الدفع. ثم دفع 100 مليون دولار لتحرير العلوم الاجتماعية والانسانية من العقيدة الشيوعية المنغلقة، ودفع ملايين أخرى لتحويل المجتمع السوفيتى من مجتمع مغلق إلى مجتمع مفتوح. ومن هنا قيل عنه إنه من الخيرين. إلا أن مفهوم الخير عنده لم يكن يعنى العطف على الفقراء إنما كان يعنى العطف على أولئك الذين يريدون تغيير الواقع، أى على الفاعلين.
وعندما احتفلت جامعة أكسفورد بتكريم سوروس سئل عن هويته فكان جوابه أنه «ممول لمريدى التغيير والتفلسف».
وفى عام 1998 أصدر كتاباً عنوانه الرئيسى «أزمة الرأسمالية الكوكبية» وعنوانه الفرعى «المجتمع المفتوح فى خطر». وواضح من العنوان الفرعى أن سوروس متأثر ببوبر، ولكنه يتميز عنه فى ربطه بين بزوغ الكوكبية ودخول المجتمع المفتوح فى أزمة. فالاقتصاد فى إطار الكوكبية يتسم بحرية التجارة فى السلع والخدمات وسرعة حركة رأس المال إلى حيث يجد أفضل فائدة. وهذه الحركة بدورها تفضى إلى نمو الأسواق المالية الكوكبية فتنشأ امبراطورية ولكن بلا سلطة وبلا بنية، ورعاياها ليسوا على وعى بأنهم محكومون بنظام رأسمالى كوكبى، ولكنهم على وعى بأنهم محكومون بكائن مجرد ليس فى الامكان رؤيته يحاول غزو أسواق جديدة. بيد أن هذا الغزو لا يعنى احتلال أرض إنما يعنى احتلال بشر. ومع احتلال البشر يصبح المجتمع المفتوح فى خطر.
وهنا ثمة سؤال لابد أن يثار: من أين جاء سوروس برأس المال الذى سمح له بتمويل حركات التمرد على المجتمع المغلق؟
إن سوروس يزهو بأنه من الشخصيات البارزة فى سوق العملات بوجه عام، و«الأربعاء الأسود بوجه خاص». والأربعاء الأسود يشير إلى 16 سبتمبر 1992 عندما قررت الحكومة البريطانية سحب الجنيه الانجليزى من السوق الأوروبية بسبب عجزها عن المحافظة على سعره فى التبادل. وهنا حقق سوروس أرباحاً ضخمة من المضاربات فى عملة الجنيه الانجليزى وصلت إلى 2 مليار دولار. وقيل عنه فى حينها إنه الرجل الذى كسر بنك انجلترا، وقال هو عن نفسه إنه «رجل دولة بلا دولة».
والرأى عندى أن هذا النوع من الربح، سواء جاء من مضاربات أو من شركات توظيف الأموال التى أسستها الأصولية الاسلامية أو من تجارة المخدرات أو السلاح، أطلقت عليه فى عام 1974 مصطلح «الرأسمالية الطفيلية» وكان ذلك بمناسبة سياسة الانفتاح التى كان قد اطلقها الرئيس السادات. وهذا النوع من الرأسمالية ينمو خارج اقتصاد الدولة وبطريقة سرطانية. وبسبب أنه طفيلى فإنه يدخل فى علاقة عضوية مع الأصوليات الدينية لتدمير الحضارة. والشائع عن سوروس أنه مع صعود ثورات الربيع العربى فتح فروعاً لمؤسسة صندوق المجتمع المفتوح فى الشرق الأوسط.
والسؤال عندئذ: أى نوع من الحركات السياسية انتقاها سوروس لتمويلها، هذا مع ملاحظة أن الحركات الطاغية فى الشرق الأوسط هى الحركات الأصولية ؟
هذا مجرد سؤال وليس من مجيب سوى سوروس.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (87) إبداع السيسى فى زمن الإرهاب   الثلاثاء 18 أغسطس 2015, 8:48 pm



 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (87) إبداع السيسى فى زمن الإرهاب


الثلاثاء 26 من شوال 1436 هــ 11 أغسطس 2015 السنة 140 العدد 46999




الابداع عندى هو قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير وضع قائم بوضع قادم. ومغزى هذا التعريف أن الابداع يستلزم عنصرين: الجدة والتغيير، وهما مطلبان ضروريان فى حالة مواجهة وضع قائم مأزوم. ونشأة الحضارة شاهدة على ما أذهب إليه. فبعد مرور أربعة ملايين سنة على عصر الصيد حدثت كارثة أطلق عليها «أزمة طعام». وقد حدثت هذه الأزمة لأن الحيوانات ندرت وندرتها مردودة إلى سببين: السبب الأول هو اصطيادها لذبحها وأكلها دون استئناسها. والسبب الثانى هو تغير المناخ وعلى الأخص فى المنطقة الواقعة بين جنوب أوروبا وشمال افريقيا إلى الحد الذى عجزت فيه الحيوانات عن التكيف فهاجرت وهاجر معها الانسان حتى استقرت عند وديان الأنهار فى مصر وبلاد ما بين النهرين والهند والصين. وحول هذه الوديان فطن الانسان إلى أن أزمة الطعام مردوده إلى طبيعة العلاقة بينه وبين البيئة الطبيعية، إذ كانت علاقة أفقية بمعنى تكيف الانسان مع هذه البيئة فأصبحت رأسية بمعنى تكييف الانسان لهذه البيئة من أجل اشباع حاجته المتزايدة. وكانت مصر فى مقدمة البلدان التى فطنت إلى هذه العلاقة الرأسية فماذا حدث؟ ابتدع المصرى التكنيك الزراعى الذى أدى إلى تغيير البيئة من بيئة غير زراعية إلى بيئة زراعية، وإذا بأزمة الطعام تتحول إلى «فائض طعام». ومن هنا قيل عن الزراعة إنها بداية الحضارة وإبداعها كان يعنى تحرر الانسان من إرهاب الطبيعة.
وفى القرن الحادى والعشرين يواجه الانسان أزمة جديدة يمكن أن يقال عنها إنها «أزمة حياة». ومصر الآن أيضاً فى المقدمة. هذه الأزمة تعنى قتل الانسان لأخيه الانسان دينياً حتى يبقى دين واحد على كوكب الأرض بلا منافس. وحركة الاخوان المسلمين هى المعبر الدقيق عن هذه الأزمة عندما استولت على السلطة فى عام 2012. وفى يونيو امتلأت شوارع مصر بثلاثين مليوناً من المصريين بمؤازرة من القوات المسلحة والشرطة، وطالبوا بطرد الاخوان من السلطة. وبعد ذلك انتُخب عبد الفتاح السيسى رئيساً لمصر، فكيف واجه أزمة الحياة التى تعنى فى لفظ واحد » الارهاب«؟
ابتدع مشروع قناة السويس الجديدة وأنجزه فى عام بمؤازرة جماهير 30 يونيو والقوات المسلحة والشرطة. وقيل إن لهذا المشروع فوائد عديدة منها ما هو اقتصادى وما هو سياسى، إلا أن الفائدة العظمى تكمن فى أن هزيمة الارهاب تتم بالابداع.
والسؤال اذن: لماذا؟

إذا كان الابداع هو السبب فى انقاذ الانسان من ارهاب الطبيعة، وتأسيس الحضارة فهو فى مشروع قناة السويس الجديدة السبب فى إنقاذ الانسان من ارهاب الانسان. إلا أن هذا الانقاذ لن يكون محصوراً فى مصر وحدها، بل ينبغى أن يمتد إلى سكان كوكب الأرض بحكم أن ذلك الارهاب أصبح كوكبياً. ومن هنا مغزى حضور الملوك والرؤساء من سبعين دولة للمشاركة فى تأسيس حضارة جديدة كوكبية يمكن أن نقول عنها إنها حضارة بلا عدو. والعدو المقصود هنا هو المتوهم أنه مالك للحقيقة المطلقة، وبالتالى فإن الحضارة الجديدة ستكون خالية بالضرورة من هذا الوهم. إلا أن إزالة هذا الوهم لن تكون بالأمر الميسور إذ هى تستلزم ثورة عقل فى القرن الحادى والعشرين بعد حدوث نقد عقل فى القرن الثامن عشر والذى قام بها الفيلسوف الألمانى العظيم كانط عندما ارتأى أن للعقل خاصية متميزة هى أنه محكوم بمواجهة مسائل ليس فى الامكان تفاديها، إذ هى مسائل مفروضة عليه بحكم طبيعة تكوينه. فهو يشتهى قنص المطلق إلا أنه عاجز عن قنصه. وإذا توهم أنه قادر على قنصه فإن المطلق نفسه بمجرد قنصه يصبح نسبياً ويتوقف عن أن يكون مطلقاً. وحتى لا يقع العقل فى هذا الوهم فإن عليه أن يثور على ذاته، ولا يقف عند حد نقد ذاته كما فعل كانط.
والسؤال اذن: ماذا يعنى القول بأن على العقل الثورة على ذاته؟
وأجيب بسؤال: ماذا تعنى الثورة؟
إنها تعنى التغيير الجذرى

والسؤال اذن: ماذا يعنى التغيير الجذرى للعقل؟

يعنى الإقلاع عن اشتهاء قنص المطلق. إلا أن هذا الاقلاع لن يتحقق إلا بممارسة الابداع لأن الابداع حالة متواصلة من تكوين علاقات جديدة لا تقف عند مطلق، ومن ثم يمتنع توهم العقل أنه قادر على قنص الحقيقة المطلقة. ومن هنا يأتى تعريفنا للانسان بأنه حيوان مبدع قبل تعريفنا له بأنه حيوان اجتماعي. ومن هنا أيضاً كان اعجابى بالعنوان الرئيسى فى الصفحة الأولى من جريدة «الحياة» بتاريخ 7/8/2015 وهو على النحو الآتى:
«السيسى يعتبر القناة الجديدة انتصاراً على الارهاب». وتفصيله كالآتى: قال الرئيس عبد الفتاح السيسى فى الاحتفال التاريخى لافتتاح قناة السويس الجديدة إن مصر لم تقدم للعالم هذا المشروع فقط إذ إن التاريخ سيذكر أن مصر جابهت أخطر فكر ارهابى لو تمكن من الأرض كلها لحرقها. ثم استطرد قائلاً: «إن الشعب لم ينفذ العمل فى القناة الجديدة فى ظروف طبيعية ولكن فى ظروف اقتصادية وأمنية صعبة. كانت العناصر المتطرفة من أهل الشر تحاول إيذاء مصر والمصريين وعرقلة مسيرتها وتقدمها. سنكافح الارهاب وسننتصر عليه». ثم اختتم كلمته بتحية وجهها إلى شعوب العالم المحبة للسلام، وللمبادئ الانسانية ولقيم التسامح والتعايش المشترك. وهذه التحية تعبير عن وضع قادم بديل عن وضع قائم مأزوم من صنع الارهاب. ولكن هذا الوضع القادم لن يتحقق إلا إذا كان كوكبياً. وهذا هو مغزى حضور زعماء ورؤساء دول وممثلين لأكثر من سبعين دولة. إن حضورهم لم يكن لمجرد التهنئة إنما للمشاركة فى صياغة مشروع كوكبى لمكافحة الإرهاب بدايته قناة السويس الجديدة.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (88) هزيمة المثقفين   الثلاثاء 18 أغسطس 2015, 9:14 pm





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (88) هزيمة المثقفين


الثلاثاء 3 من ذو القعدة 1436 هــ 18 أغسطس 2015 السنة 140 العدد 47006




عنوان هذا المقال هو عنوان كتاب لمفكر أمريكى اسمه بول برمان أصدره فى عام 2010، وهو عنوان ينطوى على حكم بالإدانة موجه ضد المثقفين من مختلف الدول والبلدان. وفى مقدمة هؤلاء طارق رمضان، ابن سعيد رمضان زوج كريمة حسن البنا، وبالتالى يكون طارق رمضان هو حفيد حسن البنا مؤسس حركة الاخوان المسلمين فى الاسماعيلية فى عام 1928، أما سعيد رمضان والد طارق فهو مؤسس المركز الاسلامى فى جنيف فى عام 1961.
وطارق رمضان هو المدافع عن الجد والوالد فى أصوليتهما الاسلامية ولكنه يتجاوزهما إلى محاولته وضع الأسس الفلسفية لهذه الأصولية، وذلك فى الرسالة التى تقدم بها لنيل درجة الدكتوراه إلى جامعة جنيف وكان موضوعها " أفكار حسن البنا"، إلا أن لجنة التحكيم رفضت الرسالة بدعوى أنها ليست أكاديمية إذ هى مجرد عمل دعائى لزعيم دينى. ولكن بناء على تدخل جان زيجلر عالم الاجتماع السويسرى وعضو البرلمان عن الحزب الاشتراكى المسيحى من 1981 إلى 1999 ومستشار مجلس حقوق الانسان بالأمم المتحدة من 2008 إلى 2011 تشكلت لجنة تحكيم جديدة ومنحته الدرجة العلمية بدون تقدير. ومع ذلك يظل السؤال بلا جواب عن علاقة جان زيجلر بحركة الاخوان المسلمين، ومع ذلك أيضاً فعندما التقيته فى ندوة دولية بالمغرب فى عام 2003 وسألته عن أحواله العلمية كان جوابه أنه أصدر كتاباً عن غسيل الأموال، ولكنه اختفى من السوق بعد أسبوع دون معرفة السبب. ومن المعروف عن زيجلر أنه كان قد اتهم البنوك السويسرية بأنها كانت ضالعة مع رئيس جمهورية زائير موبوتو سيسيكو فى إخفاء امبراطوريته المالية.
واللافت للانتباه بعد ذلك أن طارق رمضان هو الشخصية المحورية فى كتاب برمان. والسؤال اذن: لماذا؟ جواب برمان أن طارق رمضان فيلسوف اسلامى قادم من الغرب، وهو فى النهاية نقطة تصارع ونقطة تلاق، والنقطتان متناقضتان، والتأليف بينهما يفضى إلى نقطة ثالثة هى نقطة اضطراب. وهذا الاضطراب مردود إلى نوعية تحالفاته. تحالف مع العُصبة الثورية الشيوعية التابعة لتروتسكى المنشق عن ستالين، ومع الداعين إلى حوار الأديان، ومع المتشنجين فى محاربة العلمانية، ومع المناضلين من أجل الفقراء والمقهورين، ومع المروجين لتحديث الاسلام فى عصر ليبرالى، ومع أعداء الكوكبية والامبريالية الأمريكية والصهيونية. ومع ذلك فقد كان من أعدائه اليهود واليسار المسيحى والحركة الاسلامية النسوية. ومع ذلك فإن برمان يرى أن المدخل إلى فهم هوية رمضان هو جده حسن البنا ، إذ يقول عنه إنه زعيم حركة مقاومة الاستعمار، وزعيم حركة الاصلاح الدينى على غرار لوثر، وحالم برؤى تدفع البشرية إلى التحرر، وموضع إكبار وإجلال من " حماس"، إذ هو الذى وقف بعنف فى عام 1948 ضد تقسيم فلسطين وهو موقف أفضى به إلى اغتياله فى عام 1949.
ومن هنا يقال عن البنا إنه شهيد فلسطين، ومن ثم تكون فلسطين فى أساسها قضية اسلامية وعلى علاقة عضوية بحتمية استيلاء الاخوان المسلمين على كوكب الأرض لإعادة الخلافة الاسلامية, وبناء عليه حدث تطور بل حدث انشقاق داخل حركة الاخوان المسلمين فى اتجاه ربط القضية الفلسطينية بالاسلام, فنشأت منظمات ارهابية مثل حماس ثم القاعدة فى السبعينيات من القرن الماضى والتى جذبت انتباه البلدان الغربية بسبب سمتها الكوكبية. ومن هنا ارتبط الارهاب بحسن البنا وكان على طارق رمضان أن يفك هذا الارتباط وقد كان، إذ ربط الارهاب بسيد قطب وليس بحسن البنا وذلك فى كتابه المعنون " جذور التجديد الاسلامى.. من الأفغانى إلى حسن البنا" ( 1998). وكانت حجته أن إذلال ناصر للاسلاميين هو الذى أدى إلى ذلك الارتباط. ومغزى هذه الحجة أن أعداء الاخوان المسلمين هم السبب فى بزوغ الارهاب.
وفى المقابل ثمة مفكران مرموقان أحدهما تونسى يكتب بالفرنسية هو عبد الوهاب بوحديبه رئيس المجمع العلمى فى زمن الرئيس السابق بن على، والآخر ألمانى من أصل سورى اسمه بسام طيبى يكتب بالألمانية وهو من تلاميذ هابرماس العضو بمعهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت. وأنا على علاقة فكرية حميمة بهما. كان الأول يدعونى إلى مؤتمراته، والثانى أدعوه إلى مؤتمراتى. ويقول عنهما برمان إنهما تناولا إشكالية المصطلحين اللذين التصقا بالاسلام وهما الفاشية والشمولية.
فى عام 2008 أصدر بوحديبه كتاباً بالفرنسية عنوانه " الهروب من اللعنة" وهو عبارة عن مجموعة مقالات من بينها مقالة عنوانها " عن الفاشية الاسلامية" وهو مصطلح كان قد صكه الرئيس بوش الابن وفى ذهنه القاعدة وحماس وحزب الله ودولة ايران. امتعض بوحديبه من المصطلح لأنه أحال " الاسلامى" إلى صفة تنتسب إلى الفاشية, بينما هو يرى بأن ثمة فرقا جوهريا بين الاسلام الحقيقى وبين فاشية الاسلاميين التى تتحكم فى الحياة اليومية تحكماً موسوماً بالقهر والطغيان. أما بسام طيبى فيؤثر مصطلح " الشمولية" على مصطلح الفاشية. صحيح أن المصطلحين من وضع بنديتو موسولينى ولكن الصحيح أيضا عند طيبى أن مصطلح الشمولية أصبح مصطلحاً فلسفياً يضم النازية والفاشية والشيوعية, ومن هنا يقول طيبى إن البنا زعيم روحى وسياسى وهو مصدر الجهاد الاسلامى الذى هو أعلى مراحل الشمولية.
ومع ذلك كله فإن ثمة سؤالا لابد أن يثار: لماذا اشتهر طارق رمضان كوكبياً وتوقفت شهرة كل من بوحديبه وطيبى عند حدودهما الجغرافية؟
إذا كانت الشهرة تعنى تقبل الجمهور لمفكر دون آخر، وإذا كان الجمهور حتى الآن أقرب إلى اللاعقلانية منه إلى العقلانية فإن طارق رمضان يقف فى الصدارة ويتوارى كل من بوحديبه وطيبى والسؤال اذن: متى ينقلب الوضع؟
الجواب متروك لقارئ هذا المقال.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (89) برنارد لويس وثورات الربيع العربى   الثلاثاء 25 أغسطس 2015, 2:38 pm





 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (89) برنارد لويس وثورات الربيع العربى


الثلاثاء 10 من ذو القعدة 1436 هــ 25 أغسطس 2015 السنة 140 العدد 47013


قبل أن يقترب من عامه المائة فى عام 2016 أصدر برنارد لويس أحدث كتاب له فى عام 2012 عنوانه ز مذكرات قرن من الزمان..تأملات مؤرخ للشرق الأوسطس. يقول فى مقدمته: منذ شبابه لم يكن مهموماً إلا بالشرق الأوسط. وكان هذا الهم، فى البداية، هواية ثم تحول إلى مهنة عندما تعلم لغات الشرق الأوسط وقرأ ما كتب عنه. وكان هو أول مَنْ مارس هذه المهنة فى بريطانيا حيث مولده من أسرة يهودية عريقة. ومن هنا كان من اللازم أن يبدى برنارد لويس رأيه فى ثورات الربيع العربى التى حدثت قبل عام من إصداره ذلك الكتاب.
ولكن قبل أن يحدثنا لويس عن رأيه فيما حدث فى عام 2011 كان عليه تبرئة نفسه من ز نظرية لويسس وهى نظرية كان قد اخترعها سياسى مرموق ولكنه غريب الأطوار اسمه لِنْدن لاروش. قال عن لويس إنه هو الذى صك مصطلح ز الراديكالية الاسلاميةس التى تلتزم البحث عن الجذور بدون أى تأويل من أجل فرضها على كوكب الأرض كغاية نهائية. وبناء عليه وجه لاروش اتهاماً إلى لويس بأنه هو الذى أدار الثورة الايرانية وأوجد أشكالاً من التطرف الاسلامى، وذلك استناداً إلى أنه عميل فى جهاز المخابرات البريطانية من أجل إعادة الاستعمار البريطانى إلى منطقة الشرق الأوسط. ومع الوقت توارى لاروش وأتباعه ولكن بقيت ز نظرية لويسس مسئولة عن سياسة بوش الابن بوجه عام وغزو العراق بوجه خاص. ولويس هنا لا ينكر هذه المسئولية ولكنه ينكر تشويهها، وحجته فى ذلك هى على النحو الآتى:
لقد التقاه نائب الرئيس ديك تشينى إثر أحداث 11/9. وكانت الغاية من هذا اللقاء ولقاءات أخرى أن يقدم لويس معلومات يكون من شأنها الإسهام فى اتخاذ قرار سياسى سليم. وكان تشينى ينصت لما يقدمه لويس ثم يناقشه فى التحديات والمخاطر الكامنة فى الشرق الأوسط. وبعد ذلك اجتمع لويس مع مسئولى البيت الأبيض فى جلسة بدون تسجيل، ثم اجتمع مع كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومى فى جلسة خاصة. وفى النهاية التقاه الرئيس الأمريكى بوش الابن ثلاث مرات. وخلاصة رأيه فى تلك اللقاءات أن حكام الثورة الايرانية لديهم رؤية ايمانية بضرورة حسم الصراع بين قوى الله التى هى ايران وقوى الشيطان التى هى أمريكا. ويكون الحسم فى هذه الحالة معبراً عن نهاية الزمان أو نهاية التاريخ لأن مهمة الله عند هذه النهاية تكون محصورة فى تمييز المسلمين عن غيرهم من الضحايا واعطائهم تأشيرة الدخول إلى الجنة. وهذه هى الذهنية الايرانية الثورية بلا زيادة أو نقصان. ومن هنا يرى لويس أن أمريكا قد أخطأت فى مطلبها من ايران أن تخرج من العراق بعد الفوضى الذى سببها غزو أمريكا لذلك البلد، إذ كان هذا المطلب بمثابة قبلة الموت.
هذا فيما يختص بايران الثورة أما فيما يختص بثورات الربيع العربى فقد كان من رأى لويس أن هذه الثورات تواجه إشكالية الديمقراطية، أى تواجه تناقضاً.
والسؤال اذن:

ما هو هذا التناقض؟
فى عبارات موجزة يقرر لويس أن البلدان الديمقراطية فى العالم الغربى، فى الأغلب الأعم، هى بلدان ذات نظام ملكى وذات طابع بروتستنتى مثل النرويج والسويد والدانمرك وهولندا وبلجيكا وبريطانيا. أما فيما عدا تلك البلدان فلدينا سويسرا وأمريكا وهما دولتان ديمقراطيتان بالرغم من أنهما لا يتبعان النظام الملكى. ومع ذلك فأمريكا متعثرة فى تطبيق الديمقراطية، إذ لديها عورتان: العبيد وقهر المرأة. أما فى العالم العربى والاسلامى فالديمقراطية كمصطلح سياسى ليس لها تاريخ، بل ليس لها ذكر، ومن ثم فثورات الربيع العربى خالية من الديمقراطية ومع ذلك فالعالم الغربى يريد فرضها على تلك الثورات، وقيل فى تبرير ذلك الفرض أن صندوق الانتخابات كفيل بالتعبير عن الديمقراطية. ولويس ليس من أنصار هذا القول ولا أدل على ذلك من استيلاء هتلر الدكتاتور على السلطة فى عام 1933. واستيلاء حماس الأصولية عليها فى عام 2007 وذلك استناداً إلى نتائج صندوق الانتخابات.
وهنا سؤال لابد أن يثار:

لماذا لاذكر للديمقراطية فى العالم العربى الإسلامى؟
جواب لويس أن الديمقراطية تنطوى على انتخابات دورية، ويخطئ الغرب عندما يريدها على هذا النحو فى الشرق الأوسط. وإذا أرادها كذلك فالنتيجة مأساوية بالضرورة. ولا أدل على ذلك من استيلاء حماس على الحكم بالانتخاب الحر وكانت ديكتاتوريتها هى الثمرة اللاذعة المذاق. وحتى القول بالانتخاب الحر مشكوك فيه لأن الأحزاب الدينية لها الكلمة فى أى انتخاب لأنها متحكمة فى دور العبادة. ولكن ما هو أسوأ من ذلك هو أن ثوار الربيع العربى طالبوا باسقاط النظام ولكن لم يكن لديهم البديل. والمفارقة هنا أن البديل جاء من الماضى وليس من المستقبل. جاء من الاخوان المسلمين وهم، فى رأى لويس، حركة خطرة للغاية، وشهوتهم فى الاستيلاء على الحكم، فى العالم العربى، كارثة، إذ من شأنه دفع ذلك العالم إلى العصور الوسطى المظلمة.
وفى خاتمة كتابه يثير لويس السؤال الآتى:
هل فى إمكان العالم العربى ممارسة الديمقراطية؟
جوابه بالنفى إذ للعرب تراث مناقض لتراث الغرب، إذ هم مؤهلون لأن يكونوا محكومين بالطغاة. وكل المطلوب بعد ذلك من الغرب هو المساهمة فى شرق أوسط مستقر مع طغاة متعاطفين مع الشعب دون تقديم حلول لأن الحلول مرفوضة باعتبارها آتية من الغرب.
والرأى عندى أنه من السذاجة القول بأن العالم العربى والاسلامى يريد الاكتفاء الذاتى وتجاهل العالم الغربى، إذ إن ذلك العالم يريد الاستيلاء على الغرب ذاته حتى يُدخله فى الخلافة الاسلامية كوكبياً.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (90) صــراع العقــول   الثلاثاء 01 سبتمبر 2015, 8:46 am

 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (90) صــراع العقــول


الثلاثاء 17 من ذو القعدة 1436 هــ 1 سبتمبر 2015 السنة 140 العدد 47020





أظن أنه مع انهيار الكتلة الشيوعية فى عام 1991 توارى مصطلح «صراع الطبقات» الذى كان محور «منفستو الحزب الشيوعى» الذى كان قد أصدره ماركس وانجلز معاً فى عام 1848 وجاء فى مفتتحه أن تاريخ المجتمعات هو تاريخ صراع الطبقات، أو بالأدق صراع بين طبقتين: البرجوازية والبروليتاريا. وكانت البرجوازية، عندهما، تعنى الرأسماليين الذين يمتلكون وسائل الانتاج. أما البروليتاريا فهم العمال الذين يبيعون قوة عملهم فى مقابل أجر معين يستعينون به فى مواجهة شئون الحياة الدنيا. أما خاتمته فقد أعلنا فيها أن الثورة الشيوعية قادمة وذلك بفضل وحدة العمال فى جميع الدول. وما حدث، بعد ذلك، بستة وثمانين عاماً على نقيض توقعات المنفستو، ومن ثم توارى مصطلح «صراع الطبقات». وعندئذ أثير السؤال الآتى: ما البديل؟
تولى الاجابة عن هذا السؤال كتاب فى عام 1997 عنوانه « تصادم الحضارات وإعادة صياغة النظام العالمى» لعالم الاجتماع صموئيل هنتنجتون. أحدث زلزالاً فكرياً كان فى الأصل مقالاً نُشر فى مجلة «فورين أفيرز» فى صيف عام 1993 قال عنه محررو المجلة فيما بعد إنه قد أحدث ضجة لمدة ثلاث سنوات، وهى ضجة لم تواكب أى مقال آخر نُشر منذ الأربعينيات من القرن العشرين وذلك بسبب فكرته المحورية القائلة بأن الصراع القادم هو صراع بين جماعات من مختلف الحضارات. وكانت الأصولية الاسلامية المنتشرة فى مصر وسوريا والأردن وباكستان وماليزيا وأفغانستان والسودان هى أقوى الأصوليات المهيأة للدخول فى ذلك الصراع الذى بدأ مع غزو أمريكا للعراق فى عام 1993، وفى حينها قيل عن هذا الغزو إنه حرب ضد «الاسلام وحضارته» من قبل «الصليبيين والصهيونيين». وقال الملك حسين عن ذلك الغزو إنه حرب ضد كل العرب وكل المسلمين وليس ضد العراق وحدها. ومن هنا انتقلت السلطة من المؤيدين للغرب إلى المعادين للغرب ومن ثم تفككت الرابطة التى كانت تؤلف بين بعض البلدان الاسلامية وأمريكا.
وأثير سؤال محورى حول الدور الذى يمكن أن تؤديه الحضارة الاسلامية فى تشكيل مستقبل العالم، أو الدور الذى يمكن أن يؤديه الغرب فى القرن الحادى والعشرين فى شأن تدعيم قيمه ومصالحه.
وحيث إن الأصولية الاسلامية هى حالة ذهنية على نحو ما أرى وليست حالة اقتصادية أو سياسية على نحو ما يرى الآخرون فإن العقل وما يدور فيه من أفكار يكون فى الصدارة. وفى هذه الحالة يبدأ صراع العقول ويكون بديلاً عن صراع الطبقات أو صراع الحضارات، ويكون هو العامل الأساسى والحاسم فيما يحدث الآن على كوكب الأرض. ولا أدل على صحة ما أذهب إليه من أن المجتمع فى هذا القرن يقال عنه إنه «مجتمع المعرفة»، وهو مصطلح صكه عميد علم الادارة فى أمريكا بيتر دراكر تعديلاً لعبارة الفيلسوف الانجليزى بيكون من القرن السابع عشر والتى تقول «المعرفة قوة».
وإذا تساءلت كيف تكون المعرفة قوة فجواب دراكر أنها تكون كذلك عندما تكون قوة إنتاجية تضاف إلى عوامل الانتاج الثلاثة التقليدية وهى المال والعمل والأرض إلا أن المعرفة، فى هذه الحالة، تقع عند قمة هذه العوامل بالضرورة لأن أساسها الابداع، ومن ثم يمكن القول بأن مجتمع المستقبل هو «مجتمع المعرفة» على حد تعبير دراكر أو هو «مجتمع الابداع» على حد تعبيرى. وسواء كان هذا المجتمع أو ذاك فهو فى نهاية المطاف «مجتمع العقل».
ومجتمع العقل مثله مثل أى مجتمع ينطوى على صراع. وقد كشف الفيلسوف الألمانى العظيم كانط عن هذا النوع من الصراع فى مقاله المعنون «جواب عن سؤال: ما التنوير؟»( 1784). جواب كانط أن للعقل خاصية متميزة فى أنه محكوم بمواجهة مسائل ليس فى الامكان تفاديها، إذ هى مسائل مفروضة عليه بحكم طبيعته، بيد أن العقل عاجز عن الاجابة عنها. وهذه المسائل تدور على مفهوم المطلق سواء قيل عنه إنه الله أو الدولة. ويزيد الأمر ايضاحاً فيقول إن ثمة حالتين: حالة البحث عن المطلق وحالة قنص المطلق.
والسؤال اذن: ما مغزى هاتين الحالتين؟
المغزى أن العقل فى صراع مع ذاته، إذ هو يشتهى قنص المطلق حتى يصل بالمعرفة إلى منتهاها، ولكنه فى الوقت ذاته عاجز عن قنص المطلق بحكم طبيعته، إذ هو محكوم بعدم مجاوزة هذه الحياة الدنيا التى فى مقدوره معرفتها وليس فى مقدوره معرفة غيرها من أية حياة أخرى. ومن هنا يحذر كانط الانسان من الوقوع فى إغراء علوم العقائد، وهو إغراء كامن فى أنها تخدعه بأن فى إمكانه مجاوزة حدوده. وعلامة هذه المجاوزة كامنة فى محاولته البرهنة على وجود موجود لا محدود مستعينا فى ذلك بعقله المحدود، ومن هنا تكون المحاولة يائسة فى حدها الأدنى وفاشلة فى حدها الأقصى لأنك لن تستطيع المفاضلة بين البرهنة على وجود اللامحدود والبرهنة على عدم وجوده. وإذا انخدع العقل وفاضل فإنه واقع بالضرورة فى براثن الدوجما ومنها إلى الدوجماطيقية التى تعنى توهم قنص المطلق أو بالأدق قنص الحقيقة المطلقة وما يترتب على هذا القنص من قتل مَنْ يزعم أنه اقتنص حقيقة مطلقة مخالفة. وفى حالة حدوث هذه الدوجماطيقية فالمطلوب من العقل فى هذه الحالة أن يكون على وعى بأنه فى حالة القنص لا يكون العقل هو ذاته بل يكون خارج ذاته، وهو أمر من شأن الانسان ذاته وليس من شأن الآخرين، فهو وما يشاء دون التفات إلى ما يشاء الآخرون. وفى هذا الاطار نشأت مناظرتان فى هذا القرن معبرتان عن صراع العقول. فما هما؟ وماذا فيهما؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (91) المناظرة الكبرى الأولى ادموند بيرك ـ توماس بين   الثلاثاء 08 سبتمبر 2015, 10:22 pm



 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (91) المناظرة الكبرى الأولى ادموند بيرك ـ توماس بين


الثلاثاء 24 من ذو القعدة 1436 هــ 8 سبتمبر 2015 السنة 140 العدد 47027


أربع مناظرات كبرى أجريت فى هذا القرن مع أن المشاركين فيها كانوا من القرن الثامن عشر ومن القرن العشرين. وسبب ذلك مردود إلى أن أفكارهم مازالت موضع جدل حول قضايا العصر أو موضع تأثير فى مسار العصر. وأخصص هذا المقال للمناظرة الكبرى الأولى التى حدثت بين فيلسوفين انجليزيين من القرن الثامن عشر وهما ادموند بيرك Edmund Burke وتوماس بين Thomas Paine . وقد كانت هذه «المناظرة الكبري» هى عنوان كتاب لمفكر أمريكى مؤسس مجلة «ناشونال أفيرز» ورئيس تحريرها يوفال لفين Yuval Levin. والذى دعاه إلى تأليف ذلك الكتاب (2014) هو أن كلاً من بيرك وتوماس بين كان مهموماً بالثورتين الأمريكية والفرنسية مع تباين رأيهما إلى حد التناقض.
والسؤال اذن:

أين يكمن التناقض؟
جواب يوفال ليفن أن التناقض بينهما يكمن فى فهم كل منهما لمعنى الليبرالية.
والسؤال اذن:

ما الليبرالية عند كل منهما؟
الليبرالية عند بيرك فى كتابه «تأملات فى الثورة فى فرنسا» (1790) تعنى التوازن بين الاستقرار والتغيير، أى بين المحافظة والاصلاح. وبيرك ينحاز إلى الاصلاح عندما يبدو له أن الثورة قادمة، إذ هى العدو الأول للاصلاح. وهو من هذه الزاوية ينحاز، فى الأغلب الأعم، إلى المحافظة لأن السياسة عنده تلتزم التكيف مع الطبيعة البشرية وليس مع البراهين العقلية لأن العقل جزء من الانسان وليس كل الانسان، إذ ثمة مشاعر وانفعالات وأهواء. ومن هنا أثار بيرك السؤال الآتي: هل السياسة تهتم بشعب محدد وبمدى قدرته على التعايش أم أنها تهتم بالبحث عن قواعد عامة قابلة لأن تكون موضع تنفيذ؟ وجواب بيرك هو الانحياز إلى الاهتمام الأول، ومن ثم كانت معارضته لليبرالية ومعارضته أيضاً للثرثرة حول الحقوق الطبيعية.
أما توماس بين ففى كتابه «حقوق الانسان» (1791) يحاول الحفر فى التاريخ حتى يصل إلى الحالة الطبيعية التى كان عليها الانسان قبل تأسيس المجتمع حيث كان مجرد فرد بلا علاقات اجتماعية. ولم يتأسس المجتمع بعد ذلك إلا عندما شعر البشر بأنهم فى حاجة إليه لمواجهة الضرورات مع الرغبة فى العيش مع الآخرين. بل لم تتأسس الحكومة فوق المجتمع إلا من أجل انقاذ البشر من تفشى الشرور.
وفى هذا الاطار بدأت المناظرة الكبرى بين بيرك وتوماس بين. اتهم فيها الأول بأن الثورة المنحاز إليها الثانى قد تفكك المجتمع ومن ثم تصبح الحكومة غير شرعية. وكان رد الثانى بأن المجتمع أقدم من الحكومة وأهم، وأن الثورة عود على بدء، أى عود إلى المجتمع الطبيعى بمعنى أن أى نظام سياسى إنما يتأسس على مبادئ المجتمع والبنية الطبيعية للانسان. ومن ثم فإن فشل الحكومة يُلزم المجتمع بأن يعود إلى هذه البنية الطبيعية من أجل تكوين حكومة جديدة يعقبها تأسيس برلمان يكون لكل مواطن فيه مقعد بحكم الحق الطبيعي. ولكن مع التطور ومع نمو الجماعة السياسية فإنه يكون من المحال أن يذهب كل انسان لمناقشة الأمور العامة شخصياً وفى كل وقت. ومن هنا أصبح من اللازم انتخاب ممثلين عن الشعب.
وقد رفض بيرك ثلاث أفكار قال بها توماس بين: رفض رأيه القائل بأن المجتمع ظاهرة طبيعية، إذ هو فى رأيه حالة بربرية. ومع التطور يصبح أكثر نضجاً فتتأسس الحكومة ولكن بشرط أن تكون عنيفة. وإذا فشلت فإنها تعود إلى البداية، أى تعود إلى البربرية. كما رفض رأيه القائل بوجود انسان ما قبل الاجتماعي، أى انسان طبيعي، لأن الانسان الاجتماعى المدنى هو الانسان الطبيعي، وبالتالى لا يمكن القول بمجتمع مؤسس على حقوق كانت موجودة خارج المجتمع. ورفض أخيراً قوله بطرد المشاعر والعواطف من السياسة والاكتفاء بالعقل، إذ من شأن هذا الطرد عدم فهم الطبيعة البشرية بل عدم فهم النظام السياسي.
وبيرك فى هذا الرفض الثلاثى يستند إلى مبدأ الوراثة، إذ هو من المبادئ الأساسية فى النظام الانجليزى لأنه يساند ذلك النظام ويحافظ على حريات الشعب والالتزام بالقوانين.
والمفارقة هنا أن المؤلف فى خاتمة كتابه يثير السؤال الآتي:
ما هى الليبرالية؟ ويجيب بسؤال: هل الليبرالية جملة المبادئ التى أعلنها فلاسفة التنوير والتى من اللازم أن تكون موضع تنفيذ حتى يمكن أن يصبح المجتمع على غرار ما كان يدعو إليه فلاسفة التنوير من ضرورة الربط بين المساواة والحرية؟ أم هى ثقافة حية تكونت عبر أجيال بفضل المحاولة والخطأ حتى إذا جاء عصر التنوير وبالذات فى بريطانيا يكون المجتمع قد اتخذ شكلاً معيناً يسمح له بأن يؤلف بين المساواة والحرية؟
والمفارقة هنا أيضا أن المؤلف يخلص من إثارة الأسئلة إلى نتيجة مفادها أن ثمة نوعين من السياسة الليبرالية: سياسة تقدمية تتجه نحو مثل أعلى وسياسة محافظة تستند إلى مبدأ الوراثة. ثم هو بعد ذلك يعبر عن هذه النتيجة فى صياغة موجزة «هى أن ثمة ليبرالية تقدمية وليبرالية محافظة». وفى هذا الاطار يصف المؤلف أوباما بأنه ينتمى إلى فصيلة بيرك لأنه ينزعج من الثورة التى هى احداث تغيير مفاجئ. وإذا كان ذلك كذلك فأوباما أصولى لأن أفكار بيرك هى التى أسست الحزب الأصولى المسيحى بقيادة القس جيرى فولول فى عام 1979.
وإذا كان ذلك كذلك فإن بيرك لا يمكن أن يكون ليبرالياً وبالتالى تسقط فكرة الليبرالية المحافظة ولا يبقى لدينا سوى ليبرالية تقدمية وهى التى نشأت فى القرن التاسع عشر بقيادة الفيلسوف الانجليزى جون ستيوارت مل الذى قال فى كتابه «عن الحرية» أن الليبرالية تعنى أن سلطة الفرد فوق سلطة المجتمع.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (92) المناظرة الكبرى الثانية «أينشتاين» نيلز بور   الثلاثاء 15 سبتمبر 2015, 1:53 pm



 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (92) المناظرة الكبرى الثانية «أينشتاين» نيلز بور


الثلاثاء 1 من ذو الحجة 1436 هــ 15 سبتمبر 2015 السنة 140 العدد 47034


شهرة أينشتيان تجاوزت حدود ثورته على نيوتن، إذ يكفى القول بأن السلطة الإسرائيلية قد رشحته لتولى منصب الرئاسة إلا أنه اعتذر. أما نيلز بور فهو من أصل دنماركى ومشهور فى حدود ثورته على الفيزياء الكلاسيكية مع فريق من علماء الفيزياء النووية الذين بزغوا مع بداية القرن العشرين. إلا أن ثورته لم تكن موضع قبول من أينشتاين، ومن هنا نشأت المناظرة بينهما، وهى مناظرة جديرة بأن تُروي، وقد رواها مفكر انجليزى اسمه مانجيت كومار مؤسس ورئيس تحرير مجلة «بروميثيوس» وهى مجلة تجمع بين الآداب والعلوم، ومؤلف مشارك لكتاب عنوانه «العلم وانسحاب العقل» (1995) يدافع فيه عن التنوير وما ينطوى عليه من مفهومين هما «التقدم الاجتماعي» و «التقدم العلمي». أما كتابه الذى يروى فيه المناظرة فعنوانه «أينشتاين - بور..المناظرة الكبرى حول طبيعة الواقع» (2009). وكانت بدايتها فى 27 أبريل 1920 عندما التقى نيلز بور أينشتاين فى برلين بمناسبة دعوته لإلقاء محاضرة عن الثورة فى مجال الذرة. وعند لقائهما دار الحوار حول بيان اختلافهما من حيث إن نيلز بور يذهب إلى التشكيك فى مبدأ السببية القائل بأن لكل نتيجة سببا يوجدها بالضرورة وإحلال مفهوم «الصدفة» بديلا عنه فى مجال الفيزياء النووية. فقد انحاز بور إلى الصدفة أما أينشتاين فقد انحاز إلى مبدأ السببية. وبعد ذلك اللقاء ازداد الخلاف بينهما عندما التقيا فى مؤتمر سولفاى الذى انعقد فى عام 1927 ببروكسل عاصمة بلجيكا. والذى أدى إلى ازدياد ذلك الخلاف عالم فيزيائى ألمانى اسمه فرنر هيزنبرج كان قد أعلن مبدأ جديدا فى صيف عام 1925، أى قبل انعقاد مؤتمر سولفاى بعامين، اسمه «مبدأ عدم اليقين» ومفاده أنه من المحال معرفة الموضع الدقيق لجسيم مثل الالكترون ومعرفة سرعته فى آن واحد، بمعنى أنه كلما زادت دقة قياس موضع الجسيم تناقص احتمال قياس حركته بدقة. وقد ترتب على ذلك عدم خضوع الكون لقوانين سببية ثابتة، ومن ثم تحل الصدفة واللاحتمية والاحتمالية محل الضرورة والحتمية واليقين. وفى هذا الاطار تكونت مدرسة فيزيائية نووية أطلق عليها «مدرسة كوبنهاجن» برئاسة نيلز بور مفادها أن خصائص أى جسيم لا يمكن تناولها بمعزل عن سياق الطريقة التى يمكن بها رصد موضع الجسيم أو حركته. وفى صياغة أخرى يمكن القول بأنه ليس ثمة حقيقة موضوعية مستقلة عن قدرتنا على الرصد. ومن هنا يمكن فهم عبارة نيلز بور القائلة بأنه من الخطأ الاعتقاد بأن «مهمة الفيزياء اكتشاف ماهية الطبيعة، إذ إن علم الفيزياء لا يهتم إلا بما يمكن قوله عن الطبيعة»، وكذلك فهم عبارة هيزنبرج القائلة بأنه «عندما يرغب الإنسان فى حساب المستقبل استناداً إلى الحاضر فإنه لن يحصل إلا على نتائج إحصائية بسبب عجزه عن معرفة تفاصيل الحاضر».
أما أينشتاين فقد دافع فى ربيع 1927- بمناسبة مرور قرنين من الزمان على وفاة نيوتن -عن الميكانيكا الكلاسيكية القائمة على السببية واليقين مع أنه رفض قول نيوتن بالزمان المطلق والمكان المطلق، وأحل محله القول بالزمان النسبى والمكان النسبى وذهب فى هذا الإحلال إلى حد القول بأن الزمان هو البعد الرابع للمكان.
واللافت للانتباه هاهنا أنه بالرغم من عمق الاختلاف بين أينشتاين وبور فقد قال أينشتاين لصديقه العالم الفيزيائى إيرنفست: «أنا مثلك تماما مفتون للغاية بنيلز بور. إنه موهوب لأبعد حد وانسان عظيم بلا جدال. أما بور فقد قال: «إن لقائى بأينشتاين وحديثى معه من أعظم الخبرات التى مرت بحياتي. وليس فى إمكان أحد أن يتخيل مدى تأثيره العميق عندما استمعت إليه وتحدثت معه». ومع ذلك فإن معاركهما معا لم تتوقف حول نظرية الكوانتم. فقد قال أينشتاين «إن معضلة مدرسة كوبنهاجن قد تدفعنى إلى دخول مستشفى الأمراض العقلية». ومع ذلك فإن أينشتاين كان حريصاً على قراءة أبحاث نيلز بور التى قال عنها «إنها نوع من المعجزة». وبعد ذلك بشهر قال بور فى السنوات القليلة الماضية غالبا ما كان ينتابنى شعور بالعزلة، إذ كان لدى انطباع بأن جهدى فى تطوير مبادئ نظرية الكوانتم إلى أفضل وجه ممكن قد قوبل بفهم ضئيل. والمفارقة هنا أن أينشتاين نال جائزة نوبل فى عام 1921 ونالها بور فى عام 1922 ونالها هيزنبرج فى عام 1934. إلا أن أينشتاين لم يكن سعيداً بنيل الجائزة، إذ كانت حياته معرضة للخطر بسبب عنف اليمين السياسى خاصة بعد اغتيال وزير الخارجية الألمانى من أصل يهودى فى 24 يونيو 1922، أما هو فقد كان ترتيبه فى اغتيالات اليهود رقم 354.
واللافت للانتباه هاهنا للمرة الثانية أن كلا من أينشتاين وهيزنبرج قد أقحما الله فى العلم. فقد رفض أينشتاين نظرية الكوانتم التى تبرر الصدفة بديلاً عن الضرورة، وقال عبارته المشهورة «إن الله لا يلعب النرد». أما هيزنبرج فقد قال وهو على فراش الموت إنه سيوجه إلى الله سؤالين: لماذا سمح بنظرية النسبية؟ ولماذا سمح بزلزال الكوانتم؟ ثم استطرد قائلاً: أظن أن الله ليس لديه سوى جواب واحد عن السؤال الأول أما السؤال الثانى فالجواب عنه ليس وارداً. وإثر إثارة هذين السؤالين قيل إن العلم قد رسم خطاً على الأرض وقال: ليس فى الإمكان مواصلة البحث بعد حدوث ذلك الزلزال لأن الزلزال يعنى الفوضي.
والسؤال بعد ذلك:
ما العلاقة بين الله كمطلق و بين العلم من حيث هو صناعة بشرية يتسم بالنسبية؟
الجواب متروك للمهمومين بتجديد الخطاب الديني.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (93) المناظرة الكبرى الثالثة محمد عبده - تولستوى   الثلاثاء 29 سبتمبر 2015, 10:12 pm


رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (93) المناظرة الكبرى الثالثة محمد عبده - تولستوى


الثلاثاء 15 من ذو الحجة 1436 هــ 29 سبتمبر 2015 السنة 140 العدد 47048


قيل عن هذه المناظرة إنها مبتورة لأنها بدأت من طرف واحد وهو مفتى الديار المصرية الإمام محمد عبده وامتنع الطرف الثانى وهو تولستوى عن مواصلة المناظرة. وكان صاحب هذا القول هو أستاذى الدكتور عثمان أمين. ومن حقه أن يكون هو صاحب هذا القول، فقد كان عنوان رسالته لنيل الدكتوراه «رائد الفكر المصرى الامام محمد عبده» والتى نشرها فى عام 1945. وعندما أعاد طبعها فى عام 1965 أهدانى نسخة وجاء إهداؤه على النحو الآتى: «للصديق الكريم الفيلسوف الدكتور مراد وهبه مع خالص ودى وتقديرى». وهو إهداء يكشف عن العلاقة الحميمة بين الأستاذ والتلميذ. ومن هنا كان يكاشفنى بهمومه الإنسانية والفلسفية، ومنها ما حدث للإمام محمد عبده. والسؤال إذن:ما هذا الذى حدث ؟
فى 8 أبريل 1904 أرسل محمد عبده خطاباً إلى تولستوى بناء على نصيحة من صديق اسمه س.ك. كوكوريل كان قد ارتأى أن ثمة تماثلاً بينهما من حيث إنهما كانا موضع اضطهاد من السلطة الدينية. ففى 22 نوفمبر 1901 قرر المجمع المقدس للكنيسة الأرثوذكسية الروسية أن تولستوى عدو الكنيسة. وكان رده أن الحق عنده يتفق مع المسيحية على نحو ما يفهمها. والجدير بالتنويه أن البهائيين بعد سماعهم بقرار المجمع أخبروه بأن ثمة توافقاً بينه وبين مبادئهم. أما الشيخ محمد عبده فقد واجه اضطهادا مريرا من قبل الخديو وشيوخ الأزهر الجامدين، وهو أمر كان من شأنه الإطاحة به من منصب الإفتاء لولا تدخل العميد البريطانى اللورد كرومر على حد قول عثمان أمين نفسه. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل أُضيف إليه ما أشيع عن تجاهل تولستوى فى الرد على خطاب محمد عبده. وقد نشر عثمان أمين ذلك الخطاب فى نهاية كتابه بدون تعليق، ولكنه فى جلساتى معه لم يكن يردد إلا سؤالا واحدا: لماذا لم يرد؟
وعندما ارتحلت إلى موسكو أستاذا زائرا بجامعتها فى عامى 1968 و 1969 كان يدور فى ذهنى سؤال عثمان أمين. وفى يونيو 1969 استمعت إلى محاضرة ألقاها أستاذ سوفيتى عن تولستوى ذكر فيها أن تولستوى تلقى عشرة آلاف رسالة من مناضلى الدول المقهورة، إذ كان يعتبر فى زمانه الأب الروحى لهؤلاء المناضلين فذهبت فى اليوم التالى إلى متحف تولستوى فوجدت الرسائل مصنفة ومبوبة. لهذا كان من الميسور العثور على النسخة الأصلية من رسالة محمد عبده باللغتين العربية والإنجليزية وعلى صورة من رد تولستوى باللغة الفرنسية على رسالة محمد عبده فى 12 مايو 1904، كما عثرت على رسالتين لكوكوريل يحكى فيهما عن نشأة العلاقة بين محمد عبده وتولستوى، وكذلك عثرت على الترجمة الانجليزية التى قامت بها زوجة المستشرق الإنجليزى ا.س. بلنت مؤلف كتاب «التاريخ السرى لاحتلال انجلترا مصر» أما زوجته فهى حفيدة الشاعر الإنجليزى اللورد بيرون وكانت مشتغلة بالدراسات العربية، وكانت هى وزوجها مقيمين بجوار محمد عبده فى ضاحية عين شمس.
وعندما عدت إلى القاهرة أهديت عثمان أمين صورا من هذه الرسائل ومن بينها بالطبع صورة من رد تولستوى المفقود. وقد نشر كل ذلك فى مجلة «الإذاعة والتليفزيون» بتاريخ 10/7/1971. وجاء فى مقاله إنه «بعد سبع وستين سنة شاء الله ألا يضيع فى موسكو ما ضاع فى القاهرة فتهيأ لتلميذى وصديقى الدكتور مراد وهبه أن يذهب إلى العاصمة الروسية حاملاً معه صورتين فوتوغرافيتين لخطابين مهمين إحداهما أصل خطاب الشيخ محمد عبده إلى مسيو تولستوى والثانية صورة من رد تولستوى». والجدير بالتنويه هاهنا أن فى أصل خطاب محمد عبده حاشية ممهورة بإمضائه. تقول الحاشية: «إذا تفضل الحكيم بالجواب فليكن باللغة الفرنسية فإنى لا أعرف من اللغات الأوروبية سواها». والغريب فى أمر هذه الحاشية أنها محذوفة من خطاب محمد عبده المنشور فى كتاب عثمان أمين عن محمد عبده سواء فى طبعته الأولى فى عام 1955 أو فى طبعته الثانية فى عام 1965 والمنقول من كتاب رشيد رضا المعنون «تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده». ومن الشائع أن ثمة علاقة حميمة بين محمد عبده ورشيد رضا، إذ كان محمد عبده ينشر مقالاته فى مجلة «المنار» التى كان يرأس تحريرها رشيد رضا ثم تولاها بعد ذلك حسن البنا فأصبحت الناطقة بلسان الإخوان المسلمين.
وهنا ثمة سؤالان تاريخيان:السؤال الأول: لماذا حُذفت الحاشية من صورة خطاب محمد عبده لتولستوى؟
وجوابى على النحو الآتى: إن التمهيد الذى قام به كوكوريل لإقامة مناظرة بين محمد عبده وتولستوى يشير إلى ضرورة رد تولستوى على محمد عبده. ولهذا فإن حذف الحاشية يستبعد هذه الضرورة، ومن ثم يصبح الرد موضع احتمال. ثم ينتقل عدم الرد من مستوى الاحتمال إلى مستوى اليقين عندما يختفى رد تولستوى ويصبح خطاب محمد عبده مجرد مؤازرة لتولستوى فى نضاله ضد السلطة الكنسية، وبالتالى ينعدم الرد.
يبقى السؤال الثانى: لماذا اختفى رد تولستوى، أو بالأدق لماذا أٌحرق؟
الجواب يكمن فى السؤال الذى أنهى به تولستوى رده على محمد عبده: ما رأيك فى مذهب الباب؟ ومذهب بهاء الله وأنصاره؟ إن تولستوى يريد من هذا السؤال معرفة رأى محمد عبده فى البهائية. فإذا اتفق رأيه مع رأى تولستوى تم التواصل، وإذا لم يتفق انعدم التواصل. ومن هنا حدث توتر لدى محمد عبده بسبب توتره مع المشايخ الجامدين. وكان حرق الخطاب هو الوسيلة إلى إنهاء التوتر، وبتر المناظرة الكبرى.
ومع ذلك فثمة سؤال: ما جذور هذا البتر؟
الجواب فى المناظرة الكبرى الرابعة.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (94) المناظرة الكبرى الرابعة.. ابن رشد ـ ابن تيمية   الثلاثاء 06 أكتوبر 2015, 6:29 pm



 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (94) المناظرة الكبرى الرابعة.. ابن رشد ـ ابن تيمية


الثلاثاء 22 من ذو الحجة 1436 هــ 6 أكتوبر 2015 السنة 140 العدد 47055


صحيح أن ابن رشد فقيه وطبيب وفيلسوف من القرن الثانى عشر، وصحيح أيضا أن ابن تيمية فقيه من القرن الثالث عشر، ومع ذلك فإن الصحيح للمرة الثالثة أنهما يشكلان مفارقة فى القرن الحادى والعشرين. فابن تيمية مؤسس الأصولية المتمثلة فى الوهابية بالقرن الثامن عشر وفى حركة الاخوان المسلمين بالقرن العشرين وفى الحركات الاسلامية برمتها التى بزغت فى القرن الحادى والعشرين. أما ابن رشد فقد كان موضع تكفير من ابن تيمية إلى الحد الذى أصبح فيه هامشيا فى الحضارة الاسلامية، ومؤسسا للتقدم فى الحضارة الغربية بفضل بزوغ الرشدية اللاتينية. وهذه المفارقة هى ثمرة المناظرة الكبرى التى كان قد أجراها ابن تيمية مع ابن رشد رغم أن ابن رشد كان قد مات، إلا أن ابن تيمية كان يخشى من خطورة تأثيره بعد موته.
والسؤال اذن: ما هى هذه المناظرة التى اصطنعها ابن تيمية فى كتابه المعنون «درء تعارض العقل والنقل»؟ والعقل هنا رمز للفلسفة والنقل رمز للتراث. ومن ثم يصبح السؤال الأساسى هو على النحو الآتى: هل ثمة تعارض بين النص الدينى ومتطلبات إعمال العقل؟.
كان الفقه السائد فى زمن ابن رشد هو الفقه المالكى الذى يستند إلى مفهوم الإجماع، ومن شأن هذا المفهوم أن يمتنع خروج المؤمن عن الاجماع، وإذا تجاسر وخرج فتكفيره أمر لازم ولكن ما العمل إذا كان للنص الدينى معنى باطن مغاير للمعنى الظاهر؟ جواب ابن رشد أن تأويل النص أمر لازم وهنا نجد أنفسنا أمام أمرين: إما الامتناع عن التأويل منعاً من التكفير، أو الخروج عن الاجماع بالتأويل مع احتمال التكفير، وعلينا بعد ذلك الاختيار، وقد اختار ابن رشد الخروج عن الاجماع بالتأويل ولكنه حذر من إشاعة التأويل بين الجمهور إذ حصره عند الراسخين فى العلم، أى عند الفلاسفة لأنهم من أهل البرهان العقلى الذى يستند إلى مقدمات يقينية، ولأنهم على صلة بالله، حيث يقول الله تعالى «وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم». ويرتب ابن رشد على ذلك نتيجة وهى أن نشر التأويلات فى غير كتب البرهان يشيع الفساد ويُكثر من أهله وإذا حدث تكثير لأهل الفساد كفر الناس وهنا ينوه ابن رشد عن رواية عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب: «حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله»، ومعنى ذلك أنه ليس من المشروع للفلاسفة أن يفصحوا عن تأويلاتهم للجمهور، ولكن من المشروع أن يقولوا للجمهور إن ذلك التأويل معروف من الله وحده.
وهذه التفرقة بين الفلاسفة والجمهور هى تفرقة تقليدية فى الفكر الاسلامى، وقد عبَر عنها الغزالى فى كتابه المعنون «إلجام العوام عن علم الكلام»، حيث يطلب فيه من العوام الايمان بما قال النبى صلى الله عليه وسلم ثم الإقرار بأن معرفة مراده ليست على قدر طاقتهم، ومن ثم يُطلب عدم السؤال عن معناه لأن سؤالهم عنه بدعة، ومع ذلك فإن ابن رشد يجيز إباحة التأويل للجمهور إذا ارتفعوا إلى مستوى الفلاسفة، أى إلى مستوى إعمال العقل فى النص الدينى.
والسؤال اذن:

هل فى إمكان الجمهور الارتفاع إلى مستوى الفلاسفة؟ وأجيب بسؤال: إذا لم يكن ذلك ممكنا فما جدوى الاشتغال بالفلسفة؟
لقد فطن سقراط إلى هذا السؤال وكان جوابه بالايجاب، ولا أدل على ذلك مما جاء فى «محاورة أوطيفرون» بمناسبة محاكمة سقراط لاتهامه بأنه ينكر الآلهة ويفسد الشباب، حيث يقول أوطيفرون: «إن المدعى العام يعلم أن التهم الموجهة إلى سقراط تلقى قبولا من العالم برمته»، أى من الجمهور، ولكن إثر إعدام سقراط ارتعب الفلاسفة وشيَد أفلاطون لهم أكاديمية وأغلق أبوابها ليمنع الجمهور من الدخول ومن يومها والفلسفة معزولة عن الجمهور.
وابن تيمية على النقيض من ابن رشد، إذ هو يرفض التأويل لأنه يصرف النص الدينى عن ظاهره الحسى، ثم هو يرفضه لأن آيات القرآن واضحة فى معناها وليس هناك خفاء، وإذا كان ولا بد من استخدام لفظ تأويل فليكن معناه التفسير. ومن هذه الزاوية فإن التأويل يعنى تفسير القرآن بالقرآن، وإذا تعذر فعلينا بالسٌنة فإنها شارحة ومفسرة للقرآن، ومن ثم يمتنع إعمال العقل وبذلك يقف المؤمن عند مستوى الحواس أو بالأدق عند مستوى السمع، ومن ثم يتساوى العقل مع السمع، حيث يقول ابن تيمية: «وجدتُ ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، ولا يعلم حديث واحد يخالف العقل أو السمع الصحيح».
والمفارقة هنا أن العالم الغربى استدعى ابن رشد مع بداية القرن الثالث عشر ليخرج من تخلف العصور الوسطى المظلمة فترجم مؤلفاته إلى اللاتينية والعبرية، وبناء عليه تأسس تيار فى فرنسا وايطاليا اسمه «الرشدية اللاتينية» كان هو السبب فى بزوغ الاصلاح الدينى فى القرن السادس عشر والتنوير فى القرن الثامن عشر، أما العالم الاسلامى فقد أبعد ابن رشد واستند إلى ابن تيمية، وبناء عليه تأسس التخلف بلا عائق وشاع التكفير مع التخلف.
وفى عام 1979 عقد مؤتمر دولى فى القاهرة تحت عنوان «الإسلام والحضارة» وألقيت بحثاً عنوانه «مفارقة ابن رشد» وكنت أقصد بها أن ابن رشد حى فى الغرب ميت فى الشرق، وأظن أن مفارقة ابن رشد هى مفارقة العالم الاسلامى ولكن فى الاتجاه المضاد وهو أن ابن تيمية حى فى الشرق وميت فى الغرب.
والسؤال بعد ذلك: أين مكانة الدعوة إلى تجديد الخطاب الدينى فى إطار المفارقتين؟
الجواب يلزمك بالاختيار.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (95) العلمانية فى زمن السيسى   الأربعاء 14 أكتوبر 2015, 6:16 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (95) العلمانية فى زمن السيسى


الثلاثاء 29 من ذو الحجة 1436 هــ 13 أكتوبر 2015 السنة 140 العدد 47062

ما مغزى عنوان هذا المقال ؟ مغزاه أنك ملزم، فى زمن الرئيس عبد الفتاح السيسى، بتناول العلمانية، إذ فى زمنه أعلن وزير الثقافة حلمى النمنم بأنه علمانى. وأظن أنه أول وزير مصرى بوجه عام، وأول وزير ثقافة على التخصيص منذ مينا موحد القطرين يصرح بأنه كذلك.

وأظن ثانياً بأنه كذلك لأنه حدد ميدان المعركة بأنها ضد الاسلام السياسى، أى ضد الأصولية الاسلامية التى نشأت فى عام 1928، وهو العام الذى تأسس فيه حزب الاخوان المسلمين. وأظن ثالثاً أن من شأن اعلان وزير الثقافة أن تتحول العلمانية إلى تيار، ومن ثم يكون فى إمكانها التغلغل فى مؤسسات الدولة وفى الأحزاب السياسية. وأظن رابعاً أن العلمانية ليست معركة مصر وحدها إنما معركة سكان كوكب الأرض فى مواجهة الأصوليات الدينية التى نشأت فى النصف الثانى من القرن العشرين، وزعمت أن مهمتها القضاء على العلمانية بالإرهاب.
ومن هنا عَقدتُ ندوة دولية فى أغسطس 1988 فى إطار انعقاد المؤتمر الفلسفى العالمى الثامن عشر ببرايتون بانجلترا وكان عنوانها «الأصولية والعلمانية فى الشرق الأوسط المعاصر». وقد فوجئت بأن الأكاديمية الأمريكية للآداب والعلوم قررت فى نفس ذلك العام تأسيس «المشروع الأصولى» بتمويل من مؤسسة مكارثر على أن تصدر عن هذا المشروع خمسة مجلدات على خمس سنوات، وقد كان إلا أنها لم تكن موضع نقد أو تحليل من قِبل المثقفين العرب.
وفى عام 1994 طلب منى القس الدكتور صموئيل حبيب الذى كان فى حينها رئيس الكنيسة الانجيلية تحرير كتاب عن «الأصولية والعلمانية» على أن يكون أول كتاب تصدره «دار الثقافة» تحت عنوان «سلسلة قضايا العصر». وقد نشر الكتاب فى عام 1995 وجاء فى مقدمتى ما يلى:
«أظن أن قضية الأصولية والعلمانية» تأتى فى المقام الأول من قضايا العصر لأن ما تعانيه البشرية الآن من عنف وإرهاب وقتل وأنشطة اقتصادية غير مشروعة إنما هى تفريعات من الأصولية فى علاقتها العضوية بالرأسمالية الطفيلية. وقد انشغلت ببحث هذه القضية فاكتشفت أن جذورها ممتدة إلى عام 1790 وهو العام الذى صدر فيه كتاب ادموند بيرك بعنوان «تأملات فى الثورة الفرنسية». فهذا الكتاب هو دستور الأصوليات الدينية مع تباين أسمائها، وهو يسم التنوير بالبربرية والجهل. وإذا كان التنوير علمانى الطابع فالأصولية نقيض العلمانية. وبيان هذا التناقض هو الفكرة المحورية لهذا الكتاب.
وفى عام 1997 ارتأى صموئيل حبيب أن يدفع العلمانية إلى أقصى حد عندما قال فى مفتتح ندوة من تنظيمه أن «الله فوق الأديان». والمفارقة التى تنطوى عليها هذه العبارة تكمن فى أنها نقيض الرأى الشائع بأن الدين هو المعامل الموضوعى لله، إذ تقول إن الدين ليس هو المعادل الموضوعى لله، وبالتالى يكون الله هو المطلق والأديان نسبية، ومن ثم يمتنع على أى دين أن يزعم أنه هو المطلق. وبذلك يقفز رئيس الهيئة الانجيلية فوق أسوار السلفية والأصولية وينتهى قفزه عند العلمانية.
وفى 17/3/2001 تأسس «منتدى ابن رشد»، وفى عام 2006 عقد المنتدى أول ندوة عنوانها الرئيسى «تأسيس العلمانية فى مصر» وعنوانها الفرعى «لا ديمقراطية بلا علمانية». وصدرت أعمالها فى كتاب تحت نفس العنوان وجاء فى مقدمتى ما يلى:
إن العلمانية لم تكن تيارا فكريا فى تاريخ مصر، إنما كانت مجرد اجتهادات قام بها أفراد، ولم يخل أى منها من إجراء عملية إجهاض لفكرهم مثلما حدث لفرح أنطون بعد نشر كتابه «ابن رشد وفلسفته» عام 1903، إذ توقفت مجلته عن الصدور، ومنصور فهمى بعد مناقشة رسالته فى جامعة السوربون فى أول ديسمبر 1913 عن «حال المرأة فى الاسلام» فُصل من الجامعة المصرية، والشيخ على عبد الرازق بعد نشر كتابه «الاسلام وأصول الحكم» فى عام 1925 كُفروصودر كتابه ثم حوكم وفُصل من جميع وظائفه، وطه حسين بعد نشر كتابه «فى الشعر الجاهلى» حوكم وكُفر وصودر كتابه، ونجيب محفوظ بعد نشر روايته «أولاد حارتنا» مُنعت من التداول فى الأسواق وكاد أن يقتل، أما فرج فودة فقد قُتل بعد إعلانه أنه علمانى، ونصر حامد أبو زيد صدر حكم بالتفريق بينه وبين زوجته بسبب دعوته إلى إعمال العقل فى النص الدينى، أى تأويله.
ولهذا كانت الغاية المنشودة من هذه الندوة أن تتحول هذه الاجتهادات الفردية المُجهضة عن العلمانية إلى ـ تأسيس لها.
ومن بعدها عقدنا أربع ندوات أخرى: الثانية بعنوان «العلمانية والدستور» (2007) والثالثة بعنوان «العلمانية وقضايا الاصلاح فى مصر» (2008) والرابعة بعنوان «العلمانية طاردة للتعصب» (2009). وفى هذه الندوة جاءت التوصية بضرورة تأسيس منتدى للعلمانيين يضم عناصر من خارج المنتدى لإجراء حوار بين جميع التيارات الفكرية لإزالة التشوهات التى أُلصقت بالعلمانية من التيارات الأصولية.
وتأسيساً على ذلك كله يمكن القول بأن الصراع القادم فى القرن الحادى والعشرين لن يكون إلا بين الأصولية والرأسمالية الطفيلية من جهة والعلمانية والرأسمالية المستنيرة من جهة أخرى.
ومع ذلك فثمة فيلسوف آخر كندى اسمه تشارلس تيلور أصدر مجلداً ضخماً عنوانه «عصر علمانى» ( 1999) أعلن فيه أننا نحيا بالفعل فى هذا القرن فى عصر علمانى، ولكنه محصور فى الدول الغربية الحديثة التى فكت الاشتباك بين المطلق والنسبى، ومن ثم أصبحت قادرة على احتضان المؤمنين وغير المؤمنين. وبقى على البلدان الاسلامية وافريقيا بأن تسير على منوال الدول الغربية. وأظن أن هذا هو التحدى الحضارى لهذه البلدان. فهل فى إمكانها مواجهة التحدى؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (96) الإيمان والإلحاد   الأربعاء 21 أكتوبر 2015, 3:52 am



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (96)
الإيمان والإلحاد


الثلاثاء 7 من محرم 1437 هــ 20 أكتوبر 2015 السنة 140 العدد 47069


فى شهر أغسطس من هذا العام وأمام «بلاكويل» أكبر دار نشر على كوكب الأرض تم الاعلان عن محاضرة يلقيها أشهر فيلسوف ملحد فى هذا القرن ريتشارد دوكنز فى الساعة السابعة من مساء 22 أكتوبر من هذا العام على أحد مسارح أكسفورد وتذكرة الدخول ثمنها خمسة جنيهات. وعنوان المحاضرة «شمعة مضيئة فى الظلام لفترة وجيزة: حياتى هى العلم». ومعنى ذلك أن الالحاد ظاهرة انسانية فى طريقها إلى الشيوع فى العالم الغربى، وهذا على النقيض مما يحدث فى العالم الاسلامى حيث الاتهام بالالحاد يفضى إلى قتل صاحبه بالضرورة . وما يحدث فيه الآن مماثل لما كان يحدث فى أثينا فى القرن الرابع قبل الميلاد عندما اتهم سقراط بأنه ينكر الآلهة ويفسد عقول الشباب وحكم عليه بالاعدام ولكنه رفض الهروب ونفذ.
والأصوليه فى العالم الاسلامى تمارس فى هذا القرن ما مارسته أثينا مع سقراط ولكن مع القتل دون محاكمة، ومع ذلك ففى القرآن الكريم ثمة آية كريمة تقول: «فمن شاء فليؤمن ومَنْ شاء فليكفر». والمعنى أن الايمان أو الالحاد من صنع الارادة البشرية فأنت وما تشاء من أن تكون مؤمناً أو أن تكون ملحداً. وهذا هو المعنى الوارد فى كتاب دوكنز المعنون ز وَهم الله (2007) وقد يكون العنوان مقلقاً ولكن مع القراءة يبدو على غير ذلك. فهو يفتتحه بالمعارضين لالحاده ولكنه يرد عليهم بنكهة هى نسيج وحدها. فقد قيل له أنت مثل الأصولى الذى تنتقده، وكان جوابه أن هذه المساواة خاطئة. صحيح أن لكل منهما حمية فى الدفاع عن رأيه، إلا أن حمية الأصولى لا تسمح له بتغيير ذهنه حتى لو كانت الأدلة صارخة ضد معتقده أما حمية دوكنز فهى تسمح بتغيير رأيه إذا ثبت العكس بالأدلة، ثم استطرد قائلاً: «أنا ملحد» ولكن الدين موجود ليبقى فعليك اذن أن تتعايش معه، ثم كرر قائلاً: أنا ملحد ولكن البشر فى حاجة إلى دين، ما البديل؟ كيف يمكنك اراحة الثكلى واليتامى؟ كيف يمكنك ملء الفراغ؟ إن رجل الشارع فى حاجة إلى الدين.
وفى يناير 2006 عندما طُلب من دوكنز الحديث فى القناة الرابعة بالتليفزيون البريطانى عن «الدين أصل كل الشرور» امتعض من العنوان وطالب بتغييره بدعوى أنه من المحال أن يكون الدين كذلك، ولكنه فوجئ باعلان من القناة الرابعة فى الصحف القومية تمهيداً لحديثه جاء على النحو الآتى: تصور عالماً بدون دين، تصور عالماً يخلو من القنابل البشرية الانتحارية. تصور عالماً يخلو من أحداث 11/9، ويخلو من اضطهاد اليهود ، ويخلو من طالبان التى تنسف الآثار القديمة وتقتل الكفار».
وإذا ارتعبت من هذه التخيلات فعليك أن تتساءل عن كيفية ايمانك بدين معين. إنه قد تم منذ الطفولة، إذ رباك والداك على أن دينهما هو الدين الحق وأن غيره من الأديان باطل، ومن هنا ينتهى دوكنز إلى نتيجة مذهلة وهى أنه ليس ثمة طفل مسلم أو طفل مسيحى إنما ثمة طفل لوالدين مسلميْن أو مسيحييْن، وأنا أضيف الآتى: سألت المعلمة طفلاً فى رياض الأطفال بالقاهرة: هل أنت مسيحى أم مسلم؟ وجاء جوابه: أنا أهلاوى لأنه كان من هواة مشاهدة كرة القدم فى التليفزيون.
ودوكنز يريد من ذلك أن يصل إلى تناول ظاهرة الالحاد بلا عصبية لأنها ظاهرة صحية، إذ هى مؤشر على الزهو باستقلال العقل وبجسارته فى الخروج على الشائع والمألوف، ومع هذه الجسارة يتساءل العقل عما إذا كان فى إمكانه حسم الاختيار بين الايمان والالحاد. وكان الفيلسوف الألمانى العظيم كانط سباقاً فى إثارة هذا السؤال وانتهى منه إلى أن العقل يقف عاجزاً أمام حسم الاختيار لأن البراهين على وجود الله مماثلة فى قوتها للبراهين على عدم وجود الله.
والسؤال بعد ذلك:

هل فى الامكان الخروج من هذه الاشكالية؟
جاء الجواب من فيلسوف فرنسى اسمه بليز بسكال وجوابه اسمه «رهان بسكال» ومفاده أنه إذا لم يكن فى الامكان حسم الاختيار بين وجود الله وعدمه فلنراهن على أنه فى حالة الاقرار بوجوده فأنت تكسب الآخرة أما فى حالة الاقرار بعدم وجوده فأنت لن تخسر شيئاً.
وجاء جواب آخر من أينشتين ، إذ قال: «إن التدين لا يعنى إلا أمرا واحدا وهو أنه وراء أى شئ يكون موضع تجربة ثمة شئ ليس فى إمكان عقلنا قنصه ولكن جماله وعظمته يصلان إلينا بطريقة غير مباشرة على هيئة انعكاس باهت». ودوكنز يوافق أينشتين على هذا المعنى ويقول «أنا أيضا متدين ولكن مع تحفظ واحد وهو أن عبارة «لايمكن قنصه» يجب ألا تعنى «عدم قنصه إلى الأبد». ومع ذلك فإن دوكنز يرفض أن يقال عنه إنه متدين بهذا المعنى لأنه معنى مضلل بسبب أن مفهوم الدين عند الغالبية العظمى من البشر يتضمن القول بأنه مفارق للطبيعة.
اذن المسألة كلها بين الايمان والالحاد محصورة فى تعدد الرؤى لمفهوم الله. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الاتهام بالالحاد موجه إلى مفهوم معين عن الله. ولا أحد فى إمكانه الزعم بأنه يمتلك المفهوم المطلق عن الله إلا إذا كان أصولياً. ومن هنا يكون الأصولى وليس المتدين هو المروج للالحاد. أما عند دوكنز فأنا أظن أن المسألة كلها لا تكمن فى مفهوم الله بقدر ما تكمن فى الاحساس بنشوة عظمى فى أنه يعيش فى زمن يتميز بالاندفاع نحو تحطيم حدود المعرفة أو بالأدق فى زمن نحن فيه على وعى بأنه ليس ثمة حدود.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (97) السيسى واختياراته السياسية   الأربعاء 04 نوفمبر 2015, 8:00 pm





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (97) السيسى واختياراته السياسية
الثلاثاء 14 من محرم 1437 هــ 27 أكتوبر 2015 السنة 140 العدد 47076


إثر لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسى والرئيس بوتين قيل إن مصر تتجه شرقاً. وأظن أن هذا القول من مخلفات الحرب الباردة التى بدأت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، إذ قيل فى حينها أن كوكب الأرض قد انقسم إلى شرق وغرب، إلى كتلة شيوعية شرقية وكتلة رأسمالية غربية. وكانت ألمانيا تقف فى مقدمة هذه القسمة وذلك عندما انقسمت إلى ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية، وتم بناء حائط برلين للتعبير عن هذه القسمة. ومن هنا استقطٌب كوكب الأرض فى قوتين عظميين هما الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة الأمريكية. وكانت الرؤية السائدة فى حينها هى رؤية ستالين، إذ كان من رأيه أن بلدان أوروبا الشرقية المحتلة من القوات السوفيتية من نصيب السوفييت. أما البلدان المحتلة من أمريكا وبريطانيا فهى من نصيبهما. وكانت هذه الرؤية موضع قبول ورضا من القوتين. ومع ذلك فقد واجهت هذه الرؤية إشكالية هى على النحو الآتى: أن القوة العسكرية للاتحاد السوفيتى تفوق القوة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية، فى حين أن أمريكا تملك القنبلة الذرية. ومن هذه الزاوية تكون متفوقة على الاتحاد السوفيتى. إلا أن ستالين تجاهل هذه الاشكالية بسبب اعتقاده أن ثمة عوامل ثابتة من شأنها إضعاف قوة القنبلة الذرية بدعوى أن هذه القوة عابرة، أما العوامل الثابتة فهى تعبر عن قانون ثابت يتحكم فى الظواهر الاجتماعية وهو ما يتفق مع الايديولوجيا الماركسية، أما ما هو عابر فلا وزن له إذا نشبت حرب أخرى، إذ سرعان ما يحتل السوفييت أوروبا الغربية بتأييد من الطبقة العاملة.
والرأى عندى أنه مع بزوغ الأصوليات الدينية فى النصف الثانى من القرن العشرين أصبحت لدينا قوى جديدة لم تكن موضع اهتمام فى شأن تأثيرها على قواعد الحرب الباردة. ولا أدل على ذلك من أن جيمى كارتر رئيس أمريكا أصدر قراراً فى يناير 1979 بتدعيم حركة طالبان عسكرياً فى مواجهة الغزو السوفيتى لأفغانستان. وكانت الحركة هى المعبرة عن الأصولية الاسلامية، إلا أنها لم تكن موضع دراسة من حيث الغاية التى تنشدها. وكان الرأى عندى أن هذه الغاية متبلورة فى ضرورة الاستيلاء على كوكب الأرض لإحياء الخلافة الاسلامية.
وفى عام 1986 أسهمت فى تنظيم مؤتمر دولى مع الفيلسوف الأمريكى جون سومرفيل فى مدينة سانت لويس بأمريكا لإجراء حوار بين الفلاسفة السوفييت والأمريكان من أجل تخفيض حدة التهديد بحرب نووية أو بما كانت تسمى بــــ« حرب النجوم«. وفى ذلك المؤتمر كان رأيى أن الأصولية الاسلامية تنشد فى البداية تدمير الاتحاد السوفيتى بدعوى أنه ملحد ثم تنقض بعد ذلك على أمريكا بدعوى أنها دولة استعمارية ومستنزفة لدول العالم الثالث الذى تبلورت فيه حركة «دول عدم الانحياز». ولم يكن رأيى موضع قبول إذ قيل فى حينها إننى متشائم وإن التيار العقلانى أقوى من التيار الأصولى. إلا أن الأحداث بعد ذلك أيدت ما كنت أذهب إليه. ففى عام 1989 انهار حائط برلين وانهارت معه ألمانيا الشرقية عندما ذابت فى ألمانيا الغربية. وفى عام 1991 انهار الاتحاد السوفيتى وانهارت معه الكتلة الشرقية. إلا أن أمر الانهيار لم يقف عند هذا الحد بل امتد إلى الكتلة الغربية وفى مقدمتها أمريكا بسبب أحداث 11/9 حيث انهار مركز التجارة العالمى بقنبلتين من قنابل الأصولية الاسلامية. ومن يومها والانهيار متواصل ليس فقط فى أمريكا وكندا وأوروبا الغربية بل فى مدن أخرى. وكان الارهاب هو الوسيلة إلى انجاز هذا الانهيار. وقد فطن إلى ذلك كله الرئيس عبد الفتاح السيسى عندما تسلم السلطة فى يونيو 2014 ودعا إلى تحالف دولى للقضاء على الارهاب من أجل منع حرق كوكب الأرض على حد تعبيره. ومن هنا أصبح معياره فى التعامل مع الدول يستند إلى مدى قبول الدول لرؤيته. ولم يكن فى ذلك محكوماً بدول شرقية أو دول غربية. ومن هنا أيضاً لم يكن لقاؤه مع بوتين على أنه شرقى إنما على أنه محارب ضد الارهاب. ولم يكن لقاؤه مع الرئيس الفرنسى فرانسوا هولاند على أنه غربى إنما على أنه مثل بوتين محارب ضد الارهاب. ولا أدل على ذلك من أن الرئيس عبد الفتاح السيسى لم يذهب إلى أفغانستان أو إلى باكستان مع أنهما دولتان شرقيتان.
إذن القول بالاتجاه شرقاً هو من قبيل الوهم
والسؤال اذن:

ما سبب هذا الوهم؟
سببه مردود إلى سوء فهم مغزى مصطلح «الكوكبية» الذى بدأ صعوده مع التسعينيات من القرن الماضى، وتوهم المثقفون العرب بوجه عام والمثقفون المصريون بوجه خاص أنها أعلى مراحل الاستعمار الغربى فى أنها كانت أعلى مراحل الثورة العلمية والتكنولوجية. وفى عام 1968 قامت ثورة الطلاب فى أوروبا وفى أمريكا فتأسس «نادى روما» بتجمع مائة مفكر من ثلاثة وخمسين يمثلون ثقافات وايديولوجيات متباينة ولكن يجمعهم هَم واحد وهو إنقاذ البشرية من الورطة التى أصابتها. وعندئذ قرر النادى فى عام 1990 إعادة النظر فى رسالته فأصدر كتاباً عنوانه الرئيسى «الثورة الكوكبية الأولى» وعنوانه الفرعى «استراتيجية لبقاء العالم» ( 1991) من أجل تأسيس مجتمع كوكبى جديد يقوم على «التعايش معاً» و «قبول التعددية». والأصولية هى العائق. إلا أن نادى روما لم ينشغل فى ذلك الكتاب بظاهرة الارهاب وإن كان لفظ «ارهاب» قد ورد عرضاً فى إطار حديثه عن بزوغ حركات لا عقلانية لأنه لم يكن قد طفا على سطح كوكب الأرض إلا فى أحداث 11/9، إذ أصبح الارهاب بعدها ظاهرة كوكبية. ومن هنا أصبحت اختيارات الرئيس عبد الفتاح السيسى معيارها معاداة الإرهاب.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (98) صناعة المستقبل   الأربعاء 04 نوفمبر 2015, 8:09 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (98) صناعة المستقبل


الثلاثاء 21 من محرم 1437 هــ 3 نوفمبر 2015 السنة 140 العدد 47083


أظن أن عنوان هذا المقال يبدو صادما، إذ كيف تصنع شيئاً أنت لا تراه؟ قد يقال جواباً عن هذا السؤال إن العنوان ليس صادما بدعوى أن مستقبلنا محكوم بماضينا، ومن ثم فلا جديد تحت الشمس على حد تعبير سليمان الحكيم. وإذا كان ذلك كذلك فحذف المستقبل يكون لازما. ويترتب على هذا اللزوم أن يكون الزمان مكونا من آنينْ: الماضى والحاضر، بل من آن واحد هو الماضى. قد تندهش من هذه النتيجة، إلا أن هذه الدهشة يمكن أن تزول إذا كنت على وعى برؤية الأصوليات الدينية، إذ إن رؤيتها، على تنوعها، هى رؤية ماضوية لأنها تشتهى عودة «زمن ذهبى» كان قد مات والمطلوب إحياؤه، وهى فى شهوتها مندفعة إلى قتل مَنْ يقاومها.
والسؤال اذن:

مَنْ الذى يجرؤ على هذه المقاومة؟
إنه الذى يقف ضد حذف المستقبل لأن الماضى نفسه كان فى الأصل مستقبلا، وعندما تحقق واستنفد تحققه تحول إلى ماض وتوارى إلى الحد الذى لم يعد قادرا على رؤية أصله عندما كان مستقبلا.
والسؤال اذن:

كيف نداوى هذا العجز عن رؤية المستقبل فى الماضى؟
الجواب يكمن فى الإنترنت. كيف؟ ولكن قبل الجواب أتساءل: ما الإنترنت؟ والجواب عن هذا السؤال وارد فى كتاب صدر لاثنين من كبار مسئولى مؤسسة جوجل أحدهما هو الرئيس التنفيذى واسمه إريك شميت، والآخر هو مدير مسئول المؤسسة واسمه جارد كوهين. والعنوان الرئيسى للكتاب «العصر الرقمى الجديد»، والعنوان الفرعى إعادة تشكيل مستقبل الشعوب والأمم ورجال الأعمال (2013). ومغزى العنوانين أن المستقبل صناعة بشرية. ومن هنا كان لفظ «مستقبل» وارداً فى جميع فصول الكتاب وعلى النحو الآتى: مستقبل أنفسنا، مستقبل الهوية، مستقبل الدول، مستقبل الثورة، مستقبل الإرهاب، مستقبل الصراع. واللافت للانتباه هاهنا هو أن كل هذه المستقبليات سببها الإنترنت ومعناها الكل المترابط. والمفارقة هنا أن الانسان قد أبدعها دون أن يفهمها لأنه فوجئ بأنها تنطوى على فوضى ليست محكومة بقوانين. وسبب الفوضى مردود إلى حرية التعبير مع حرية الحركة بلا قيود فى فضاء خارج الحدود. وأنا بدورى أقول عن هذا الفضاء إنه رمز على موت المسافة زمانياً ومكانياً مع تفاعل البشر كوكبياً إلى الحد الذى يفرز فيه هذا الفضاء إبداعات تحيل الخيال إلى واقع كأن تتخيل سيارة بلا سائق، أو روبوت انسان آلى- يفكر ويبدع، وسلطة فرد أقوى من سلطة دولة. وكل ذلك من شأنه أن يدفع الدول إلى وضع سياسة فضائية تواجه بها هذا الذى يحدثه الإنترنت من تأثير ليس فقط على النخبة إنما أيضاً على الجماهير سواء بالايجاب أو بالسلب. وأظن أن هذه هى المرة الأولى فى تاريخ كوكب الأرض التى فيها ينعدم التمايز بين النخبة والجماهير. ففى كينيا على سبيل المثال تعيش القبائل بلا كهرباء ولا ماء ومع ذلك تحمل موبايلات بلا تمايز بين مثقف وجاهل. وأظن كذلك أنها المرة الأولى التى تتوارى فيها الخصوصية، إذ كل شىء قابل لأن يكون معلوما. ومن هنا لن تكون البيروقراطية فى مأمن من معرفة ما تبطنه أو تخفيه، وكذلك الخطط السرية التى ترسمها الحكومات والدول. ومن هنا ينشأ تناقض حاد بين الحرية والأمن، الأمر الذى يلزم منه ابتداع توليفة جديدة بينهما إذا شئنا إزالة هذا التناقض. وهذا لن يكون ممكنا إلا إذا أصبح الابداع حالة ذهنية طبيعية وليس حالة ذهنية استثنائية وذلك بسبب شيوع التناقضات فى العصر الرقمى الجديد. ولا أدل على ذلك من اصرار الرئيس عبد الفتاح السيسى على القول بأن المشكلات التقليدية التى ورثناها لن تحل إلا بفكر مبدع. ولا أدل على ذلك أيضاً من أن ثورات الربيع العربى المتمثلة بدايتها فى عالم افتراضى ما أن يتحقق ويصبح عالما واقعيا حتى يجد نفسه بلا قيادة ثورية لأنها عاجزة عن ابتداع وضع قادم بديلا عن وضع قائم. ومعنى ذلك أن تكنولوجيا الاتصالات المتمثلة فى الفيس بوك ليس فى إمكانها إلا اسقاط الدكتاتور.
وقد أجرى مؤلفا كتاب «العصر الرقمى الجديد» حواراً مع هنرى كيسنجر وموجزه على النحو الآتى:
«من الصعب أن تتخيل الآن أن يكون لزعيم مثل ونستون تشرشل أو شارل ديجول جاذبية على شاشة الفيس بوك فى عصر محكوم بظاهرة الإنترنت، أى محكوم بالكل المترابط. ومن هنا يكون من الصعب رؤية انسان مستعد لأن يقف بمفرده وتكون لديه القدرة على أن يكون كذلك». ثم إن المواطن المفوض يكون على وعى بالتكنيك الذى يدفع الجماهير إلى الميدان، ولكنه ليس على وعى بما يمكن فعله معهم عندما يكونون فى الميدان. ومن ثم تتحول الجماهير التى كانت عنصرا أساسيا فى الثورة إلى عنصر ثانوى لأن رؤيتها المحصورة فى تدمير الوضع القائم تفقد فاعليتها فى استدعاء وضع قادم. وأنت لن تستطيع استدعاءها عشرين مرة فى العام. ومن هنا فإن تاريخ الثورات هو ملتقى رفض لوضع قائم واختيار أحد امرين: إما فوضى أو بناء سلطة. وفى رأيه أن سبب ذلك مردود إلى غياب ثقافة الديمقراطية فى ثورات الربيع العربى.وهنا سؤال لابد أن يثار:
هل ثقافة الديمقراطية غائبة أم هى أصلاً لم تكن حاضرة فى زمن مضى ثم غابت؟
جوابى أنها لم تكن موجودة أصلاً حتى تغيب. وسبب عدم وجودها أن الديمقراطية ليست ممكنة بدون علمانية. والعلمانية حتى الآن هى علمانية أفراد وليست علمانية تيار. وعلمانية تيار مرهونة بالمثقفين، والمثقفون مصابون بسبات دوجماطيقى بسبب تعاطيهم حقائق مطلقة لا تصلح إلا أن تكون مددا للأصوليات الدينية التى هى سبب الإرهاب.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (99) علمانية كوكب الأرض   الأربعاء 11 نوفمبر 2015, 1:22 am





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (99) علمانية كوكب الأرض


الثلاثاء 28 من محرم 1437 هــ 10 نوفمبر 2015 السنة 140 العدد 47090


هذه العبارة كان من الممكن قولها فى القرن السادس عشر عندما أعلن العالم الفلكى البولندى نقولا كوبرنيكس (1473- 1543) فى كتابه المعنون «فى الحركات السماوية» (1543) أن الأرض تدور حول الشمس بديلاً عن نظرية بطليموس القائلة بأن الأرض ثابتة والشمس تدور حولها ومعها الأجرام. وقد قيل أولاً عن هذا الكتاب إنه يفصل بين نهاية العصور الوسطى المظلمة وبداية العصور الحديثة. وقيل ثانياً إنه أقوى تأثيراً من استيلاء الأتراك على القسطنطينية ومن اكتشاف كولومبس أمريكا. وقيل ثالثاً إنه يشير إلى موت عالم ومولد عالم جديد. والجدير بالتنويه هاهنا أن كوبرنيكس كان قد انتهى من تأليف كتابه فى عام 1530 ومع ذلك لم ينشره إلا فى عام 1543 وهو على فراش الموت فاقد الوعى.
والسؤال اذن: لماذا التأخير فى النشر؟
لم يترك لنا كوبرنيكس كتاباً عن سيرته الذاتية حتى يمكن معرفة الأسباب التى دفعته إلى ذلك التأخير، ولكنه ترك لنا مفتاحاً نفتح به باب الأسرار وندخل بعده إلى باب المعرفة. وهذا المفتاح يكمن فى الرسالة التى افتتح بها كتابه، وهى رسالة موجهة إلى البابا بولس الثالث جاء فيها أنه على يقين من أن ثمة بشراً على استعداد لادانته وادانة آرائه إلا أنه على وعى بأن الفيلسوف لا يكترث بحكم الجماهير بل يكترث بالبحث عن الحقيقة وعن إعلانها عند الضرورة. وهو لهذا لا يحاكى الفيلسوف اليونانى فيثاغورس من القرن السادس قبل الميلاد فى المحافظة على سرية نظرياته ومن بينها نظرية دوران الأرض حول الشمس التى كان قد أعلنها لأتباعه وذلك خوفاً على حياته وحياة أتباعه، وقد كان، إذ بمجرد تخلى تلاميذه عن المحافظة على السرية أحرقت الدار الذى كان يجتمع فيها فيثاغورس. وقيل إنه كان متغيباً عن الدار يوم الحريق.
على النقيض من فيثاغورس كان كوبرنيكس، إذ رفض المحافظة على سرية نظريته عن دوران الأرض ولكن مع محاولة التخفيف من الصدمة فقال فى رسالته إلى البابا بأن الذى دفعه إلى الأخذ بهذه النظرية أن معادلاتها الرياضية أبسط من معادلات نظرية ثبات الأرض. ومع ذلك فإن هذا التبرير الرياضى لم يكن موضع اهتمام من السلطة الدينية، إذ كان اهتمامها منصباً على النظرية ذاتها من حيث إنها مناقضة لآيات الكتاب المقدس. إلا أنها لم تعلن عداءها حتى جاء جاليليو وأعلن تأييده للنظرية، فأعلنه ديوان الفهرست المكلف بمراقبة الكتب الخطرة فى 25 فبراير 1616 بأن يمتنع عن الجهر برأيه. وفى 5 مارس من نفس العام قرر ديوان الفهرست تحريم كتاب كوبرنيكس. وفى 13 فبراير من عام 1918 حوكم جاليليو بتهمة الخروج على الدين بنظرية كاذبة ومنافية للكتاب المقدس، وطلب منه إنكارها فأنكر وأقسم وهو راكع على ركبتيه. وكان فى حينها الفيلسوف الفرنسى ديكارت ولقبه «أبو الفلسفة الحديثة» يحرر كتاباً عنوانه « العالم» اصطنع فيه القول بدوران الأرض، ولكنه عندما علم بإدانة جاليليو امتنع عن نشر كتابه الذى لم ينشر إلا بعد وفاته بسبع وعشرين عاماً .
والسؤال اذن: لماذا انزعجت السلطة الدينية من نظرية دوران الأرض؟
جوابى على النحو الآتى:
إذا لم تكن الأرض مركزاً للكون فإن الانسان أيضا لن يكون مركزاً للكون. وإذا لم يكن الانسان مركزاً للكون فإنه لن يكون قادراً على أن يكون مالكاً للحقيقة المطلقة. وإذا لم يكن قادراً على أن يكون كذلك فتفكيره يكون نسبياً بالضرورة. إلا أن السلطة الدينية، أيا كانت ملتها، تزعم أنها مالكة للحقيقة المطلقة حتى تتمكن من التحكم فى المؤمنين وذلك بمنعهم من التشكك من الحقيقة المطلقة، وإذا تشككوا فاتهامهم بالكُفر أمر لازم. ومن هنا جاء تعريفى للعلمانية بأنها «التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق»، وتعريفى للأصولية بأنها «التفكير فى النسبى بما هو مطلق وليس بما هو نسبى».
وفى عام 2007 أصدر فيلسوف كندا شارلس تايلور مجلداً ضخماً فى 800 صفحة عنوانه «عصر علمانى» يحكى فيه قصة العلمانية فى الغرب الحديث، وكانت الغاية من سرد القصة توضيح ما هو غامض فى مسار العلمانية.
وهنا يثير تايلور السؤال الآتى: أين تكمن العلمانية؟ هل هى فى الدولة أم فى النسق الثقافى؟
جوابه أنها تكمن فى النسق الثقافى. ولا أدل على ذلك من أن المجتمعات قبل العصر الحديث كانت مؤسسة على الله، أى على حقيقة مطلقة. أما بعد العصر الحديث فقد تحررت من هذا الأساس، ومن ثم أصبحت الكنائس مستقلة عن الأبنية السياسية، وأصبح الدين مسألة خاصة كما أصبح المجتمع مكوناً من المؤمنين وغير المؤمنين. وفى صياغة أوضح يمكن القول بأنه فى المجتمعات العلمانية يمكنك أن تنخرط فى السياسة تماماً دون اقحام الله. والنتيجة المترتبة على ذلك أن المجتمع برمته ينخرط فى عملية تغيير النسق الثقافى، ويصبح الايمان بعد ذلك أحد الخيارات الانسانية أو أحد خيارات الحياة. والفيلسوف الألمانى العظيم كانط هو نموذج على هذه النتيجة، إذ ارتأى أن الانسان من حيث هو كائن عاقل فى إمكانه صياغة القوانين التى بها يحيا من غير قهر.
العلمانية اذن تعنى ازدهار الخيارات البشرية بلا توقف وبلا حدود، ويكون الاختيار السائد تدمير حوائط الجيتو الدينية وبالتالى تدمير الحواجز بين الجماعات الدينية. إلا أن نقطة الضعف فى تفكير تايلور كامنة فى أنه لم يلتفت إلى العلاقة العضوية بين دوران الأرض والعلمانية على نحو ما انتهيت إليه من أن من ينكر العلمانية فإنه ينكر دوران كوكب الأرض، ومن هنا يكون سكان كوكب الأرض علمانيون بالضرورة.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15119
نقاط : 25244
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (100) الإبداع وسلام العالم   الأربعاء 18 نوفمبر 2015, 3:13 am





رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (100) الإبداع وسلام العالم


الثلاثاء 5 من صفر 1437 هــ 17 نوفمبر 2015 السنة 140 العدد 47097


الكل ينشد السلام كوضع قادم، والكل يعانى من الحرب كوضع قائم. ولا أدل على ذلك من أن اللجنة النرويجية المختصة بمنح جائزة نوبل للسلام قد قررت فى عام 2001 الاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس الجائزة ومن ثم دعت الحاصلين على هذه الجائزة، للحضور إلى أوسلو لمدة أسبوع فى الفترة من 6 إلى 11 ديسمبر للمشاركة فى مأدبة تحت عنوان صراعات القرن العشرين وحلولها فى القرن الحادى والعشرين. الجائزة تحليل الماضى أما مهمة الأكاديميين فكانت ابداء الرأى عن المستقبل.
وكان المتحدث الرئيسى فى تلك المأدبة رئيس كوريا الجنوبية كيم داى يونج والحائز على جائزة نوبل للسلام فى عام 2000. فكرته المحورية أن صراعات القرن العشرين مردودة إلى سببين: النزعة القومية والايديولوجيا. النزعة القومية مازالت قائمة وعلى التخصيص فى الشرق الأوسط. أما الايديولوجيا التى كانت سائدة فى زمن الحرب الباردة فقد توارت مع بقايا متناثرة فى شبه الجزيرة الكورية بسبب الصراع بين كوريا الشمالية والجنوبية. وبعد ذلك سرد كيم مسار التقدم التكنولوجى ابتداء من الثورة الزراعية التى حدثت منذ عشرة آلاف عام حتى ثورة المعلومات فى القرن الحادى والعشرين. أما الكوكبية فقد كان فى إمكانها تحسين الموقف المادى للغالبية العظمى من سكان كوكب الأرض، إلا أنها أفرزت تحديا هائلا يهدد بتوسيع الهوة بين الأغنياء والفقراء، كما يهدد بتوغل الارهاب الذى لا يمكن فهمه إلا من خلال هذه الهوة. أما سلام العالم فى القرن الحادى والعشرين فلن يكون ممكناً إلا بعد إزالة الفقر وإقامة الديمقراطية.
وقبل عامين من الاحتفال المئوى بجائزة نوبل للسلام كانت الجمعية الفلسفية الأفروآسيوية التى أشرُف بأن أكون مؤسسها ورئيسها الشرفى سباقة فى المشاركة فعقدت مؤتمرها الفلسفى الدولى بالقاهرة بالتعاون مع اليونسكو، وجاء فى رسالة مديرها فدريكو مايور أن موضوع المؤتمر لا يباريه فى الأهمية أى موضوع آخر لأنه لصيق الصلة بمستقبل البشرية. فلأول مرة فى التاريخ تخترع البشرية أسلحة نووية هى أسلحة موتها. ومع أن البشرية لم تمت إلا أنها ابتليت بصراعات من قبل ايديولوجيات قومية عنصرية وحركات دينية متطرفة. وليس من سبيل للخروج من هذه المأساة سوى ايقاظ العقل النائم لينتقل من ثقافة الحرب إلى ثقافة السلام إلا أن هذه اليقظة لن تتم إلا بالتعليم الذى مهمته ايقاظ القدرات الابداعية لكل انسان. واليونسكو فى انتظار تأملاتكم عن العلاقة بين الابداع وسلام العالم.
والرأى عندى فى شأن هذه العلاقة هى على النحو الآتى:
فى 9 يوليو 1955 انعقد مؤتمر صحفى فى لندن لاعلان منفستو أينشتين- رسل. وقد اعتمد هذا المنفستو أعظم علماء العالم حيث أبدوا احساساً عميقاً بمخاطر أسلحة الدمار الشامل وبضرورة البحث عن حل جذرى لأن النوع الانسانى مهدد بالموت. ومن هذه الزاوية فإن المنفستو ينطوى على إشكاليتين. الاشكالية الأولى كامنة فى أن العلماء وهم يخترعون أسلحة الدمار الشامل يخترعون فى الوقت نفسه كيفية فناء البشرية. ومن هنا فإن ثورة العلماء على أنفسهم ضرورية لأنهم هم وحدهم المسئولون عن فناء البشرية. أما الاشكالية الثانية فكامنة فى ازدواجية انتماء العالِم.فهو من جهة ينتمى إلى وطن أو إلى عقيدة ومن جهة أخرى ينتمى إلى النوع الانسانى.
وفى مفتتح أول مؤتمر عالمى عن السلام فى باريس فى عام 1945 قال العالم الفرنسى فردريك جوليو كورى: «لقد جئنا إلى هنا لا لنطالب بإرساء السلام بل لفرض السلام على تجار الحروب».
والسؤال إذن: كيف نفرض السلام؟
أستعين فى الجواب عن هذا السؤال بتصورين وردا فى السياق السابق: النوع الانسانى والسلام. يتميز النوع الانسانى بعقل هو سيد نفسه ضد أى قهر أو تعصب. وحيث إن هذا أو ذاك هو سبب الحرب فالعقل اذن يرفض الحرب. وإذا كانت الحرب تستلزم عدواً لمحاربته.
فالسؤال إذن: مَنْ هو العدو ؟
إنه المحرم المقدس، وهو من صنع عقل الانسان النسبى ولكنه مع كونه مقدساً فإنه يرقى إلى المطلق. والقول بمطلق نسبى ينطوى على تناقض حاد مرفوض.وهو أمر من شأنه أن يدفع العقل إلى ايجاد مطلق آخر يدخل بدوره فى عداوة مع المطلق الأول، ومن ثم ينشأ ما أُطلق عليه صراع المطلقات وهو أصل الحروب. وإذا كان المطلق على علاقة عضوية بالحقيقة فالحقيقة مطلقة بالضرورة. والسلطة الدينية، تاريخيا، على علاقة عضوية بالحقيقة المطلقة. وهى من هذه الزاوية مكلفة بتكفير من يقف ضدها. وإذا كان التكفير ضد الابداع فهو بالتالى ضد العقل. لأن العقل مبدع بحكم ابداعه للحضارة.
والسؤال بعد ذلك: هل للابداع منطق؟
إن منطق الابداع يستند إلى تعريفى للابداع وهو قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الوضع القائم استنادا إلى وضع قادم. وإذا كان الوضع القادم رؤية مستقبلية، فالمستقبل اذن كامن فى الابداع، وله الأولوية على الحاضر أو الماضى. ومعنى ذلك أننا نتحرك من المستقبل وليس من الماضى. وإذا كان المستقبل يشير إلى أن ثمة غاية. فالفعل اذن غائى. واذا كان الفعل غائبا فهو رمز على السلب لأنه ينفى الوضع القائم، ولكنه رمز على الايجاب لأنه يجسد وضعاً قادماً هو سبب تغيير الوضع القائم. ومعنى ذلك أن السبب موجود فى المستقبل وليس فى الماضى على نحو ما هو شائع.
والسؤال بعد ذلك: ما العلاقة بين منطق الابداع وسلام العالم؟
لأن العالم مهدد من قِبل الأصوليات الدينية المملوءة بالمحرمات المقدسة والمسببة لافراز العدو فإنها بالتالى تكون مسببة للحرب. ومنطق الابداع كفيل بتأسيس سلام العالم.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
رؤيتى للقرن الواحد والعشرين - مراد وهبه ... 1 : الخ
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 4 من اصل 4انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
elwardianschool :: المكتبة :: تحميل كتب :: العلوم الاجتماعية (300)-
انتقل الى: