elwardianschool


elwardianschool

مـنـتـدى مـــكـتـبــة مـدرسـة الـورديـان الـثـانـويـة * بـنـيـن...( تعليمى.متنوع.متطور )

 
الرئيسيةالبوابةبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول
نتمنى لكم قضاء وقت ممتعا و مفيدا فى المنتدى

شاطر | 
 

 رؤيتى للقرن الواحد والعشرين - مراد وهبه ... 1 : الخ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (50) لمـــــــــاذا حــــــدث 11/9   الثلاثاء 11 نوفمبر 2014, 8:48 pm



 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (50) لمـــــــــاذا حــــــدث 11/9


الثلاثاء 18 من محرم 1436 هــ 11 نوفمبر 2014 السنة 139 العدد 46726

قيل عن هذا الحدث إنه «إرهاص» وإرهاص، لغة، أمر خارق للعادة، أى خارج عن المألوف. والسؤال اذن: ماذا حدث من ظواهر خارقة عن المألوف ومهدت لأحداث 11/9، وهى تدمير مركز التجارة العالمى بنيويورك وقتل آلاف من البشر؟

 للجواب عن هذا السؤال أصدر الرئيس الأمريكى بوش قراراً فى 27/ 11/ 2002 بتشكيل لجنة برئاسة توماس كين الحاكم السابق لولاية نيوجرسي. إلا أن السؤال الخفى والذى لم يكن معلناً هو على النحو الآتي: لماذا عجزت المخابرات الأمريكية عن التنبؤ بأحداث 11/9 أو عن محاولة منع حدوثها؟
جاء فى تقرير اللجنة أنه فى فبراير 1998 ارتحل أسامة بن لادن و أيمن الظواهرى من أفغانستان إلى لندن لنشر فتوى فى جريدة عربية، مفادها أن أمريكا قد أعلنت الحرب على الله وعلى رسوله. وبناء عليه فإنه من اللازم قتل أى أمريكى على وجه الأرض، وأن هذا القتل فريضة على كل مسلم. وبعد ثلاثة أشهر علَق بن لادن على فتواه فى حوار تليفزيونى جاء فيه أن «قتل المسلمين للأمريكان أهم من قتلهم للكفار». وعندما سئُل عن مدى تأييده للإرهاب وقتل المدنيين كان جوابه أنه يعتقد أن أسوأ لصوص فى عالم اليوم، وأسوأ ارهابيين هم الأمريكان.
وجاء فى التقرير أيضاً أن بن لادن يستند فى فتواه إلى تعاليم سيد قطب. وعندما أثار الأمريكان السؤالين الآتيين: لماذا «همس يكرهوننا؟ وما العمل للحد من قتلنا؟ كان جواب بن لادن على النحو الآتي: «لقد هاجمت أمريكا الاسلام، وهى مسئولة عن كل الصراعات الموجهة ضد المسلمين». واللافت للانتباه أن أجوبة بن لادن تعبر عن رؤيته للتاريخ الإسلامى التى فيها يستدعى رؤية الأصوليين الاسلاميين الذين وجهوا اللوم إلى القيادات الاسلامية التى هجرت الطريق المستقيم، ومن ثم سمحوا بتدمير إعادة الخلافة. واستناداً إلى هذه الرؤية دعا بن لادن المسلمين إلى الاستشهاد بدعوى أن حوائط القهر ليس فى الامكان تدميرها إلا بسيل من البنادق الرشاشة. إلا أن بن لادن يرى أن هؤلاء الأصوليين، وإن كانوا قد برعوا فى أداء دورهم فى الهجوم على الاستعمار، إلا أنهم فشلوا فى تدمير «وجود» العلمانيين إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وأيا كان الأمر فإن اللافت للانتباه فى أمر أحداث 11/9 أنه لم يكن الحدث الأول الخاص بتدمير مركز التجارة العالمي، فقد سبقته محاولة فى 26 فبراير 1993 عندما وُضعت قنبلة ضخمة تحت المركز مع توقيت زمن انفجارها، وقد كان، إذ مات ستة أشخاص وجُرح أكثر من ألف. وإثر ذلك أمر الرئيس الأمريكى بيل كلينتون جميع أجهزة المخابرات بالبحث عن كيفية الرد على هذا الفعل الإرهابي. وفى العام نفسه عيَن كلينتون مديراً جديداً لمكتب المخابرات الفيدرالية الذى قال إن الارهاب هو أكبر تهديد لأمريكا، وعلينا إجهاضه قبل أن يحدث. وبناء عليه أنشأ قسماً جديداً فى مكتبه اسمه «قسم مكافحة الارهاب» وهو يقابل نفس القسم فى المخابرات الأمريكية المركزية من أجل تبادل المعلومات.
وقد فطن هذا المدير إلى وجود مفارقة فى تقرير اللجنة هى على النحو الآتي:فى بداية صيف 2001 استقبل المهندس المصرى محمد عطا معاونيه فى جنوب فلوريدا لتسهيل إقامتهم فى الفنادق، وكانت تعليماته واضحة وهى أن الكل مسئول عن تنفيذ العملية الارهابية الموجهة ضد مركز التجارة العالمى والبنتاجون والبيت الأبيض. والمفارقة هنا أن مكتب المخابرات الفيدرالية أكد فى 3/4/ 2001 أنه ليس ثمة تهديد داخلى من تنظيم القاعدة، ولكن التهديد وارد فى اختطاف أمريكان من خارج أمريكا للمساومة على الافراج عن الشيخ الضرير عمر عبد الرحمن. أما تقرير اللجنة فقد ذكر أن بن لادن قرر تدمير مركز التجارة العالمى منذ 1997. وإثر انتهاء العملية الارهابية فى 11/9 سئل بن لادن فى 20 أكتوبر 2001: ما رأيك فى أن أمريكا تزعم أن لديها أدلة على انخراطك فى أحداث نيويورك وواشنطن الارهابية؟
أجاب قائلا: «إن وصف هذه الأحداث بأنها ارهابية وصف باطل، إذ كل ما فعلناه هو نقل معركتنا ضد أمريكا إلى داخلها. وأبطالنا الشهداء هم الذين قاموا بنقل المعركة، وتدمير مركز التجارة العالمي. وإذا قيل عن قتلنا لهؤلاء الذين قتلوا فيما سبق أبناءنا إنه عمل إرهابى فليكن. وإذا شهد التاريخ على أننا ارهابيون فليكن».
والسؤال المحورى بعد ذلك هو على النحو الآتي: لماذا التزم بن لادن منذ البداية بتدمير مركز التجارة العالمي؟ وفى صياغة أخرى: لماذا كان مركز التجارة العالمى هو العدو الأول لـــ «بن لادن»؟
جوابي، استناداً إلى ما كتبه سيد قطب أستاذ بن لادن فى مؤلفيْن: أحدهما عنوانه «المستقبل لهذا الدين» (1988) والآخر عنوانه الاسلام ومشكلات الحضارة ( 1989). وموجز ما ورد فيهما أن الحضارة الغربية مصابة بمرض عقلى اسمه «الفصام النكد» وهو مرض يفصل صاحبه عن الواقع ويدفعه نحو عالم خيالى يعيش فيه. وسبب إصابة الغرب بهذا المرض مردود إلى ثلاثة عصور: عصر النهضة الذى حرر العقل من السلطة الدينية، وعصر التنوير الذى حرر العقل من كل سلطة ما عدا سلطة العقل، وعصر الصناعة الذى حرر الحضارة من عصر الاقطاع فى تلاحمه مع السلطة الدينية. وترتب على هذه العصور الثلاثة بزوغ الثورة العلمية والتكنولوجية فى القرن العشرين، وكانت الكوكبية أعلى مراحلها، والممثل لها هو مركز التجارة العالمي. ومعنى ذلك أن تدمير هذا المركز يعيدنا إلى ما قبل هذه العصور الثلاثة، أى إلى عصر الزراعة، أى إلى الحياة الريفية حيث تكون الخلافة الاسلامية فى الانتظار.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادي والعشرين» ( 51) الرشدية اللاتينية   الأربعاء 19 نوفمبر 2014, 1:20 am



رؤيتى لـ «القرن الحادي والعشرين» ( 51) الرشدية اللاتينية


الثلاثاء 25 من محرم 1436 هــ 18 نوفمبر 2014 السنة 139 العدد 46733

يبدو أن ثمة تناقضاً بين عنوان هذا المقال والعنوان الرئيسى لسلسلة مقالاتى السابقة وهو رؤيتى لــ «القرن الحادى والعشرين». فالرشدية اللاتينية من القرن الثالث عشر. ومن هنا يثور السؤال: ما علاقة الرشدية اللاتينية بالقرن الحادى والعشرين؟

وأظن أن الجواب يشى بالإيجاب وإلا ما كان ثمة مبرر لصياغة عنوان المقال. ومن هنا أيضاً يثور السؤال: إذا كان ذلك كذلك فهل هى مؤثرة فى هذا القرن.
ورد إلى ذهنى هذان السؤالان عندما تسلمت دعوة من رئيس جامعة ألكالا بمدريد للمشاركة فى مؤتمر دولى ينعقد فى مايو 2002 تحت عنوان «الإنسانية اللاتينية والإسلام». وقد يبدو العنوان غريباً إذ ما العلاقة بينهما؟
الرأى الشائع أن الانسانية اللاتينية حركة فكرية تنطق باللغة اللاتينية. نشأت فى أوروبا فى القرن الرابع عشر فى إيطاليا وفكرتها المحورية تحرير العقل الإنسانى من ظلمة العصور الوسطى التى كانت تدور حول تحكم ما هو إلهى فيما هو إنسانى فلا يبقى سوى الحياة وبؤسها. وكان للحركة من القوة بحيث أحدثت تأثيراً على نشأة الإصلاح الدينى والنهضة و على التنوير و على العقلانية العلمية منذ القرن السادس عشر حتى العشرين حيث ظهر دارون و بلانك وفرويد: الأول فى علم الأحياء والثانى فى علم الفيزياء والثالث فى التحليل النفسي. وهؤلاء العلماء الثلاثة تأثروا بعبارة مأثورة من القرن الرابع قبل الميلاد لبروتاغوراس مفادها «الإنسان مقياس الأشياء».
ومع ذلك كله فأنا أثير السؤال الآتي:

متى نشأت « الإنسانية اللاتينية»؟

نشأت فى القرن الثالث عشر.

والسؤال إذن:

ما الدليل؟
فى ذلك القرن كان فردريك الثانى هوهنشتاين ( 1197- 1250) يقف ضد رجال الدين والنبلاء ويدعم الطبقة الصاعدة وهى طبقة التجار وأرباب المهن والتى نشأت حول القصور الاقطاعية فنصحه مستشاروه بإصدار مرسوم بترجمة مؤلفات ابن رشد لأنها تستجيب لمناهضة النظام الإلهى كنظام سياسى تسانده الكنيسة الرومانية، وقد كان، إذ ترجمت تلك المؤلفات إلى اللاتينية والعبرية فيما بين 1217- 1230، أى بعد أقل من عشرين عاماً من موت ابن رشد. وكانت فلسفة أوغسطين هى السائدة فى زمن الترجمة، وهى تستند إلى القول بأن الانجيل هو المصدر الوحيد للحكمة، والحكمة هى أساس علم اللاهوت، وهذا العلم بدوره يستمد سلطانه من الله. وهكذا يكون الله هو البداية والنهاية. ومن هنا ارتأى أوغسطين أن تكون الدولة خاضعة للكنيسة، والعقل خادم للإيمان، والفلسفة تابعة للدين، وفى النهاية تصبح الدولة خاضعة لله. ولكن إثر ترجمة مؤلفات ابن رشد أثير السؤال الآتى فى مواجهة الأوغسطينية وهو على النحو الآتي:
هل التفلسف عقلياً مشروع؟
كان جواب ابن رشد أن ثمة صراعاً خفياً بين الشريعة والفلسفة إلى الحد الذى تبدو فيه الفلسفة غريبة عن الشريعة. ومن هذه النقطة بدأ الالتفات فى أوروبا إلى ابن رشد، بل بدأ التأثر بجوابه. وكان هذا التأثر واضحاً عند مؤسس الرشدية اللاتينية سيجير دى بربان عندما بحث العلاقة بين العقل والوحى فارتأى أن العقل قادر على معرفة الطبيعة وهى معرفة يقينية بدون اعتقاد. أما الوحى فيخبرنا عن حقائق فائقة للطبيعة وخارجة عن نطاق العقل وهى موضع اعتقاد وليست موضع يقين. ومن هذه الزاوية يمكن القول بأن العقل مواز للوحى فلا سلطان لواحد على الآخر لأن الخلط بين السلطتين يفضى إما إلى الشك فى العقل وإما إلى إنكار الوحى.
ومن شأن هذا الرأى لبرابان أن يكون مهدداً للسلطة الدينية. ومن هنا أوعزت هذه السلطة إلى فيلسوفين من فلاسفة الكنيسة الرومانية وهما البرت الكبير وتوما الأكوينى بمهاجمته. وكانت النتيجة قتل دى برابان بخنجر من سكرتيره الخاص. وفى عام 1270 أدان أسقف باريس ثلاث عشرة قضية خاصة بالرشدية اللاتينية ومن أهمها أن ليس ثمة إنسان أول وأن النفس تفنى بفناء البدن وأن الله لا يعلم الجزئيات وأنه لا يعرف إلا ذاته.
وعلى الرغم من التحريم الكنسى للرشدية اللاتينية إلا أن تأثيرها الإيجابى لم يتوقف فقد وضع دانتى ابن رشد بين الوثنيين الفضلاء، وأنت تقرأ رسائل جاليليو إلى الكونتيسة الهولندية كريستينا فكأنك تقرأ كتاب ابن رشد المعنون « فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال» حيث يقول ابن رشد «إن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له» وهو يقصد بذلك الدين والفلسفة. وعلى غرار هذا القول يقول جاليليو إنه «لا تعارض بين حقيقتين. فثمة توافق بين كوبرنيكس القائل بنظرية دوران الأرض وبين الانجيل». وكان الفيلسوف الهولندى سبنوزا مولعاً بقراءة مؤلفات ابن رشد. وتأثر الفيلسوف الألمانى العظيم بابن رشد عندما قال « كن جريئاً فى إعمال عقلك، وقف ضد الكاهن عندما يقول لك لا تبرهن بل آمن». وهو قول مرادف لقول ابن رشد « على الفيلسوف أن يكون جريئاً لأن من ليس جريئاً يصبح عاجزاً عن احتقار الحجج غير البرهانية التى تربى عليها».
خلاصة القول أن فلسفة ابن رشد كانت موضع صراع بين الرشديين اللاتين من جهة وفلسفة السلطة الدينية من جهة أخرى، أو إن شئنا الدقة قلنا إنه صراع بين التنوير وأعداء التنوير. خلاصة القول أيضا أن ليس ثمة تيار فى العالم الإسلامى يمكن أن يطلق عليه « الرشدية العربية وذلك بسبب تحكم ابن تيمية منذ القرن الثالث عشر حتى الآن. ومن هنا يمكن القول إن العالم الإسلامى « الآن» يعيش فى ذلك القرن أما أوروبا فتعيش فى القرن الحادى والعشرين، وهذه هى «مفارقة ابن رشد: إنه حى فى الغرب ميت فى الشرق».




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» ( 52) حضارة واحدة وثقافات متعددة   الثلاثاء 25 نوفمبر 2014, 7:29 pm





 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» ( 52) حضارة واحدة وثقافات متعددة


الثلاثاء 3 من صفر 1436 هــ 25 نوفمبر 2014 السنة 139 العدد 46740

انشغلت بمفهوم الحضارة منذ سبعينيات القرن الماضى عندما عنونت به ثلاثة مؤتمرات فلسفية دولية بالقاهرة هى على النحو الآتي: «الفلسفة والحضارة» (1978) و«الاسلام والحضارة» (1979) و«مستقبل الحضارة الاسلامية» (1981) الذى ألغاه الرئيس السادات بسبب قراره بفصلى من الجامعة.

والذى دفعنى إلى ذلك الانشغال بشيوع مدرسة فلسفية فى النصف الثانى من عشرينيات القرن الماضى فكرتها المحورية أن المفاهيم التى ليس لها مقابل حسى فى العالم الخارجى تُحذف من مجال الفلسفة لأنها، فى هذه الحالة، تكون بلا معنى. وبناء عليه حُذف مفهوما الحضارة والثقافة بدعوى أن ليس فى الامكان الاشارة إليهما حسياً فى العالم الخارجي. ومن ثم كانت الغاية من تنظيم تلك المؤتمرات مشروعية البحث الفلسفى فى هذين المفهومين، خاصة أنهما أصبحا من قضايا العصر. ولا أدل على ذلك من أن صموئيل هنتنجتون أستاذ علم الاجتماع بجامعة هارفارد قد أصدر كتاباً عنوانه «صدام الحضارات وإعادة صياغة النظام العالمي» ( 1997)، أى قبل بداية القرن الحادى والعشرين بثلاث سنوات. وقد أثار هذا الكتاب جدلاً حاداً فى جميع المؤسسات الثقافية الدولية بالإضافة إلى وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة. وقد انتهى هنتنجتون إلى نتيجة مفادها أن الصراع القادم لن يكون إلا صراعاً بين الغرب والعالم الإسلامى أو بالأدق بين الغرب والأصولية الاسلامية التى ترفض الحداثة وتوابعها من علمانية وتنوير وثورة علمية وتكنولوجية. وإذا كانت الأصولية الاسلامية هى المتحكمة فى العالم الإسلامى فهل معنى ذلك أن ثمة حضارتين: حضارة غربية وحضارة اسلامية، وأنهما متناقضتان إلى الحد الذى يرى أحد الطرفين ضرورة إقصاء الآخر؟
والسؤال اذن: هل فى الامكان إزالة ذلك التناقض لكى نتفادى الإقصاء؟
حاولت الجواب عن هذا السؤال فى المؤتمر الذى عقدته «الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير» بالقاهرة فى عام 2000 تحت عنوان «حضارة واحدة وثقافات متعددة». وقد اخترت هذا العنوان عنواناً لبحثي، وموجزه أن ثمة حضارة واحدة مسارها من الفكر الأسطورى إلى الفكر العقلاني. وفى هذا المسار العام تنشأ ثقافات تخص مجتمعات تعيش كلها تحت مظلة حضارة واحدة. ونصف الثقافة التى تقترب من الفكر العقلانى بأنها ثقافة متحضرة، ونصف الثقافة التى تقترب من الفكر الأسطورى بأنها ثقافة متخلفة.
أُمثل لأدلل على صحة ما أذهب إليه بحوارين أحدهما كان بين الثقافة الفرعونية والثقافة اليونانية، والآخر كان بين الثقافة الاسلامية والثقافة الأوروبية.
والسؤال بعد ذلك:

ماذا كان مصير الحوار الأول؟
منقول عن الوثائق التاريخية أن فلاسفة اليونان فى قديم الزمان قد جاءوا إلى مصر ليتتلمذوا على يد كهنة مصر فى الطب والهندسة وهما علمان عمليان وليسا علمين نظريين. وهما عمليان بسبب استنادهما إلى أسطورة عودة الروح فنشأ الطب من أجل تحنيط جسم فرعون لكى يظل كما هو عندما تعود إليه روحه. أما الهندسة فقد ابتدعت من أجل بناء الأهرامات والتى هى عبارة عن مقابر لأن اللفظ الذى يطلق على كل من الهرم والمقبرة هو لفظ واحد باللغة الهيروغليفية.
وكانت الغاية من بناء الأهرامات أن تكون مكاناً مناسباً لدفن جسم فرعون حتى عندما تعود إليه روحه فإن الحياة تستقيم مرة أخرى. وعندما حضر الفيلسوف اليونانى فيثاغورس (مولود فى عام 580ق.م.) إلى مصر وجد أن لفظ الهندسة باللغة الهيروغليفية يعنى «مسح الأرض» أو «قياس الأرض». ومعنى ذلك أن الهندسة محصورة فيما هو عملى دون أن ترقى إلى ما هو نظري. ومن هنا ابتدع فيثاغورس مفهوم «البرهان» لكى يرقى بالهندسة إلى المستوى النظرى فتقترب من الفكر العقلانى وتبتعد عن الفكر الأسطورى المتمثل فى أسطورة عودة الروح. وترتب على مفهوم البرهان تأسيس علم المنطق عند أرسطو، وبناء على تأسيس علم المنطق استطاع أقليدس تأسيس علم الهندسة نظرياً مستنداً إلى مفهوم البرهان على نحو ما هو وارد عند أرسطو. وترتب على ذلك أن اقتربت الثقافة اليونانية من الفكر العقلانى فاستحقت أن تتصف بأنها ثقافة متحضرة، وبقيت الثقافة المصرية ملتزمة بأسطورة عودة الروح فاستحقت أن تتصف بأنها ثقافة متخلفة.
والسؤال بعد ذلك: ماذا كان مصير الحوار الثاني؟
دخلت الثقافة الاسلامية فى حوار مع الثقافة الأوروبية عندما تأثرت أوروبا بعلم القانون فى الطب لابن سينا وكتاب «البص ريات» للحسن بن الهيثم وكتاب «الكيمياء» لجابر بن حيان، وبناء عليه استحقت الثقافتان بأن يقال عنهما إنهما ثقافتان متحضرتان. إلا أن الحوار بين الثقافتين قد توقف بسبب دخولهما فى مسار مضاد للحضارة. فقد دخلت الثقافة الأوروبية فى مسار العصور الوسطى المظلمة، وكذلك دخلت الثقافة الاسلامية فى ذلك المسار عندما ألف الغزالى كتاب «تهافت الفلاسفة» ( 488م) الذى كفر فيه الفلاسفة المسلمين مثل الفارابى وابن سينا لتأثرهم بالفلسفة اليونانية الوثنية فنشأ مناخ التكفير فى المشرق العربى ثم بدأ يشيع فى المغرب العربي، والغاية منه تكبيل العقل، ومن ثم يمكن أن يقال عن الثقافة الاسلامية فى ذلك الزمان بأنها ثقافة متخلفة وقد ظلت كذلك على هذا النحو حتى هذا القرن. أما الثقافة الأوروبية فقد تجاوزت تخلفها عندما تأثرت بالفكر العقلانى عند ابن رشد الذى كانت قد أُحرقت مؤلفاته واتُهم بالكفر والزندقة فى العالم الاسلامى، إذ نشأ فيها تيار تنويرى سُمى «بالرشدية اللاتينية» والذى خصَب المسار الحضارى بوجه عام والمسار الأوروبى بوجه خاص فأصبحت الثقافة الأوروبية جديرة بأن يقال عنها إنها ثقافة متحضرة.
أما بعد
فهذه الفذلكة مجرد وجهة نظر فى المسألة الثقافية وعلاقتها بالمسألة الحضارية، وأنت بعد ذلك وما تشاء من قبول هذه الوجهة مع محاولة إثرائها، أو رفضها مع البحث عن بديل.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» ( 35) حوارات مستحدثة   الأربعاء 03 ديسمبر 2014, 12:49 am



 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» ( 53) حوارات مستحدثة


الثلاثاء 10 من صفر 1436 هــ 2 ديسمبر 2014 السنة 139 العدد 46747

هل يمكن القول بأن القرن الحادى والعشرين هو قرن الحوارات المستحدثة؟ دار فى ذهنى هذا السؤال إثر دعوتى للمشاركة فى ندوة عقدتها منظمة اليونسكو بباريس فى نوفمبر 2004 تحت عنوان «حوارات فلسفية بين آسيا والعالم العربي».

إلا أن هذا السؤال يسبقه سؤال بالضرورة وهو على النحو الآتي:
ما الغاية من أى حوار؟
ليس انتصاراً لحجة لأن أى حجة تزعم قنص الحقيقة، والحقيقة وَهْم، إذ هى تنطوى على تناقض لأن الحقيقة لا تدوم لأنها يمكن أن تكون بعد ذلك لا حقيقة بحكم أن الانسان يتحرك فى واقع متغير. وإذا كان ذلك كذلك فمعنى ذلك أن الحوار لا علاقة له بالبحث عن الحقيقة، بل علاقته بتغيير الواقع. ومن هنا يلزم أن يكون المتحاورون على وعى بأنهم شركاء فى مشروع وليسوا أعداء فى مشروعات متناقضة وذلك لأنهم منخرطون فى تغيير الوضع القائم من أجل استدعاء وضع قادم مشترك. ومن هنا أيضاً يلزم أن يكون المتحاورين على وعى بأنهم على علاقة بالمستقبل وليس بالماضي. وهذا اللزوم يواكب ظاهرة .. الكوكبية، التى هى منفتحة على ابداع حضارة واحدة مناقضة لعادات ذهنية ورثناها منذ زمن مضى تتمحور حول الانفصال دون الاتصال بسبب تعدد الايديولوجيات المنغلقة.
وبناءً عليه أظن أن بداية ذلك الحوار الإقليمى بين آسيا والعالم العربى مردود إلى أحداث 11/9 ، وما ترتب عليها من شيوع مصطلحين وهما الارهاب والأصولية. وفى حينها أثير السؤال الآتي: ماذا عن ذهنية الذين ارتكبوا تلك الأحداث؟ إنهم من أتباع بن لادن الذين أعلنوا عن قصدهم بالتخطيط لتلك الأحداث استناداً إلى ما يمكن تسميته بــــ «الارهاب المقدس» وبالتالى يلزم دراسة هذه الذهنية التى ابتدعت ذلك المصطلح. ومع ذلك فهذه الدراسة تستلزم أن تكون فلسفية لأن ذهنية الأصولى الإرهابى إنما هى محكومة بمطلق معين. وحيث إن المطلق، بحكم طبيعته، واحد بالضرورة فهو ملتزم بأن يقصى أى مطلق آخر، بل ملتزم بأن يقصى كل ما من شأنه أن يكون تعبيراً عنه بحيث لا يبقى إلا كل ما هو متعلق بذلك المطلق الواحد. وإذا فُرض بعد ذلك وبزغت مطلقات فإقصاؤها يتم بالضربة القاضية، وهذا ما أسميه «القتل الدينى»، وهو نتيجة حتمية من صراع المطلقات. والعداوة، فى هذه الحالة، هى أيضاً نتيجة حتمية من منطق هذا الصراع.
هذه فى ايجاز ذهنية الأصولى الإرهابي. وإذا أردنا تغييرها فيلزم تحريرها من وهم امتلاكها للحقيقة المطلقة، وهو تحرير لن يتم إلا بغرس ذهنية علمانية التى هى بحسب تعريفى «التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق» إلا أن هذا الغرس ليس ممكناً إلا بتدخل الفلاسفة، أو بالأدق ليس ممكناً إلا بالحوار الفلسفي.
والسؤال إذن:

ما الاشكاليات أو التناقضات التى من الممكن أن يواجهها ذلك الحوار الفلسفي؟
أستعين فى الجواب عن هذا السؤال بما حدث فى مؤسستين فلسفيتين كنت قد أنشأتهما وهما: الجمعية الفلسفية الأفروآسيوية فى عام 1978 والجمعية الدولية لابن رشد والتنوير فى عام 1994. نشأت الأولى بسبب بحث ألقيته فى المؤتمر الفلسفى السابع عشر بلاهور بباكستان فى عام 1975 وكان عنوانه «الأصالة والتحديث فى العالم الثالث». الأصالة مصطلح شائع فى بلدان العالم الثالث وبالذات أفريقيا وآسيا، وهو يعنى رفض الامبريالية لأنها السبب فى تدمير هوية شعوب هذه البلدان مع عزلتهم عن الثقافة الغربية لمدة ثلاثة قرون. ولهذا كانت سياسة حركات التحرر الوطنى ترفع شعار «لا للاستعمار» كما كانت فى الوقت ذاته ترفع شعار «لا للتغريب». أما النخبة الوطنية فقد درست فى مؤسسات الغرب التعليمية وانقسمت إلى فريقين: فريق اكتشف أن التحديث قد جعله مغترباً عن تراثه الثقافى دون أن يمنحه البديل فانكفأ على تراثه. وهذه هى إشكالية الأصالة عندما تنفصل عن الحداثة. وإذا كانت الحداثة هى ثمرة التنوير، والأصالة مرادفة للتراث فالإشكالية تقوم اذن بين التراث والتنوير. وفريق آخر انبهر بالثقافة الغربية، وفى الوقت ذاته كان على وعى بالتغيرات السريعة فى أوطانهم إلى الحد الذى فيه أحدثت هذه التغيرات تأثيرها على التراث، الأمر الذى كان من شأنه أن هذا الفريق لم يكن معزولاً عن التيار العلمانى الذى كان سائداً فى البلدان الرأسمالية والاشتراكية. وهنا برزت الاشكالية الثانية التى قامت بين العلمانية والأصولية الدينية.
أما عن الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير فقد كان سبب تأسيسها حواراً دار بينى وبين فلاسفة أوروبيين وأمريكان فى مؤتمر فلسفى ببروكسل فى 2 أغسطس 1990، أى مع بداية حرب الخليج الأولى، حول الفجوة القائمة بين الغرب والعالم الإسلامى والتى تكمن فى إشكالية خفية بين التنوير فى الأول وغيابه فى الثاني. وكذلك الحال فى البلدان الآسيوية حيث العلمانية محاصرة والأصوليات الدينية مهيمنة مع تلوثها بالإرهاب. وكان رأيى فى حينها أن تعلم الفلسفة كفيل بتحويل الذهنية الأصولية إلى ذهنية علمانية.
يبقى بعد ذلك سؤال:

ما المشروع العملى الذى يمكن أن تتبناه منظمة اليونسكو لتحقيق الغاية من هذا الحوار المستحدث بين آسيا والعالم العربي؟ هو تغيير الذهنية الأصولية بالعلمانية. وأظن أن فلاسفة الهند فى إمكانهم أن تكون لهم القيادة فى تنفيذ هذا المشروع بسبب تأثرهم بالعلمانية ولكن بشرط الاستعانة بالقنوات الفضائية التى هى على علاقة عضوية برجل الشارع، إذ هو الأساس المعاصر لأى تغيير، وبدونه لا تغيير بحكم أن الثورة العلمية والتكنولوجية قد أفرزت ظاهرة الجماهيرية ومنها صُكت مصطلحات الثقافة الجماهيرية ووسائل الاتصال الجماهيرية ووسائل الاعلام الجماهيرية والمجتمع الجماهيرى والانسان الجماهيرى الذى هو رجل الشارع.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة


عدل سابقا من قبل mohammed_hmmad في الثلاثاء 30 ديسمبر 2014, 8:01 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ» القرن الحادي والعشرين» ( 56) التعايش البشرى   الأربعاء 24 ديسمبر 2014, 6:11 pm



رؤيتى لـ» القرن الحادي والعشرين» ( 56) التعايش البشرى


الثلاثاء 1 من ربيع الأول 1436 هــ 23 ديسمبر 2014 السنة 139 العدد 46768

هل التعايش البشرى ممكن؟ سؤال ورد إلى ذهني بعد أن فرغت من كتابة الصفحة الأخيرة من الجزء الأول من كتابي المعنون « مسار فكر» (2011)

فقد ورد فيها أنه فى 21/2/1999 أرسل فنانت كوشي ــ الرئيس الأسبق للاتحاد الدولي للجمaعيات الفلسفية وأستاذ الفلسفة بجامعة مونتريال بكندا- خطاباً ينبئني فيه بأنه يُعد لعقد مؤتمر عالمي عنوانه «التعايش البشرى في عالم مسئول ومتعاون مع بداية القرن الحادى والعشرين فى يوليو 2000». وأشار إلى أنني في مقدمة المشاركين في هذا المؤتمر العالمي، وأننى مطالب بتحديد المشكلات التي أراها ملتهبة في منطقة الشرق الأوسط مع بيان الحلول التي تبدو أنها على درجة عالية من الأهمية، والتي تسهم في تأسيس علاقات أفضل بين البشر والأمم والقارات في الألفية الثالثة، كما أننى مطالب أيضاً بتحديد موضوعات الجلسات التي أنظمها وأديرها. ومن أجل ذلك يطلب منى الموافقة على أن أكون عضواً فى اللجنة العليا لذلك المؤتمر.
وأرسلت ردى على خطابه في 5/4/1999 متضمناً اقتراحات عن موضوعات على النحو الآتي:
% بدائل جديدة لإقامة السلام ومنع الصراعات لإزالة التعصب
%نقد علوم العقائد لكى تخلو من النزعة الدوجماطيفية وهى نزعة تتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة.
%تنمية العقل الناقد والعقل المبدع في مجال الثقافة بوجه عام، وفى مجال الهوية الثقافية بوجه خاص.
%بث الروح الدولية للقضاء على الصراع بين الدول
إلا أن الدعوة إلى المشاركة في ذلك المؤتمر لم تكن البداية، إذ ثمة قصة تستحق أن تُروى لكى أبين كيفية البداية.
والسؤال إذن:

ماذا حدث في عام 1999 وهو العام الذى تسلمت فيه رسالة فنانت كوشي وفيها يتمنى موافقة «مؤسسة تشارلس ليوبولد ماير للتقدم البشرى» على رعاية ذلك المؤتمر؟
إن مؤسسة التقدم البشرى مؤسسة مستقلة ولكنها محكومة بالقانون السويسري. وأساس تكوينها فى عام 1986 مردود إلى جماعة مكونة من ثمانية مفكرين من الناطقين باللغة الفرنسية اسمها « جماعة فيزلى» و « فيزلى» اسم مدينة صغيرة فى مقاطعة بورجونى الفرنسية، وقد سجلتها اليونسكو ضمن التراث العالمي. وقد قررت هذه الجماعة أن تنشغل بإعمال العقل فى المخاطر المترتبة على أنشطة يمارسها البشر على كوكب الأرض. ثم اشترك الاثنان « جماعة فيزلى» و « مؤسسة التقدم البشرى» فى الإعداد لمؤتمر» المجمع العام لكوكب الأرض» فى عام 1993 بمدينة فو دى سيرنى بفرنسا. وفى ختامه أعلن المشاركون مشروعا أطلقوا عليه اسم « البرنامج الأساسي من أجل عالم مسئول ومتضامن». والغاية منه إشراك شعوب الأرض فى تحديد آفاق مشتركة للقرن الحادى والعشرين.
والسؤال بعد ذلك:

ما هو مضمون ذلك البرنامج؟
يبدأ بتحذير البشرية من أن استمرارها فى أسلوب حياتها على النحو القائم يفضى إلى هلاكها من الداخل. وإذا أرادت تجنب ذلك المصير فعليها تغيير أسلوب تفكيرها ونمط حياتها تغييرا جذرياً. إلا أن هذا التغيير ليس فى الامكان تحقيقه إلا بمؤازرة الملايين بل ملايين الملايين من البشر. ومن أجل تحقيق هذه المؤازرة يلزم التشخيص ثم تحديد القيم والمبادئ ولكن بشرط الاتفاق على أننا نعيش فى عالم واحد ومتنوع. الوحدة تربط والتنوع يثرى، والاختلاف لا يحول دون الاتفاق. ومن شأن ذلك أن يمنع تبديد الموارد وتعطيل الابداع. إلا أن المنع لم يحدث، بل حدث اختلال فى التوازن بين شمال كوكب الأرض وجنوبه، وبين الأغنياء والفقراء، وبين البشر والطبيعة. ويرى واضعو البرنامج أن وراء هذا الاختلال الثورة العلمية والتكنولوجية المؤسسة للحداثة الغربية. ومن هنا انطوت الحداثة على تناقض، فهى من جهة تنشد تقدم البشرية فى اطار السلام والأمن والحرية لكل البشر، ولكن من جهة أخرى تتسبب فى الحرب وضعف الأمن و زيادة الفقر والقهر. والمطلوب بعد ذلك ثورة روحية وأخلاقية وفكرية وهى لن تتحقق إلا إذا حفرنا فى التراث الحضاري وعندئذ نعثر على المبادئ التى تخرجنا من أزمة الحداثة، وهى مبادئ مشتركة بحكم وحدة البشر وتنوعهم. ومعنى ذلك أن التغيير يحدث فى العقل قبل أن يحدث فى الواقع، ومن هنا تصبح التربية فى الصدارة، ويكون من مهمتها المساهمة فى بزوغ انسانية جديدة يكون من مكوناتها الأساسية المكون الأخلاقي، والوعى بثقافات الحضارات بحيث يحد من سيطرة التكنولوجيا الحاكمة للحداثة، كما يحد من انكفاء الدول على ذاتها وعلى خصوصيتها لأن التحدي الحقيقي الذى تواجهه البشرية فى القرن الواحد والعشرين هو التحدي الكوكبي الذى ينشد الترابط المتداخل الذى تعبر عنه « الانترنت».
ويتصور واضعو البرنامج أن التغيير المنشود يتم على مراحل ثلاث: المرحلة الأولى هى مرحلة تبدأ من عام 2000 وهى مرحلة تأسيس « المجمع العام لكوكب الأرض». والمرحلة الثانية ما بين 2030 و2050 وهى مرحلة تنشد ابتداع وسائل جديدة لإحداث تنمية دائمة فى مجالات انفجار السكان والماء والطاقة. أما المرحلة الثالثة والأخيرة فهى مرحلة التى يحدث فيها توازن بين البشر وكوكب الأرض بحيث يمتنع البشر بفضل ابتداعه لأساليب جديدة عن تلويث كوكب الأرض.
هذا موجز لبرنامج « من أجل عالم مسئول ومتضامن». والذى لفت انتباهي فيه ظاهرة «اختلال التوازن» على كوكب الأرض، وقد أضفت إلى بنودها الآتي: الشمال والجنوب، الرجل والمرأة، العلمانية والأصولية. النخبة ورجل الشارع. الرأسمالية المتنورة والرأسمالية الطفيلية وأعنى بالطفيلية تجارة المخدرات وتجارة السلاح، وأخيراً الوحدة والتنوع.
انتهت القصة وانعقد المؤتمر العالمي في يوليو 2000 تحت عنوان التعايش البشرى والتنمية الدائمة تناولت فيه اختلال التوازن بين الغرب والعالم الإسلامي تحت عنوان « ابن رشد هنا والآن». فماذا كان مضمونه؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» ( 57) حال الفلسفة الآن   الثلاثاء 30 ديسمبر 2014, 8:05 pm



 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» ( 57) حال الفلسفة الآن


الثلاثاء 8 من ربيع الأول 1436 هــ 30 ديسمبر 2014 السنة 139 العدد 46775

إذا أردت أن تسأل عن حال عصر فاسأل عن حال الفلسفة.وأنا أريد أن أثير هذا التساؤل الآن، وأريد من الآخرين أيضاً أن يثيروه. ومع ذلك فلسنا وحدنا فى إثارة هذا الذى نتساءل عنه. فقد أثاره من قبلنا فيلسوفان عظيمان أحدهما ألمانى اسمه هيجل

إذ قال إن فلسفته تعبر عن عصره، وإن عصره هو نهاية العصور حيث ينتهى المطلق فيه إلى تمام الوعى بذاته بعد أن لم يكن كذلك. والآخر فرنسى اسمه سارتر، إذ ارتأى أن الماركسية هى فلسفة القرن العشرين بدعوى أن فلسفة أى عصر هى الفلسفة التى تدافع عن الطبقة الصاعدة. وحيث إن الطبقة الصاعدة فى القرن العشرين هى الطبقة العمالية، والماركسية هى المعبرة عن مصالح هذه الطبقة فهى اذن فلسفة ذلك القرن.
والسؤال بعد ذلك:

ماذا عن حال الفلسفة الآن؟
ولكن ماذا يعنى لفظ «الآن» الوارد فى عنوان هذا المقال؟
الآن، لغةً، أصلها أوان حُذفت الواو بعد أن قُلبت بالألف فصارت آن وتعنى الوقت الحاضر، وهذا الوقت يصل الماضى بالمستقبل، أو بالأدق هو نهاية ماضٍ وبداية مستقبل به ينفصل أحدهما عن الآخر، فهو اذن فاصل بينهما، ولكنه أيضاً واصل بهما باعتباره مشتركاً بين الماضى والمستقبل.
والسؤال بعد ذلك:

أين «الآن» فى حال الفلسفة؟
إنه، فى رأيي، محدد بثلاث عشرة سنة ابتداء من عام 1992 حتى عام 2005. وتبريرى لهذا التحديد مردود إلى مؤتمر عقدته الأكاديمية الدولية للنزعة الانسانية فى عام 1992 فى جامعة أوترخت بهولندا تحت عنوان رئيسى «تحديات ضد التنوير» وعنوان فرعى «دفاعاً عن العقل والعلم».
والسؤال اذن:
لماذا يكون هذا المؤتمر لــ ـ«الأكاديمية الدولية للنزعة الانسانية» هو البداية لتحديد حال الفلسفة الآن؟
ونجيب بسؤال:

ما هى هذه الأكاديمية وما دورها فى ذلك التحديد؟
وفى صياغة أوضح؟ بماذا تتميز هذه الأكاديمية عن الأكاديميات السابقة عليها تاريخياً؟
كأن أفلاطون أول مَنْ صك مصطلح «أكاديمية» إذ أطلقه على مدرسة أنشأها فى عام 387 ق.م. على أبواب مدينة أثينا فى أبنية تطل على بستان أكاديموس وهو اسم لبطل قديم كان شفيعاً لذلك المكان. وواصل التدريس فيها حتى وفاته فى عام 340 ق.م. وبعد ذلك نشأت أكاديميات فى أثينا وروما لمدة تسعة قرون حتى ألغاها الامبراطور جوستنيان فى عام 529 م. وفى ذلك الزمان كانت الأكاديميات تشير فى مختلف أنحاء البلاد إلى تجمع عدد من العلماء لدفع عجلة التقدم فى مجال العلوم والفنون. أما الأكاديمية الدولية للنزعة الانسانية فهى نسيج وحدها، إذ تتميز بأنها تضم أولئك الانسانيين الذين يحرضون البشر على تنمية القيم الانسانية التى تحرض على البحث الحر فى مواجهة الخرافات والأفكار اللامعقولة، وفى مواجهة السلطات التى تريد أن تكون رقيبة على البحث الحر فى الحد الأدنى أو خنقه فى الحد الأقصي. هذا دور الأكاديمية بالسلب أما دورها بالإيجاب فهو ايقاظ هذه الرؤية الانسانية عند الآخرين وحثهم على أن يكونوا مهمومين بمستقبل البشرية فى دفاعها عن الحرية.
تأسست فى عام 1983 بمناسبة مرور خمسة قرون على محكمة التفتيش الاسبانية، وثلاثمائة وخمسين عاماً على محاكمة جاليليو بسبب تأييده نظرية دوران الأرض حول الشمس. ويعين أعضاؤها بالانتخاب وعددهم محدد بثمانين. أما عن انتخابى فكان فى عام 1989، أى بعد نشأة الأكاديمية بست سنوات.
وفى عام 1992 اجتمع أعضاء الأكاديمية فى جامعة أوترخت بهولندا، وهى الدولة التى أنشأت «كرسى ابن رشد» فى جامعة ليْدن لكى تعين عليه نصر حامد أبو زيد فى 27 نوفمبر عام 2000. وقد تم الاجتماع تحت عنوان «تحديات ضد التنوير». وفى مقدمة هذه التحديات شيوع الأصوليات الدينية التى تنكر أن الانسان سيد مصيره وأن إعمال العقل فى النص الدينى رجس من عمل الشيطان على حد قول ابن تيمية: وفى مقدمتها ثانياً نشأة
«مدرسة فرانكفورت بألمانيا» التى تزعم بأن النازية اللاعقلانية هى من افراز التنويرالعقلاني، وأن الأسطورة مغروزة فى العقل الإنسانى وليس فى إمكانه الفكاك منها. وفى مقدمتها ثالثاً تيار ما بعد الحداثة الذى يتزعمه الفيلسوف الألمانى مارتن هيدجر الذى انضم إلى الحزب النازى فى عام 1933 وظل عضواً فيه حتى عام 1945. وفى عام 1966 أعلن فى حوار معه لمجلة
«ديرشبيجل» الألمانية أن النازيين هم الأمل الوحيد للأمة الألمانية. وأظن أن هذه التحديات الثلاثة كفيلة بإحداث هزة لسلطان العقل أساس التنوير، تعقبها هزة للفلسفة من حيث إنها مؤسسة على ذلك السلطان، ومن ثم تدخل فى أزمة. وقد فطن الفيلسوف الأمريكى ريتشارد رورتى إلى تلك الأزمة فى ذلك الاجتماع ومن هنا كان عنوان بحثه «تروتسكى والنباتات المتوحشة». كان تروتسكى زعيما شيوعيا منافسا لستالين فأجهز عليه ستالين وقتله بوحشية مماثلة لنباتات تنمو بطريقة وحشيةبحيث لا تستطيع الكشف عن بداية جذورها. وقد حاول رورتى إزالة هذه الوحشية عن مصير الفلسفة فتناول تاريخها على أنه روايات وليس على أنه جملة براهين متناقضة، وأن هذه الروايات هيالوسيلة لإقناع الآخرين بما تنطوى عليها من أفكار. ورواياته ذات صبغة علمانية. أما عن بحثى المعنون «السلام والتقدم» ففكرته المحورية أن أشرس تحدٍ للفلسفة هو الدوجماطيقية التى يتوهم العقل بسببها أنه قادر على قنص الحقيقة المطلقة. وقد سبق أن بلورت ذلك التحدى فى كتابى المعنون «قصة الفلسفة» ( 1968). وهى رواية فلسفية على نحو ما يرى رورتي.
والسؤال بعد ذلك:

لماذا اختير رورتى للحوار مع فلاسفة آخرين لبيان حال الفلسفة الآن؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (58) «رورتى» وأزمة الفلسفة   الثلاثاء 06 يناير 2015, 9:14 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (58) «رورتى» وأزمة الفلسفة


الثلاثاء 15 من ربيع الأول 1436 هــ 6 يناير 2015 السنة 139 العدد 46782

لماذا اختير الفيلسوف الأمريكي «ريتشارد رورتى» لإجراء حوار مع نفر من فلاسفة عصره؟ لأنه كان على وعى بأن الفلسفة في أزمة، إلا أنه قد ارتأى أن يتحدث عن هذه الأزمة في شكل رواية وليس في شكل حجج وبراهين عقلية.

والسؤال اذن: ما هي رواية رورتى التي يحكيها عن أزمة الفلسفة؟..
إنه يحكيها مستعينا في ذلك بسيرته الذاتية. فقد نشأ في أسرة فلسفية شيوعية مناضلة. وكان أبوه على علاقة بفيلسوف أمريكا جون ديوي. فقد لازمه في رحلته إلى المكسيك رئيساً للجنة تقصى الحقائق. وفى عام 1932 انفصل الوالدان عن الحزب الشيوعي الأمريكي، وقيل في حينها إنهما من أتباع تروتسكى الزعيم الشيوعي الذى كان معادياً لستالين لأن تروتسكى كان يدعو إلى الثورة المتواصلة إلى أن تتحقق الثورة الشيوعية العالمية. أما ستالين فكان على الضد من ذلك، إذ ارتأى الاكتفاء بثورة شيوعية فى روسيا . وكانت نتيجة تلك العداوة اغتيال تروتسكى في 20 أغسطس 1940 وكان فى حينها يقرأ مخطوطاً كان قد أحضره له قاتله. وقبل اغتياله كان مختبئاً باسم مستعار فى منزل أسرة رورتى لبضعة شهور. وكان رورتى وقتها على اقتناع بأن الرجال المهذبين إما أن يكونوا تروتسكيين أو اشتراكيين. وكان على اقتناع ثانياً بأن قهر الفقراء مسألة حتمية إلى أن تحين نهاية الرأسمالية. وعندما بلغ اثنتي عشرة سنة أصبح على وعى بأنه إذا أرادأن يكون انساناً فعليه تكريس حياته لمحاربة الظلم الاجتماعي من أجل ترسيخ العدالة التى كانت تعنى عنده ما كان يعنيه تروتسكى بأنها تحرير الضعيف من القوى. وكان على اقتناع ثالثاً بأن مفهوم العدالة هو البداية والنهاية لأى بحث فلسفى لأن هذا المفهوم هو الذى يدفعنا إلى الايمان بالمطلق وبكل ما هو أبدى، وأن هذا الايمان هو الكفيل بنسف النازيين.
وعندما التحق رورتى بجامعة شيكاغو فى عام 1946 وجدها محكومة بهذا المطلق، وكانت فلسفة أفلاطون هى المعبرة عن هذا المطلق فقرأ مؤلفاته، ومن ثم ازداد اقتناعاً بفلسفة المطلق، وتصور بعد ذلك أنه لو أصبح فيلسوفا فإنه سيلتزم بأفلاطون، وقد كان. إلا أنه فى لحظة الالتزام أحس بتوتر إزاء الأفلاطونية، أي إزاء المطلق، كما أحس بتوتر إزاء فلسفة أمريكا التى تسمى البرجماتية والتى تعنى أن صدق الفكرة مرهون بفائدتها العملية وكذبها مرهون بضررها عملياً.
والسؤال اذن:

لماذا انتابه التوتر؟
وجاء جوابه على هيئة سؤال:
ما جدوى الفلسفة؟
والذى أنقذه من الجواب عن هذا السؤال هو الفيلسوف الألماني هيجل، إذ وجده على نقيض أفلاطون، فكل شىء عنده له تاريخ، ومع التاريخ يحدث التطور، والتطور على الضد مما هو أبدى. وعندئذ ارتأى رورتى أن المسألة الفلسفية لا تكمن فى مقارعة الحجة بالحجة من أجل التدليل على صحة فكرة أو فسادها إنما تكمن فى أنها مجرد ز روايةس يحكيها الفيلسوف كما يحكيها مؤرخ الفلسفة دون التساؤل عما إذا كانت الرواية تنطوي على مغزى أخلاقي أو أنها تُروى تحت شعار الأبدية. وأوضح هذه المسألة فى كتابه المعنون «الفلسفة ومرآة الطبيعة» (1979). وقد ترجم إلى أكثر من عشر لغات. رفضه الفلاسفة وتحمس له غير الفلاسفة، فأثار رورتى السؤال الآتي لمزيد من التوضيح:
أين يكمن الخطأ؟
أخطأ أفلاطون عندما تصور أن غاية الفلسفة البحث عن رؤية واحدة بلا منافس وارتأى أن هذا التصور هو نوع من خداع البصر، ومن ثم ابتعد عن أفلاطون، وأصدر كتابه المعنون «الصدفة والسخرية والتضامن» (1988). وقد ترجم هذا الكتاب أيضاً إلى أكثر من عشر لغات وفيه عبر رورتى عن رفضه للأفلاطونية، ومع ذلك لم يسلم من هجوم أهل اليمين واليسار معاًعلى غرار ما حدث لجون ديوى الممثل للفلسفة البرجماتية الأمريكية فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضى. إلا أن رورتى لم يتراجع بل أضاف بأن وعينا ذاته هو من منتجات البيئة الثقافية التى تلازمنا منذ الطفولة. وقد قيل عن هذه الفكرة إنها تُفضى إلى «النسبية الثقافية» فوافق رورتى على هذا القول ولكن بشرط ألا يُفهم من النسبية أنها تعنى المساواة بين الأضداد. فليس ثمة مساواة بين الليبراليين والنازيين، بل إن اتخاذ موقف محايد هو نوع من الإثم. والمجتمع الديمقراطي هو على الضد من هذا النوع من المساواة أو بالأدق من هذا النوع من الحياد لأنه مجتمع علماني. ومن هنا صك رورتى مصطلح ز الليبرالي الساخرس وهو ذلك المثقف الذى يكشط أو بالأدق يحذف الفكرة القائلة بأن القيم الليبرالية تتجاوز الزمان بدعوي أنها مغروزة فى طبيعة الانسان. أما الذى يرفض كشطها أو حذفها فهو «الليبرالي الحالم» الذى يلهث وراء كل ما هو ثابت ومطلق وفطري.
والمفارقة هنا أن رورتى قد انتهى من هذه المعركة بين فلاسفة اليمين واليسار إلى ترك الفلسفة والذهاب إلى الأدب إذ عنده هو الأفضل لأنه يمدنا بصور حسية وحكايات وروايات تكشف لنا عما نريد معرفته عن الانسان والكون.
لهذه الأسباب اختير رورتى لإجراء حوار مع نفر من الفلاسفة.
والسؤال إذن:

كيف جرى الحوار؟ ..




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (59) حوار حول حال الفلسفة    الثلاثاء 13 يناير 2015, 1:53 pm



 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (59) حوار حول حال الفلسفة


الثلاثاء 22 من ربيع الأول 1436 هــ 13 يناير 2015 السنة 139 العدد 46789

لماذا الحوار ومتى كان وبين مَنْ؟ إن الإحساس الجارف بالتغيرات المأساوية في عالمنا المعاصر لم تفلت منه الفلسفة. وقيل عن هذا الإحساس إنه نتيجة شيوع تيار ما بعد الحداثة، وهو تيار يشكك في سلطان العقل الذى كان محور عصر التنوير في القرن الثامن عشر.

وقد تكون أنت ضد هذا التيار ولكن هذه الضدية لا تعنى إنكار هذا التيار. فكل عصر به أفكار جديدة وبه مقاومة لهذه الأفكار. ومن هذه الزاوية فإن ما يحدث على هذا النحو يقال عنه إنه فلسفة معاصرة أيا كان زمان الحدوث. فإن قيل، مثلاً، إننا نساير الاحتمالات أو الصُدف فإن هذا القول يعنى أن ثمة جهداً لازماً للمحافظة على النظام أو لاستعادته لأن النظام يعنى الاتساق، والاتساق من المستلزمات الأساسية للإنسان. وليس في إمكان أي فيلسوف تحرير الفلسفة من ذلك الجهد. وإذا حدث ما يتعارض مع هذه المهمة فالحوار لازم، وقد كان. فقد تم لقاء بين الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتى والفيلسوف الألماني جورجنهابرماس في يومي 8، 9 مايو 1995 في معهد الفلسفة والاجتماع بأكاديمية العلوم البولندية في وارسو للحوار حول الحال المعاصر للفلسفة. وكان من المتوقع حضور الفيلسوف البولندي لزك كولاوسكى إلا أنه اعتذر ولكنه أرسل بحثه. ومع ذلك فإن فلاسفة آخرين التحقوا بالحوار.
وقد دار الحوار حول أسئلة ثلاثة من وضع رورتى وهى على النحو الآتي:
هل كان عصر التنوير ضرره أكثر من نفعه؟

هل الثقافة العلمانية كفيلة بتأسيس مجتمع مدنى لحمايته من الانهيار؟
هل لفظ «العقلانية» مفيد في تفسير الثقافة العلمانية.
كان مفهوم النسبية هو المفهوم المحوري الذى دارت حوله الاجابة عن الأسئلة الثلاثة، وهو يعنى ألا شيء مطلق وألا شيء ثابت. ومن هنا جاءت الاشارة إلى فيلسوف يوناني اسمه بروتاغوراس ( 480- 410 ق.م.) وشهرته مردودة إلى عبارة مأثورة حفرت نفسها في مسار تاريخ الفلسفة: الإنسان مقياس الأشياء جميعاً، بمعنى أن ما يبدو للإنسان أنه كذا يكون كذلك بالنسبة إليه. وانتقد أفلاطون ( 427- 347 ق.م.) هذه العبارة بعنف لأنه كان يرى أن مفاهيم الحق والخير والجمال هي مفاهيم مطلقة لأنها ليست من صنع الانسان إنما من صنع ذاتها وقائمة في عالم آخر غير هذا العالم الذى نعيش فيه. إلا أن كلا من رورتى وهابرماس وقف ضد هذه الرؤية الأفلاطونية. ولكن ما يعنينا هنا هو رؤية رورتى لأنه هو محور الحوار. والرأي عنده أن العلمانية هي بديل الأفلاطونية، وروايته عن مسار الفلسفة ليست إلا رواية عن الثقافة الأمريكية. وحيث إن رالف إمرسون من قدامى خريجي جامعة هارفارد وهو في الوقت نفسه يعتبر فيلسوف الديمقراطية برؤية علمانية فقد تقرر إنشاء قاعة باسمه بهذه الجامعة. وقد خُصصت هذه القاعة لقسم الفلسفة. وعندما سئل وليم جيمس مؤسس الفلسفة البراجماتية لأمريكا عما يُكتب عند مدخل القاعة قال: «يُكتب شعار بروتاغوراس الانسان مقياس الأشياء جميعاً. وبعدها أمضى أساتذة القسم إجازة الصيف وعندما عادوا وجدوا أن الشعار قد أزيل ووضع مكانه الشعار التالي: «ما هو هذا الانسان الذى أنتم منشغلون به»؟ وذلك بناء على أمر من رئيس جامعة هارفارد الذى كان مقاوماً للعلمانية. ومن هنا نشأ الصراع بين أتباع أفلاطون من جهة وأتباع بروتاغوراس قديما وامرسون حديثاً من جهة أخرى. ومن هنا أيضاً ناضل رورتى من أجل تحرير الثقافة من العقل والحقيقة والمعرفة على نحو ما يراها أفلاطون موضوعاً في عالم غير هذا العالم الذى نعيش فيه، ونقلها إلى العلمانية المتمثلة في عبارة بروتاغوراس الانسان مقياس الأشياء جميعاً. وكان قصد رورتى من هذه النقلة اقناعنا بأن الديمقراطية لا تلزمنا بالبحث عن العقل والحقيقة والمعرفة. وهذا ما يوافق عليه هابرماس ولكن رورتى يضيف شرطاً ليس متوفراً عند خصمه هابرماس وهو أنه ليس ثمة خطأ يخص العقل أو الحقيقة أو المعرفة وإنما كل ما فى الأمر أن مركز الثقافة لن يكون هو العقل أو الحقيقة أو المعرفة إنما يكون الاقناع من غير فرضه بالقوة، ومن ثم يكون الفرق بين أن تكون عقلانياً أو لاعقلانياً كامناً فى الفرق بين الاستعانة بالكلمات دون اللكمات.
ومع ذلك فإن ما يريده رورتى من هابرماس أن يكون منشغلاً بكيفية التعامل مع الأصولية الدينية وذلك بسبب تنامى قوتها فى أمريكا. إلا أن رورتى يرى أن البديل لن يكون الدعوة إلى دين مدنى وطني على نحو ما يرى رئيس أمريكا الأسبق فرنكلين روزفلت أو الشهيد الأسود مارتن لوثر كينج. فهذه رؤية حالمة وغير واقعية. أما رؤية رئيس أمريكا الأسبق توماس جيفرسون في ضمان الحرية الدينية مقابل عدم اقحام المؤمنين للدين في المسائل السياسية فهي رؤية شاعت وسادت في الحياة الأمريكية الوطنية. وهى رؤية أساسية لأنه بدونها يصبح العلمانيون تحت رحمة الأصوليين بعد فترة وجيزة. وإذا تحكمت الفاشية في أمريكا فالأصولية تباركها وتؤيدها. وهنا يقر رورتى بأنه إذا أريد له أن يتنبأ بالدولة التي يمكن أن ترث الفاشية الايطالية في زمن موسولينى فلن تكون إلا أمريكا. لماذا؟ لأن دولة الرفاهية غائبة عن كوكبية سوق العمل. وبسبب ذلك فإن انقضاض اليمين الأمريكي على السلطة أسرع من أي يمين آخر في أي بلد أوروبي. أما المثقفون فرهانهم، في رأى رورتى، كامن في رؤية حالمة عن دين وطني على نحو ما كان يرى كل من روزفلت ومارتن لوثر كنج.
وقيل إن رورتى وهو يحاول انقاذ الفلسفة بتحويلها إلى روايات قد حفر قبرها. فهل ماتت أم ماذا حدث؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (60) هل ماتت الفلسفة؟   الثلاثاء 20 يناير 2015, 8:58 pm



رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (60) هل ماتت الفلسفة؟


الثلاثاء 29 من ربيع الأول 1436 هــ 20 يناير 2015 السنة 139 العدد 46796

قد يبدو غريبا إثارة مثل هذا السؤال. فقد بدأت الفلسفة بالفيلسوف اليوناني طاليس في القرن السادس قبل الميلاد فماذا جرى حتى يثار هذا السؤال الآن؟

 إلا أن الغرابة تزول إذا عرفنا أن العلوم الطبيعية الحديثة نشأت في القرن السابع عشر وهىفى حالة انسلاخ من الفلسفة. ثم بدأت العلوم الانسانية تفكر في الانسلاخ أيضاً في القرن التاسع عشر. ولم يبق في مجال الفلسفة سوى اللغة. ولكن حتى هذه بدأت هي الأخرى تفكر في الانسحاب مع الربع الثاني من القرن العشرين.فقد قال الفيلسوف البريطاني من أصل نمساوي لودفيج فتجنشتين ( 1889- 1905): «وداعاً للفلسفة التي كانت تنشغل بالبحث عن التدليل على وجود الله وعن التدليل على خلود الروح. وكذلك وداعاً للفلسفة التي كانت تتوهم أنها قادرة على قنص الحقائق المطلقة. والنتيجة المترتبة على ذلك كله أن الفلسفة الحقة هي الخالية من القضايا الفلسفية». ومن هنا اختتم فنجنشتين أحد مؤلفاته بهذه العبارة «حيث يكون الكلام ممتنعاً يكون الصمت واجباً». والسؤال بعد ذلك: ماذا يكون مصير الفلسفة؟
جاء الجواب عن هذا السؤال في كتاب صدر عام 1996، أي بعد عام من الجدل الذى أُجرى بين الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتى وفلاسفة آخرين في عام 1995. أما كتاب 1996 فقد كان عنوانه «ما بعد الفلسفة: نهاية أم تحول» وهو عبارة عن جملة أبحاث لفلاسفة من مختلف التيارات، ويأتي في مقدمهم رورتى أيضا الذى هجر الفلسفة ورحل إلى الأدب. والتيارات عددها ثلاثة وهى مثارة على هيئة أسئلة ثلاثة: هل الفلسفة عبارة عن تأويلات ليس إلا؟ هل هي نظرية في اللغة وألاعيبها؟ هل هي برج بابل؟ وإذا كانت كذلك هل في امكان هذا البرج أن يفضى إلى حوار فلسفى خلاق؟ وقد قيل عن هذه الأسئلة الثلاثة أنها وُلدت من نقد فلسفة الفيلسوف الألماني العظيم كانط من القرن الثامن عشر. فإذا كان هذا الفيلسوف قد تميز بإعلان استقلال العقل بعيداً عن الوصاية سواء كانت وصاية دينية أو سياسية، كما تميز بنتيجة لازمة من هذا الاستقلال وهى استقلال الانسان من حيث هو ذات عاقلة فإن نقده قام به فلاسفة كُثر في مقدمتهم فرويد، إذ أضاف إلى الذات العاقلة الذات اللاعاقلة التي هي الأصل. وعبَر عن هذه الاضافة بمصطلحين هما «الأنا والهو». والهو هو جملة غرائز أما الأنا فهو جزء من الهو، ولكنه وحده يواجه العالم الخارجي بما فيه من محرمات ثقافية. ومن ثم تكون مهمته عدم السماح بإشباع الغرائز إلا بما يتفق وهذه المحرمات. ثم جاء ماركس وأضاف نقداً آخر بناء على تعريفه للإنسان بأنه «جملة علاقات اجتماعية». ومغزى هذا التعريف أن الوجود الاجتماعي للإنسان هو الذى يحدد وعيه الاجتماعي. وبناء عليه فإن الفلسفة تتحول إلى أن تكون هي علم الاجتماع.
وأخيرا قُضى على الفلسفة بالضربة القاضية من الفيلسوف الألماني نيتشه عندما أعلن أن اللغة مملوءة بعبارات بلاغية، ومن ثم تتحول النصوص الفلسفية إلى نصوص أدبية، ويتحول الفيلسوف إلى أديب. وفى هذا الاطار حاول رورتى انقاذ الفلسفة البرجماتية الأمريكية وذلك بتحويلها إلى «ثقافة ما بعد الفلسفة» ويكون من شأنها تحرير الفلسفة من اليقين، أي من البحث عن أسس ونهايات مطلقة، أي تحريرها من أفلاطون الذى أول من دعا إلى انشغال الفلسفة بمطلقات ثلاثة: الحق والخير والجمال.
والسؤال بعد ذلك: هل بديل الفلسفة نهايتها أو تحولها؟
جوابي أن البديل ليس هو نهاية الفلسفة أو تحولها إنما البديل هو تذكر الفلاسفة لمهمتهم الأصلية التي من أجلها نشأت الفلسفة.وإذا قيل عن طاليس إنه أبو الفلسفة فهو لأنه أراد أن يؤسس رؤية كونية علمية بديلاً عن الرؤية الكونية الأسطورية التي كانت متحكمة في العقل الإنساني. ومن هنا فإن أهمية طاليس مردودة إلى أن رؤيته قد أحدثت تأثيراً فيمن جاءوا من بعده وساروا في اتجاهه مع تباين آرائهم ولكنهم في النهاية أُطلق عليهم «الفلاسفة الطبيعيون» أي الذين يكتفون بالطبيعة ولا يتجاوزونها إلى «ما بعد الطبيعة» إلا أن التجاوز قد تم عند أفلاطون ومن ثم انحرفت الفلسفة عن مسارها الطبيعي. هذا ما حدث للفلسفة ما قبل الميلاد، أما ما حدث بعد الميلاد فقد تبلور في القرن الثامن عشر عندما أسس كانط «رؤية كونية» تستند إلى شعار «كن جريئاً في إعمال عقلك» لأنك لا تملك سواه. ثم قيل عن هذا الشعار إنه شعار «عصر التنوير» الذى كان يخص النخبة، ولكن بقى بعد ذلك أن يتحول عصر التنوير إلى عصر متنور وذلك بأن يمتد التنوير من النخبة إلى رجل الشارع من حيث هو محصور في عقله الأسطوري. والمطلوب تحريره من هذا العقل. وهذه هي مهمة الفلسفة في القرن الحادي والعشرين. ومن غير الانشغال بهذه المهمة تنشأ علاقة عضوية بين ذلك العقل الأسطوري والارهاب على مستوى كوكب الأرض، ومن ثم تصبح هذه العلاقة كوكبية، وعندئذ لا تقف النهاية عند الفلسفة بل تمتد إلى كوكب الأرض.
والسؤال بعد ذلك: هل في إمكان ابن رشد المساهمة في منع هذه النهاية المأساوية؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (61) ابن رشد هنا والآن   السبت 31 يناير 2015, 10:53 pm



 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (61) ابن رشد هنا والآن


الثلاثاء 7 من ربيع الآخر 1436 هــ 27 يناير 2015 السنة 139 العدد 46803

أقصد بلفظ «هنا» العالم الإسلامي، وأشير بلفظ «الآن» إلى القرن الحادى والعشرين، ويكون العنوان فى صيغة أخرى «مكانة ابن رشد فى العالم الإسلامى فى القرن الحادى والعشرين».

والعنوان فى صيغته الأصلية كان بحثاً ألقيته فى المؤتمر العالمى الذى انعقد فى مونتريال بكندا فى عام 2000 تحت عنوان «التعايش البشرى والتنمية المستدامة» لمواجهة تحديات الكوكبية. ومن بين هذه التحديات موت المسافة مكانياً وزمانياً الأمر الذى يمتنع معه الانغلاق وكراهية الآخر، وهما ظاهرتان متلازمتان فى العالم الإسلامى المعاصر. وكان الرأى عندى ولا يزال أن فلسفة ابن رشد كفيلة باجتثاث جذور هاتين الظاهرتين. والسؤال اذن: لماذا ابن رشد دون غيره من الفلاسفة المسلمين؟
جوابى أن ابن رشد هو الفيلسوف المتفرد الذى تميز بنهاية مأساوية له وللعالم الإسلامي. فقد كُفر وأُحرقت مؤلفاته ونُفى إلى قرية «أليسانه» باسبانيا وكانت قرية تموج باليهود. ومن هنا قيل عنه بالوهم إنه من أصل يهودي. أما العالم الإسلامى فقد أصابته الدوجماطيقية التى تعنى توهم امتلاك الحقيقة المطلقة فانعزل عن العالم الغربى الذى أفاد من فلسفة ابن رشد، إذ نشأ فيه تيار «الرشدية اللاتينية» الذى كان سببا فى بزوغ الاصلاح الدينى فى القرن السادس عشر والذى يعنى إعمال العقل فى النص الديني، وبزوغ التنوير فى القرن الثامن عشر الذى يعنى تحرير العقل من كل سلطان ما عدا سلطان العقل.
والسؤال اذن: ما العلاقة بين تكفير ابن رشد وعزلة العالم الإسلامي؟
كان العالم الإسلامى يواجه تناقضا حادا بين حقيقتين: حقيقة دينية وحقيقة فلسفية. وقد ورد هذا التناقض فى كتاب ابن رشد المعنون «فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال». وقد أزاله بمفهوم «التأويل». والسؤال اذن: ماذا يعنى التأويل عند ابن رشد؟
يعنى عنده أن النص الدينى له معنيان: أحدهما ظاهر يدرك بالحواس والآخر باطن يدرك بالعقل. فإذا اتفق المعنى الظاهر مع مقتضيات العقل وقواعد البرهان فلا خلاف. أما إذا جاء المعنى الظاهر مخالفاً فيلزم تأويله، أى يلزم الاستعانة بالمجاز الذى يسمح بتجاوز المعنى الظاهر إلى المعنى الباطن. وهذا التجاوز لا يتم إلا بإعمال العقل. والنتيجة المترتبة على ذلك هى القول إن «الفلسفة هى الشريعة مؤولة» بمعنى أن تأويل الشريعة هو الذى يفضى بها إلى أن تكون فلسفة. و يترتب على ذلك أن تصبح الفلسفة مشروعة شرعاً وكذلك يصبح التأويل. ومع التأويل يمتنع الاجماع، ومع امتناع الاجماع يمتنع التكفير. وكانت هذه النتيجة التى انتهى إليها ابن رشد رداً على الإمام الغزالى من القرن الحادى عشر، والذى كفر الفلاسفة المسلمين فى مفتتح كتابه المعنون «تهافت الفلاسفة» بدعوى أنهم تأثروا بالفلسفة اليونانية الوثنية. ثم جاء ابن تيمية فى القرن الثالث عشر وكفر ابن رشد وقال عن التأويل إنه بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار، وفى القرن الثامن عشر نشأت الوهابية فى شبه الجزيرة العربية مستندة إلى فكر ابن تيمية، وفى القرن العشرين تأسست حركة الاخوان المسلمين مستندة أيضا إلى ذاك الفكر. ومن هنا نشأت العلاقة العضوية بين الوهابية والاخوان المسلمين. وبعد ذلك أصبح ابن رشد هامشياً فى تاريخ الفلسفة الاسلامية.
وقد حاول فرح أنطون إعادة ابن رشد إلى المركز فى كتابه المعنون «ابن رشد وفلسفته» (1903). وكانت الغاية من تأليفه الدعوة إلى فصل السلطة الزمنية عن السلطة الدينية فى الشرق. إلا أن محاولته قد أُجهضت.فقد أعلنت «مجلة المنار» لصاحبها رشيد رضا أن هذا الكتاب قد أهان العقائد الاسلامية كما أهان أئمة المسلمين، ثم حرض الشيخ محمد عبده على المشاركة فى الهجوم وقد كان. والمفارقة هنا أن فرح أنطون يقول فى التمهيد لكتابه إن صاحب «المنار» هو ابن بلده ورفيقه فى سفره لأنهما قدما من طرابلس الشام إلى مصر فى باخرة واحدة. وفى عبارة أخرى يمكن القول إن هذه الباخرة جمعت بين شخصيتين تاريخيتين إحداهما علمانية والأخرى أصولية. فهل من علاقة بين ما حدث بينهما وما هو حادث الآن؟.
وفى المؤتمر الدولى الأول الذى عقدته كلية التربية بجامعة عين شمس بالتعاون مع مؤسسة كونرادأديناور فى نوفمبر 1979 تحت عنوان «الاسلام والحضارة» ألقى زكى نجيب محمود بحثاً عنوانه «طريق العقل فى التراث الإسلامي». وإثر انتهائه من القاء بحثه سأله سكرتير عام الاتحاد الدولى للجمعيات الفلسفية أندريه مرسييه عما إذا كان فى التراث الإسلامى علم الهرمنيوطيقا، أى علم التأويل فأجاب بالسلب بدعوى أن الاسلام دين عقلانى وبالتالى فإنه ليس فى حاجة إلى تأويل، وإذا وجدت آيات قرآنية تتحدى العقل فإنه ينبغى أن تؤخذ على محمل الايمان ومن غير أن تخضع للتساؤل.
أما عن بحثى فى ذلك المؤتمر فقد كان عنوانه «مفارقة ابن رشد» ومعناها أن ابن رشد حى فى الغرب ميت فى الشرق ورحت أدلل على صحة هذا المعنى. ومع ذلك فقد كانت هذه المفارقة موضع جدل صاخب من قِبل المستشرقين الغربيين بدعوى أننى أقدس ابن رشد وأحيله إلى أيقونة دولية، أما ادعائى بأن التنوير الأوروبى متجذر فى ابن رشد فهو ادعاء باطل لأنه ليس من المروجين للتنوير، وأنه من الأفضل للعالم الإسلامى أن ينشغل بالمتصوفة من أمثال الحلاج وابن عربي. وأظن أن «مفارقة ابن رشد» جديرة بأن تكون موضع حوار من أجل الكشف عن مدى مشروعيتها فى تأسيس علاقة عضوية بين العالميْن الإسلامى والغربى من أجل مواجهة تحديات الارهاب الكوكبي.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (62) إشكالية الأديان   الثلاثاء 03 فبراير 2015, 6:12 pm



 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (62) إشكالية الأديان


الثلاثاء 14 من ربيع الآخر 1436 هــ 3 فبراير 2015 السنة 139 العدد 46810


ورد إلى ذهنى عنوان هذا المقال بعد أن قرأت عبارة متكررة فى مفتتح ثلاثة منشورات معاصرة. وموجز العبارة أن الأديان متسامحة ومتعصبة، وهى بذلك تنطوى على إشكالية، أى على تناقض.
وأفصَل القول على النحو الآتي:
فى عام 2004 صدر مجلد ضخم عنوانه خريطة الدين مع عبارة تحت العنوان تقول حيث يحيا الله، حيث يسير الحجاج. ومع ذلك فإن العبارة الأولى فى مفتتح المجلد تقول مع بداية القرن الواحد والعشرين أصيب العالم بتمزق بسبب الحرب والارهاب. ويقال عن هذا الارهاب إنه قد حدث فى الأغلب باسم الدين. فأغلب التسجيلات التاريخية تخبرنا بتصادم الأديان المتباينة فى دفاعها عن عقائدها ودفعها إلى أن تكون فى الصدارة. ومع ذلك فالمجلد لا ينشغل ببيان حروبها الدينية بل ينشغل، على الضد من ذلك، بالبحث عن المصل المضاد لهذه الحروب.

وهذا المصل وارد فى السمات المشتركة لخمسة أديان اختارها مؤلفو المجلد من بين أربعة عشر دينا حيا وهى الهندوسية والبوذيةفى الهند، وأديان التوحيد الثلاثة: اليهودية والمسيحية والاسلام، وفى متابعة هذه السمات فى مساراتها وانتشارها على كوكب الأرض فى القرن الواحد والعشرين. وأظن أنه بسبب هذه السمات المشتركة جاء عنوان ذلك المجلد خريطة الدين وليس خريطة الأديان.

والسؤال اذن:
ما هى السمات المشتركة لهذه الأديان الخمسة بحيث تحيلها من أديان متعددة إلى دين واحد؟

الاعتقاد فى موجود أعلي.
الاعتقاد فى أن ممارسة الإحسان تُفضى إلى مكافأة المانح والممنوح.
الاعتقاد فى حياة أخري.
الاعتقاد فى أن قواعد السلوك متشابهة فى كل الأديان.
وهنا يأمل مؤلفو ذلك المجلد بأن تكون هذه القواعد هى أساس معرفة أصحاب كل عقيدة بعقيدة الآخرين على نحو ما يرى هؤلاء المؤلفون وهم من مستوى رفيع المقام. فمقدمة المجلد كتبها كبير أساقفة جنوب إفريقيا دزموندتوتو وابنته القسيسةمهوتوتو. والخاتمة كتبها قداسة الدالاى لاما. والثلاثة أعضاء فى المجلس الاستشارى للمجلد ويبلغ عددهم عشرة. ومضمون المجلد فى إطار الأديان الخمسة يشير إلى أنها بحكم طبيعتها الكوكبية تفرض وحدة البشر وتلفت انتباه المؤمنين على تباينهم إلى هذه الوحدة التى هى موضع نسيان بسبب تباين اللغات والثقافات والأديان. ومع ذلك فهى كامنة فى شوقهم لتحقيق السلام وما يلازمه من إحساس بالسعادة.
ومع ذلك فثمة سؤال لابد أن يثار:

ماذا يحدث لو امتنع البشر عن تذكر وحدة الأديان؟
وفى كتاب ثان عنوانه التسامح الدينى فى عالم الأديان ( 2008) وحرره ستة عشر من علماء الدين. ومع ذلك فالعبارة الأولى فى مفتتح الكتاب تقول: لا أحد يعترض على القول بأن الأديان متعصبة. ومع ذلك فإن التسجيلات المتناقضة للتراث الدينى بوجه عام تحتوى على تعاليم تحض على التسامح. إلا أن الكتاب يحاول الكشف فى أبحاثه الميدانية للأديان الكبرى عن مكوناتها العقائدية التى تشير إلى التسامح كما تشير إلى التعصب. والغاية بعد ذلك تكمن فى بيان مدى تسامح تلك الأديان مع الملحد أو غير المؤمن.
والسؤال بعد ذلك:

لماذا الأديان متعصبة مع أن عنوان الكتاب التسامح الدينى فى عالم الأديان؟
الجواب وارد فى مقدمة الكتاب وهو أن الأديان بحكم طبيعتها متنافسة لأن كلا منها يزعم أنه يمتلك الحقيقة المطلقة. وحيث إن الحقيقة المطلقة واحدة ولا تقبل التعدد فإن الأديان تدخل بالضرورة فى صراع. ولكن على الأديان أن تتعلم كيف تتعايش معا على الرغم من أنها فى حالة صراع. ومن هنا يثير الكتاب السؤال الآتي:
ما هى الأفكار التى تقدمها الأديان من أجل تغذية التسامح فى إطار تراث دينى متعصب؟
وفى صياغة أوضح:
ما هى الأفكار التى يتبناها دين ما من أجل التدليل على رؤيته للمساواة بين البشر فى الحقوق والواجبات بغض النظر عن تباين معتقداتهم؟
يبقى بعد ذلك كتاب ثالث وهو عدد مخصص من مجلة سانت أنتونى الدولية بجامعة أكسفورد تحت عنوان الدين والنظام العالمى ( يناير 2008). تقول العبارة الأولى بقلم هيئة التحرير: بعد أن دعا الناعى إلى تشييع جنازة الأديان فى نهاية القرن العشرين فإذا بأحداث 11/9/2001 تعيد الأديان إلى الصدارة، وتحرض الكل على التساؤل عن دور الدين فى القرن الواحد والعشرين بالرغم من التقدم العلمى وتراكم الثروة. فقد قالت مادلين أولبرايت التى كانت سفيرة أمريكا لدى الأمم المتحدة ووزيرة خارجية فى الحكومة الأمريكية: كان ما يشغلنا هو التفكير فى مستقبل تكون فيه الأمم متقاربة بقدر ما يكون اقترابها قويا من الديمقراطية. ولكن ما هو حادث الآن على الضد من ذلك وهو أن العالم فى حالة تمزق بسبب عاهات تاريخية كامنة فى الثقافات والعقائد الدينية.
أما الرأى عندى فهو أن ثمة تناقضا حادا بين الثورة العلمية والتكنولوجية التى أفرزت ظاهرة الكوكبية التى تعنى فى المقام الأول موت المسافة مكانيا وزمانيا وبين علوم العقائد المتسمة بالأصولية وتحض على منع المسافة من أن تموت، وذلك لأن الأصوليات بحكم طبيعتها تضع حدودا فاصلة بين عقيدة وأخرى الأمر الذى من شأنه دفع العقائد إلى التصادم بحيث لا يكون فى إمكان أحد منعه أيا كانت سلطته.
والسؤال بعد ذلك:

هل محكوم على البشر أن يكونوا فى حالة تصادم دائم؟





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (63) سكاتولينى والثورة الدينية   الثلاثاء 10 فبراير 2015, 8:05 pm

 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (63) سكاتولينى والثورة الدينية


الثلاثاء 21 من ربيع الآخر 1436 هــ 10 فبراير 2015 السنة 139 العدد 46817

انتبهوا إلى هذا المفكر. إنه ملتزم بإحداث ثورة دينية. اسمه مع لقبه الأب الدكتور جوزيف سكاتولينى أستاذ التصوف الإسلامى بالمعهد البابوى للدراسات العربية والاسلامية بروما. أهدانى فى 30/12/ 2014 ثلاثة من مؤلفاته وكلها فى التصوف.

صدر منها اثنان فى عام 2013 أحدهما تحت عنوان «ديوان ابن الفارض» والآخر تحت عنوان «التجليات الروحية فى الاسلام»، أما الثالث فعنوانه الرئيسى «تأملات فى التصوف والحوار الديني»، وعنوانه الفرعى «من أجل ثورة روحية متجددة». والثلاثة من منشورات «الهيئة المصرية العامة للكتاب» وهى إحدى الهيئات الكبرى بوزارة الثقافة.
قال عنه الراحل الدكتور محمود عزب مستشار الإمام الأكبر شيخ الأزهر فى تقديمه للكتاب الثالث:« للأب سكاتولينى تاريخ طويل فى علاقته بالحوار وإسهامه فى لقاءات عملية بين أهل الأديان والثقافات فى عواصم الشرق والغرب. وقد عرفناه عن قرب وخبرناه كفاءة عالية فى هذه اللقاءات. إذ هو يؤكد حقيقة يتفق فيها مع رؤيتنا فى مركز الحوار بالأزهر الشريف ومفادها أن العقيدة ليست موضوع حوار. ففى رأيه أنه «يجب على كل طرف أن يدخل فى الحوار الدينى الخاص بغير تنكر، إلا أنه فى نفس الوقت يجب أن ينفتح كل طرف من أطراف الحوار من داخل إيمانه على التعرف بل التفاهم والتبادل مع الآخر المختلف. فهذا الاختلاف يمثل بلا شك غنَى للحوار الدينى لا تقصيراً فيه. ومن هنا يجب أن أترك للقارئ فرصة الدخول مباشرة إلى عالم الحوار عند الأب سكاتولينى وأن يحاوره وهو يقرؤه وأن يفيد منه».
والسؤال اذن:

إذا لم تكن العقيدة موضوع حوار بين أهل الأديان فىرأى سكاتولينى فماذا يكون موضوع الحوار؟
الحوار، فى رأى سكاتولينى ينبغى أن يكون أساسه الاتفاق لا الافتراق. وحيث إن العقائد تفرق فهى اذن لن تكون صالحة لأن تكون موضوعاً للحوار، إنما الذى يكون صالحاً هو الحياة الروحية الصوفية المشتركة بين الأديان العالمية. إلا أن هذا الحوار الصوفى الذى دعا إليه سكاتولينى ومارسه لم يكن هو أول حوار من هذا القبيل، فقد سبق أن دعا إليه المستشرق الفرنسى لويس ماسينيون ( 1883- 1962) فى الأربعينيات من القرن الماضي.
فى عام 1946 دعانى الأب قنواتى للانضمام إلى «جماعة إخوان الصفاء» وهى جماعة نشأت فى القاهرة فى يناير 1941، وكان من أعضائها الأب عيروط والشيخ محمد يوسف موسى والشيخ محمد بدران ومحمود الخضيرى وعثمان أمين. وفى مقدمة هؤلاء لويس ماسينيون الذى كان يعتبر الأب الروحى للجماعة وللحوار الإسلامى المسيحي، إذ ارتأى أن ثمة تماثلاً بين التصوف الإسلامى والتصوف المسيحى متجسداً فى المتصوف المسلم الحسين بن منصور الحلاج المشهور عنه هذا القول المفارق «أنا الحق» الوارد فى كتابه الطواسين والذى نشره ماسينيون فى عام 1913.وفى رأيه أن هذا القول معناه «أنا الحق الخالق». وهذا المعنى يشير إلى ثنائية الطبيعة الالهية: اللاهوت والناسوت. وهو مصطلح نقله الحلاج عن المسيحيين السريان الذين استعملوه للدلالة على طبيعتى المسيح وعبَر عنه الحلاج شعراً على النحو الآتي:
أنا مـَنْ أهــوى ومَنْ أهــوى أنا
نحـــن روحــان حــللنا بـــدنــــا
فإذا أبصـــرتنى أبصـــرته
وإذا أبصـــرتــــه أبـصـــرتنــــا
وبعد ذلك ألف ماسينيون كتاباً من جزءين عن الحلاج عنوانه: «عذاب الحلاج شهيد التصوف فى الاسلام» (1922). وهو بالفعل شهيد لأنه بسبب رأيه فى «الحق» سُجن فى عام 1913 وأُعدم فى عام 1922 بدعوى أنه كافر.
أما أنا فقد تصورت أن الحوار الإسلامى المسيحى المستند إلى التصوف يدخل فى تناقض مع ما كان يموج به المجتمع المصرى من ارهاصات ثورية تنبئ عن تغيير مرتقب فى نظام الحكم فانسحبت من «الجماعة» فى عام 1948. وقد حدث هذا التغيير المرتقب فى ثورة يوليو 1952. وبعدها أصدر الرئيس عبد الناصر قراراً بإلغاء هذه «الجماعة». ولكنها أعيدت مرة أخرى بقرار من الرئيس المؤمن أنور السادات فى عام 1978 تحت مسمى «الإخاء الديني».
والسؤال اذن:

لماذا الالغاء ولماذا الإعادة؟
جوابى أن السبب فى الحالتين مردود إلى علاقة كل من الرئيسين بالكتلة الشيوعية. كان ناصر منحازاً لها وكان السادات معادياً لها. وجماعة إخوان الصفاء معادية لها، والحوار الصوفى الإسلامى المسيحى كفيل بالمساهمة فى القضاء عليها، وقد كان. ففى عام 1991 انهارت الكتلة الشيوعية.
والسؤال بعد ذلك:

مَنْ هو العدو القادم للحوار الصوفى الذى يدعو إليه سكاتولينى؟
قبل الجواب عن هذا السؤال يحدد سكاتولينى معنى الحوار على النحو الآتي: لفظ حوار فى اللغة اليونانية القديمة مكون من مقطعين: المقطع الأول dia يعنى «بين»، والمقطع الثانى logos ويعنى «العقل». ومعنى ذلك أن الحوار يدور بين طرفين استناداً إلى العقل، وهو على ثلاثة مستويات: المستوى الأول يكمن فى حوار الانسان مع ذاته، والمستوى الثانى يكمن فى حواره مع غيره من بنى البشر، والمستوى الثالث يكمن فى حواره مع المطلق. ومعنى ذلك أيضا أن الحوار متجذر فى الانسان، ولكنه فى المستويات الثلاثة ذو طابع صوفي، والمستوى الثالث هو أهم المستويات الثلاثة لأن الانسان هو الكائن المدعو إلى اللقاء مع أساسه وهو المطلق الذى هو غاية الانسان من رحلته عبر الزمان. إلا أن هذا المطلق ينكشف له على أنه فى آن واحد هو «مطلق الضرورة للإنسان»، أى لا غنى عنه فى وجوده، وهو مستقل عنه بمعنى أنه لا يمكن للإنسان الالتقاء به إلا بموافقته.
وبعد تحديد هذه المستويات الثلاثة للحوار يحدد سكاتولينى عدو ذلك الحوار، وهو فى رأيه السوق الكوكبي. فما معنى هذا المصطلح؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» ( 64) كوكبية الإنسان   الأربعاء 25 فبراير 2015, 4:37 am

 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» ( 64) كوكبية الإنسان
الثلاثاء 5 من جمادي الاولى 1436 هــ 24 فبراير 2015 السنة 139 العدد 46831
شئت أو لم تشأ فالإرهاب كوكبياً يستلزم انساناًكوكبياً. الكوكبية اذن تلف الطرفين معاً مع أنهما متناقضان بحكم أن الارهاب الكوكبى ينطوى على قتل كوكبي. وقد نختزل الطرفين المتناقضين فى لفظ واحد وهو الكوكبية، ونتساءل بعد ذلك عن معنى الكوكبية. والأب الدكتور جوزيف سكاتولين مهموم ببيان ذلك المعنى فى كتابه المعنون « تأملات فى التصوف والحوار الديني» (2013).
والسؤال إذن: ما هو ذلك المعنى؟
قبل معرفة جواب سكاتولين يلزم لفت الانتباه إلى التباين القائم بينى وبينه فى ترجمة المصطلح الإنجليزى وهو Globalization هو يتبنى الترجمة الشائعة وهى «العولمة» أما أنا فملتزم بجذر المصطلح الإنجليزى وهو Globeويعنى كوكب الأرض، وأصله اللاتينى Globus يحمل نفس المعنى. أما مصطلح العولمة فمشتق من لفظ العالم الذى يعنى جملة الكواكب والنجوم. وبناء عليه يكون من المشروع إشاعة مصطلح الكوكبية واستبعاد مصطلح العولمة.
وفى رأى سكاتولين أننا نحيا فى عصر الكوكبية وما يميزه هو السوق الكوكبية التى تتسم بإلغاء الحدود الثقافية والاجتماعية والسياسية. وهذا الالغاء بدوره يُفضى إلى ثقافة كوكبية تفكك الخصوصيات ومن بينها المؤسسات الدينية، ولكن الأخطر من ذلك هو تفكك الانسان وإحالته إلى انسان آلى أى «روبوت». ومن هنا يؤسس سكاتولين علاقة بين الكوكبية والروبتية، ويكون من شأن هذه العلاقة سقوط القيم الانسانية وصعود البربرية. ومع صعودها تعود البشرية إلى روح القبيلة بهدف المحافظة على الهويات الخاصة التقليدية.
ومع ذلك فثمة سؤال لابد أن يثار: ما أصل الروبتية؟ جوابى على هيئة قصة جديرة بأن تُروى وأنا أنقلها من كتابى المعنون «فلسفة الابداع» ( 1996): فى الثلاثينيات من القرن العشرين فى كمبريدج ما ساشوستس بأمريكا كان يجتمع فريق من العلماء مرة كل شهر برئاسة عالم الفيزياء المكسيكى أرتورروزنبلوث ثم انضم إليهم عالم الرياضة الأمريكى نوربرت وينر. وكان الرأى السائد أن ثمة تناقضاً بين العلوم الرياضية والعلوم البيولوجية الأمر الذى أدى إلى سيادة رؤية تجزيئية للعلوم. وكان السؤال: هل فى الامكان رفع هذا التناقض؟ وحاول هؤلاء العلماء رفع هذا التناقض فارتأى كل من روزنبلوثووينر أن الآلات قد تكون فى عملها مماثلة للجهاز العصبي. وقد تسهم نظرية الاتصالات فى دراسة دماغ الانسان، وبذلك تتداخل العلوم البيولوجية والعلوم الرياضية فتنشأ عن ذلك «علوم بينية». وقد كان فأصدر وينر كتاباً يصف فيه علماً جديداً أسماه «السيبرنطيقا: التحكم والاتصال فى الحيوان والآلة» (1948). ولفظ سيبرنطيقا مشتق من اللفظ اليونانيKubernetesويعنى ربان السفينة. ولفظ «الحاكم» Governer مشتق من نفس الجذر اليوناني. وقد صك وينر هذا المصطلح لسببين: السبب الأول مردود إلى بحث للعالم الفيزيائى جيمس كلارك مكسويل بعنوان نظرية «الحكام» ويتناول التنظيم الذاتى أو ميكانزم التحكم Feedback mechanism . وكان جيمس وات ـ مخترع الآلة البخارية- قد أطلق لفظ «الحكام» على ميكانزم التحكم. والسبب الثانى مردود إلى أن ميكانزم قيادة السفينة هو أفضل ميكانزمات التحكم. وبفضل السيبرنطيقا تمت صناعة الكومبيوتر. وفى عام 1982 ظهر على غلاف مجلة التايمز عنوان مثير «انسان عام 1982». ولم يكن انساناً بل آلة تسمى الكومبيوتر تنبئ بثورة هى ثورة الكومبيوتر وتدور على صناعة «عقل صناعي» يدلل ويبرهن. وبفضل هذا العقل نميز بين المعلومات والمعرفة من حيث إن المعرفة هى معلومات صيغت وأُولت وأحدثت تأثيراً فى الواقع.وبهذا المعنى قيل إن المعرفة قوة، وهو قول سبق أن قاله الفيلسوف الإنجليزى فرنسيس بيكون فى القرن السابع عشر، ولكنه قول لم يتجسد إلا فى ثورة الكومبيوتر، وبذلك أصبحت المعرفة قوة انتاجية تحدث تأثيراً فى قوى الانتاج إذ اصبحت قوة رابعة بالإضافة إلى القوى التقليدية الثلاث للإنتاج وهى الأرض ورأس المال والعمل. وفى تقديرى أن العمل فى ضوء مقولة «المعرفة قوة» هو العمل العقلي، وبالتالى يكون عمال المستقبل عمالاً عقليين أو معرفيين، ومن ثم يمكن القول بأن «المعرفة تحكم» .
خلاصة القصة التى رويتها أن العلوم البينية وثورة الكومبيوتر وقوة المعرفة تكشف عن منطق جديد هو «منطق الابداع». وهو منطق يتسق مع خاصية الانسان الأساسية وهى أنه حيوان مبدع. وبفضل هذه الخاصية تمكن الانسان من ابتداع التكنيك الزراعى والذى بفضله نشأت الحضارة الزراعية التى هى بداية الحضارة الانسانية والتى تطورت إلى أن وصلنا إلى الحضارة الكوكبية بما فيها الانسان الآلى الذى بفضله استعاد الانسان خاصيته المبدعة. وتأسيساً على ذلك يمكن القول إن الأب سكاتولين لم يكن موفقاً فى انزعاجه من الكوكبية ومن الروبتية وفى تشاؤمه من حدوث ردة بربرية، بل يكون موفقاً إذا ارتأى أن البربرية واردة من الأصوليين الذين يعادون هذا المسار الكوكبى للحضارة الانسانية. وأنا أريده أن يكون موفقاً حتى نكوَن جبهة كوكبية للقضاء على البربرية. والفقرة الأولى من بحثه الذى ألقاه فى مؤتمر الجمعية الفلسفية المصرية فى عام 2013 تشى بإمكان تكوين هذه الجبهة. فعنوان بحثه «العلمانية والأصولية فى فكر مراد وهبه». قال: «يُعد الدكتور مراد وهبة من أبرز مفكرى العرب ومن أشد أنصار فكر العلمانية فى العالم العربى وله فى ذلك سجل حافل من المؤلفات والمحاضرات والمقالات. ولا شك أنه يستحق التقدير الذى يحاط به رغم المعارضة العنيفة المعلنة عليه من طرف الذين يدينون فكره بحجة أنه مخالف لبعض الآراء الدينية التقليدية. وأظن أنه هو أيضاً مخالف. كيف؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ«القرن الحادى والعشرين» (65) المطلق والنسبى عند سكاتولين   الثلاثاء 14 أبريل 2015, 7:59 pm

 رؤيتى لـ«القرن الحادى والعشرين» (65) المطلق والنسبى عند سكاتولين


الثلاثاء 12 من جمادي الاولى 1436 هــ 3 مارس 2015 السنة 139 العدد 46838


اذا كان الأب الدكتور جوزيف سكاتولين ملتزماً بإحداث ثورة دينية فهو بالضرورة فى وضع مخالف. ومخالفته كامنة فى مفهومه عن المطلق.فهو على غير المألوف قادر على الحوار مع المطلق، إلا أن هذه القدرة تشترط موافقة المطلق ذاته، وهذه الموافقة بدورها تشترط أن يكون القادر على الحوار فى حالة صوفية، أى يكون متصوفاً. وبهذا المعنى فإن الحوار بين الأديان لن يستقيم إلا إذا كان المتصوف هو أساس ذلك الحوار.
 وإذا كان ذلك كذلك فليس فى الامكان إجراء الحوار استناداً إلى المعانى الحسية الظاهرية للنصوص الدينية بل استناداًإلى ارتباطها خفية بمصدرها الأساسى وهو المطلق. ومن هنا فإن تعريف سكاتولين للإنسان هو أنه «الحاج نحو المطلق» دون اللقاء معه. أما إذا حدث والتقى الانسان بالمطلق فإنه يصبح، فى هذه الحالة، مشاركاً فى مطلقية المطلق وبالتالى يصبح خليفة على مخلوقاته.
وليس ثمة عائق أمام هذا الانسان الحاج سوى الرؤية العلمانية الناتجة من الثورة العلمية والتكنولوجية والتى بمقتضاها أصبح عبداً لها وبالتالى أصبح خالياً من القيم الانسانية. وهنا يصطدم سكاتولين بتناقض يقوم بين هذه الثورة من جهة والتقاليد الدينية من جهة أخرى. فقد امتدت هذه الثورة إلى الكون فارتأت أن ثمة نقطة بداية فى نشأته وهى التى تسمى بـــ «الانفجار العظيم». وكان من شأن هذا الانفجار أن أصبح الكون فى حالة تمدد بلا توقف اختفت معها الملائكة التى كانت تحدث تأثيراتها على سكان كوكب الأرض، وقد حاول أينشتين البحث عن بديل للملائكة فوجده فى «المجال الموحِد».ومن سمة هذا المجال أن يكون مؤسساً لرؤية كونية علمية. وارتأى بعد ذلك أن من شأن هذه الرؤية العلمية أن تحدث تغييراً فى المفهوم التقليدى للدين، وهو مفهوم مرَ بمرحلتين: المرحلة الأولى هى تصور الله على مثال الانسان، والمرحلة الثانية هى تصور الله بعيداً عن تشبيهه بالإنسان. أما المرحلة الثالثة فهى الرؤية التى يريدها أينشتين للدين وتتميز ببزوغ الحس الدينى الكوني، وهو حس خال من أى معتقد مطلق يُتخذ منطلقاً لتأسيس المعابد والمؤسسات الدينية. وأظن أن العالِم الجيولوجى واللاهوتى تيار دى شاردان قد استجاب للمرحلة الثالثة فألف كتابا عنوانه «الظاهرة الانسانية». وأهم ما فيه الفصل الثالث وعنوانه الرئيسى «الأرض الحديثة» وعنوانه الفرعى «تغير العصر»، وهذا التغير يعني، فى رأيه، تغير المحور، أى أن ثمة محوراً جديداً نعبر إليه من المحور القديم. وهذا المحور الجديد يكمن فى لزوم رؤية السماء والأرض فى آن واحد. بيد أن هذا اللزوم ينطوى على تناقض من حيث إن الأرض فى حالة تطور أما السماء فثابتة. ومن هنا تنطوى الوحدة بينهما على توتر بين نقيضين. ومن أجل القضاء على هذا التوتر اندفع تيار دى شاردان نحو الكشف عن علاقة التناغم بينهما الأمر الذى كان من شأنه أن وجد نفسه مضطراً إلى تغيير مفهوم الله بحيث لا يكون هو نقطة البداية بل نقطة النهاية وعندئذ تتحول الكثرة إلى وحدة. وتترتب على ذلك نتيجة ضرورية وهى تأسيس لاهوت جديد يمكن أن يقال عنه إنه لاهوت التاريخ أو لاهوت التطور. وفى هذه الحالة يكون مفهوم الله مغايرا لمفهوم السلطة الدينية. ولا أدل على ذلك من أن بابا روما قد أصدر أمراً بعدم الترخيص لتيار دى شردان بطبع مؤلفاته، كما أصدر أمراً بمنعه من القاء محاضرات فى الجامعات الفرنسية. ومات دى شاردان فى عام 1955 ومؤلفاته مجرد مخطوطات. ومع ذلك فقد ارتأت السلطة الدينية بعد موته بثلاث سنوات بأن نظرياته صالحة لتمكين الكنيسة من المواءمة مع محور العصر. ولا أدل على ذلك من التغيير الذى أحدثه المجمع المسكونى الفاتيكانى الثانى فى عام 1965.
وفى عام 2005 احتفل العالَم بهذا اللاهوتى الثورى فى نيويورك وفى باريس وفى القاهرة بمناسبة مرور خمسين عاماً. وقد دعيت لإلقاء بحث تحت عنوان «أفكار خطرة» والخطورة تكمن فى العلاقة بين المطلق والنسبى أو بين الثابت والمتغير. وقد كنت مهموماً بالكشف عن هذه العلاقة فى كتابى المعنون «قصة الفلسفة» (1968)، ولهذا فقد اغتبطت بأن يكون الأب سكاتولين هو الآخر مهموماً بتلك العلاقة فى كتابه المعنون «تأملات فى التصوف والحوار الدينى».
والسؤال اذن: ما رأيه فى هذه العلاقة؟
جوابه على النحو الآتى: إن المطلق ليس من صنع الانسان ولكنه يظهر للإنسان فى نهاية رحلة الحج على أنه ضرورة ليس فى إمكان الانسان الفكاك منها، ومع ذلك فهذا المطلق مستقل عن الانسان ومنعزل فى تعاليه. وهنا يتساءل الأب سكاتولين: أليس فى إمكان المطلق أن يكون حاضراً فى التاريخ البشري؟ جوابه بالإيجاب مع شرط واحد وهو أن يفرغ الانسان ذاته تماما أمام المطلق لكى يملأه بذاته وحده. وفى رأيه أن العلمانية تقف عائقا أمام هذا التفريغ عندما فصلت بين المطلق والنسبى مع أن حاصل الأمر هو أن النسبى المتغير مرتبط بالمطلق الثابت إلى الحد الذى يمكن القول عنده بأن النسبى هو من تجليات المطلق. واذا امتنع النسبى عن أن يكون كذلك فإنه فى هذه الحالة يسقط فى هوة اللامعنى وفى الفراغ الأخلاقى. ومع ذلك فأنا أظن أن تعريفى للعلمانية من حيث هى «التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق «يشير إلى أن ثمة ما وراء «النسبى من غير قنص».
وفى عام 2005 صدر كتاب عنوانه «نهاية عالم اليقين» وفى عام 2008 صدر كتاب عنوانه «كتاب المطلقات».
والسؤال إذن: ما مضمون هذين الكتابين؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ«القرن الحادى والعشرين» (66) نهاية عالم اليقين   الثلاثاء 14 أبريل 2015, 8:02 pm

رؤيتى لـ«القرن الحادى والعشرين» (66)
نهاية عالم اليقين


الثلاثاء 19 من جمادي الاولى 1436 هــ 10 مارس 2015 السنة 139 العدد 46845

عنوان هذا المقال هو عنوان رئيسى لكتاب صدر فى عام 2005، أما العنوان الفرعى فهو «حياة ماكس بورن وعلمه». وماكس بورن هو من علماء الفيزياء الذرية. نال جائزة نوبل فى عام 1954 لأنه أحدث ثورة قيل عنها إنها ثورة الكوانتم.

وهنا ثمة سؤالان: ما الثورة؟ وما الكوانتم؟
الثورة تغيير جذرى لوضع قائم من أجل استدعاء وضع قادم. والكوانتم لفظ لاتينى معَرب وهو يعنى الكم، ومع ذلك ساد اللفظ اللاتينى دون اللفظ المعرب فقيل نظرية الكوانتم، وهى من وضع عالم فيزيائى اسمه ماكس بلانك فى عام 1900 ومفادها أن الطاقة الكهرومغناطيسية يمكن أن يخرج منها شعاع على هيئة جسيمات دقيقة وليس على هيئة موجات كما كان هو الوضع القائم فى الفيزياء الكلاسيكية. ثم أشار بلانك إلى ظاهرة أخرى وهى أن الكوانتم يقفز وهو يتحرك الأمر الذى يصعب معه رصد موضعه أو سرعته بدقة.
وقد ترتب على هذه النظرية اهتزاز مبدأ العلية الذى يعنى أن ثمة «ضرورة» فى تتابع الظواهر، وبناء عليه تكون العلاقة بين الظواهر «حتمية»، ولا مجال بعد ذلك للقول بـــ«الاحتمال».
وإثر نظرية بلانك انقسم علماء الفيزياء إلى مدرستين: مدرسة أطلق عليها مدرسة كوبنهاجن لأن رائد هذه المدرسة هو نيلز بوهر المقيم بكوبنهاجن ، أما المدرسة الثانية فهى مدرسة أينشتين ومعه علماء الفيزياء السوفيت. الأولى مع الاحتمال وضد الحتمية، وبالتالى ضد اليقين والثانية مع الضرورة ومع الحتمية، وبالتالى مع اليقين.
وكان من بين علماء مدرسة كوبنهاجن الفيزيائى الألمانى ماكس بورن إلا أن النازيين أجبروه على الهجرة إلى بريطانيا. وفى الفترة من 24 إلى 27 أكتوبر عام 1927 انعقد مؤتمر سولفاى الخامس، وكان مكرسا لمناقشة نظرية «ميكانيكا الكوانتم» ، وفيه قدم بور وهيزنبرج تقريراً مشتركاً لما تنطوى عليه هذه النظرية من ثورة. وكان التقرير مكوناً من أربعة أقسام. اكتفى بورن بقراءة المقدمة مع القسم الأول والثانى. واستكمل مساعده هيزنبرج قراءة القسمين الثالث والرابع. وموجز التقرير أن الفارق الأساسى بين الفيزياء الذرية والفيزياء الكلاسيكية هو أن ليس ثمة اتصالاً بين الجسيمات لأنها تتحرك على هيئة قفزات، وأن الانسان بأجهزته العلمية له دخل فى صياغة القانون العلمى، وأن ليس فى إمكان أى تطور علميفى مستقبل الأيام أن يكون قادراً على تغيير ما انتهت إليه الفزياء الذرية. إلا أن أينشتين رفض النظرية، ومن ثم امتنع عن المشاركة فى المناقشة التى حدثت إثر الانتهاء من قراءة التقرير.وهنا أرسل إليه أحد العلماء ورقة مكتوباً عليها «لا تضحك». ورد عليه أينشتين قائلاَ: إننى أضحك فقط على سذاجة أصحاب ميكانيكا الكوانتم. مَنْ يدرى مَنْ الذى سيضحك فى السنوات القليلة المقبلة؟
والسؤال بعد ذلك:
ما هى النتائج المترتبة على ميكانيكا الكوانتم؟
نتيجتان: النتيجة الأولى أنه ليس من وظيفة الفيزياء أن تكشف لنا عن هوية الطبيعة،أى ما هي؟ إنما وظيفتها محصورة فيما نقوله نحن عن الطبيعة بلا زيادة أو نقصان. ومن هنا تكون للعلم وظيفتان: توسيع نطاق التجارب ووضعها فى نظام. أما أينشتين فكان على الضد من ذلك، إذ هو يرى أن غاية العلم الكشف عن هوية الطبيعة وبالتالى تكون الفيزياء مجرد محاولة لقنص الواقع كما هو فى حقيقته وبمعزل عن الانسان. وهذا هو معنى الواقع الفيزيائى. وغير ذلك فهو بلا معنى أما علماء ميكانيكا الكوانتم فلا يعنيهم البحث عن هوية الطبيعة، إنما يعنيهم ما يقوله كل واحد منهم عن الطبيعة. بل إن هيزنبرج ذهب إلى أبعد من ذلك إذ أعلن أن الذرات أو الجسيمات الدقيقة ليس لها وجود، إنما هى مجرد مجموعة من الاحتمالات لا تصلح لأن نطلق عليها أنها أشياء أو وقائع. وإذا أردنا تحويل الاحتمالات إلى أشياء أو وقائع فالفضل فى ذلك يرجع إلى الانسان الملاحِظ، إذ ليس ثمة انفصال بين الانسان وتجاربه.
هذا عن النتيجة الأولى فماذا عن النتيجة الثانية؟
عندما بلغ ماكس بورن سن الثمانين تدهورت صحته ومكث بالمنزل وانشغل بترجمة بعض الأشعار من الألمانية إلى الانجليزية كما انشغل بكتابة مقالات فلسفية، ولكنه لم يتوقف عن اقناع العالم بأن المطلقات مدمرة للبشرية إذ قال: «أنا مقتنع بأن أفكاراً مثل اليقين المطلق والدقة المطلقة والحقيقة المطلقةمجرد أشباح ينبغى إزاحتها من مجال العلم. ويبدو لى أن رخاوة قواعد التفكير هى أعظم النعم التى منحها العلم لنا لأن الاعتقاد بأن ثمة حقيقة واحدة ليس غير، وأننا نمتلكها أعمق سبب لكل ما هو شر فى هذا العالم».
ما قاله بورن فى سن الثمانين يشير إلى النتيجة الثانية من نتائج ميكانيكا الكوانتم وهى أنه ليس فى مقدور عقل الانسان قنص الحقيقة المطلقة، وبالتالى فإن هذه النتيجة مدمرة للأصوليين الذين يتوهمون امتلاك الحقيقة المطلقة، والذين يقتلون أعداءهم الذين يقفون ضد هذا الوهم.
ومن هنا تكون النتيجة الثالثة التى أضيفها على نحو ما أرى وهى أن العلمانية هى الترياق المضاد للأصولية لأن العلمانية هى التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق، أما الأصولية فهى التفكير فى النسبى بما هو مطلق وليس بما هو نسبى. العلمانية اذن ضرورة حضارية لإنقاذ البشر من الأصولية المدمرة للحضارة. وبغير العلمانية فإن الأصولية هى الحاكمة وهى المدمرة. ومن هنا شراستها فى الهجوم على العلمانية. ولهذا فإن التحدى الذى يواجه أى ثورة دينية فى هذا القرن هو فى مدى تمهيدها لتأسيس العلمانية فى عقل البشر.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» ( 67) الصراع حول المطلق   الثلاثاء 14 أبريل 2015, 8:07 pm

 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» ( 67) الصراع حول المطلق


الثلاثاء 26 من جمادي الاولى 1436 هــ 17 مارس 2015 السنة 139 العدد 46852

أنت لن تفهم ما حدث فى القرن العشرين، كما أنك لن تفهم ما هو حادث الآن فى القرن الحادى والعشرين إلا إذا التفت إلى عنوان هذا المقال ومغزاه. والعنوان ليس من وضعى إنما من وضع القرن الماضى وبدايات هذا القرن.

والسؤال اذن:
ماذا حدث فى القرن الماضى وبدايات هذا القرن؟
صراع مطلقات فى مجال الأديان وصراع مطلقات خارج مجال الأديان. فى مجال الأديان حدث بزوغ لأصوليات دينية كانت غايتها الدفاع عن ذاتها بمطاردة أعدائها العلمانيين فى الحد الأدنى وباغتيالهم فى الحد الأقصي. وفى مجال خارج الأديان حدث بزوغ لمطلقات ثلاثة وهى الشيوعية والنازية والفاشية، وكانت غايتها الدفاع عن ذاتها بمطاردة أعدائها الليبراليين فى الحد الأدنى وباغتيالهم فى الحد الأقصي. وهكذا تمت محاصرة الحضارة الانسانية فى مسارها من الفكر الأسطورى إلى الفكر العقلانى بمطلقات دينية وغير دينية. وإثر انتهاء الحرب العالمية الثانية انهارت كل من النازية والفاشية وبقيت الشيوعية تناضل من أجل البقاء حتى انهارت فى عام 1991. إلا أن الأصوليات الدينية لم يحدث لها مثل ما حدث للمطلقات غير الدينية، إذ تصاعد عنفها فى التحكم فى عقول البشر وفى محاولة القضاء على المنتجات الحضارية لتلك العقول حتى استطاعت إحداها وهى الأصولية الاسلامية فى 11/9 تدمير مركز التجارة العالمى بلا مقاومة. ومعنى ذلك أن أجهزة المخابرات الأمريكية مع أجهزتها الحربية كانت فى حالة غيبوبة.
والسؤال اذن:
هل دخل المطلق فى أزمة مع الحضارة؟
وإذا كان الجواب بالإيجاب فما هى ملامح هذه الأزمة؟
فيعام 1902 أصدر ارنست ترولتش كتاباًعنوانه «مطلقيه المسيحية». الفكرة المحورية فيه أن العقل الإنسانى تاريخى بطبعه، ومن ثم يكون من حقه نقد السلطة الدينية التى تزعم أنها تملك الحقيقة المطلقة، وأن هذا الحق نابع من عصر التنوير الذى ينص على إعمال العقل بدون أية سلطة خارج سلطته.ويترتب على هذه السمة التاريخية للعقل أن تدخل الأحداث فى علاقات، وأن هذه العلاقات تلزمنا برؤية الحدث بالنسبة إلى حدث آخر. ومن هنا يكون ما هو تاريخى هو نسبى بالضرورة. وتاريخ الأديان يدلل على صحة هذا الرأي.
وبعد ذلك ظهرت «نظرية الانفجار العظيم» التى تحكى لنا نشأة الكون وتمدده مع توليده لكواكب ونجوم وبشر. وكل ذلك فى إطار التطور الذى هو إطار نسبى فى الوقت ذاته. وإذا كان رأيى أن الحضارة الانسانية فى مسارها تنتقل من الفكر الأسطورى إلى الفكر العقلانى فهذا الرأى يعنى فى الوقت ذاته أن النسبية ملازمة للعقلانية. ومن هنا صدر كتاب عنوانه «العقلانية» (1970) حرره اثنا عشر عالماً من العلوم الاجتماعية. وجاء فى مفتتحه أن هذه العلوم منذ نشأتها قد انشغلت بمناقشة العقلانية، وكان من شأن هذه المناقشة أن طغت على السطح العوامل اللاعقلانية الخفية فى تحريك الظواهر الاجتماعية، وكذلك العوامل الثقافية المحددة لمعانى الألفاظ، ومدى إعاقتها لكوكبية العقلانية وما يترتب على ذلك كله من إمكان فهم ثقافات الآخرين ومعتقداتهم ومسلكهم فى الحياة. ومن هنا أثيرت مسألة النسبية فى إطار العقلانية. وبناء عليه صدر كتاب آخر عنوانه «العقلانية والنزعة النسبية» (1982) حرره أحد عشر عالماً. والجدير بالتنويه هاهنا أن من بينهم علماء أسهموا فى تحرير كتاب 1970 وجاء السطر الأول من ذلك الكتاب عبارة تقول إن إغراءات النزعة النسبية سريعة التفشى بلا توقف، إذ هى طاغية فى جميع مجالات الفكر، ومن ثم فلا شيء مطلق تحت الشمس.
ومع ذلك فثمة سؤال لابد أن يثار:
إذا لم يكن ثمة مطلق تحت الشمس، وإذا كنا محاصرين بما هو نسبى فهل معنى ذلك أن النسبيات متساوية، ومن ثم لا تخضع للمقارنة أو بالأدق للمفاضلة؟.
إذا كان الجواب بالإيجاب فالنتيجة الحتمية أن كل ثقافة مستقلة عن الأخرى وأن لها خصوصيتها وبالتالى يمتنع تخصيب الثقافات بل يمتنع الحوار بينها، وبذلك تقف ضد الكوكبية التى يتميز بها عقل التنوير والذى ينص على أنه هو كذلك فى مساره فى جميع مجالات المعرفة الانسانية، وأنه لا ضرورة بعد ذلك لإحداث تغيير فى أية ثقافة متخلفة من أجل ادخالها فى المسار التنويري. وإذا كان ذلك كذلك فمعنى ذلك أن التغيير للأفضل وَهْم. ومرة ثانية إذا كان ذلك كذلك فمعنى ذلك أنه لم يكن ثمة مبرر لمحاكمة جاليليو دينياً بسبب انحيازه لنظرية دوران الأرض حول الشمس طالما امتنعت المفاضلة بين هذه النظرية والنظرية المضادة التى تنفى دوران الأرض، ومن ثم يتساوى القول بهما معاً، ولا يعنينا بعد ذلك أن تدور الأرض أو لا تدور. ومرة ثالثة إذا كان ذلك كذلك فمعنى ذلك أنه يحق لنا القول بأن الإرهابى مشروع له أن يكون قاتلاً كما أنه مشروع لمعارضه أن يكون مقتولاً، ولا مفاضلة بعد ذلك بين هذا وذاك.
والسؤال بعد ذلك:
إذا كان كل ذلك مرفوضاً بحكم أنه غير معقول فما الحل؟
الحل فى تعريفى للعلمانية بأنها التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق لأن هذا التعريف يعنى أن العلمانية كامنة فى النسبية، أى أنه لا نسبية بلا علمانية. وإذا كان ذلك كذلك فالصراع بين العلمانية وأصحاب المطلقات هو صراع مشروع، بل هو الصراع الممتد من القرن العشرين إلى القرن الحادى والعشرين. ولا أدل على ذلك من صدور كتاب فى عام 2008 عنوانه الرئيسى «كتاب المطلقات» وعنوانه الفرعى «نقد النزعة النسبية والدفاع عن الكليات».
فماذا كان دفاع مؤلف هذا الكتاب عن المطلقات ونقده للنسبيات؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ« القرن الحادى والعشرين« ( 68) أزمة المطلق   الأربعاء 15 أبريل 2015, 2:01 am

 رؤيتى لـ« القرن الحادى والعشرين« ( 68) أزمة المطلق


الثلاثاء 4 من جمادي الآخرة 1436 هــ 24 مارس 2015 السنة 139 العدد 46859

قد يبدو عنوان هذا المقال صادماً، ولكنه مع مسار الحضارة الانسانية يبدو أنه كذلك. فقديما فى القرن الخامس قبل الميلاد قال الفيلسوف اليونانى بروتاجوراس تحت عنوان «الغموض والآلهة»

فى شأن الآلهة أنا لست فى وضع يسمح لى بأن أكون على معرفة بأوصافها. فثمة أسباب عديدة تمنع هذه المعرفة من بينها غموض المسألة وقصر حياة الانسان فأدين فى المحكمة وصدر الحكم بإعدامه، إلا أنه تمكن من الفرار ولكنه غرق فى النهر. وفى القرن الرابع قبل الميلاد اتُهم الفيلسوف اليونانى سقراط بأنه ينكر الآلهة فأُدين وحُكم عليه بالإعدام. إلا أنه على الضد من بروتاجوراس لم يهرب بل أعلن عن موافقته على الحكم. وعندماأبلغه السجان دنو الساعة طلب السم فأُحضر له مسحوق فى كأس تناوله ومات.ومع بداية الستينيات من القرن العشرين صدر كتاب عنوانه «لنكن أمناء لله» لأسقف بريطاني انجليكانى اسمه جون روبنسون طُبع منه تسع طبعات فى مارس من عام 1963. وقبل صدوره بأسبوع نشر مقالا مثيرا بجريدةالأوبزرفر اللندنية عنوانه «صورتنا عن الله يجب أن تزول» وكان يعنى بهذه العبارة أن الله ليس فوق كما أنه ليس هناك، إنما هو فى أعماقنا، أى فى أساس وجودنا فاتُهم بالكفر وطُلب منه الاستقالة ولكنه رفض قائلاً: أنا لا أستقيل إنما أُقال. إلا أن السلطة الدينية لم تستجب لما قال.
والسؤال اذن:
ماذا يعنى ما حدث من أزمة للمطلق قديماً وحديثاً؟
وفى صياغة أدق:
ما سمة هذه الأزمة؟ هل هى أزمة مطلق أم أزمة انسان؟
أستعين فى الجواب عن هذا السؤال بما ورد فى كتاب صدر فى عام 2008 عنوانه الرئيسى «كتاب المطلقات» لمفكر كندى اسمه وليم جيرردنر ( 1940- ؟) وعنوانه الفرعى نقد النزعة النسبية والدفاع عن الكليات. وهو يقصد بالكليات المطلقات. والجدير بالتنويه أن جيرردنر قد طلب المشورة من فلاسفة وعلماء فيزياء ورياضة يؤمنون بأن عالمنا محكوم بمطلقات كما كان كذلك فيما مضى من الزمان.
كان جوابه أنه من بين أهداف تأليف كتابه الكشف عن الباعث فى الاعتقاد المعاصر بالنزعة النسبية: وهو يكمن فى ابتلاعنا لمفاهيم مغلوطة عن الطبيعة بوجه عام وعن الطبيعة الانسانية بوجه خاص. فقد اخترعنا قصة كنا فى حاجة إلى سماعها وهى أن انكارنا للمطلقات مردود إلى كراهيتنا للسلطة الشمولية. وقد أعلنت الحضارة الغربية أنها قد ثارت أكثر من مرة على هذه السلطة سواء كانت سلطة دينية أو سياسية أو أخلاقية فى مقابل حب الحرية والتقدم والديمقراطية، وأن وراء هذه المتعة الاستقلال الأخلاقى وحرية الاختيار والتحرر الشخصي. ومن هنا جاء الاستدعاء الحار للنزعة النسبية.
ثم يزيد الأمر ايضاحا فى شأن ذلك الباعث الذى يدفعنا نحو النزعة النسبية، وهو خضوعنا ثالوث الحداثة وهو ثالوث أسطورى على النحو الآتي:
اعتقاد راسخ بأن عقولنا صفحة بيضاء خالية من أى أفكار فطرية، وبأننا خيَرون بالوراثة وتحولنا إلى أشرار مردود إلى سوء إدارة المجتمع، وبأن اختياراتنا حرة وخالية من أى ضغط سواء ورد من المزاج أو من البنية البيولوجية أو من التزامات أخلاقية.
وبناء عليه تكون المطلقات والكليات هى التحدى الحقيقى لـ ثالوث الحداثة الأسطورى الذى يرتبط فى عقل الجماهير بالقيود والقواعد المتمثلة فى هذا الثالوث الذى هو، فى نهاية المطاف، عبارة عن محرمات ثقافية مقيدة لسلوكنا واختياراتنا. ومن هنا بدا الحلم الحضارى فى أن نحيا من غير قيود والنزعة النسبية تستجيب لتحقيق ذلك الحلم. إلا أن جيرردنر يرى أننا فى الطريق إلى أن نكون على وعى بأن ذلك الحلم لم يكن إلا مجرد وهم. ولا أدل على ذلك، فى رأيه، من الاستجابات التى وردت إليه إثر صدور كتابه وقد أوجزها فى ثلاث:
< أنه كان موفقاً فى تحديد البؤس الروحى للحداثة وهو أنه ثمة علاقة عضوية بين النزعة النسبية والارهاب من حيث إنها قاهرة لحرية الانسان.
< وأن القول بأن الحقيقة المطلقة ليس لها وجود خارج النزعة النسبية يتسم بالسخرية لأنه يشير ضمناً إلى أن النزعة النسبية هى الحقيقة المطلقة.
< وأن التاريخ ينبغى أن يتوقف عن الحركة لأن الحضارة الغربية عندما احتضنت النزعة النسبية كفلسفة مرشدة دمرت نفسها بنفسها.
وتأسيساً على ذلك كله يمكن القول بأن الغاية من تأليف ذلك الكتاب نقد الحداثة، أو بالأدق نقد التنوير لأن الحداثة هى ثمرة التنوير. وإذا كان الفيلسوف الألمانى العظيم كانط يقف عند قمة التنوير فى القرن الثامن عشر فالاستعانة به اذن لازمة لبيان صحة التنوير وليس فساده.
والسؤال اذن:
ماذا قال كانط عن التنوير فى مقاله المشهور والمعنون جواب عن سؤال: ما التنوير؟ ( 1784)
قال فى عبارة موجزة «كن جريئا فى إعمال عقلك» وكان يعنى بالجرأة الخروج على سلطان الوصاية من أجل الدخول فى سلطان العقل. واللافت للانتباه هاهنا أن كانط يرى أن هذا السلطان يتراوح صعودا وهبوطا بين المطلق والنسبي. وهذه المراوحة مردودة إلى أن النسبى ينشد قنص المطلق إلا أنه لن يحقق ما ينشده لأن المطلق عسير المنال. وإذا حدث وأصبح يسير المنال فإنه فى هذه الحالة يتحول إلى نسبى بحكم قنصه من قِبل عقل نسبى. جرأة العقل اذن، عند كانط، تكمن فى بقائه فى النسبى حتى لا يسقط فى الوهم.
وأظن أن الأصوليات الدينية قد سقطت فى هذا الوهم منذ النصف الثانى من سبعينيات القرن الماضى حتى الآن وتولت الأصولية الاسلامية إشاعته كوكبياً لتدمير حضارة الانسان.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ «القرن الحادي والعشرين» (69) أوهــام أصوليــة   الأربعاء 15 أبريل 2015, 2:15 am

رؤيتي لـ «القرن الحادي والعشرين» (69) أوهــام أصوليــة


الثلاثاء 11 من جمادي الآخرة 1436 هــ 31 مارس 2015 السنة 139 العدد 46866





شاعت في هذا الزمان ألقاب وصفات عن الله كأن يقال عنه إن له حزباً اسمه «حزب الله». وهذا الحزب مثله مثل أي حزب له معارض اسمه «حزب الشيطان»، أو كأن يقال عنه إن له جيشاً يحارب به جيشاً آخر يكون في عداد الأعداء.
وهذا الجيش اسمه «جند الله» أو «أجناد الله» أو «أنصار الله»،أو «محاربون في سبيل الله». وبناء عليه صدر كتاب فى عام 2005 عنوانه «سياسة الله» لمفكر أمريكي اسمه جيم واليس مشهور بأنه من القيادات المعروفة في تدعيم التداخل بين الدين والسياسة في أمريكا المعاصرة، وبأنه لاهوتي مرموق وواعظ مشهور في الوقت ذاته، وله عمود في عدة صحف أمريكية.
وأهمية كتابه مردودة إلى تصويره للصراع الدائر بين اليمين واليسار على أنه المحدَد لمستقبل المسار الأمريكي وهو مسار الصدارة فيه لليمين وليس لليسار، وإن شئت الدقة قلنا إنه مسار الصدارة فيه للأصولية المسيحية وليس للعلمانية. وقد اتضحت سمة هذه الصدارة في انتخابات جورج بوش الابن المؤيد لهذه الأصولية. وإذا كانت أمريكا الآن هي القوة الوحيدة على الكوكب التي ليس لها منافس فإنها، من هذه الزاوية الأصولية، تكون مسئولة عن هذا المسار وما يؤديه من تأثير سواء بالخير أو بالشر. والسؤال بعد ذلك: ما مدى التفاعل بين الأصولية المسيحية في أمريكا، والأصوليات الأخرى على تباينها؟
يرى جيم واليس أن ثمة اعتقاداً خاطئاً روَج له أغلب البريطانيين وهو أن جميع المسيحيين في أمريكا لا يختلفون عن الوعاظ الأصوليين الذين يظهرون في القنوات التليفزيونية مثل القس جيريفلولول مؤسس «حزب الغالبية الأخلاقية» أو بالأدق مؤسس الحزب الأصولي المسيحي، وبات روبرتسون زعيم حزب التحالف المسيحي وهو تحالف أصولي، وأن المؤمنين الأمريكان هم المكونون لليمين المسيحي، وأن كل هؤلاء قد انتخبوا جورج بوش الابن، وأنهم أيدوه فى حربه ضد العراق. ومع ذلك فإن هذا اليمين الديني يواجه إشكالية في علاقته مع الله وهى على النحو الآتي: هل الله معه أو أنه يتمنى أن يكون الله معه؟ إلا أن هذه الاشكالية، في رأى واليس، ليست واردة عند الله لأنه ليس منحازاً لا لليمين ولا لليسار. هو ليس منحازاً لليمين بسبب عدم انشغال هذا اليمين بهموم الفقراء، كما أنه ليس منحازاً لليسار بسبب علمانية هذا اليسار. إن الله، في رأي واليس، منحاز للقيم الأخلاقية. ومن هنا إذا أراد أي من هذين التيارين، اليمين أو اليسار، أن يكون الله منحازاً له فيلزم أن يلتزم بمسألتين لا ثالث لهما وهى الشذوذ الجنسي والاجهاض. وهذا الالتزام هو جوهر الدين المسيحي، وهو الرؤية التي تصلح أن تكون أرضية مشتركة للحزبين الجمهوري والديمقراطي. إلا أن الأساقفة الكاثوليك، أثناء المعركة الانتخابية لجورج بوش الابن، أرادوا أن يحدثوا تعديلاً لهذه الأرضية المشتركة وذلك فى إطار البيان الذى أصدروه، وقد جاء على هيئة أسئلةهى على النحو الآتي:
كيف يمكن للضعفاء أن يكونوا أفضل حالاً فى السنوات القادمة؟ وكيف نحمى الحياة الانسانية وندفعها إلى الأمام؟ وكيف يمكن تحقيق العدالة والسلام؟ ثم طالبوا المؤمنين بدورهم بأن يجروا حواراً حول هذه الأسئلة.
ومغزى هذا البيان أنه قد فتح الباب أمام اليمين المسيحي لتأسيس سياسة مسيحية، ولكنه فى الوقت ذاته قد فتح الباب أمام البحث عن بديل يتجاوز كلا من اليمين المسيحي واليسار العلماني. وهذا البديل من شأنه إثارة مسألة كيفية مواجهة الارهاب. وهنا ثمة سؤال فى حاجة إلى إثارة: كيف يمكن اصدار أحكام لاهوتية في شأن الارهاب؟ وفى صياغة أدق: هل يمكن تأسيس لاهوت للإمبراطورية الأمريكية؟ وهل هذا التأسيس يمكن أن يشكل خطورة؟
جوابي أن هذا السؤال قد يفرز صراعاً بين الأصولية والعلمانية. ولا أدل على ذلك مما حدث عندما قررت الأكاديمية الأمريكية للآداب والعلوم فى عام 1988 أن تكون جامعة شيكاغو مسئولة عن اصدار خمسة مجلدات عن توجهات الأصوليات أيا كانت سمتها الدينية فى مختلف مجالات الحياة الانسانية. وقد أشرف على تحرير هذه المجلدات اثنان من أساتذة هذه الجامعة وهما مارتن مارتى وسكوت أبلباى. ويهمنا الأول لأنه المشرف الأساسي، إذ هو أستاذ متميز وهو لقب يمنح للأستاذ عندما يكون قادراً على إلقاء محاضرات خارج تخصصه. أما تخصصه فهو فى تاريخ المسيحية المعاصرة ثم هو رئيس تحرير مجلة «كرستيان سنشرى». كان قد تنبأ بأن الأصولية الدينية فى حالة صعود بسبب الانحطاط الأخلاقي، وأنها في هذا الصعود إنما تنفذ إرادة الله، ومن ثم تفسح المجال لمشروعية تعدد التراث بحكم تعددية المتدينين وبحكم إمكان تعايشهم على الرغم من التباينات العقائدية الكامنة في هذه التعددية ولكن بشرط أن يكون المتدينون على وعى بأن الايمان قد سُرق من المجال السياسي وعليهم أن يستعيدوه. وفى رأيه أن هذه السرقة قد حدثت لأن اليمين الديني السياسي قد انشغل بمسائل الجنس والثقافة وتجاهل مسألة العدالة، ولأن اليسار العلماني قد أسهم بدوره فى هذه السرقة لأنه لا يفهم مغزى الدين فى المجال السياسي، إذ هو يستبعد الروحانيات بدعوى عدم علاقتها بالتغير الاجتماعي. ويتفق واليس مع تحليل مارتن مارتي فى مسألة الإيمان المسروق.
والرأي عندي أن سارق الايمان هو الأصولي المسيحي وليس هو اليسار العلماني وذلك بفضل وهم الدولة بأن الله يلعب سياسة. والسؤال بعد ذلك: إذا كان الله يلعب سياسة مع الأصولية المسيحية فهل يمكن القول بأن ثمة مسيحية كوكبية قادمة؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ «القرن الحادي والعشرين» (70) المسيحية والكوكبية   الأربعاء 15 أبريل 2015, 2:18 am

رؤيتي لـ «القرن الحادي والعشرين» (70) المسيحية والكوكبية


الثلاثاء 18 من جمادي الآخرة 1436 هــ 7 أبريل 2015 السنة 139 العدد 46873

اشتهاء الكوكبية غاية الكل في هذا الزمان، إلا أن هذا الاشتهاء أصبح موضع صراع بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، أو بالأدق بين الله من قِبل العالم الإسلامي والانسان من قِبل العالم الغربي.

 وقد ترتب على ذلك أن امتنع الصراع عن أن يكون محكوماً بقوانين بحكم التناقض الحاد بين قوانين الله وقوانين الانسان، ومن ثم تكون الفوضى هي النتيجة الحتمية ومع ذلك فالمفارقة هنا تكمن فى إثارة هذا السؤال: الغلبة لمن؟ ومع ذلك فالعالم الإسلامي ممثلاً في تياره السائد وهو الأصولية على يقين بأن الإسلام هو دين اليوم للمسلمين ثم هو دين الغد لغير المسلمين، وعندئذ يتحقق النسق الإسلامي الأصولي على كوكب الأرض. أما العالم الغربي فعلى اقتناع بأن العلمانية العقلانية في الطريق إلى أن تكون هي النسق الكوكبي في مستقبل الأيام.
والسؤال إذن:

هل الطريق ممهد لذلك النسق العلماني العقلاني لتأسيس النسق الكوكبي؟
جواب النخبة الأوروبية بالإيجاب. فقد تحررت من السلطة الدينية بالعلمانية في القرن السادس عشر والتي تعنى، في رأيي، التفكير في النسبي بما هو نسبى وليس بما هو مطلق. وأفرزت نظرية العقد الاجتماعي فى القرن السابع عشر والتي تقرر أن تأسيس المجتمع من صنع البشر ومن غير تدخل من السلطة الدينية. ودعت إلى التنوير في القرن الثامن عشر والذى يعنى ألا سلطان على العقل إلا العقل نفسه. ومعنى ذلك إعمال العقل بلا وصاية من أية سلطة خارج سلطة العقل. كما دعت في القرن التاسع عشر إلى الليبرالية التي تعنى أن سلطة الفرد فوق سلطة المجتمع. وهذا كله ما أطلقت عليه «رباعية الديمقراطية» التي لازمت المهاجرين الأوروبيين المتنورين فى رحلتهم إلى أمريكا. ومع ذلك فإن فيليب جنكنز بريطاني الجنسية و الأستاذ بجامعة بنسلفانيا الحكومية لديه أخبار سيئة عن حال العلمانية العقلانية سجلها في كتاب أصدره فى عام 2002 تحت عنوان رئيسي: مملكة المسيحية، وعنوان فرعى: المسيحية الكوكبية قادمة.
من هذه الأخبار السيئة أن المسيحية تفقد جاذبيتها فى أوروبا ولكنها تنتشر بلا توقف فى أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية مكونة مملكة مسيحية أصولية تسبب ازعاجا للمسلمين والعلمانيين كما تسبب تغييرا فى النظر إلى المسيحيين من أنهم الأثرياء ومن الجنس الأبيض إلى أنهم من الفقراء ومن الجنس الأسود. إلا أن هؤلاء المسيحيين لا ينفردون بالقارات الثلاث التى ترمز إلى العالم الثالث، إذ فى مواجهتهم يقف المسلمون وشعارهم هو شعار آية الله خومينى «إما أن يكون الاسلام وإما ألا يكون». ومعنى هذا الشعار أن الاسلام أسلوب للحياة كلها وليس لجزء منها، ومن ثم فهو لا يقبل المنافسة. ومن هنا يرى جنكنز ضرورة عودة الحروب الدينية التي عانت منها أوروبا فيما مضى من الزمان، ويدلل على رأيه قائلاً بأن كل الأديان ليست متسامحة.
والسؤال إذن:

هل فى الإمكان منع عودة الحروب الدينية؟
جواب جنكنز بالايجاب ولكن بشرط أن تكون السلطة السياسية على اقتناع بأن الفقر والحرب مسألتان اجتماعيتان وأنها هى المسئولة وحدها عن مواجهتهما، وأن الخلاص منهما من اختصاص السياسة وليس من اختصاص الدين. والرأي عندى أن الخلاص لن يكون على هذا النحو بل على نحو «رباعية الديمقراطية» التي كانت، فى رأيى، السبب ليس فقط في خلاص أوروبا من الحروب الدينية بل فى دفعها نحو الانتقال من المجتمع الصناعي إلى مجتمع ما بعد الصناعي، أى المجتمع الإلكتروني.
والسؤال اذن:

لماذا كانت الرباعية هى السبب؟
لأنها كانت المسئولة عن تغيير الذهنية الأوروبية من ذهنية العصور الوسطى إلى ذهنية العصور الحديثة، أى من الذهنية الأصولية الرافضة للعلمانية أصل الرباعية، إلى الذهنية القابلة للعلمانية فى اتجاه التطور مع التقدم. مغزى الرباعية اذن أنه مع غياب العلمانية يغيب التقدم ويكون التخلف هو البديل. ومغزاها أيضا أن الأديان فى القرن الحادي والعشرين محاصرة بالرباعية، وعليها الاختيار بين أن تكون معها أو تكون ضدها ولا وسط. وإذا اختارت أن تكون «مع» فلن يكون من حقها امتلاك كوكب الأرض. أما إذا اختارت أن تكون «ضد» ففى هذه الحالة يكون من حقها الدعوة إلى امتلاك كوكب الأرض، إلا أن هذه الدعوة لن تجد قبولا من غير حرب، ولن تكون إلا كوكبية.
وهنا ثمة سؤال لابد أن يثار:

هل سكان كوكب الأرض على وعى بهذا الصراع الذى يحدث حول رباعية الديمقراطية؟
جوابى بالسلب لأنهم لو كانوا على وعى ما كان للأصولية أن تكون التيار السائد فى العالم الثالث بل فى أمريكا بقيادة حزب الغالبية الأخلاقية وحزب التحالف المسيحى.
والسؤال بعد ذلك:

كيف يمكن توليد ذلك الوعى؟
إنها مهمة السلطة الثقافية المتمثلة فيمن يقال عنهم إنهم النخبة عندما تكون لها ذهنية علمانية لا تكتفى بأن تكون كذلك بل تمتد بها إلى الجماهير، والوسائل الالكترونية كفيلة بأن تكون هى وسيلة هذا الامتداد. أما السلطة السياسية فمهمتها تدعيم السلطة الثقافية. وفى هذه الحالة لن يكون من حق السلطة الدينية أن تتوهم أن السلطة الثقافية هى جزء منها، بل الضد من ذلك هو المطلوب وهو أن تكون السلطة الدينية جزء من السلطة الثقافية، لأن الثقافة فى تحديدها لا تخرج عن كونها الكل المؤلف من دين وعلم ومن تقاليد وعادات، وهو كل متطور. وإذا توقف التطور فالثورة لازمة.
وتأسيساً على ذلك يمكن القول بأن عنوان هذا المقال يلزم منه أن واو العطف الواردة فيه تعنى المغايرة ولا تعنى التطابق بمعنى أن تكون المسيحية كوكبية مثلها مثل أى دين آخر دون أن تكون هى الكوكبية.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (71) الأقباط والثورة   الأربعاء 15 أبريل 2015, 2:24 am

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (71) الأقباط والثورة


الثلاثاء 25 من جمادي الآخرة 1436 هــ 14 أبريل 2015 السنة 139 العدد 46880

عنوان هذا المقال هو عنوان لكتاب أصدره رئيس الكنيسة الانجيلية بمصر فى شهر فبراير من هذا العام. إلا أن هذا الكتاب لم يكن كتابه الأول عن المسألة القبطية، إذ سبق أن أصدر كتاباً فى شهر يناير من عام 2006 تحت عنوان رئيسى «الاسلام والمواطنة والأقليات» وعنوان فرعى «مستقبل المسيحيين العرب فى الشرق الأوسط».

ورئيس الكنيسة الانجيلية المقصود هو الدكتور القس أندريه زكى الذى يعتبر أباه الروحى الراحل الدكتور القس صموئيل حبيب الذى كان رئيساً لنفس الكنيسة. ومن عباراته المأثورة «الله فوق الأديان» قالها فى بحث قدمه فى ندوة بتنظيم من الهيئة القبطية الانجيلية فى أول سبتمبر من عام 1997. والعبارة تنطوى على مفارقة. فالرأى الشائع أن الدين الذى يؤمن بالله هو المعادل الموضوعى لهذا الاله. أما هذه العبارة فعلى الضد من هذا الرأى إذ تعنى أن الدين ليس هو المعادل الموضوعى لله. ولهذا قلت له معقباً على هذه العبارة بأن مغزاها أن الأديان نسبية، ومن ثم تكون علوم العقائد الدينية نسبية وبالتالى متطورة. ومن هنا يكون من المشروع لتلميذه الدكتور القس أندريه زكى تأسيس علم لاهوت جديد أطلق عليه مصطلح «اللاهوت السياسى العربي» فى مواجهة صعود » الاسلام السياسي» المتمثل فى الاخوان المسلمين، إذ كان من شأن هذا الصعود خوف الأقباط من ضياع مزيد من حقوقهم إذا شارك الاخوان فى الحكم فى الحد الأدنى أو استولوا على الحكم فى الحد الأقصى وما يلزم من ذلك أسلمة المؤسسات القائمة من إعلام وثقافة واقتصاد. ومن هنا أيضاَ أثار الدكتور القس أندريه زكى إشكالية العلاقة بين الدين والدولة فارتأى ضرورة المشاركة السياسية للأقليات الدينية. وهو فى حديثه عنها يقارن بين أقليتين دينيتين: الأقباط فى مصر والموارنة فى لبنان. والمفارقة هنا أن هاتين الأقليتين فى حالة تناقض حاد فالأقباط لم يكن فى إمكانهم الوصول إلى الحكم منذ دخول الاسلام الأمر الذى دفعهم إلى تأسيس «لاهوت سلبي» يبرر لهم بقاءهم بعيداَ عن المشاركة السياسية، أما الموارنة فقد تمكنوا من المشاركة فى السلطة السياسية، إذ احتفظوا بمنصب رئيس الجمهورية الأمر الذى دفعهم إلى تأسيس «لاهوت القوة». وما يهم الدكتور القس أندريه زكى هنا ليس الموارنة إنما قبط مصر لتحريرهم من «اللاهوت السلبي» حتى يواجهوا تحدى «الاسلام السياسي». ولكن من أجل تحقيق التحرر ومواجهة التحدى يلزم أن يكونوا على وعى بذلك الاسلام السياسي. والسؤال اذن: ما هو هذا الاسلام السياسي؟ إنه يسير فى اتجاهين متباينين: اتجاه تطورى واتجاه ثوري. يقال أن الاتجاه التطورى من تأسيس حسن البنا عندما ارتأى أن التطور يلزم أن يكون تدريجيا ويبدأ بالتعليم. وفى أدبيات الاخوان المسلمين ثمة حوار تم بين الهضيبى مرشد الاخوان وعبد الناصر عندما كان يمهد للثورة. قال عبد الناصر: الثورة قادمة بعد قليل. ورد الهضيبي: لا تغامر لأن الثورة قادمة بعد خمس سنوات بدون مغامرة لأن فى نهايتها نكون قد أحكمنا قبضتنا على التعليم، أى نكون قد سيطرنا على عقول الشعب وذلك بأسلمتها على نحو ما نشتهى من ربط الملك الأرضى بمملكة الله، وتكفير مَنْ يجرم ذلك الربط فى الحد الأدنى وقتله فى الحد الأقصي. وجاء رد عبد الناصر حاسماً: لن نؤجل الثورة ولكن مع وعد بالالتزام بمبادئ الاخوان المسلمين وبثها فى مجال التعليم. وقد كان. وبذلك تحكموا فى عقل وزارة التعليم، وبعدها صار الأقباط، فى رأى أندريه زكي، مهمشين فى النصف الثانى من القرن الماضي. ونُظر إليهم على أنهم ذميون فضعفوا اقتصاديا بعد ثورة 1952 وانسحبوا من الحياة السياسية، وتم التركيز على الملكوت السماوى وليس على نسف الظلم الاجتماعى فى الملكوت الدنيوي. والمفارقة هنا أن الكنيسة، فى زمن البابا شنوده الثالث أصبحت هى المؤسسة السياسية أمام السلطة السياسية فى الدولة بحيث أصبح رئيس الدولة لا يرى الأقباط إلا بعيون رئيس الكنيسة، وأصبح الأقباط لا يرون ما يحدث لهم من قبل الدولة إلا بعيون رئيس الكنيسة. واللاهوت السياسى العربى هو المنقذ للدولة والوطن وقبط مصر من تلك العيون. والسؤال اذن: ما هى أسس هذا اللاهوت السياسى العربي؟ عددها أربعة وهى على النحو الآتي: تمتنع الكنيسة عن أن تكون مؤسسة سياسية تنفتح الكنيسة على التجمعات الدينية الأخرى تعتبر الالتزامات الدينية من مكونات الهوية دون أن تكون هى الهوية، إذ ثمة مكونات ثقافية متداخلة مع هذه الالتزامات، ومن ثم تكون الهوية نسبية وليست مطلقة الأمر الذى من شأنه منع الفكر الدينى من الوقوع فى وهم امتلاك الحقيقة المطلقة. يستند إلى مفهوم «المؤسساتية» بمعنى أن تكون الكنيسة مؤسسة مستقلة عن الدولة ولكنها فى الوقت نفسه تسهم فى بناء الجسور بين الكنيسة والمجتمع، وبذلك تصبح الكنيسة فى قلب المجتمع المدنى باعتبارها اطاراً أخلاقيا وليس نظاماً سياسياً. ومن ثم يمتنع القول بتأسيس نظام سياسى إسلامى أو مسيحى لأنه ينطوى على مفهوم «القداسة» ومن ثم يمتنع نقده، ومع امتناع النقد يمتنع تطور المجتمع فيتجمد ويتوارى إلى أن يتلاشي. وإذا حركنا هذه الأسس الأربعة بحيث يتم التداخل بينها فيمكن فى هذه الحالة القول بأن اللاهوت السياسى العربى هو لاهوت علمانى ولكن ليس بمعنى الدعوة إلى فصل الدين عن السياسة، إذ إن هذا الفصل ممتنع ومرفوض من قبل الدكتور القس أندريه زكي، إنما بالمعنى الذى أريده ويريده هو معى وهو أن العلمانية هى «التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق».




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» ( 72) عصور وسطى كوكبية   الثلاثاء 21 أبريل 2015, 6:00 pm

 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» ( 72) عصور وسطى كوكبية


الثلاثاء 2 من رجب 1436 هــ 21 أبريل 2015 السنة 139 العدد 46887

قيل عن العصور الوسطى إنها عصور خاصة بالعالم المسيحى دون العالم الإسلامي، وهذه الخصوصية كامنة فى أن ثمة سلطة دينية متحكمة فى عقول البشر إلى حد الوصاية، إذ ليس من حق هذه العقول أن تفكر على نحو ما تريد إنما عليها أن تفكر على النحو الذى تفكر به السلطة الدينية، فى حين أن العالم الإسلامى يخلو من تحكم السلطة الدينية، وبالتالى فإنه يخلو من ظاهرة العصور الوسطى.

وقيل أيضا إن العصور الوسطى بدأت مع فلسفة القديس أغسطين فى القرن الرابع الميلادى وعلى الأخص فى كتابه المعنون «مدينة الله». والمقصود بمدينة الله المدينة السماوية ونقيضتها المدينة الأرضية وبين المدينتين حرب هائلة تجاهد الأولى فى سبيل العدالة وتعمل الأخرى على نصرة الظلم. وعلى الانسان أن يختار بمحض ارادته الحياة فى إحدى المدينتين. فإذا اختار المدينة السماوية فعليه أن يُخضع العقل للإيمان. والايمان من اختصاص السلطة الدينية بمعنى أن المؤمن ملتزم بالخضوع لها، بل إن الدولة ذاتها ملتزمة بذلك. ومن هنا تكون الدولة دينية، وتكون السلطة لآباء الكنيسة مستندة إلى فلسفة تقوم هى بتحديدها. وقد حددتها تارة بفلسفة أفلاطون فى بداية العصور الوسطى ثم حددتها بعد ذلك بفلسفة أرسطو. ولم تخرج أوروبا من العصور الوسطى إلا بتأثير من تيار الرشدية اللاتينية الذى شاع فى القرن الثالث عشر استناداً إلى فلسفة ابن رشد عندما تم ترجمتها إلى اللاتينية والعبرية، وهى فى أساسها تنص على إعمال العقل فى النص الدينى الذى يفضى بدوره إلى اكتشاف المعنى الباطن لذلك النص وتجاوز المعنى الظاهر الذى يقف عند حد الحس. والمفارقة هنا أن ابن رشد مكفر فى العالم الإسلامى من القرن الثانى عشر حتى القرن الحادى والعشرين. وبديله ابن تيمية من القرن الثالث عشر حتى هذا القرن والمعروف عنه أنه يعتبر إعمال العقل فى النص الدينى رجسا من عمل الشيطان، أى بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار. ومن هنا دخل العالم الإسلامى فى العصور الوسطى، ومن ثم لم تعد هذه العصور خاصة بالعالم المسيحى بل خاصة بأى عالَم أيا كان دينه إذا امتنع عن إعمال العقل فى النص الديني.
العصور الوسطى اذن فى حالة حركة متنقلة من عالم إلى آخر. إلا أن اللافت للانتباه فى القرن الحادى والعشرين أن ثمة تيارا دينيا مهيمناً على كوكب الأرض اسمه التيار الأصولى وهو تيار يستند إلى إبطال إعمال العقل ويريد من هذا الإبطال أن يشيع بين البشر على تباين عقائدهم حتى يمكن انقاذ الحضارة من السقوط فى «شرور» الثورة العلمية والتكنولوجية. وقد قررت الأصولية الاسلامية أن تكون هى المسئولة عن القضاء على هذه الشرور. وبدأت بالفعل فى تنفيذ ذلك القرار فى 11/9 وذلك بتدمير مركز التجارة العالمى أعلى مراحل الثورة العلمية والتكنولوجية. وبعد ذلك اتخذت الأصولية الاسلامية مراكز لها فى مختلف بلدان كوكب الأرض إلى الحد الذى يمكن أن يقال عنده إنها أصولية كوكبية، وكان تنطيم «القاعدة» فى أفغانستان هو الأساس إذ بدا على هيئة جماعة مدعمة للحركات الجهادية المحلية فى الحد الأدنى، أو معارضة بوضوح لحكومات البلدان الاسلامية فى الحد الأقصى وذلك بالتمويل والأسلحة وتدريب من يريد أن يكون ارهابياً. ثم دخل تنظيم «القاعدة» فى علاقة عضوية مع الجماعات المصرية فى التسعينيات من القرن الماضي. ومع تكثيف الأمن فى البلدان الغربية اتخذ ذلك التنظيم منحنى جديداً فى الهجوم على بلدان غير غربية مثل اندونيسيا وكينيا والمغرب وباكستان وتونس وروسيا. ومع ذلك فإنه يمكن القول بأن الفضل فى تأسيس تنظيم القاعدة مردود إلى الثورة الايرانية فى عام 1979 وإلى العرب الأفغان الذين هزموا الجيش السوفييتى فى عدوانه على دولة اسلامية هى أفغانستان فى نفس عام 1979. وأظن أنه مع ذلك العام 1979 بزغت فكرة الأصولية الاسلامية الكوكبية.
والسؤال اذن:
كيف؟
فى عام 1983 فاتحنى الفيلسوف الأمريكى جون سومرفيل فى تأسيس جمعية دولية تحت عنوان «الفلاسفة الدوليون لمنع الانتحار النووى البشرى». وهذا المصطلح من وضعه ويعنى قتل بعض البشر لكل البشر أو بالأدق تدمير الحضارة فى نهاية المطاف. وفى 23 أغسطس 1983 عقدنا اجتماعا بمونتريال بكندا لإقرار دستور الجمعية. ومن أهم بنوده تدعيم التعاون الدولى بين فلاسفة كوكب الأرض بغض النظر عن رؤاهم الفلسفية من أجل الاتفاق على خطط عملية لمنع الانتحار النووى البشرى. والعضوية مشروعة ليس فقط للفلاسفة ولكن أيضاً لأولئك الذين يؤيدون إسهام الفلسفة فى إرساء السلام. وفى ذلك الاجتماع تم تعيينى عضواً فى اللجنة الدولية المنظمة لأعمال هذه الجمعية مع كبار فلاسفة أمريكا والاتحاد السوفييتي. وفى عام 1986 انعقد المؤتمر الأول بسانت لويس بأمريكا تحت عنوان «الفلسفة والمشكلة الجديدة الخاصة بالانتحار النووى البشرى». وقد كان المشاركون من فلاسفة المعسكرين الشيوعى والرأسمالي، أى من المنتمين إلى ايديولوجيتين متناقضتين لم يعد صراعهما مقبولاً إزاء الانتحار النووى البشرى المهدد للسلام العالمي. وكان عنوان بحثى «الايديولوجيا والسلام». وكان رأيى فى أثناء مناقشته أن الأصولية الاسلامية تنشد تأسيس الخلافة الاسلامية على كوكب الأرض، إلا أن هذا التأسيس ليس ممكناً إلا بالقضاء على الاتحاد السوفييتى استناداً إلى أمريكا ثم بعد ذلك تنفرد بأمريكا للقضاء عليها. وكان تعقيب المشاركين أن هذا الرأى ينطوى على تشاؤم. ومع ذلك فقد مات الاتحاد السوفييتى فى عام 1991 وبقى الدور على أمريكا، وأظن أنها فى الطريق إلى الموت إذا التزمت فكر الأصولى أوباما، وإذا حدث ذلك فإن الحضارة تدخل فى عصور وسطى كوكبية.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (73) مصرفى هذا الزمن   الثلاثاء 28 أبريل 2015, 2:11 pm

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (73) مصرفى هذا الزمن
الثلاثاء 9 من رجب 1436 هــ 28 أبريل 2015 السنة 139 العدد 46894






وهذا الزمان محدود عندى ببداية هذا القرن. والسؤل اذن: ما هو مسار مصر فى هذا الزمان؟ أظن أن جواب هذا السؤال ليس ممكناً من غير ربط هذا المسار فى هذا الزمان بزمان غير هذا الزمان وهو القرن العشرون. وعندئذ يكون لدينا مساران. وهنا ثمة سؤالان:

هل المساران متصلان أم منفصلان؟ وهل المساران فى اتصالهما أو انفصالهما معزولان عن مجال أوسع منهما؟
أبدأ بالجواب عن السؤال الثانى تمهيداً للجواب عن السؤال الأول.إلا أن الجواب عن السؤال الثانى يستلزم تحديد المجال المقصود الوارد فى صياغته. وأظن أن أقرب المجالات إلى مصر هو المجال الأوروبي. وأظن أن طه حسين هو المفكر البارز فى رؤية هذا المجال بفضل كتابه المعنون «مستقبل الثقافة فى مصر» (1938). وفى الصفحة الأولى من هذا الكتاب يثير طه حسين فكرة تكاد تكون هى الفكرة المحورية ومفادها أنه لا حرية من غير حضارة ولا حضارة من غير ثقافة وعلم. ومعنى ذلك أنه إذا أرادت مصر أن تصاب بالحضارة، أى أن تكون متحضرة فعليها بالثقافة والعلم. ومع ذلك فثمة سؤال لابد أن يثار: ما هى هذه الثقافة وما هو هذا العلم وما هى سمة الحضارة التى تضمهما معاً وتريدها مصر فى نهاية المطاف؟
أظن أن التاريخ يشهد على أن مصر كانت على علاقة متبادلة بينها وبين اليونان. فقد قيل عن فلاسفة اليونان أن نفراً منهم قد جاء إلى مصر ليتعلم ومنهم طاليس وفيثاغورس وأفلاطون، ومع ذلك فهؤلاء الفلاسفة قد تجاوزوا حضارة مصر، وبالذات فيثاغورس عندما اكتشف أن البرهان العقلى لازم للتدليل على صحة فكرة أو مسارها، واستعان أرسطو بهذا البرهان فى تأسيس علم المنطق، ثم استعان أُقليدس بالبرهان وبعلم المنطق فى تأسيس الهندسة. ومن بعد ذلك دخلت أوروبا فى الحضارة وخرجت مصر منها لأنها لم تستطع أن تتحرر من الفكر الأسطورى الذى تمركز فى أسطورة عودة الروح، وألزم العلماء بتبرير هذه الأسطورة فابتكروا الطب لتحنيط جسم الانسان حتى يكون صالحاً لاستقبال الروح عند عودتها، وابتكروا الهندسة لبناء الأهرامات لتكون مقابر جديرة بدفن الفراعنة الملوك. والجدير بالتنويه هنا أن لفظ «هرم» و «مقبرة» واحد فى اللغة الهيروغليفية. وترتب على ذلك أن توقف العلم عن التطور لأنه حقق الغاية من ابتكاره وهى أنه كان خادماً لأسطورة محددة. وهكذا خرجت مصر من الحضارة وتوالت عليها الغارات الاستعمارية لقرون عديدة.
وفى الحادى عشر من هذا الشهر قرأت خبراًفى جريدة الأهرام عنوانه : «الاتحاد الأوروبي: الشراكة مع مصر أكثر أهمية الآن». ثم جاء تفصيله على النحو الآتي: «أكد جيمس موران سفير الاتحاد الأوروبى بالقاهرة فى بيان صدر أمس أنه فى ضوء علاقتنا التاريخية والتحديات المشتركة التى نواجهها والفرص المتاحة للمستقبل تعد الشراكة بين الاتحاد الأوروبى ومصر الآن أكثر أهمية من أى وقت مضى على مدى السنوات العشر الأخيرة».واللافت فى هذا البيان أنه يشير إلى أن الشراكة بين أوروبا ومصر لازمة ومطلوبة «الآن». والآن هنا محددة بأنهاتتويج لعشر سنوات مضت.
والسؤال اذن: ماذا حدث فى السنوات العشر الماضية، أو بالأدق ماذا حدث فى عام 2005؟ فى 7/ 7 من ذلك العام هاجم انتحاريون اسلاميون ثلاث محطات مترو مكتظة بالبشر بالإضافة إلى سيارة نقل ركاب بلندن. والمفارقة هنا أن هؤلاء الانتحاريين ولدوا وترعرعوا فى انجلترا وتعلموا بالمجان وأقاموا فى مساكن الدولة. والمفارقة هنا أيضا أن اثنين من الانتحاريين قد طارا من بريطانيا على متن الخطوط الجوية التركية إلى كراتشيبباكستان فى 19 نوفمبر 2004 وأقاموا بها لعدة أشهر قبل العودة إلى لندن فى 8 فبراير 2005. والمغزى هنا أن الارهاب الأصولى لا علاقة له بالوطن، إذ إن علاقته بكوكب الأرض من أجل تأسيس الخلافة الاسلامية عليه. وإذا أدخلنا هذا المغزى فى الشراكة المطلوبة بين الألمان والعرب فيمكن أن نمتد بها إلى الوراء حتى نصل إلى سبتمبر عام 1974 حيث استضافت دار هورست اردمان للنشر «الحوار الثقافى العربى الألماني» بمدينة توبنجن الألمانية بالاشتراك مع جامعة توبنجن وجامعة الدول العربية ممثلة فى أمينها العام محمود رياض وثمانى عشرة دولة من دولها.
والسؤال اذن: لماذا بادرت ألمانيا دون غيرها من الدول الأوروبية إلى إجراء الحوار الثقافى العربى الألماني؟
أظن أن السبب كامن فى أن أول هجرات الاخوان المسلمين كانت إلى ألمانيا بقيادة سعيد رمضان زوج نجلة حسن البنا فى النصف الثانى من الخمسينيات من القرن الماضي. وهناك أنشأ «المركز الإسلامي»، وبعد ذلك تغلغل الاخوان فى ألمانيا.
وفى 14 مارس 1975 عينت رئيساً لوحدة الدراسات الانسانية بمركز الشرق الأوسط بجامعة عين شمس حيث أعمل بها أستاذاً للفلسفة. وفى نفس ذلك العام دعانى ممثل مؤسسة كونرادأديناور إلى مشاركته فى تأسيس «المجموعة الأوروبية العربية للبحوث الاجتماعية». وفى المؤتمرات التى أشرفت على تنظيمها واختيار قضاياها كان من بينها التسامح الثقافي، والهوية الثقافية، والدين والشباب والعنف، ونماذج من العلمانية والتنوير، وهى قضايا مثارة الآن كوكبياً فى القرن الواحد والعشرين. ولا أدل على ذلك من أنه كان ثمة تخوف من عقد مؤتمر «التسامح الثقافي» فى نوفمبر عام 1981، أى بعد اغتيال الرئيس السادات بشهر لأن موضوعه يستلزم مناقشة قضية التعصب وهى قضية لم يكن مرغوبا فى إثارتها لأن ثمة احتمالاً كبيراً فى أن يستولى المتعصبون على السلطة فى مصر، وقد كان إذ استولى الاخوان المسلمون على الحكم فى عام 2012. وماذا بعد؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ «القرن الحادي والعشرين» (74) مستقبل أوروبا برؤية عربية   الثلاثاء 05 مايو 2015, 2:21 pm

رؤيتي لـ «القرن الحادي والعشرين» (74) مستقبل أوروبا برؤية عربية


الثلاثاء 16 من رجب 1436 هــ 5 مايو 2015 السنة 139 العدد 46901








جرى العرف الشائع فى أوروبا أن ينشغل المفكرون الأوروبيون بتحليل الوضع القائم فى بلادهم من أجل التنبؤ بوضع قادم. ولكن فى فبراير 1981 انعقدت ندوة مشتركة بين معهد العلاقات الدولية ببون بألمانيا ومركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة عين شمس حيث كان موضوع الندوة على عكس العرف الشائع هو «مستقبل أوروبا برؤية عربية».
وفى مفتتح الندوة أثار رئيس معهد العلاقات الدولية ولفرد بُل ثلاثة تساؤلات على هيئة احتمالات جاءت على النحو الآتى:
هل ثمة احتمال فى أن تؤدى مؤتمرات الغرب الثقافية والتكنولوجية والاقتصادية إلى حدوث «أزمة هوية» لدى العرب وتفضى بدورها إلى معاداة الغرب وأوروبا أم إلى تمثل لهذه المؤتمرات وذلك بأسلمتها؟
هل ثمة احتمال فى أن تتقبل السلطات التراثية الحداثة، وأن تكون على وعى بأن عدم تقبلها لهذه الحداثة من شأنه أن يفضى إلى صراع قادم ؟
هل ثمة احتمال فى أن يطلب العرب من الأوروبيين الانتباه إلى أهمية تراثهم دون اخبارهم بمدى اهتمام العرب بصياغة رؤية عن مستقبل أوروبا؟
ومن المؤسف أن الندوة انتهت دون صياغة لرؤية عربية عن مستقبل أوروبا على نحو ما ارتأى نائب رئيس معهد العلاقات الدولية ديتر بيلنشتين. ومع ذلك فإنه ارتأى أيضا أن الأمل لازم فى تصور وضع قادم يسهم فى صياغة الرؤية المطلوبة. وأظن أن بحثى كان معبراً عن «أمل مفقود» بديلاً عن «يأس من أمل مرغوب» إذ كان عنوانه «مستقبل العرب بدون أوروبا» وهو عنوان نافٍ لعنوان آخر كان يمكن أن يكون وهو العرب وأوروبا معاً.
والسؤال اذن:

لماذا النفى بديلاً عن الايجاب؟
كان فكر الحداثة مطلوب ولكنه توقف عند التحديث الذى يعنى التكنولوجيا. ومن هنا جاء قولى بهذا المصطلح «الحداثة المجهضة» وذلك بسبب طغيان التيار السلفى الذى يزعم بأن العصر الذهبى للعرب كامن فى الماضى، أى فى التراث، وليس فى المستقبل الذى يتميز بتجاوز التراث. والمجاوزة قد تكون بنقد التراث فى الحد الأدنى أو ببتره فى الحد الأقصى.
فى أوروبا تبنى فلاسفة الحداثة وكان فى مقدمتهم ديكارت الذى لُقب بسبب ذلك بأنه أبو الفلسفة الحديثة. وقد أراد طه حسين محاكاة ديكارت فى بتر التراث فى كتابه المعنون ز فى الشعر الجاهلىس(1926) حيث قال «أريد أن اصطنع المنهج الفلسفى الذى استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء فى أول هذا العصر الحديث. والناس جميعاً يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج أن يتجرد الباحث من كل شئ كان يعلمه من قبل.» ثم استطرد قائلا:
«فلنصطنع هذا المنهج حين نريد أن نتناول أدبنا العربى القديم». وبسبب هذا المنهج حوكم طه حسين وكفر، ومن ثم انتهى «بتر التراث» بلا رجعة وبقى «نقد التراث». إلا أن هذا النقد لم يكن يعنى إعمال العقل الناقد فى التراث، إنما كان يعنى تنقية التراث من المؤثرات الخارجية أو بالأدق من المؤثرات الغربية، ومن ثم نلتزم بالتراث وهو فى حالة نقاء. وكانت هذه رؤية الأفغانى ومحمد عبده. فالأفغانى رفض المادية الغربية فى كتابه المعنون «الرد على الدهريين» (1886). ومن هنا جاءته عبارته المأثورة: «إن المسلم مريض والقرآن هو دواؤه الوحيد». أما محمد عبده فقد هاجم فرح أنطون بسبب كتابه المعنون «ابن رشد وفلسفته» (1903). والمفارقة هنا أن الهيئة المصرية العامة قد نشرته مبتوراً فى زمن الرئيس مبارك ونشرته نفس الهيئة كاملاً فى زمن الثورة وبمقدمة من صاحب هذا المقال. وفى سبب تأليف ذلك الكتاب، يقول فرح أنطون إنه مردود إلى تأسيس العلمانية التى تعنى عند أنطون فصل السلطة الزمانية عن السلطة الدينية، وحجته فى ذلك الفصل مردوده إلى أن صياغة السلطة الدينية للقوانين محكومة برؤيتها للعالم الآخر وذلك فى مواجهة السلطة الزمانية التى تصيغ قوانينها بتأثير من رؤيتها للعالم الأرضى.
أما محمد عبده فيرى أن فصل الدين عن الدولة ليس فقط غير مرغوب بل هو أمر محال لأن الحاكم فى حكمه ينبغى أن يكون ملتزماً، من حيث هو حاكم، بدين محدد. وهذه الرؤية منشورة تفصيلا فى مجلة «المنار» لصاحبها رشيد رضا الذى بدوره أورثها لحسن البنا مؤسس حركة الاخوان المسلمين.
نقاء التراث اذن هو الغاية من تجديد الخطاب الدينى عند الأفغانى ومحمد عبده، وهو الغاية أيضا عند مَنْ جاء بعدهما. فالفيلسوف الجزائرى مالك بن نبى يلتزم هذه الغاية فى دعوته إلى تحرير العالم الاسلامى مما يسميه «القابلية للاستعمار» على نحو ما ورد فى كتابه المعنون «وجهة العالم الاسلامى». فهذه القابلية عنده تعنى استدعاء الاستعمار، وهذا الاستدعاء مشروط بعدم حيازة الوسائل الكفيلة بتنمية الشخصية الاسلامية. ولهذا فإن أى ثورة فى البلدان الاسلامية ما لم تكن على وعى بهذه القابلية فمصيرها الدوران إلى الخلف. وافراز هذا الوعى ليس ممكناً من غير ثورة ثقافية. إلا أن هذه الثورة ليست كافية وإن كانت ضرورية، إذ يلزم مواكبتها بما يسميه بن نبى «المفجر الاقتصادى». ومع ذلك فحتى هذا المفجر ينطوى على معضلة وهى تكمن فى ضرورة التحرر من الرأسمالية والماركسية معاً من غير سند من البديل. وأظن أن البديل غائب فى العالم الاسلامى بسبب تصميمه على تنقية التراث أو بالأدق نقاء التراث. ومن هنا تكون ضرورة التكفير للمحافظة على هذا النقاء. ومن هنا أيضا يلزم تغيير عنوان هذا المقال فيكون على النحو الآتى: «مستقبل أوروبا بدون رؤية عربية». ولكن هل هذا ممكن؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ «القرن الحادي والعشرين» (75) تنافر أم تعايش   الأربعاء 13 مايو 2015, 1:51 am

 رؤيتي لـ «القرن الحادي والعشرين» (75) تنافر أم تعايش


الثلاثاء 23 من رجب 1436 هــ 12 مايو 2015 السنة 139 العدد 46908

العرف الشائع في عقد الندوات و المؤتمرات أن تكون البحوث المكتوبة هى محور الحوار، ومع ذلك فقد يحدث على ما هو الضد من هذا العرف وهو أن يدور الحوار بلا أبحاث ومن غير تسجيل حتي يكون من الصعب اسناد رأي إلي محاور معين فتسود الصراحة وتمتنع المسئولية

ومن ثم تكون الغاية من الحوار الكشف عن زاتجاه عامس يكون موضع اهتمام من السلطة السياسية في صياغة استراتيجيتها بعد اصدار زتقرير عامس من اللجنة المنظمة للندوة أو للمؤتمر. وقد دعيت الي شيء من هذا القبيل في فبراير 1992 من قبل تشاثام هاوس والاذاعة البريطانية معا وبرعاية المعهد الملكي للشئون الدولية ببريطانيا. وكان موضوع الندوة زالمجتمع الأوروبي والعالم العربي: البعد الثقافيس. والغاية منها وضع برنامج شرق أوسطي للعلاقات الأوروعربية.
والسؤال اذن :

ماذا كانت مكونات ذلك البرنامج؟
ونجيب بسؤال:

هل انتهت الندوة الي وضع برنامج حتي نثير سؤالا عن مكوناته؟
أظن أن العبارة الأولي في التقرير تشكك فى إمكان وضع برنامج. والعبارة لمفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده كان قد قالها لصديقه المؤرخ البريطاني ولفريد بلنت لبعثها الي أولي الأمر من البريطانيين بعد عامين من الاحتلال البريطاني في عام 1882، وجاءت علي النحو الآتي:سلا تحاولوا أن تصنعوا خيرا لنا أكثر مما صنعتموه لأن خيركم قد أصابنا بضرر أكثرس. ومغزي العبارة أن الشعوب العربية والاسلامية ترفض التدخل الأوروبي في شئونها، وهي عبارة يصلح ترديدها إزاء الغزو الأمريكي البريطاني في عام 1991،إذ كان من شأن هذا الغزو استدعاء العرب للتراث التعس للعلاقات الأوروعربية حيث يري العرب أن الأوروبيين استعماريون، ويري الأوروبيون أن العرب متعصبون. وكل من الرؤيتين تكشف عن زصراع رؤيس أو بمعنى أدق صراع بين رؤية الضعيف و رؤية القوي. الضعيف يرفض ألاعيب القوي والقوي يرفض سوء مسلك الضعيف. ومغزي هذا الرفض المتبادل أن الصراع يمكن أن يتواري إذا تواضع القوي ووثق الضعيف في ذاته. وهنا قيل من باب السخرية أنه إذا حدث ذلك وتواري الصراع فان التنوع الثقافي يتواري وهو أمر غير مطلوب. وهنا قيل أيضاً من باب السخرية أنك إذا أردت الحفاظ علي التنوع الثقافي فعليك بالحفاظ علي الصراع.
وفي إطار هذه السخرية أثير السؤال الآتي : هل في الإمكان العثور علي مثقفين لدي الطرفين المتصارعين لديهم القدرة علي الكشف عن زقيم مشتركةس علي الرغم من التنوع الثقافي؟
وإذا جاء الجواب بالسلب فماذا تكون النتيجة؟
عداء متبادل ومتسم باللاعقلانية. وتاريخ العلاقات بين الطرفين يدلل علي صحة هذا العداء اللاعقلاني. وفي العصور الوسطي تحكمت الكنيسة في العالم العلماني، إلا أن هذا التحكم تواري بغير رجعة مع بزوغ عصر الاصلاح الديني مع العلمانية في القرن السادس عشر، والتحرر من حاكمية الله في القرن السابع عشر بفضل نظرية العقد الاجتماعى، والإعلاء من سلطان العقل في القرن الثامن عشر بفضل التنوير، وثورة في علم اللاهوت في الستينيات من القرن العشرين بفضل بزوغ اللاهوت العلماني. ومن ثم أصبح الايمان مسألة خاصة والمسئولية الاجتماعية مسألة عامة. أما فى العالم الاسلامى فقد امتنع الفقهاء عن إحداث الثورة المطلوبة على نحو ما حدث فى العالم المسيحى.
وقد يقال رداً على هذا القول بأن المعتزلة أدت دورا فى ادخال العقلانية اليونانية . والرأى عندى أن عقلانية المعتزلة كانت مصحوبة بالتكفير، وبسبب ذلك تفرقت إلى عشرين فرقة وكل فرقة كفرت الأخرى وهو أمر لا يستقيم مع العقلانية التى تشترط عقلاً بلا حقيقة مطلقة، إذ توهم امتلاك حقيقة مطلقة ممهد بالضرورة لتكفير منْ لا يملاكها. و قد يقال إن عقلانية المعتزلة المشوهة مردودة إلى أن العرب المسلمين كانوا محاصرين بفعل قوى استعمارية معادية الأمر الذى من شأنه أن يدفعهم إلى الارتماء فى وهم امتلاك الحقيقة المطلقة حتى يشعروا بالأمن .
ولكن حاصل الأمر لم يكن كذلك لأن الاستعمار توارى ومع ذلك فإن التكفير مازال متواصلاً. مسألة التكفير إذن ظاهرة داخلية وليس لها أسباب خارجية، ولكونها داخلية فهى مردودة بالضرورة إلى تخلف البنية الذهنية.
وتأسيسا على ذلك يمكن القول بأن مستقبل العرب مظلم ما لم يحدث تغيير جذرى فى البنية الذهنية، وهو تغيير لن يكون ممكنا إلا بنخبة ملتزمة بسلطان عقل متحرر من أى سلطان ماعدا سلطان العقل. إلا أن النخبة قد تجاهلت هذا النوع من الالتزام وانشغلت بمحاربة الأعداء. وكانت النتيجة أن قيل عن الدولة التى تريد النخبة تحريرها من الاستعمار انها زدولة فاشلةس ومع التعميم يقال دول عربية فاشلة. ومن هنا كان غزو العراق للكويت فى عام 1990 ممهداً لتفكك هذه الدول. وعندما جاء عام 1991 كانت دول الخليج زقابلةس للتدخل العسكرى الأمريكى البريطانى.
والرأى عندى أن الرئيس صدام حسين كان من أهم الأسباب فى افراز هذه زالقابليةس وهو رأى استند فيه إلى معلومة بحكم اقترابى من نظامه فى ذلك الوقت وكانت موضع اهتمام من هيئة الإذاعة البريطانية وهى على النحو الآتى: ثمة نصيحة من مشيل عفلق المستشار السياسى لصدام حسين بأن عليه ذ بحكم كراهية حزب البعث المطلقة للغرب ذ الاستيلاء على بترول الخليج للإفادة من دخله فى تقوية الجيش العراقى العربى لمحاربة الغرب و القضاء عليه وعندئذ تصبح الحضارة العربية الاسلامية هى الحضارة الإنسانية، وقد كان، إذ غزا صدام حسين الكويت وكان فى طريقه إلى السعودية وما بعدها. ومن هنا قرر الغرب القضاء عليه، وقد كان. ومن هنا تصاعد التنافر بين العرب والغرب وتوارى التعايش، وظل السؤال قائماً: تنافر أم تعايش؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15133
نقاط : 25272
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 51

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (77) الدين فى هذا الزمان   الأربعاء 03 يونيو 2015, 2:06 am

 رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (77) الدين فى هذا الزمان


الثلاثاء 15 من شعبان 1436 هــ 2 يونيو 2015 السنة 139 العدد 46929




أعلنت مجلة «الايكونومست» فى نهاية القرن العشرين أن الدين قد مات. وبعد أقل من عامين جرت أحداث 9/11/2001 فعاد الدين إلى الصدارة وتحدى الحداثة الغربية المنبثقة عن عصر التنوير، وطالب بإجراء حوار جديد حول دوره الذى ينبغى أن يؤديه فى القرن الواحد والعشرين لتغيير المناخ السياسى والثقافى المتأثر بسلطان العقل ثمرة عصر التنوير. دعوة الدين اذن إلى تغيير ذلك المناخ السياسى والثقافى تعنى أننا فى الطريق إلى عاصفة دينية وليس إلى ثورة دينية.
مقدمة هذا المقال منقولة من افتتاحية «المجلة الدولية لكلية سانت أنتونى» بجامعة أكسفورد (يناير2008). إلا أن لفظ «عاصفة» المنقولة من افتتاحية المجلة إنما يشير إلى لفظ «الارهاب» الذى يستلهم الدين لتدمير الحضارة الانسانية. وإذا قيل بعد ذلك إننا نحيا فى «قرية كوكبية» فقد دلت الأحداث على ان هذا القول مجرد وَهْم بسبب شيوع الفوضى والصراعات الاقليمية مع اهتزاز الأمن، الأمر الذى يستلزم من النخبة إعادة النظر فى رؤيتها بسبب صعود الدين فى إطار بزوغ العلوم البينية أى العلوم المتداخلة بعد أن كانت متخارجة، وفى إطار قول شاع بين الشيوعيين أن الحداثة من شأنها اضعاف الدين إلى أن يتوارى، وان شيوع ذلك القول كان من شأنه تأسيس رؤية بديلة سمتها دينية وتريد العصف بالدولة العلمانية أيا كانت فى أى مكان.ومع ذلك فثمة سؤال لابد أن يثار: لماذا يدخل العصف أو يالأدق العنف فى تأسيس الرؤية البديلة دينياً؟
المفارقة هنا أننى قد فطنت إلى هذه العلاقة بين الدين والعنف فى ابريل 1981 عندما عقدت مؤتمراً فى ذلك الشهر من ذلك العام، أى قبل أحداث 11/9 بعشرين عاما، وكان عنوان المؤتمر «الشباب والعنف والدين»، وكنت فى حينها مسئولاً عن اقليم الشرق العربى فى اللجنة التنفيذية لــــ» المجموعة الأوروبية العربية للبحوث الاجتماعية». ومغزى هذا العنوان الذى تناوله بالتفصيل مفكرون من علم الاجتماع أن الدين شأن عام وليس محصوراً فى فقهاء أو لاهوتيين أو دعاة أيا كانت ملتهم الدينية، وأن الشباب من حقهم أن تكون لهم هموم دينية وأن يكون من شأنها أن تدفعهم إلى الالتزام برؤى دينية، وكان فى مقدمة هؤلاء الشباب شباب الاخوان المسلمين الذين ثاروا ضد الشرور الواردة من الحضارة الغربية على حد قول سيد قطب المنظَر لهم فى كتابه المعنون «معالم فى الطريق» الذى ألفه فى أثناء سجنه لمدة اثنى عاما قبل اعدامه فى عشر عام 1966 إثر اتهامه برسم خطة سرية لاغتيال الرئيس جمال عبدالناصر. وفكرته المحورية أن ما يسمى المجتمع الاسلامى القائم ما هو إلا مجتمع منحل مكون من مجموعة من الكفار تحيا فى الجاهلية وليس فى الامكان تحويلها إلى الاسلام الحق إلا بمجتمع الهى يستند إلى القرآن. والذى يرفض هذا التغيير ينبغى محاربته بلا هوادة وسحقه استناداً إلى قوانين الله. وقد كانت هذه الرؤية هى الدافع وراء تدمير مركز التجارة العالمى فى 11/9. ومغزى هذا التدمير وزمنه أن بداية القرن الواحد والعشرين كامنة فى مسار القرن العشرين بقيادة الأصولية الاسلامية على نحو ما أرى، ومن ثم تكون افتتاحية مجلة الايكونومست التى تنص على موت الدين هى بلا معنى أو بالأدق هى رؤية غير علمية وخالية من أى بصيرة. وإعادة الرؤية فى مسار القرن العشرين لازمة من لزوم ما حدث مع بداية القرن الواحد والعشرين. وإذا قيل بعد ذلك إن كل شىء قد تغير بعد أحداث 11/9 فهذا قول يشى بغيبوبة دوجماطيقية فى حاجة إلى إفاقة.
والسؤال اذن:

ما سبب الغيبوبة الدوجماطيقية، أى الغيبوبة التى سببها توهم امتلاك الحقيقة المطلقة؟
سببها غياب العقل الناقد، أى العقل القادر على اجتثاث جذور ذلك الوهم. إلا أن قدرة هذا العقل تكمن فى جرأته. ومن هنا قال الفيلسوف الألمانى العظيم كانط عبارته المأثورة: «كن جريئاً فى إعمال عقلك». ومن شأن هذه الجرأة أن تمنع العقل من السقوط فى غيبوبة الدوجماطيقية. وحيث إن التيار الشائع الآن على مستوى كوكب الأرض هو التيار الأصولى المانع من جرأة العقل وبالتالى الدافع إلى السقوط فى الغيبوبة الدوجماطيقية فالسؤال اذن هو على النحو الآتى:
ما السبب فى شيوع التيار الأصولى؟
قيل فى ذلك الشيوع سببان: السبب الأول أن بداية القرن الواحد والعشرين جاءت مصحوبة بشعار «العودة إلى الدين» كرد فعل ضد الحداثة العلمانية. وحيث إن العلمانية نشأت كرد فعل ضد أصولية العصر الأوروبى الوسيط التى تقف عند المعنى الظاهر للنص الدينى، ومن ثم تكفر أى نظرية علمية يشتم منها أنها ضد ذلك المعنى الظاهر. والسبب الثانى أن العودة إلى الدين واكبتها وسائل إعلام كوكبية كانت كفيلة بدفع الأصوليات إلى الصدارة مع الهيمنة. وفى هذا الاطار صدر فى عام 2001 كتاب عنوانه «الدين ووسائل الاعلام» يدلل على هذا الذى أثرته إجابة عن السؤال. وأبرز ما ورد فيه أن الأصولية الاسلامية هى « الآخر» بامتياز فى هذا الزمان، إذ هى نقيض التنوير والحداثة والمجتمع المدنى، ونقيض العقل فى نهاية المطاف. وحيث إنها مسلحة فكانت مهيأة لغزو كوكب الأرض.
ويبقى بعد ذلك القول بأن الأصوليات الدينية غير الاسلامية وإن كانت على نقيض الأصولية الاسلامية إلا أنها مساهمة فى توفير مناخ دينى داعم لهذه الأصولية لأنها الأقوى تنظيماً وتسليحاً. وإذا كان الارهاب هو أعلى مراحل الأصولية فإن اضعافه كحد أدنى والقضاء عليه كحد أقصى ليس ممكناً إلا بإشاعة تيار علمانى كوكبى مؤسس على الجرأة فى إعمال العقل ولا بديل.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
رؤيتى للقرن الواحد والعشرين - مراد وهبه ... 1 : الخ
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 3 من اصل 4انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
elwardianschool :: المكتبة :: تحميل كتب :: العلوم الاجتماعية (300)-
انتقل الى: