elwardianschool


elwardianschool

مـنـتـدى مـــكـتـبــة مـدرسـة الـورديـان الـثـانـويـة * بـنـيـن...( تعليمى.متنوع.متطور )

 
الرئيسيةالبوابةبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول
نتمنى لكم قضاء وقت ممتعا و مفيدا فى المنتدى

شاطر | 
 

 رؤيتى للقرن الواحد والعشرين - مراد وهبه ... 1 : الخ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ» القرن الحادى والعشرين» (24) دعوة للحوار مع الشرق    الأربعاء 14 مايو 2014, 4:20 am







عنوان هذا المقال من وحى حدثين ثقافيين تزامنا فى عام 2003 أحدهما كتاب عنوانه «فلنتحاور مع الشرق» لفيلسوفة فرنسية اسمها سنتيا فلورى (1974-؟)
 أستاذة بجامعة باريس، والآخر ندوة دولية حرية الكاتب .. ومسئولية الحاكم! عقدت فى أبوظبى فى نفس ذلك العام بتنظيم من «مركز زايد العالمى للتنسيق والمتابعة» وعنوانها «العقلانية جسر بين الشرق والغرب». وعقدها كان تمهيداً لندوة أخرى يعقدها المركز مع جامعة الدول العربية تحت عنوان «دفاعاً عن الحضارة» إلا أن انعقادها لم يتحقق.
فى السطر الأول من كتاب «فلنتحاور مع الشرق» تثير فلورى ثلاثة أسئلة: لماذا نحاور الشرق؟ هل ثمة حوار كان ثم انقطع؟ هل كان ثمة حوار أصلاً؟ ويبدو من هذه الأسئلة أنها تخفى «عدوا» بديلاً عن «الصديق»، ولكنها فى الوقت ذاته تحث على الحوار، أو بالأدق على حوار جديد. وهنا ثمة سؤالان: ما هو هذا الحوار الجديد؟ وكيف يكون؟
تجيب فلورى عن هذين السؤالين فى اطار مناخ ايديولوجى محكوم بثلاثة مفكرين وهم: فرانسيس فوكوياما، وصمويل هنتنجتون وادوارد سعيد. ارتأى فوكوياما فى كتابه «نهاية التاريخ والانسان الأخير» (1992) أن انتصار الديمقراطية الليبرالية، إثر انتهاء الحرب الباردة، يعنى نهاية التاريخ، أى نهاية الصراع الأيديولوجى الذى كان قائماً بين الشيوعية والرأسمالية. وبديل ذلك الانشغال بحل المشكلات التكنولوجية والاقتصادية. إلا أن هنتنجتون اعترض على هذه الرؤية وألف كتاباً يعارض به نظرية فوكوياما تحت عنوان «صدام الحضارات وصياغة نظام عالمى جديد» (1994) بمعنى أن الصدام لن يكون إلا بين كتل حضارية فى حالة عداوة. وهذه بداية جديدة للتاريخ أطلق عليها مصطلح «عصر السياسة الكوكبية» بمعنى أن الصدام لن يقف عند حد الغرب والشرق إنما يكون بين الغرب وما تبقي. الغرب هو أوروبا وأمريكا، وما تبقى هى الكتلة الروسية والصينية واليابانية والهندوسية والافريقية ثم أمريكا اللاتينية والاسلام. إلا أن هذا الصدام الجديد لن يكون بين حضارات إنما بين ثقافات، بمعنى أن الثقافة تكون بديلاً عن الحضارة، وأن تكون متقوقعة فى «هوية»، والهوية هنا تكون محكومة، فى الدفاع عنها، باَليات الحرب والاستعمار. والنتيجة انتفاء الحوار والعودة إلى الهيمنة. وفى مواجهة هنتنجتون يقف ادوارد سعيد. ففى مقابل «كتل حضارية» عند الأول يقول الثانى بـ «كتلة الجهل» وهى كتلة ترى أن الايديولوجيا وَهْم وتقوم على المواجهة بين « هويات عملاقة».
ومع ذلك فان فلورى ترى أنه ليس فى الامكان تجاهل العالم العربى الإسلامى عند تناول الحوار بين الشرق والغرب، إذ ثمة إشكالية ينفرد بها ذلك العالم فى إطار السؤال الآتي: ما العلاقة بين الفكر الدينى والدين، أو بين القرآن وتأويلات آيات؟ وفى صياغة أخرى للسؤال: كيف يتعامل المتدين مع النص الديني؟ وتجيب فلورى أن نصر حامد أبوزيد هو الذى أثار هذا السؤال فى كتابه المعنون «نقد الخطاب الديني». وقد أهدانى كتابه هذا إثر صدوره مباشرة، فى 31/1/1993 وجاء اهداؤه على النحو الآتي: «إلى أستاذنا جميعا الدكتور مراد وهبه.. محاولة للاجتهاد والمشاركة». ومغزى هذا الاهداء أن أبوزيد يشاركنى الاهتمام بمفهوم التأويل الذى هو التعبير الدقيق عن «الاجتهاد»، يشاركنى فلسفياً فى تناول مفهوم النص. وهذا هو ما قالته فلورى فى كتابها من أن مسار أبوزيد فى كتابه ذاك هو مسار فلسفى لأنه يبحث عن دور التاريخ والتأويل فى النص الديني. والتأليف بينهما يفضى إلى القول بتاريخية ذلك النص. ومن هنا جاء تكفير أبوزيد والتفريق بينه وبين زوجته. ومن هنا أيضاً تقول فلورى إن الحضارة العربية الاسلامية هى «حضارة النص» لأن النص هو حجر الزاوية فى تحديد علاقتنا بالزمان بل بالحداثة. والسؤال اذن:كيف يكون ذلك كذلك؟
جواب فلورى أن الزمان، عند المسلم، محصور فى «الحاضر» أى أن الزمان جملة «أنات حاضرة»، ومن ثم فإننا نكون فى الزمان وفى حداثة الزمان عندما نمارس «فعل الحاضر» . ويترتب على ذلك أن ما يزعج المسلم هو أن تجعل من الحداثة لحظة لا علاقة لها بالحاضر، ومن ثم تصبح الحداثة غريبة أو مغتربة. وقد استثمرت الأصولية الاسلامية هذا الاغتراب بإقامة تعارض بين التقويم الهجرى والتقويم المعاصر من أجل النضال ضد الهيمنة الغربية ورؤيتها للحداثة، ومن ثم يمتنع الحوار بين الشرق والغرب وهو ما تنشده الأصولية الاسلامية. وهنا تتساءل فلورى عن إمكان مجاوزة الأصوليين لإجراء الحوار، وتجيب بالإيجاب فى استدعائها لعصر النهضة فى القرن السادس عشر ، أو بالأدق لروح النهضة لأن هذه الروح تتسم بأنها ناقدة ومن ثم تنعكس هذه الروح الناقدة على الحوار فيكون حواراً ناقداً يسمح لنا برؤية الأديان فى جذورها المشتركة، بل برؤية المعارف الانسانية كلها على هذا المنوال.
ومع ذلك كله فثمة سؤال لابد أن يثار: إذا كانت الأصولية الاسلامية هى المهيمنة على العالم الإسلامى ،فليس فى الإمكان مجاوزتها إلا بتأسيس تيار مضاد؟ حاولت الجواب عن هذا السؤال فى ندوة أبوظبى فماذا كان ذلك الجواب؟
الجواب فى المقال المقبل.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين»: العقلانية بين الشرق والغرب (2)   الخميس 22 مايو 2014, 1:42 am



الثلاثاء 21 من رجب 1435 هــ 20 مايو 2014 السنة 138 العدد 46551 


كان رأى سنتيا فلورى أستاذة العلوم السياسية بجامعة باريس أن الحوار بين الشرق والغرب ممكن إذا كان فى إطار « روح النهضة» الأوروبية حيث العقل الناقد هو أساس هذه الروح، وحيث النص الدينى موضع تأويل من العقل.
وإذا كان نصر حامد أبو زيد هو الممهد لهذا الذى تنشده فلورى، فكيف يكون ممهداً لما هو شائع فى الشرق من ضرورة تأسيس حركة تنوير يكون أساسها ذلك العقل الجسور فى المجاهرة بتأويلات للنصوص الدينية، ولما هو شائع من تكفير كل مَنْ يجرؤ على الخروج على الاجماع حول صحة المعنى الحسى للنصوص الدينية؟ كان هذا هو السؤال الذى دار فى ذهنى وأنا أقرأ الدعوة التى تسلمتها من «مركز زايد العالمى للتنسيق والمتابعة» للمشاركة فى ندوة يعقدها فى يونيو من عام 2003 تحت عنوان «العقلانية جسر بين الشرق والغرب»، وكان عنوان بحثى هو عنوان الندوة.

والسؤال اذن:

ما مغزى « الجسر» فى عنوان الندوة؟
إنه يعنى أن ثمة فجوة حضارية بين الغرب والشرق، وهذه الفجوة مردودة إلى مرور الغرب دون الشرق بمرحلتين هما سلطان العقل، والتزام العقل بتغيير الواقع لصالح رجل الشارع. مرحلة سلطان العقل كان زمانها حركة الاصلاح الدينى فى القرن السادس عشر وكان التنوير تتويجاً لها. وأعنى بالإصلاح الدينى عقلنة النص الديني، وأعنى بالتنوير تحرر العقل من كل سلطة ما عدا سلطة العقل. ويترتب على ذلك أن غياب العقل يفضى إلى غياب التزام العقل بتغيير الواقع، ومن ثم يفضى إلى تجميد الوضع القائم، وهذا الغياب بدوره ينشئ سلطان الأسطورة وينشئ معها المحرمات الثقافية، والاثنان من سمات الوضع القائم فى الشرق. وعندما بزغت حركة التحرر الوطنى أثناء الحرب العالمية الثانية كانت سياسة «التحرر من الاستعمار» تعنى فى الوقت نفسه «التحرر من الغرب». وترتب على ذلك بزوغ شعارين هما «الاستعمار الثقافي»
و«الغزو الثقافي». وبناء على هذين الشعارين نشأت «الأصولية الاسلامية» ودعت إلى نظام سياسى واقتصادى يكون بديلاً عن النظامين الرأسمالى والاشتراكي، وكان الملهم لذلك هو ابن تيميه ومن بعده سيد قطب. وأنت لا تستطيع أن تفهم الثانى من غير أن تفهم الأول وهو ابن تيميه الذى يرفض تأويل النص الدينى لأن كل آيات القرآن واضحة فى معناها الحسي. ومعنى ذلك تفسير القرآن بالقرآن، وإذا تعذر فبالسَنة المطهرة فإنها شارحة ومفسرة للقرآن، وإذا تعذر فبأقوال الذين عاصروا نزول القرآن. والمغزى أن ابن تيميه يحاصر التأويل إلى الحد الذى فيه يمتنع إعمال العقل. وإذا انتفى إعمال العقل تساوى مع الحس أو بالأدق تساوى مع السمع. يقول: «ما يُعلم بصريح العقل لم يخالفه السمع قط... ولا يُعلم حديث واحد يخالف العقل أو السمع الصحيح». ومن هنا تكون ضرورة الاجماع وتكفير مَنْ يخرج على الاجماع. ومن هنا أيضاً أصبح التكفير ظاهرة تكاد لا تتوقف. وقد بدأها الغزالى فى القرن العاشر قبل ابن تيميه فى القرن الثالث عشر مع فارق وهو أن الغزالى كفر الفلاسفة المسلمين الذين استعانوا بآراء فلاسفة اليونان من أمثال أفلاطون وأرسطو، أما ابن تيمية فقد كفر المسلم الذى يخرج على إجماع الأمة الاسلامية. ولهذا كان ابن تيمية أقوى أثراً من الغزالي، إذ هو أساس الوهابية فى القرن الثامن عشر، وهو أساس حركة الاخوان المسلمين فى القرن العشرين. ومعنى ذلك أن العالم الإسلامى محكوم بابن تيمية منذ مائتى عام. وقد أحدث هذا التحكم فى إحداث قسمة عميقة بين عقلية الشرق وعقلية الغرب. وقد لفت الانتباه إلى هذه القسمة المؤرخ المصرى شفيق غربال فى مقدمته للقسم الأول من الجزء الثاني فى الترجمة العربية لكتاب فيشر عن «تاريخ أوروبا». قال: «بالنسبة إلى الجزء الخاص بالعصور الوسطى وحضارتها المسيحية الغربية فانه يصعب التعبير عن أفكار معينة مثل فكرة الاقطاع وفكرة السلطان المدني. والصعوبة هنا مردودة إلى الشبه الظاهر الذى يخدع». وعبارة الشبه الظاهر الذى يخدع الواردة فى نص شفيق غربال تدلل على هذه القسمة الثنائية. وفى تقديرى أن رفاعه الطهطاوى كان سابقاً على شفيق غربال فى وعيه بــ «الشبه الظاهر الذى يخدع» فى كتابه «تخليص الإبريز فى تلخيص باريز». فقد ترجم اثنتى عشرة شذرة لمفكرى التنوير الفرنسيين ومع ذلك حذر من قراءتها إلا إذا كان القارئ متمكناً من القرآن والسُنة حتى لا يضيع ايمانه لأن تلك الشذرات مملوءة بحشوات ضلالية مخالفة لسائر الكتب السماوية ومملوءة كذلك بأدلة يصعب على الانسان دحضها.
والسؤال اذن:

ما الرأى فى الشبه الظاهر الذى يخدع؟
أظن أن الجواب عن هذا السؤال إما أن يكون بالإيجاب أو بالسلب. إذا كان بالإيجاب فالقسمة الثنائية بين الغرب والشرق صائبة وليس لها بديل، ومن ثم يمتنع الحوار. وإذا كان الجواب بالسلب فالقسمة الثنائية كاذبة وبالتالى فإن ثمة مبرراً للحوار. وإذا كان ثمة تصميم على الحوار فلابد أن نكون على وعى بالقسمة الثنائية، وفى الوقت نفسه على وعى من التحرر منها. وهذا ليس ممكنا إلا بالتحرر من ابن تيميه.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن الحادى والعشرين استدعاء نهرو (3)   الثلاثاء 27 مايو 2014, 11:29 am





الثلاثاء 28 من رجب 1435 هــ 27 مايو 2014 السنة 138 العدد 46558


لم يكن مفاجئا صدور كتاب سنتيا فلورى المعنون فلنتحاور مع الشرق فى عام 2003، كما لم يكن مفاجئا عقد ندوة بـ مركز زايد العالمى للتنسيق والمتابعة بأبو ظبى فى نفس ذلك العام تحت عنوان العقلانية جسر بين الشرق والغرب».
فقد عقدت اليونسكو دائرة مستديرة بنيودلهى فى ديسمبر 1951 حوار بين فلاسفة دوليين حول العلاقات الثقافية والفلسفية بين الشرق والغرب. وقد انتهى الحوار إلى الكشف عن مسألتين. المسألة الأولى أن أحوال الانسان الشرقى والغربى هى ثمرة تطور من افراز الاحتكاكات الثقافية. والمسألة الثانية أن الحروب العالمية لا تنشأ بسبب التباين بين الحضارتين الغربية والشرقية، إنما بسبب أقليات غير متحضرة ومتعصبة فى داخل الحضارة الواحدة.وفى رأيى أن الأهم من ذلك كله هو الكلمة التى ألقاها جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند فى الجلسة الختامية، وأهميتها مردودة ليس فقط إلى أن قائلها هو نهرو زعيم الهند بعد غاندي، أو أنه من مؤسسى حركة عدم الانحياز مع تيتو وعبدالناصر، إنما لأنه فجر قضية يمكن اعتبارها قضية القرن العشرين وهى قضية «الجماهير» فقد أثار فى بداية كلمته خمسة أسئلة هى على النحو الآتى: ماذا فى انتظارهم؟ وفيما يفكرون؟ وفى أى اتجاه هم ذاهبون؟ وما أثر القرارات السياسية على مصيرهم؟ وهل يبالى السياسيون والدبلوماسيون بأحوالهم؟ وبعد ذلك أثار سؤالا محوريا قد يسهم فى الجواب عن الأسئلة الخمسة وهو على النحو الآتي: هل العالم الحديث نغمة شاذة فى حياة العقل مع أنه هو ذاته من ثمرة هذه الحياة؟ أو هل الحضارة ذاتها وهى من صنع العقل الإنسانى نادرا ما تنشغل بتوظيف العقل؟ جواب نهرو أن الانسان يُعمل عقله فى كل علم على حدة، ولكنه لا يُعمل عقله فى الحياة ككل. ومن هنا يتساءل نهرو عما إذا كانت البيئة التى أفرزت أبهى عصور البشرية هى نفسها التى نحياها الآن، بل عما إذا كانت تلك البيئة هى التى نقترب منها أو نبتعد عنها؟ وماذا عن الثورة الصناعية؟ إنها سريعة فى تطورها ولكن فى أى اتجاه؟ وجواب نهرو أنها فى اتجاه الصراع الذى من شأنه إحداث شرخ يفضى إلى كارثة. ويخلص نهرو من ذلك إلى نتيجة مفادها أن البشرية تواجه تناقضاً حاداً بين البناء والتدمير، وبين العقل الذى أنتج الآلة والعقل الذى أصبح عبداً لها. وكان من شأن ذلك التناقض الثانى أن وُلد جنس بشرى بعقل آلى خالٍ من الخيال المبدع الذى يمنعنا من الانحلال. وإذا تصور الغرب أنه قادر على الإفلات من ذلك الانحلال بحكم تاريخه، فهو واهم لأن الحضارة اليوم مكوناتها مترابطة بمعنى أن انهيارها يعنى انهيار العالم برمته، ولن يفلت أحد من ذلك الانهيار.
والسؤال إذن: هل فى الإمكان تجنب ذلك الانهيار؟
جواب نهرو أن هذا السؤال ليس مجرد سؤال فلسفى أكاديمي، إنما هو، عند أصحاب المسئولية، سؤال عملي. وإذا كان ذلك كذلك فإن نهرو يجرى تعديلا على السؤال ويصيغه على النحو الآتى: هل من حقى القول بأن حياة العقل فى تدهور بسبب البيئة التى أفرزتها الثورة الصناعية؟ وجواب نهرو بالإيجاب لأن هذه الثورة تمنع الانسان من التفكير. وإذا قيل ردا على جوابه بأن ثمة مفكرين عظاما فى عالم اليوم فهذا القول، فى رأيه، مردود عليه بأن هؤلاء المفكرين قد اندمجوا فى الكتلة البشرية التى لا تفكر.
ولم يكتف نهرو بنقد الثورة الصناعية بل أضاف نقدا آخر للديمقراطية، وهى إضافة ضرورية لأن النقدين متلازمان. فقد أفرزت هذه الثورة ظاهرة الجماهير التى لم تكن لديها الفرصة لكى تتعلم كيف تفكر واكتفت براحة البدن وهى راحة لم تكن متوافرة لها فيما مضى. ومع ذلك فإن هذه الجماهير هى التى تحكم أو تنتخب مَنْ يحكم. وإذا انتخبت الانسان المناسب فهذا الانسان نفسه محكوم عليه بالتدهور فيما بعد على نحو ما يرى نهرو.
وعندما فرغت من قراءة رأى نهرو الذى أبداه فى الجلسة الختامية لندوة اليونسكو فى عام 1951 ارتأيت أنه لم يلتفت إلى ظاهرة أخرى ملازمة لظاهرة الجماهير وهى ظاهرة الأصولية المسيحية التى نشأت فى انجلترا فى عام 1909 و الأصولية الاسلامية التى نشأت فى مصر فى عام 1928. والأصوليتان ضد الثورة الصناعية. فقد جاء فى كتاب بول أبرخت فى كتابه المعنون «الكنائس والتغير الاجتماعى السريع» والمعبر عن فكر مجلس الكنائس العالمى أن على الكنيسة، فى العالم الثالث، أن تقف ضد حركة التصنيع وضد النزعات القومية لأنها بديل الإيمان. وجاء فى كتاب سيد قطب المنظَر للإخوان المسلمين والمعنون «الاسلام ومشكلات الحضارة» أن عصر الصناعة هو عصر مصاب بمرض «الفصام الفكر» وهو مرض يفصل الإنسان عن الواقع ويدفعه إلى الدخول فى عوالم افتراضية. وقد امتدت هذه الأفكار إلى الأصوليات الدينية الأخري. وكان من شأن ذلك الامتداد أن بدأ العقل فى التراجع عن وظيفته الحقيقية وهى تغيير الواقع من أجل التقدم. إلا أن هذا التراجع لم يكن إلا مرحلة مؤقتة. ولا أدل على ذلك من انتقال الحضارة الصناعية إلى حضارة ما بعد الصناعة، أو بالأدق، إلى الحضارة الالكترونية. ومن هنا فإن استعادة فكر نهرو مع نقده يوقظنا من السُبات الأصولى تمهيدا لإجراء حوار بين الشرق والغرب.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن الحادى والعشرين المعضلة الإسلامية (2)   الثلاثاء 10 يونيو 2014, 9:33 am



الثلاثاء 12 من شعبان 1435 هــ 10 يونيو 2014 السنة 138 العدد 46572


ثمة كتاب آخر يتناول المعضلة الاسلامية وصادر فى عام 2003، أى فى نفس العام الذى نشر فيه المفكر الأمريكى بنيامين باربر كتابه المعنون « الجهاد ضد عالم السوق الاستهلاكي»
وهو من تأليف المستشرق البريطانى ومستشار البيت الأبيض برنارد لويس. والعنوان الرئيسى لكتابه « أزمة الاسلام» وعنوانه الفرعى « حرب مقدسة وارهاب غير مقدس».والتناقض كامن فى العنوانين الرئيسى والفرعي. التناقض فى العنوان الرئيسى كامن فى لفظ « أزمة» لأن الأزمة تستلزم وجود تناقض. والتناقض فى العنوان الفرعى قائم بين لفظى مقدس وغير مقدس. الكتاب اذن محوره الكشف عن التناقضات الكامنة فى العالم الإسلامي، أو بالأدق، محوره الكشف عن المعضلة الاسلامية. والكتاب، فى أصله، مقال نُشر فى نيويورك فى نوفمبر 2001، أى إثر أحداث 11 سبتمبر. والحرب المقصودة فى العنوان الفرعى لا تعنى الحرب ضد الاسلام أو ضد المسلمين، إنما تعنى الحرب ضد عدو مشترك هو أسامة بن لادن الذى أعلن فى 7 أكتوبر 2001 أن الاسلام قد عانى الضعة والخزى أكثر من ثمانين عاماً. ففى عام 1918 انهزمت السلطة العثمانية وتفككت واستولت عليها بريطانيا وفرنسا، ومن ثم انتهت الخلافة الاسلامية التى دامت حوالى ثلاثة عشر قرناً. وفتوى علماء المسلمين تُجمع على القول بأنه فى حالة الاعتداء على أرض الاسلام فإن الجهاد يصبح فريضة. ومع ذلك فإن حرب الخليج فى عام 1991 اشعلتها أمريكا وحلفاؤها من العرب لتحرير الكويت من الاحتلال العراقى وحماية السعودية من احتمال الغزو العراقى أيضا.
مع ذلك ثانياً فإن مصر، وهى من الدول العربية، تعانى تناقضا فى هويتها فهى تارة مصرية وتارة أخرى عربية وتارة ثالثة ًاسلامية. وهذا التحدى الذى تواجهه مصر كما تواجهه بعض الدول الاسلامية آت من الاسلام السياسي، أو بالأدق من الأصولية الاسلامية. ومع ذلك رابعاً فإن الاسلام ليس فيه سلطة دينية إلا أنه لا يفصل بين ما هو سياسى وما هو دينى فهل يعنى ذلك أن الاسلام ثيوقراطي، أى نظام الهى؟ جواب لويس بالإيجاب إذا كان ذلك النظام يعنى أن الله هو السلطة العليا، وجوابه أيضا بالسلب إذا كان يعنى ذلك النظام أن السلطة العليا هى سلطة رجال الدين ومع ذلك فنظام آية الله الخومينى يؤيد الجواب بالإيجاب، كما أن الاسلام السياسى الراهن أو بالأدق الأصولية الاسلامية تواكب ذلك النظام وتؤسسه فى السودان وفى أفغانستان وتهدد به كلا من الجزائر ومصر، وتدفع المسلمين، فى العالم الإسلامي، إلى كراهية الغرب، ومن هنا تأتى محنة الغرب فى رأى لويس، وهى محنة ليس فى الامكان تفاديها.
ومع ذلك فإن لويس يثير السؤال الآتي: هل الأصولية الاسلامية مهددة للغرب؟جواب الساسة الغربيين مزدوج، إذ هم يرون أن الأصولية الاسلامية قد ارتأت إثر سقوط الاتحاد السوفييتى والكتلة الشيوعية أن تكون هى العدو البديل. ولكنهم من جهة أخرى يرتأون أن المسلمين بمن فيهم الأصوليون يؤثرون السلام مع الغرب وأن الغرب هو الذى يخترع العدو الجديد بديلاً عن العدو القديم. ومع ذلك فإن لويس يرى أن الاختيار بين الرؤيتين قد تم لحساب رؤية سيد قطب المؤسس الحقيقى للأصولية الاسلامية وللثورة الايرانية ولشعارها الذى ذاع كوكبيا « أمريكا هى الشيطان العظيم». ومن هنا يقف الأصوليون المسلمون ضد الحداثة بدعوى أن الانحياز إليها خيانة للقيم الاسلامية الأصيلة. والبديل الالتزام بالشريعة. وإذا كان هذا البديل مرفوضاً فالإرهاب أمر لازم ومطلوب، وقد كان بقيادة تنظيم القاعدة. وقد يقال إن ذلك التنظيم لا يمثل الاسلام لأن تعاليمه مناقضة للمبادئ الأساسية للإسلام،ولكن ما يضعف هذا القول هو أن تنظيم القاعدة قد بزغ من داخل الحضارة الاسلامية مثلما بزغ هتلر ومعه النازية من داخل الحضارة المسيحية. وهنا يثير لويس سؤالاً مأساوياً هو على النحو الآتي: ماذا يحدث لو أقنعت القاعدة العالم الإسلامى برأيها؟
يقف العالم برمته بما فيه العالم الإسلامى فى انتظار مستقبل مظلم.. وفى خاتمة طبعة 2003 يثير لويس عبارة أخرى مأساوية هى على الآتي: إذا انهزمت الحرية وانتصر الارهاب فالشعوب الاسلامية أولى الضحايا إلا أنهم لن يكونوا وحدهم ، إذ سيكون معهم آخرون.
والرأى عندى أن المعضلة الاسلامية ليست اسلامية بقدر ما هى حضارية. فالعقل الإنسانى قد أصيب بالأفول إثر بزوغ الأصوليات الدينية فى النصف الثانى من القرن العشرين بدعوى أن تنوير القرن الثامن عشر بربرية وجاهلية على حد تعبير ادموند بيرك فى كتابه المعنون «تأملات فى الثورة فى فرنسا» ( 1790). وفى تقديرى أن ذلك الكتاب يمكن اعتباره « منفستو الأصوليات الدينية». فأنت عندما تقرأه تصبح على وعى بأنك تقرأ كتابا من مؤلفات المذهب الوهابى الذى نشأ مواكباً لآراء بيرك أو كتاب « معالم فى الطريق» لسيد قطب أو كتابات القس المسيحى جيرى فولول مؤسس حزب «الغالبية الأخلاقية» فى أمريكا فى عام 1979. وإذا كانت الأصولية تعنى « التفكير فى النسبى بما هو مطلق وليس بما هو نسبى» فالبديل هو العلمانية لأنها تعنى « التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق». ونخلص من ذلك إلى أن معضلة العالم الإسلامى هى معضلة الحضارة الانسانية فى زمن الأصوليات بلا زيادة أو نقصان.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (29) الفلسفة فى زمن الإرهاب   الثلاثاء 17 يونيو 2014, 9:05 am



رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (29) الفلسفة فى زمن الإرهاب


الثلاثاء 19 من شعبان 1435 هــ 17 يونيو 2014 السنة 138 العدد 46579

إذا كان الارهاب هو أعلى مراحل الأصوليات الدينية، وإذا كانت هذه الأصوليات فروعا من الدوجماطيقية التي تعنى توهم امتلاك الحقيقة المطلقة فإن وَهْم الحقيقة كامن إذن في الارهاب.

 
 ومعنى ذلك أن التحرر من الارهاب ليس ممكناً من غير إزالة وَهْم الحقيقة. وهذه الإزالة ليست ممكنة من غير معونة الفيلسوف.
والسؤال إذن:

مَنْ هو هذا الفيلسوف؟
جواب هذا السؤال وارد في كتاب صدر في عام 2003 تحت عنوان رئيسي ز الفلسفة في زمن الارهابس وعنوان فرعى (حوارات مع هابرماسودريدا). وقد أجرت تلك الحوارات فيلســوفة إيطـالية اســـمها جـــيوفانابورادورى (1963) ومقيمة بأمريكا منذ عام 1989. وقد حدثت تلك الحوارات عندما ذهب كل من الفيلسوف الألماني هابرماس والفيلسوف الفرنسي من أصل جزائرى دريدا إلى مدينة نيويورك في أكتوبر عام 2001، أي إثر أحداث 11/9 بأقل من شهر، وهما من أعظم فلاسفة القرن العشرين. وقد وافقا على الحوار على الرغم مما بينهما من عداوة تاريخية.
والسؤال بعد ذلك:

مَنْ هو الفيلسوف القادر على اجتثاث جذور الارهاب في رأى كل من هابرماس ودريدا؟
بينهما اتفاق وافتراق. الاتفاق فى أن أحداث 11/9 تلزم فلاسفة أوروبا على إعادة النظر في مُثل التنوير المتجذرة في التراث الأوروبي منذ القرن الثامن عشر، والتي كان من شأنها تأسيس النظام السياسي والقانوني للدول والمؤسسات. كما أنها تلزم فلاسفة أمريكا بإعادة النظر فى الفلسفة البرجماتية أساس النظام الديمقراطي الأمريكي والتي تعنى أن الفكرة تكون صادقة إذا كانت نتائجها نافعة، وتكون كاذبة إذا كانت نتائجها ضارة. ومعنى ذلك أنك لا تستطيع أن تحكم حكماً مسبقاً على صحة قضية معينة بل عليك أن تنتظر حتى ترى نتائجها. ومن هنا يرى كل من هابرماس ودريدا أن الفلسفة البرجماتية عاجزة عن مواجهة الارهاب إلا بعد تدميره للدول والشعوب حتى تقر أنه ارهاب وأنه يستحق المواجهة.
والاتفاق بين الفيلسوفيْن قائم كذلك في أنهما ينظران إلى أنهما من فلاسفة ما بعد المحرقة التي مارستها النازية ضد اليهود والتي دفعت الفيلسوفين إلى تناول النازية وما يتبعها من نظام شمولي. إلا أن هذا التناول لم يسمح لها بالنظر فى الارهاب نظرة فلسفية. فهو بلا أجندة سياسية، ومن ثم ليس له علاقة بأي نظام. ويترتب على ذلك أنه بلا معنى محدد. ومع ذلك فإن الفيلسوفين اتفقا على أن الارهابيين الذين دمروا مركز التجارة العالمي كانوا ضد الحداثة.
والسؤال إذن:

ما الحداثة؟
جواب هابرماس أن الحداثة تغيير فى «أسلوب» الاعتقاد وليس فى «مضمونه» وأن الأصوليات الدينية مهمومة بالأسلوب دون المعتقد، ولهذا تم حصرها فى استجابتها العنيفة ضد الأسلوب الحديث فى فهم الممارسات الدينية. أما المعتقد فهو الأصل الذى لا يُمس. ومن هنا يمكن القول بأنه إذا طلبت الحداثة من المعتقد التنازل عن سمته الكامنة فى امتلاكه الحقيقة المطلقة لكى يتعايش مع مجتمع يتسم بالتعددية فى جميع المجالات فإن العنف هو استجابة المعتقد لذلك المطلب. والعنف، عند هابرماس، هو الوسيط بين الأصوليات الدينية والارهاب.
أما دريدا فإنه يرى أن الارهاب ظاهرة عرضية لصدمة الحداثة، وإذا كانت الحداثة ثمرة التنوير فيلزم إعادة النظر في التنوير. وإذا كان التنوير هو الذى أيقظنا من (السُبات الدوجماطيقى) الذى كنا فيه قبل الحداثة، وإذا كانت هذه الحداثة ذاتها هي التي أحدثت الصدمة الثانية فمعنى ذلك أننا وقعنا مرة ثانية فى السُبات الدوجماطيقى وعلينا أن نستيقظ. ولكن السُبات فى هذه المرة مردود إلى أننا لم نلتفت إلى تطور الحداثة إذ دخل العلم في علاقة عضوية مع التكنولوجيا وذلك إثر اختراع الكومبيتر الذى من شأنه أن يدخلك في ارهاب جديد وذلك بإدخال فيروس معين فى الكومبيتر يسمح لك بأن تشل حركة دولة بل حركة قارة بأكملها، وبالتالي يصبح 11/9 من مخلفات الماضي.
وهنا يثير دريدا سؤالاً محورياً:
إذا كان الفيلسوف الألماني العظيم كانط هو الذى أيقظنا من السُبات الدوجماطيقى في المرة الأولى في القرن الثامن عشر فمن هو ذلك الفيلسوف الذى سيوقظنا من ذلك السُبات فى المرة الثانية؟
هذا الفيلسوف يشترط أن يكون فيلسوفاً سياسياً، وليس فيلسوفاً بالمعنى التقليدي الذى يحصر نفسه في تناول معانٍ مجردة، وأن تكون مهمته تفكيك الوضع الكوكبي القائم على مفهوم (الأمة - الدولة) المستقلة، من أجل ايجاد مؤسسات دولية وقانون دولي ينشد بزوغ (المواطن العالمي) ولكن مع الانتباه إلى أن الديمقراطية القادمة في مستقبل الأيام ستتجاوز ذلك المواطن إلى (الانسان العالمي).
والرأي عندي أن الارهاب الكامن في الأصوليات الدينية مصدره عقل دوجماطيقى منغلق على حقيقة مطلقة ترفض أن يكون لها مغاير، وإذا وُجد فالإرهاب جاهز للقضاء عليه. ولهذا كان الأجدر بدريدا الانشغال بتفكيك ذلك العقل الدوجماطيقى وليس بتفكيك المؤسسات السياسية حتى لا تبزغ مؤسسات أخرى دوجماطيقية عند تجاهل تفكيك ذلك العقل. وإذا تم ذلك التفكيك فالبديل عقل منفتح لا يتشغل بالحقيقة المطلقة إنما يكون مهموماً بتطوير الانسان في اتجاه التقدم والسلام.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (30) ملياردير يتفلسف   الثلاثاء 01 يوليو 2014, 7:50 pm



رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (30) ملياردير يتفلسف




الملياردير هو جورج سوروس مجرى الجنسية ومؤسس «صندوق المجتمع المفتوح» في عام 1979 و « مؤسسة سوروس» في المجر في عام 1984 وفى الاتحاد السوفييتي في عام 1987
وفى بودابست ووارسو أنشأ «الجامعة الأوروبية المركزية» في عام 1990. والغاية من كل ذلك مؤازرة الشباب فى تمردهم على وجودهم فى مجتمع مغلق بحيث يفضى هذا التمرد إلى ثورة يحيل المجتمع المغلق إلى مجتمع مفتوح. وهو فى كل ذلك ينفق سنوياً ثلاثمائة مليون دولار.
وقد استعار سوروس مفهوم المجتمع المفتوح من كارل بوبر وهو فيلسوف بريطاني من أصل نمساوي وشهرته مردودة إلى أنه مؤلف كتاب « المجتمع المفتوح وأعداؤه» (1945) وصدر في جزءين: الجزء الأول عن أفلاطون من القرن الرابع قبل الميلاد والجزء الثاني عن هيجل وماركس من القرن التاسع عشر. ويتميز هؤلاء الفلاسفة الثلاثة بأنهم ضد الحرية وضد العقل. وقد تأثر سوروس بكارل بوبر عندما كان ملتحقا بكلية الاقتصاد بلندن وكان بوبر من أبرز الأساتذة وفكرته المحورية أن الفكر الناقد يستلزم فكراً دوجماطيقياً لكى ينقده. وإذا كانت الأنظمة الشمولية هى المعبرة عن الدوجماطيقية فمهمة الفكر الناقد اذن نقد تلك الأنظمة من أجل تدميرها. وقد استعان سوروس بهذه الفكرة المحورية فى مسألتين: المسألة الأولى خاصة بنقده لفرويد مؤسس التحليل النفسي عندما أعلن فرويد أن التحليل النفسي كفيل بفهم جميع أنواع السلوك فارتأى سوروس أن فرويد بهذا الاعلان قد وضع نفسه فى مستوى الله، ومن ثم يلزم تحجيمه. وقد أدى سوروس هذه المهمة عندما قال: « ليس فى إمكان العلم أن يكون بديلاً عن الدين إلا إذا تدهور وتدنى إلى أن يكون ديناً على نحو ما حدث للماركسية والتحليل النفسي»، بل إنه استطرد قائلاً بأن فرويد قد دمر معايير المنهج العلمي عندما أصبح على يقين بأن التحليل النفسي هو المنهج العلمي الصحيح لاكتشاف اللاوعي، ومن ثم يكون هو الوحيد المحتكر للحقيقة.
هذا عن المسألة الأولى أما المسألة الثانية فخاصة بتأليفه كتاباً عنوانه الرئيسي « أزمة الرأسمالية الكوكبية» وعنوانه الفرعي « المجتمع المفتوح فى خطر». قال فى مقدمة ذلك الكتاب:
«لقد تأثرت إلى حد بعيد بفيلسوف العلم كارل بوبر وبكتابه « المجتمع المفتوح وأعداؤه» الذى كشف النقاب عن مغزى النظم النازية والشيوعية التى عانى منها عندما كان شاباً فى المجر. إن هذه النظم لها ملمح مشترك وهو الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة وفرضها على العالم بعنف. واقترح بوبر بديلاً عن هذه النظم نظاماً اجتماعياً مبايناً يستند إلى أن لا أحد قادر على امتلاك الحقيقة المطلقة، وأن العالم الذى نعيش فيه عالم ناقص وعلينا بالتالي اختيار الأفضل وهو المجتمع المفتوح القابل للتحسن على الدوام وعدوه الأنظمة الشمولية».
وفى رأى سوروس أن المجتمع المفتوح أصبح فى خطر مع بزوغ الكوكبية، ومن ثم أثار هذا السؤال العمدة:
كيف يمكن إنقاذ المجتمع المفتوح فى ضوء الكوكبية؟
جواب هذا السؤال يتحدد بجواب عن سؤال فلسفى قديم: ما العلاقة بين الفكر والواقع؟
والجواب عن هذا السؤال يستند إلى ثلاثة مفاهيم:
عدم العصمة من الوقوع فى الخطأ بمعنى أن معرفتنا عن العالم معرفة ناقصة، وبالتالى لا أحد يقتنص الحقيقة المطلقة.
فاعلية العقل بمعنى أن العقل يؤثر ايجابياً فى الأحداث الاجتماعية التى نشارك فى صنعها ونفكر فيها، ذلك أن هذه الفاعلية تعنى أن المشاركين المفكرين هم جزء من الواقع الذى يفكرون فيه.
ليس فى الامكان التنبؤ بالأحداث، ذلك أن ثمة نسبة من اللاتعين كامنة فى الأحداث، ولهذا قيل تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن.
ويترتب على ذلك أن ثمة فجوة بين الفكر والواقع، لأن الوقائع تحدث فى المستقبل فى مكان، ووقوعها متوقف على قرارات المشاركين المفكرين.
وتأسيساً على ذلك فإن سوروس يميز بين المجتمع المفتوح والمجتمع المغلق. المجتمع المغلق هو الذى يؤمن بأنه معصوم من الخطأ، وبالتالي يرفض التغيير. وهنا يذكر سوروس مثالين لهذا المجتمع المغلق وهما مصر الفرعونية والاتحاد السوفييتي بالإضافة إلى المجتمع الرأسمالي فى صورته التقليدية التي تستند إلى مبدأ « دعه يعمل». فسوروس يرى أن تبنى هذا المبدأ فى ظل الكوكبية يخلق ما يسميه « السوق الأصولية» بدعوى أن هذه السوق تزعم أن مبدأ « دعه يعمل» هو مبدأ مطلق لا يقبل النقد. وقد نشأت هذه السوق الأصولية فى الثمانينات من القرن العشرين بفضل سياسة كل من تاتشر وريجان وهما أصوليان بحكم فكرهما الدينى.
وفى عام 2003 صدر كتاب عنوانه الرئيسى «سوروس» وعنوانه الفرعى « حياة وأزمنة ملياردير صاحب رؤية تبشيرية». ومؤلفه مفكر أمريكى اسمه مشيل كاوفمان استدعاه سوروس فى ربيع عام 1995 ليكون رئيس تحرير مجلة تصدر فى براغ. ومن هنا كانت الفرصة مواتية لكاوفان ليصدر ذلك الكتاب.
وإذا أردت مزيداً من الفهم فانظر إلى حال مصر قبل ثورة 25 يناير حيث كان الحزب الوطنى الديمقراطى يحيا فى رحم جماعة المسلمين ومع ذلك يزعم بأنه يقاومهم إلى أن اخترقوا جميع مؤسسات الدولة بما فى ذلك مؤسسات القطاع الخاص الذى يملكه مليونيرات أو بليونيرات. ولا أدل على ذلك من أن ثورة 25 يناير قد انتهت فى الساعة الواحدة بعد ظهر الجمعة الموافق 28 يناير 2011 عندما سرق الاخوان المسلمون الثورة ثم استولوا عليها وأعلنوا أنهم قد عقدوا صفقة بينهم وبين الله، ومعنى ذلك أنهم مثل الله يملكون الحقيقة المطلقة، ومن ثم دخلت مصر فى قفص المجتمع المغلق تمهيداً لإعادته إلى ما قبل الحداثة.
 




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (31) بن لادن وداروين   الثلاثاء 01 يوليو 2014, 7:55 pm



رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (31) بن لادن وداروين


الثلاثاء 3 من رمضان 1435 هــ 1 يوليو 2014 السنة 138 العدد 46593


من مفارقات هذا القرن بزوغ تناقض حاد مع بدايته بين بن لادن وداروين على الرغم من أن الأول وُلد فى عام 1957والثانى وُلد فى عام 1809. فحاصل الأمر أنه فى عام 2001 دمَر تنظيم القاعدة بزعامة بن لادن مركز التجارة العالمى أعلى مراحل الثورة العلمية والتكنولوجية.
وفى نفس ذلك العام صدر مجلد ضخم عنوانه « التطور.. انتصار فكرة» لمفكر أمريكى اسمه كارل زمَر( 1966)، ثم أعيد طبعه فى عام 2002، وكذلك فى عام 2003. وهذا المجلد هو جزء من «مشروع التطور» يضم سلسلة من الحوارات التليفزيونية، وموقع على الانترنت، وبرامج تربوية.
والتناقض الحاد بين بن لادن وداروين يكمن فى أن عقل بن لادن أصولي، إذ هو ملتزم بحرفية النص الديني، وعقل داروين مبدع، إذ هو ملتزم بإعمال العقل فى ذلك النص.فإذا سئل بن لادن عن الزمن الذى استغرقه الله فى ايجاد العالم كان جوابه فى ستة أيام فى إطار أن اليوم يعادل 24 ساعة، أما إذا سئل داروين عن ذلك الزمن فإن جوابه لن يكون على غرار جواب بن لادن، إذ اليوم عند داروين يعادل ملايين السنين. وعلى الرغم من التناقض الحاد بين الاثنين إلا أن ثمة سمة مشتركة ترتبت على الحدث الذى أفرزه كل منهما هى الرعب: رعب من حادث إرهابى ورعب من نظرية علمية. الرعب الأول مفهوم، أما الرعب الثانى ففى حاجة إلى بيان، وبيانه يكمن فيما قالته سيدة انجليزية لزوجها إثر صدور كتاب « أصل الأنواع» لدارون فى عام 1859: « عزيزي، أرجو أن ما يقوله دارون ليس صائباً، أما إذا كان صائباً فأرجو ألا يصبح ما قاله متداولا»ً.
والسؤال اذن:

ماذا قال دارون ليكون ما قاله مرعباً؟
قال فى خاتمة كتابه: «إن النتيجة التى انتهيت إليها هى أن أصل الانسان مردود إلى كائنات متدنية إلى حد التقزز. وأنا أعتذر عن هذا الذى فكرت فيه» . ومن يومها والعلماء يستهويهم سرد ما قالته السيدة الانجليزية للسخرية من أولئك الذين يريدون تخزين الأفكار المبدعة فى صندوق مغلق حتى لا يطلع عليها الآخرون.
والمفارقة هنا أيضا أن شبلى شميل يذكر لنا حادثة سببت رعباً عندما كان طالباً فى الكلية البروتستانتية السورية. فقد أعلن أستاذ العلوم الطبيعية انحيازه إلى نظرية دارون وذلك فى كلمته الافتتاحية للعام الدراسى 1882 فإذا بمجلس الأمناء يصدر قراراً بمنع ذكر لفظ «داروينية». وإثر صدور ذلك القرار قدم الأستاذ استقالته وقُبلت. وقد حدث رعب آخر لجمال الدين الأفغانى من شيوع الداروينية فألف كتاباً عنوانه «الرد على الدهريين» تحامل فيه على داروين وقد علق اسماعيل مظهر على هذ التحامل بقوله إن الأفغانى يجهل تماماً المبادئ الأولية التى بنى عليها داروين نظريته فى أصل الانسان.
والسؤال اذن:

هل تنفرد نظرية داروين وحدها بإثارة الرعب؟
الجواب بالسلب، فتاريخ العلم يدلل على أن الرعب ملازم لأية نظرية علمية تتوهم السلطة الدينية أنها تهز معتقدها المطلق. فقد ارتعبت السلطة الدينية من تأييد جاليليو لنظرية كوبرنيكس عن دوران الأرض حول الشمس. وارتعبت من جيوردانو برونو عندما أيد نفس النظرية فأحرقت جثمانه. وارتعبت من ابن رشد عندما ارتأى ضرورة إعمال العقل فى النص الديني.
ومع نهاية القرن التاسع عشر أعلنت القيادات البروتستانتية أن الداروينية ليست مجرد نظرية كاذبة بل إنها أيضاً نظرية خطيرة، إذ الانسان، فى رأيها، مجرد حيوان، وهم فى ذلك ملتزمون بحرفية النص الدينى الذى يقول بأن الله خلق العالم فى ستة أيام. ومع عشرينيات القرن العشرين اشتد العداء للداروينية. وقد حاول عالم البيولوجى الألمانى ارنست هكل تخفيف هذا العداء فنشر مقالاًفى عام 1905 عنوانه « فصل المقال فى التطور» جاء فيه الآتي: أنا لم أتجاهل الصعوبة الجمة والخطورة الكامنة فى الدخول لأول مرة إلى أرض مليئة بالمخاطر. فليس ثمة فرع من فروع العلم الطبيعى مثل الفرع الذى ينشغل بتاريخ الانسان وأصله لأنه مازال محصوراً فى دائرة المتخصصين. وليس ثمة فرع غير هذا الفرع الذى يتسم بالغموض والذى يبحث فى أصل الانسان، وذلك بفضل ضغوط علماء اللاهوت.
والمفارقة هنا للمرة الثالثة أنه على الرغم من عداء اللاهوتيين البروتستانت للداروينية إلا أن علماء الاقتصاد قد استعانوا بها لتبرير مبدأ الرأسمالية وهو «دعه يصل. وقد تبنى ذلك التبرير الفيلسوف الإنجليزى هربرت سبنسر، وبسبب ذلك التبنى حاز لقب «المعلم». وبناء عليه صك مريدوه مصطلح «الداروينية الاجتماعية» التى بررت المسافة الشاسعة بين الأغنياء والفقراء على أنها ليست مسألة ظلم اجتماعى بل مسألة بيولوجية.وبناء عليه قيل إن بزوغ أصحاب الملايين مردود إلى «الانتخاب الطبيعي» وهو القانون المتحكم فى التطور. فقد انتهى داروين إلى أن الأنواع الحية الحالية على اختلافها مردودة إلى أصل واحد أو بضعة أصول نمت وتكاثرت وتنوعت فى زمن مديد بمقتضى قانون الانتخاب الطبيعي، أو البقاء للأصلح وهو القانون اللازم من الصراع من أجل البقاء.
يبقى بعد ذلك سؤال:
هل ثمة علاقة بين المعتقد المطلق والرعب من النظريات العلمية؟ وإذا كانت النظريات العلمية ابداعات بشرية فهل ثمة تناقض بين المعتقد المطلق والعقل المبدع؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فالرعب فى هذه الحالة هو رعب من العقل المبدع. وإذا كان ذلك كذلك فتعطيل العقل المبدع أمر لازم. وإذا لم يكن المعتقد المطلق راغباً فى تعطيل ذلك العقل فما العمل؟ يكف علماء الدين عن اقحام المعتقد المطلق فيما هو نسبي.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ « القرن الحادى والعشرين» (32)مفارقة الديمقراطية   الثلاثاء 08 يوليو 2014, 7:26 pm



 رؤيتي لـ « القرن الحادى والعشرين» (32)مفارقة الديمقراطية


الثلاثاء 10 من رمضان 1435 هــ 8 يوليو 2014 السنة 138 العدد 46600

أريد للفظ « مفارقة» أن يشيع كما شاعت ألفاظ أخرى مثل العلمانية والأصولية والوضع القائم والقادم والمطلق والنسبى والرؤية المستقبلية وثقافة الذاكرة وثقافة الابداع ومُلاَك الحقيقة المطلقة.

 والذى دفعنى إلى هذا الذى أريده هو صدور كتابين مع بداية هذا القرن أحدهما لفيلسوف أمريكى اسمه روى سورنسن عنوانه الرئيسى « تاريخ موجز لـــ المفارقة» وعنوانه الفرعى « الفلسفة ومتاهات العقل»
( 2003) وهو من منشورات جامعة أكسفورد الملتزمة بإشاعة التنوير. والآخر لفيلسوفة بلجيكية اسمها شانتال موفى وعنوانه « مفارقة الديمقراطية» (2001) وهو من منشورات دار فرسو أشهر دار نشر يسارية بلندن.
والسؤال بعد ذلك: ما معنى لفظ « مفارقة»؟
يقال هذا اللفظ على أى عبارة تبدو أنها صادقة ولكن مع الفحص نكتشف أنها كاذبة. ومعنى ذلك أن المفارقة تنطوى على الصدق والكذب، أى تنطوى على التناقض. والمطلوب بعد ذلك إما رفع التناقض أو المحافظة عليه. وبناء عليه يمكن إثارة السؤال الآتي:
ماذا تعنى مفارقة الديمقراطية؟ وأجيب بسؤال: أى ديمقراطية؟ فتاريخياً، فى رأى موفي، ثمة ضربان من الديمقراطية: ديمقراطية قديمة وديمقراطية حديثة. الديمقراطية القديمة نشأت فى أثينا وتعنى سلطة الشعب، والقانون هو الممثل لهذه السلطة، والغاية منه إقامة العدالة لتحقيق المساواة. المساواة إذن هى جوهر الديمقراطية القديمة. وبعد ذلك تطورت السلطة الشعبية وتحولت إلى سلطة الأمير، ومع غياب الأمير غابت السلطة وأصبح مكانها فارغاً. وعندئذ كانت الديمقراطية الحديثة هى البديل.
والسؤال اذن: ماذا تعنى الديمقراطية الحديثة عند موفي؟
إن ما هو جديد فى الديمقراطية الحديثة هو عودة السلطة التى كان يمارسها الشعب ولكن فى إطار جديد رمزى يسمى الخطاب الليبرالى الذى يدور حول حرية الفرد وحقوق الانسان. إلا أن هذا الخطاب الليبرالى لا يدخل فى علاقة عضوية مع التراث الديمقراطى القديم الذى محوره المساواة وسلطة الشعب. وفى عبارة أخرى يمكن القول بأن ثمة تبايناً بين تراثين تراث الديمقراطية القديمة وتراث الليبرالية الذى اشتهر بفصل الكنيسة عن الدولة، والعام عن الخاص. فهذا التراث ليس مردوداً إلى الخطاب الديمقراطى القديم، إنما هو مردود إلى مصدر آخر، لأن الحرية وهى محور الخطاب الديمقراطى الحديث لا علاقة لها بالمساواة التى هى محور الخطاب الديمقراطى القديم. ومعنى ذلك أن ثمة تناقضاً بين الحرية والمساواة ومن هنا يكون من المحال أن تنشأ علاقة عضوية بينهما. ولا أدل على ذلك من أن العلاقة كانت موضع صراع. والديمقراطيون والليبراليون على وعى بذلك الصراع الذى كان من شأنه حدوث « عيب فى الديمقراطية» على حد تعبير موفي، ومفاده أن سلطة الشعب المحصورة فى مخيلة الديمقراطية القديمة لها تأثير سييء على المؤسسات الديمقراطية الحديثة. ومن هنا فإن الديمقراطية الليبرالية ملزمة بوضع « فرامل» للحد من سلطة الشعب من أجل المحافظة على حرية الانسان وحقوق الانسان.
والسؤال اذن: هل من المشروع وضع هذه الفرامل باسم الحرية؟
وفى صياغة أخرى يمكن القول بأن هذا السؤال يعبر عن مفارقة الديمقراطية، أى التناقض بين المساواة والحرية.
وهنا ثمة سؤال لابد أن يثار: هل مفارقة الديمقراطية تعنى أن الديمقراطية الليبرالية صادقة وكاذبة؟
الجواب عندى على الضد مما تذهب إليه موفى أو يذهب إليه الليبراليون. فالديمقراطية نشأت مع الدولة الحديثة. وهذه الدولة نشأت إثر انهيار العصور الوسطى التى كانت تتميز بتباهى السلطة الدينية المدعمة للنظام الإقطاعى بملكية الحقيقة المطلقة، ومن ثم انعدمت المساواة وانعدمت الحرية، ومن هنا يمكن القول بأن الدولة الحديثة ينبغى أن تكون خالية من مُلاك الحقيقة المطلقة. ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن تواكب نظرية كوبرنيكس كلا من الدولة الحديثة والديمقراطية الحديثة، ذلك أن هذه النظرية تقرر دوران الأرض حول الشمس، ومن شأن هذا الدوران أن تنتفى معه مركزية الأرض، وبالتالى تنتفى مركزية الانسان، و عندئذ لا يحق للانسان أن يكون مالكاً للحقيقة المطلقة. ومن هنا جاء تعريفى للعلمانية بأنها التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق. ومن هنا أيضا جاء قولى بأنه لا ديمقراطية بلا علمانية باعتبار أن العلمانية هى أساس تأسيس الديمقراطية. وهى بدورها قد أفضت إلى نظرية العقد الاجتماعى المكون الثانى للديمقراطية وهى تعنى تأسيس المجتمع من غير تدخل من السلطة الدينية. وترتب على ذلك دخول التنوير مكوناً ثالثاً للديمقراطية وهو يعنى ألا سلطان على العقل إلا العقل نفسه. وفى النهاية تأتى الليبرالية مكوناً رابعاً وهى تعنى أن سلطة الفرد فوق سلطة المجتمع، ومن هذه الزاوية فإن سلطة الفرد أو بالأدق حرية الفردهى القادرة على منع طغيان الأغلبية على حد تعبير الأب الروحى لليبرالية الفيلسوف الإنجليزى جون ستيوارت مِل (1806- 1873). ومن هنا يمكن القول بأن الفرد هو المحرك للتاريخ، عندما يكون على وعى بحركة التاريخ.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ « القرن الحادى والعشرين» (33)الدين والاقتصاد والإرهاب   الأربعاء 16 يوليو 2014, 6:25 am



رؤيتي لـ « القرن الحادى والعشرين» (33)الدين والاقتصاد والإرهاب



الثلاثاء 17 من رمضان 1435 هــ 15 يوليو 2014 السنة 138 العدد 46607


في 12/ 2/ 1985 عقدتُ ندوة في القاهرة دعوت إليها نخبة من المفكرين المصريين تحت عنوان «الدين والاقتصاد». وكان اهتمامي بهذه العلاقة قد بدأ منذ ديسمبر 1974 عندما حررتُ افتتاحية لــــــ«ملحق الفلسفة والعلم» الذى كنت أشرف عليه بمجلة «الطليعة» وكان عنوانها «التتارية والفكر المستورد»
جاء فيها أن ثمة ظاهرة طافية، على سطح مجتمعنا المصري على التخصيص ومجتمعنا العربي على الاطلاق، فى حاجة إلى تحليل وتأويل وهى ظاهرة ثنائية البُعد: بُعد اقتصادي وبُعد أيديولوجي. البُعد الاقتصادي يتمثل في بزوغ ما سميته «الرأسمالية الطفيلية» ومن دلالتها تجارة الخلسة فى سوق الاستهلاك والوسطاء الذين يغرقون الأمة بسلع الترف المستوردة بالمشروع وغير المشروع، وإن شئنا الدقة، اكتفينا بغير المشروع. والبُعد الأيديولوجي يدور على خطر ما يسمى بـــــ «الفكر المستورد» بدعوى الحفاظ على القيم والتقاليد وما ورثناه عن الأقدمين. ومحصلة البُعدين تتارية بالضرورة لما هو معروف عن التتار أنهم التزموا أمراً واحداً: «تدمير حضارة الانسان».
وبعد ثلاثين عاماً من تحرير ذلك النص، وبعد عشرين عاماً من عقد ندوة «الدين والاقتصاد» صدر فى عام 2003 كتاب لمفكرة ايطالية اسمها لوريتا نابليونى عنوانه «الجهاد الحديث» تناولت فيه الدين والاقتصاد والارهاب، ثم صدر فى عام 2004 تحت عنوان «الارهاب مندمجاً».
والسؤال اذن:

ماذا يعنى الجهاد الجديد فى الطبعة الأولى، وماذا يعنى الارهاب مندمجاً فى الطبعة الثانية؟
استعانت نابليونى بكل من هنتنجتون وفوكوياما للجواب عن ذلك السؤال، إذ قد حاولا فهم الاقتصاد الجديد للإرهاب من أجل توضيح معنى الجهاد الجديد. الرأى عند هنتنجتون أن عداوة العالم الإسلامي للاستعمار الثقافي والاقتصادي للغرب مردود إلى تدعيم ذلك الاستعمار للأنظمة الاسلامية المعادية للديمقراطية. ثم تطورت العداوة إلى ارهاب. وقد أسهم سببان فى إحداث ذلك التطور. السبب الأول مردود إلى الصراعات الدينية والقبلية والعرقية بين المجتمعات الاسلامية من جهة وبينها وبين المجتمعات غير الاسلامية من جهة أخرى. والسبب الثاني مردود إلى الانفجار السكاني في العالم الإسلامي. وترتب على ذلك كله أن نشأ صراع بين الاسلام والغرب. أما الرأي عند فوكوياما فهو على الضد من رأى هنتنجتون، إذ يرى أن الصراعات الحديثة من افراز ظاهرة التحديث الغربية التي دفعت الدول الاسلامية إلى تحقيق الديمقراطية، مثال ذلك ما حدث مع «خومينى. فقد قرر إجبار النساء على لبس» الشادور ومع ذلك وافق على منحهن حق التصويت.
والسؤال بعد ذلك:

ما العلاقة بين الارهاب الإسلامي وهاتين الرؤيتين فى رأى نابليونى؟
فى رأيها أن حركة الاخوان المسلمين التى نشأت فى عام 1928 بقيادة حسن البنا هى السبب فى تصور هذه العلاقة، فقد استعار البنا العنف المسلح من الفاشية الايطالية. وسايرتها فى هذه الاستعارة حركة الجماعة الاسلامية التى أسسها أبو الأعلى المودودي فى باكستان عندما تأثرت بمفهوم الطليعة الثورية لدى الماركسية. ومن هنا يمكن القول بأن جذور الارهاب الإسلامي الجديد كامن فى التحديث وفى صراع الحضارتين الاسلامية والغربية. إلا أن نابليونى تقف على الضد من هاتين الرؤيتين لكل من هنتنجتون وفوكوياما، إذ الارهاب الإسلامي، فىرأيها، مثله مثل أية قوة ثورية، مجرد آلة تحركها طاقة خاصة ومتميزة هى الجهاد الحديث. والمفارقة هنا أن الاقتصاد الذى يؤدى دوراً فى تدعيم الجماعات الاسلامية المسلحة ينبع من ايديولوجيا الحركات الاسلامية الثورية القديمة التى كانت متجذرة فى الايديولوجيا الغربية. ولا أدل على ذلك، فى رأيها، من أن عبادة الاستشهاد لدى حسن البنا متأثرة بالتيار الفوضى الفرنسي والإيطالي الذى كان سائداً في القرن التاسع عشر. بل إنها تذهب إلى أبعد من ذلك وتقول إن الجذور الفكرية للفاشية والنازية والشيوعية هى التى تلهب الجهاد وذلك بدعوته إلى ضرورة إعادة توزيع الثروة لصالح الجماهير الفقيرة. إلا أن ذلك الاقتصاد هو بدوره حديث مثل الجهاد لأنه اقتصاد غير مشروع يتعامل مع المخدرات وغسيل الأموال وتجارة السلاح. ومع ذلك فالمفارقة هنا أنه دخل فى علاقة عضوية مع الاقتصاد المشروع وهو اقتصاد الدولة إلى الحد الذى فيه أصبح من المحال فك هذه العلاقة. أما إذا حدث ما هو محال فإن الدولة تنهار. والمفارقة هنا أيضا أن نابليونى انتهت إلى ما كنت قد انتهيت إليه فى عام 1974 من لفت الانتباه إلى ظاهرة «الرأسمالية الطفيلية» التي قالت عنها نابليونى بأنها الاقتصاد الجديد. أما مسألة الارهاب الجديد، فى العالم الإسلامي، فهو مردود إلى بزوغ الأصوليات الدينية فى منتصف السبعينيات من القرن العشرين والتي ارتأيت في حينها أنها فى اتجاه الدخول فى علاقة عضوية مع الرأسمالية الطفيلية. وعندما تحقق الدخول اندفعت الأصوليات الدينية إلى مرحلتها العليا وهى الارهاب الذى تمثل فى أحداث 11/ 9 التي أدت إلى تدمير مركز التجارة العالمي بنيويورك. وإذا كان ذلك الارهاب متجذراًفي الأصولية الدينية واذا كانت الأصولية الدينية مندمجة مع الرأسمالية الطفيلية، فكيف يمكن انقاذ الحضارة من الارهاب؟ هذا هو السؤال وهو سؤال على غرار سؤال شكسبير: أن تكون أو لا تكون؟







الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتي ـ « القرن الحادي والعشرين» (34) الخمسون سنة القادمة   الأربعاء 23 يوليو 2014, 11:05 am



رؤيتي ـ « القرن الحادي والعشرين» (34) الخمسون سنة القادمة


الثلاثاء 24 من رمضان 1435 هــ 22 يوليو 2014 السنة 138 العدد 46614

عنوان هذا المقال هو العنوان الرئيسي لكتاب صدر في طبعة شعبية في عام 2003 أما العنوان الفرعي فهو » العلم في النصف الأول من القرن الواحد والعشرين«. وهو عبارة عن جملة أبحاث حررها علماء من مختلف التخصصات، وأشرف علي انتقائها مفكر أمريكي اسمه جون بروكمان ( 1941) مروج لمصطلح » ثقافة ثالثة« صكه في عام 1991

 في مقال له عنوانه هو هذا المصطلح ذاته، ويقصد بهذه الثقافة أنها ثقافة جديدة وأنها ثقافة شعبية من صنع علماء ومفكرين يمكن أن يقال عنهم إنهم يحلون محل المثقفين التقليديين لأنهم يحفرون في معني الحياة. ويعيدون النظر في هويتهم في ضوء تطورات العلوم وما تؤديه من تغيرات يكون من شأنها إحداث تغيير في أسئلتنا التي اعتدنا علي إثارتها تجاه هويتنا ومن بين هذه الأسئلة ثلاثة أساسية: كيف نتعلم؟ وكيف نفكر؟ وهل الانسان هو الوحيد الذي يتميز بأن له عقلا في هذا الكون؟ يكتبون كل ذلك بلغة تسمح لغير المتخصصين بقراءتها.
والكتاب بعد كل ذلك مكون من جزءين: نظري وعملي. النظري يبحث في معني » أن تكون حياً«،أما العملي فيتنبأ بما سيحدث للجينات وفي مكونات المريخ، وفيما اذا كان به حياة، وفي مدي علاقتنا الحميمة بالكومبيوتر، وفي كيفية تربية الأطفال.
وأظن أن أهم البحوث الواردة في ذلك الكتاب بحثان أحدهما عنوانه «هل نحن في الطريق إلي أن نكون أكثر ذكاء؟» والآخر عنوانه «ما الذي يجعلنا نكون علي النحو الذي نحن فيه الآن: برؤية من وجهة نظر عام 2050». وأظن أن ثمة علاقة بين البحثين. إذ هماينشغلان بمستقبل التعليم. ومن هنا يكون السؤال المثار ماذا عن التعليم الآن؟ إنه ينشد إحداث تراكم في المعلومات، والذكاء هو الذي يقوم بهذه المهمة، ومن ثم يمكن تعريف الذكاء بأنه القدرة علي إحداث ذلك التراكم. وإذا كان ذلك التراكم لا يحدث إلا بتراكم الأجوبة عن أسئلة فهل يمكن إحداث تعديل في تعريف الذكاء ونقول بأنه القدرة علي معرفة السؤال اللازم إثارته. ولكن هل معني ذلك أن السؤال أهم من الجواب؟ يبدو أن الجواب بالإيجاب لأنه كلما أضعفنا من قيمة الجواب قوَينا من قيمة السؤال. وهو أمر مطلوب فقد أمضينا مدة طويلة من الزمان في مجتمع يتأسس علي الجواب دون السؤال، وقد ترتب علي ذلك أن مَنْ يُحسن الجواب يكون هو مَلك المجتمع. ومن هنا كان الامتحان هو محور العملية التعليمية حيث يكون معيار النجاح هو قدرة الطالب علي تعلم الأجوبة وليس تعلم التساؤل.
ولكن مع بزوغ التكنولوجيا الجديدة تغير كل ذلك. ففي امتحان الرياضيات أصبح من المقبول دخول الطالب إلي مكان الامتحان ومعه الحاسب الإلكتروني. ومع هيمنة الأجهزة الالكترونية القادرة علي الاجابة عن الأسئلة تضاءل امتحان الطلاب فيما اكتسبوه من معلومات، ومن ثم تتضاءل القول بأن الانسان العارف هو الذي لديه ما يعطيه للآخرين من معلومات وعلي هؤلاء حفظها وترديدها فيما بعد. كما توقف النظر إلي المعرفة علي أنها سلعة قابلة للشراء، وحل محلها النظر إلي تقدير الانسان بما يثيره من أسئلة، ومن ثم يكون معيار الذكاء هو قدرة الانسان علي إثارة أسئلة تكون بلا جواب بل تكون قدرته علي نقد الأسئلة ذاتها قبل البحث عن جواب. والحاصل مازال علي الضد من ذلك. فالسياسيون تستهويهم الأفكار البسيطة، والمدرسون يحرضون الطلاب علي معرفة الأجوبة الصحيحة ورجال الأعمال يشتهون معرفة الحلول والرأسماليون لا يطلبون إلا الربح. وعلي الضد من ذلك هو الصحيح.
والسؤال اذن:

ما هو هذا الضد؟
إنه الفعل وليس المعرفة في نظام التعليم، وهذا الفعل نابع من تعامل الطلاب مع العوالم المتخيلة وليس فقط مع هذا العالم الواقعي. ويترتب علي ذلك نتيجة مهمة وهي أن كل انسان مغاير بل إن كل طفل هو أيضا مغاير. فلا تماثل بين الراشدين أو بين الأطفال. ومع ذلك فإن علم نفس النمو مازال يتصور عكس ذلك بمعني القول بأن الأطفال جميعا يولدون متماثلين، وهو قول لا يستقيم مع تباين أساليب التعامل مع الأطفال لأن من شأن هذا التباين أن يوَلد المغايرة ومن هنا يتغاير الأطفال بتغاير استجاباتهم لنوعية التعامل. ومع خروج الطفل من المنزل إلي البيئة الخارجية تزداد المغايرة مع تباين الأطفال في استجابتهم لتلك البيئة من غير هيمنة الأسرة بحيث يمكن القول في نهاية المطاف إن البيئة هي السبب الرئيسي في المغايرة. ومن هنا يلزم إعادة النظر في مفهوم الذكاء.
والرأي عندي أن الذكاء مهما تعددت تعريفاته فإنه محصور في التذكر. ولهذا كان هانس أيزنك، وهو من كبار علماء النفس المتخصصين في الذكاء، محقاً في تعريفه للذكاء بأنه القدرة علي التذكر. وأظن أن هذا التعريف مردود إلي نظام التعليم الذي يستند إلي تلقين الحقيقة المطلقة من قِبل المعلم وحفظها من قِبل الطالب وتذكرها عند مواجهة الطالب للامتحان. أما إذا أخرجنا الطالب من مجال التعليم وأدخلناه في مجال البيئة فهو أمام أحد أمرين: إما التكيف مع البيئة وإما تغييرها. ومسار الحضارة مع التغيير وليس مع التكيف. ولا أدل علي ذلك من أن نشأة الحضارة مردودة إلي ابتداع الانسان التكنيك الزراعي، ومن يومها والانسان يواصل الابداع فينقل الحضارة من مرحلة أخري. إلا أن هذا التواصل لا يخلو من العقبات والعقبة الأساسية في منع هذا التواصل مردود إلي الأصوليين في كل زمان، أو بالأدق إلي مُلاَك الحقيقة المطلقة.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتي ـ « القرن الحادي والعشرين» (35) خلاف متوحش   الثلاثاء 29 يوليو 2014, 12:29 pm



رؤيتي ـ « القرن الحادي والعشرين» (35) خلاف متوحش


الثلاثاء 2 من شوال 1435 هــ 29 يوليو 2014 السنة 138 العدد 46621




عنوان هذا المقال منقول من ورقة عمل تسلمتها فى بداية عام 2003 من وزير الثقافة المغربى الأديب محمد الأشعرى عندما دعانى للمشاركة فى ندوة دولية
تحت عنوان »حوار الثقافات، هل هو ممكن؟ وأظن أن هذا السؤال هو سؤال استنكاري، إذ لو كان ذلك الحوار ممكناً ما كان ثمة مبرر لانعقاد الندوة، ولو كان ممكناً ما كان ثمة مبرر لأحداث 11/ 9/ 2001 التى دمرت مركز التجارة العالمى بنيويورك والتى جاءت قبل انعقاد الندوة بعامين. وقد ورد الحديث عن هذه الأحداث فى السطر الأول من الصفحة الأولى فى » أعمال الندوة« ، وجاء على النحو الآتي: » فى عالم ما بعد 11 سبتمبر الذى مازالت فيه رحى الحرب تدور فى العراق وأفغانستان، وفى الوقت الذى أدى فيه الارهاب إلى ظهور مفهوم الحرب الشاملة أضحت مسألة امكانية قيام الحوار بين الثقافات تطرح بشدة«. ومغزى هذه العبارة أن الخلاف الحادث إثر 11/ 9 هو خلاف لازمه الارهاب، وبالتالى يمكن أن يقاعنه

» خلاف متوحش«. والمطلوب بعد ذلك إجراء حوار. وإذا كانت الغاية من الحوار » تبادل الانصات والرأي« على نحو ما ورد فى خطاب الدعوة فالمشارك الوحيد الذى التزم بالمعنى الحرفى للحوار هو المستشرق البريطانى ومستشار البيت الأبيض برنارد لويس، إذ قال فى بداية كلمته إنه التزم بالمعنى الحرفى للحوار وهو أن يكون بين طرفين وليس من طرف واحد، ولهذا جاء إلى الندوة وهو عازم على الانصات ثم إبداء الرأي، ولهذا بذل جهداً فى تحقيقه لمدة يومين لأنه لم ينصت فقط إلى ما قيل فى الأبحاث إنما أيضا لما قيل فى المداولات الجانبية. والسؤال بعد ذلك: ماذا ورد فى مرحلة الانصات عند برنارد لويس؟


ورد تساؤل ثم مسألتان. تساؤل عن مدى مشروعية تناول مصطلح » صراع الحضارات«. فقد كان هو من بين الذين أثاروه، ثم أحجم بعد ذلك عن تناوله، إذ قد فطن إلى ما يفرزه ذلك المصطلح من أوهام لأنه يوحى بأن الحضارات قد حلت محل الدول والحكومات. أزال هذه الأوهام ثم انصرف إلى مسار آخر لا يتناول فيه مسألة عامة إنما مسألة خاصة وهى » اللقاء بين حضارتين : الاسلام والمسيحية«، وهو لقاء، فى رأى لويس، يشوبه سوء فهم إزالته ممكنة إذا فهمنا الفارق بين الحضارتين. فى الحضارة المسيحية ثمة تفرقة بين الدين المسيحى والعالم المسيحي. الدين المسيحى نسق من الاعتقادات والعبادات ومعه مؤسسة دينية. أما العالم المسيحى فهو أشمل من ذلك، إذ يضم مكونات لم تكن من افراز الدين المسيحى بل كانت معادية له. أما فى الحضارة الاسلامية فلا تفرقة بين الاسلام كدين والاسلام كحضارة، إذ نحن نتحدث عن علم رياضة إسلامى وعلم فلك اسلامي، وفى إيجاز نحن نتحدث عن علم اسلامى. ولكن فى المسيحية ليس شيء من هذا القبيل.


هذا عن التساؤل أما عن المسألتين فهما الاستشراق والتسامح، إذ كانتا موضع سوء فهم فى حوار الندوة، وسوء الفهم يستلزم توضيح معنى اللفظين. فالاستشراق، فى رأى لويس، يعنى دراسة اللغة العربية من أجل فهم الجار، وقد مَر بمراحل متعددة وبدوافع متنوعة وأولها الاحساس بالتهديد. ففى أول لقاء بين حضارتين دينيتين كان الاسلام قد استولى على الشواطئ الشرقية والجنوبية للبحر المتوسط التابعة للعالم المسيحى، ومنها إلى أوروبا حيث استولت على صقلية واسبانيا، إلا أن المسيحيين قد استعادوهما بعد ذلك أما ما تبقى بما فى ذلك القدس فقد ظل فى قبضة المسلمين. ومن هنا كان الدافع الأول لأوروبا هو دراسة كل ما يتعلق بالعرب لفهم التهديد الموجه إلى العالم المسيحى، بل إلى المسيحية ذاتها، ومن هنا أيضا نشأ الاستشراق ولم يكن له علاقة بالاستعمار. والقول بغير ذلك ليس إلا وهماً. وليس أدل على ذلك، فى رأى لويس ، من أن لفظ الاستشراق لم يعد متداولاً لأنه لفظ يخلو من الدقة. هذا عن مسألة الاستشراق فماذا عن مسألة التسامح؟


ترددت هذه المسألة بكثرة فى جلسات الندوة ومع ذلك فقد كان رأى لويس أن التسامح ينطوى على اللاتسامح لأن المتسامح هو الأقوى لأنه لا يسمح للآخر إلا ببعض الحقوق وليس كل الحقوق. ولهذا ينبغى استبعاد لفظ التسامح على غرار استبعادنا للفظ الاستشراق. وهنا يتساءل لويس: ماذا يبقى بعد ذلك؟ لايبقى سوى حوار الثقافات. كان قائما منذ قديم الزمان وظل قائما على الرغم من بزوغ عداوة بينها . إلا أن العداوة الأكثر شراسة والتى لم تتوقف أو تضعف هى التى بين الأديان الثلاثة: اليهودية والاسلام والمسيحية. ومع ذلك فثمة امكانية للحوار لأن عناصر الاتفاق أقوى من عناصر الافتراق. ومن هنا نشأ فريقان أحدهما يدعو للحوار والآخر يدعو للصراع. وعلينا أن نختار.


والرأى عندى أن ثمة تساؤلا جوهرياً كان على لويس إثارته وهو خاص بهوية أولئك الذين يريدون الصراع بين الأديان، إذ من شأن تحديد هويتهم تحديد هوية الصراع. وقد كان هذا التساؤل هو محور بحثى المعنون » التراث والتنوير فى الثقافتين الغربية والعربية«.


وتفصيل ذلك فى المقال القادم.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتي ـ « القرن الحادي والعشرين» (36) خلاف قاتل   الثلاثاء 05 أغسطس 2014, 10:24 am



رؤيتي ـ « القرن الحادي والعشرين» (36) خلاف قاتل
الثلاثاء 9 من شوال 1435 هــ 5 أغسطس 2014 السنة 139 العدد 46628

في الندوة الدولية المغربية التي انعقدت في بداية عام 2003 قيل عن حادث 11/9 إنه« خلاف متوحش«. أما أنا فقد قلت عنه إنه »خلاف قاتل«. والفارق بين المتوحش والقاتل هو على النحو الآتي: »

التوحش يعنى الخلو فيقال توحش جوفه أي خلا من الطعام،ومن ثم يكون الخلاف المتوحش هو خلاف يخلو من المتحاورين، أما القتل فيعنى إحداث الموت. وإذا طبقنا المقصود من المعنى اللغوي في التفرقة بين التوحش والقتل على الخلاف الذى حدث إثر 11/9 قلنا إنه خلاف قاتل بين العالم العربي والعالم الغربي.
والسؤال إذن:لماذا هو خلاف قاتل بين العالميْن؟
جاء جوابي في البحث الذى ألقيته في تلك الندوة تحت عنوان » التراث والتنوير في الثقافتين الغربية والعربية«، وتساءلت ماذا كانا مغزاهما في الثقافتين؟
كان الفيلسوف الايرلندي ادموند بيرك ( 1729- 1797) أول فيلسوف يتناول العلاقة بين التراث والتنوير في كتابه المعنون «تأملات في الثورة الفرنسية» (1790) وفيه أثار التناقض الحاد بين التراث والتنوير، أي إما التراث وإما التنوير، وهو ينحاز إلى التراث ويرفض التنوير. ويدلل على انحيازه بأن الحرية من ثمار الوراثة تنتقل من الأجداد إلى الأحفاد، وبأن الإنسان لا يتطلع إلى المستقبل إنما يلقى نظرة إلى الوراء، ومن ثم فإن بيرك يستخف بالإبداع و ينظر إليه على أنه من ثمار الأنانية. وهكذا تصبح الوراثة مبدأ للمحافظة والتواصل، وقد ترتب على ذلك رفضه للتعليم المدني الذى يستند إلى معرفة الاحتياجات البدنية للبشر. وهذا في رأى بيرك نوع من الإلحاد.
وتأسيساً على ذلك يرى بيرك أن السياسة ينبغي أن تتكيف مع الطبيعة البشرية وليس مع العقل الإنساني. ومن هنا فإن رجل السياسة يكون في حاجة إلى خبرة وغريزة وليس إلى حسابات عقلية. ومن هنا وقف ضد التنوير، لأن التنوير في رأيه يتوهم أن قدرة الانسان على التقدم هي بلا نهاية إذا التزم بسلطان العقل وليس بسلطان التراث. وهكذا يبتر بيرك العلاقة بين التراث والتنوير، ويكتفى بالتراث دون التنوير. إلا أن هذا البتر لم يكن له مستقبل، إذ بزغت الثورة العلمية والتكنولوجية مع بداية القرن العشرين متمثلة في نشوء الفيزياء النووية التىهي بداية تحكم الانسان في الكون. هذا ما حدث في الثقافة الغربية من قسمة ثنائية بين المحافظة على التراث وبين التنوير النافي للتراث، إلا أن الغلبة كانت للتنوير.
والسؤال بعد ذلك: ماذا حدث في العالم الإسلامي؟
شاعت الدعوة الوهابية في القرن الثامن عشر وهى دعوة تلتزم التفسير الحرفي للنص الديني، أي عدم إعمال العقل. ومن هذه الزاوية قيل عن الوهابية إنها ترديد لأفكار ابن تيمية من القرن الثالث عشر ومحورها إنكار المنطق والفلسفة بدعوى أنهما أخطر أعداء العقيدة الاسلامية. وفى القرن العشرين تأسست حركة الاخوان المسلمين استناداً إلى الوهابية، أي استناداً إلى ابن تيمية. ثم جاء سيد قطب وفطن إلى أن أوروبا مصابة بمرض عقلي اسمه «الفصام النكد» بسبب مرورها بثلاثة عصور: النهضة و التنوير و الصناعة. وليس في الإمكان القضاء على ذلك المرض إلا بالحروب الدينية وليس بالوسائل السلمية. ونظَر لهذه الفكرة مفكر الثورة الايرانية على شريعاتى في كتابه المعنون «سوسيولوجيا الاسلام» وفيه يفسر التاريخ بمصطلحات دينية، إذ هو يرى أن قصة هابيل وقابيل هي بداية حرب مازالت مشتعلة حتى هذا الزمان. وكان الدين هو سلاح كل من هابيل وقابيل. وهذا هو السبب في أن حرب دين ضد دين هو الثابت في تاريخ البشرية. وبسبب هذه الحروب الدينية الضرورية فإن أهم مبدأ إسلامي هو قدرة الانسان على تقديم ذاته للاستشهاد. ومن هذه الزاوية فإن الموت ليس هو الذى يختار الشهيد إنما الشهيد هو الذى يختار الموت بإرادته. وهذا المبدأ هو الذى يحث المسلم على الانخراط في الحرب بلا تردد. والمسألة هنا ليست مسألة تراجيدية إنما هي مسألة نموذج يُحتذى لأن الشهادة بالدم أرفع درجات الكمال. ومعنى ذلك أن المسلم الحق هو الشهيد المناضل.
واللافت للانتباه أنه ليس ثمة حركة اسلامية أخرى في مواجهة الوهابية المستندة إلى ابن تيمية. فالحركة التي كان من الممكن أن تقف في مواجهتها هي الحركة الرشدية المستندة إلى فلسفة ابن رشد من القرن الثاني عشر. إلا أن ابن رشد كان محاصراً من اثنين أحدهما الغزالي من القرن الحادي عشر والثاني هو ابن تيمية من القرن الثالث عشر، إذ عارض كل منهما إعمال العقل في النص الديني وذلك بسبب رفضهما للفلسفة. فالغزالي ألف كتابا عنوانه «تهافت الفلاسفة» كفر فيه الفلاسفة المسلمين بدعوى أنهم تأثروا بالفلسفة اليونانية الوثنية. أما الثاني فقد ألف كتابا عنوانه «درء تعارض العقل والنقل» ينقد فيه ابن رشد لتقديمه العقل على النقل عند التعارض وذلك لأن الأصل هو النقل وليس العقل. ولهذا ليس ثمة مبرر للتأويل على نحو ما يرى ابن رشد. وهكذا أُجهض ابن رشد في العالم الإسلامي وأصبحت الأولوية للنقل، أي للتراث، مع نفى سلطان العقل. وإذا كان التنوير يشير إلى سلطان العقل فمعنى ذلك أن التراث في العالم الإسلامي ناف لمفهوم التنوير.
وتأسيساً على ذلك كله يمكن القول بأن ثمة خلافاً بين العالم الغربي والعالم الإسلامي، وأن التعامل مع ذلك الخلاف لا يكون إلا بالحرب ومن هنا جاء عنوان هذا المقال «خلاف قاتل».




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتي ـ « القرن الحادي والعشرين» (37) العقل والإرهاب   الثلاثاء 12 أغسطس 2014, 6:05 pm







رؤيتي ـ « القرن الحادي والعشرين» (37) العقل والإرهاب


الثلاثاء 16 من شوال 1435 هــ 12 أغسطس 2014 السنة 139 العدد 46635


فى بداية هذا القرن دخلت «الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير» التى أَشرف برئاستها فى علاقة مع مؤسستين دوليتين: الأولى هى «مركز زايد العالمى للتنسيق والمتابعة» بأبو ظبى والملحق بجامعة الدول العربية، والثانية هى «لجنة التعاون الدولي» بالجمعية الفلسفية الأمريكية لعقد ندوات مشتركة بدايتها عام 2003.
 كانت الندوة الأولى مع مركز زايد فى يوليو 2003 تحت عنوان «العقل والارهاب» وجاءت كلمتى الافتتاحية على النحو الآتي:

   فى تقديرى أن هذه الندوة يمكن أن يقال عنها إنها ندوة تاريخية لثلاثة أسباب: السبب الأول أنها تتناول ظاهرة كوكبية مهددة للحضارة الانسانية. والسبب الثانى أننى عاصرت بداية الارهاب فى حادثة لها دلالتها التاريخية. وترجع هذه الحادثة إلى 16 مارس 1978 حيث كان المؤتمر الدولى الفلسفى الأول للجمعية الفلسفية الافروآسيويةالتى كنت أشرف برئاستها. وفى ذلك اليوم أعلن المذياع أن ألدو مورو زعيم الحزب الديمقراطى المسيحى قد وُجد مقتولاً وأن أندريوتى رئيس وزراء ايطاليا فى ذلك الوقت قد اعترف بأن بلاده تواجه ارهاباً يهدد بتغيير الصورة الديمقراطية لإيطاليا. والسبب الثالث أنها تعقد فى مركز زايد وهو إحدى مؤسسات جامعة الدول العربية. ومنذ ذلك اليوم والنشاط الإرهابى فى تصاعد على المسرح الدولي. ومن الأسباب التى أدت إلى تسريع هذا التصاعد هو التقدم التكنولوجى لأسلحة الدمار الشامل.

وفى تقديرى ثانياً أن تدمير مركز التجارة العالمى بنيويورك فى 11/9 هو أعلى مراحل الارهاب. وقد صاحبت هذا التدمير تأويلات عديدة من أجل المساهمة فى الكشف عن جذور الارهاب.

وفى تقديرى ثالثاً أن الغاية من عقد هذه الندوة التاريخية بما تضمه من قمم الفكر والثقافة من مختلف البلدان هى القاء الضوء على هذه الجذور. وعنوان الندوة ز الارهاب والعقلس يدل على أن من الجذور الهامة إن لم يكن من أهمها هو ما قد أصاب العقل الإنسانى من تغير فى بنيته الذهنية بحيث أصبح أداة لتدمير الحضارة الانسانية بدلاً من أن يكون أداة لتطويرها. ولهذا فأنا أظن أن السؤال المتوقع أن يكون سؤالاً محورياً هو على النحو الآتي: ما هى البنية الذهنية للإرهاب؟ وبسبب هذا السؤال كان عنوان بحثى «ابستمولوجيا الارهاب». ولفظ ابستمولوجيا هو لفظ يونانى معناه نظرية المعرفة وغايتها بيان طبيعة المعرفة ومصدرها وحدودها. وفى إطار هذه الغاية برزت أهم مسألة فلسفية وهى العلاقة بين المعرفة والحقيقة. ولكن مع الفيلسوف الألمانى العظيم كانط فى القرن الثامن عشر برزت مسألة أخرى مختلفة وأعنى بها العلاقة بين المعرفة والمطلق. وكان كانط هو أول مَنْ أدخل مفهوم المطلق فى مجال الابستمولوجيا وذلك فى مفتتح تصديره للطبعة الأولى لكتابه «نقد العقل الخالص».

 ( 1781). يقول: إن العقل له خاصية متميزة وهو أنه مضطر إلى مواجهة مسائل ليس فى امكانه تجاهلها، وهى مسائل مفروضة عليه بحكم طبيعته ولكنه عاجز عن الاجابة عنها. وهذه المسائل التى ليس لها أجوبة إنما تدور حول مفهوم المطلق سواء كان هذا المطلق دولة أو الهاً. وفى رأى كانط أن تاريخ الفلسفة ليس إلا قصة هذا العجز. ومع ذلك فإن كانط يميز بين حالتين: البحث عن قنص المطلق وقنص المطلق بالفعل. وإمكان قنص المطلق قائم منذ القدم ومازال قائماً حتى يومنا هذا. إلا أن تصورك أنك قد قنصت المطلق بطريقة مطلقة هو نوع من الوهم، وذلك لأن مجرد قنصك المطلق يحده، وبالتالى لن يكون مطلقاً، أى لن يكون حاوياً للكل.

وفى السبعينيات من القرن العشرين ساد مصطلح «الأصولية» وشاع، وهو يعنى أن الأصولى هو وحده القادر على قنص المطلق. وحيث إن المطلق بحكم طبيعته واحد لا يقبل التعدد فهو لن يسمح ببزوغ مطلق آخر أو عدة مطلقات، وإذا تجاسرت هذه المطلقات وأعلنت عن نفسها فالقضاء عليها أمر لازم. ومن هنا ينشأ صراع المطلقات أو الأصوليات، وهو صراع فى حده الأدنى التكفير وفى حده الأقصى الارهاب.

والسؤال اذن: ما الارهاب؟

جوابى أنه قتل جماهيرى موجه إلى جماهير. وفى هذه الحالة فإن الارهاب هو نوع من الفوضى. وإذا كانت الفوضى نوعاً من النتوء، وإذا أصبح الارهاب مع الوقت نسقاً مغلقاً فإن النتوء سيزداد إلى أن يصل النسق إلى أقصى حالات النتوء، وعندئذ تنهار الحضارة الانسانية. وهكذا يمكن تعريف الارهاب بأنه نتوء حضاري. 

والسؤال بعد ذلك: كيف يمكن انقاذ الحضارة من نتوئها، أى من الارهاب؟ يمكن انقاذها بالتفرقة بين الحقيقة والمعرفة لأنك إذا التزمت مفهوم الحقيقة فأنت تقع بالضرورة فى الحقيقة المطلقة، إذ ليس ثمة حقيقة نسبية لأنها متغيرة، وما كان يقال عنه إنه حقيقة يقال عنه بعد ذلك إنه ليس حقيقة. الحقيقة اذن مطلقة بالضرورة، وبالتالى فإنها تؤدى بالضرورة إلى الارهاب. ومن هنا تم الفصل بين الحقيقة والمعرفة، ومن ثم فإننا نقول اليوم ز مجتمع المعرفةس وليس

«مجتمع الحقيقة». ومجتمع المعرفة وليس مجتمع الحقيقة هو القادر على تغيير الوضع القائم. وفى القرن السابع عشر قال الفيلسوف الإنجليزى بيكون إن «المعرفة قوة». 

وإثر انتهاء الندوة صدر بيان يعلن فيه الفلاسفة المشاركون أن هذا أول مؤتمر دولى ينعقد لوضع اطار فلسفى يمكن من خلاله تعريف الارهاب ومدى قربه أو بعده من العقل الإنساني. وعلى الرغم من تباين الآراء إلا أن الاتجاه الذى ساد فى الأبحاث والمناقشات قد أوضح أن الارهاب ظاهرة كوكبية لا تخص ديناً معيناً أو دولة بعينها، وأنه فى هذه المرحلة من مراحل تقدم الحضارة الانسانية يحاول أن يحقق غايته وهى تدمير الحضارة الانسانية. ومن هنا ركز البيان على ضرورة إعمال العقل فى نقد الارهاب بل على ضرورة التربية النقدية بوجه عام بحيث يمتنع الارهاب عن النمو حتى ينقرض، وبالتالى يمكن تأسيس السلام.
هذا عن الندوة الأولى فماذا عن الندوة الثانية؟




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتي ـ « القرن الحادي والعشرين» (38) العقل والسلام   الثلاثاء 19 أغسطس 2014, 1:42 pm





رؤيتي ـ « القرن الحادي والعشرين» (38) العقل والسلام


الثلاثاء 23 من شوال 1435 هــ 19 أغسطس 2014 السنة 139 العدد 46642

انعقدت الندوة الثانية بين «الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير» و«مركز زايد العالمي للتنسيق والمتابعة» بأبو ظبى في يوليو 2003 تحت عنوان «العقلانية، جسر بين الشرق والغرب».

 وهذا العنوان يشى بأن ثمة فاصلاً بين الشرق والغرب، كما يشى بأن العقلانية يمكن أن تكون جسراً بينهما. ومعنى ذلك أننا بحاجة إلى تأسيس عقلانية تسمح بأن تكون جسراً. ومع ذلك فثمة أسئلة لابد أن تثار: هل ثمة عقلانية واحدة أم عقلانيات متعددة؟ وإذا كان ثمة عقلانية واحدة فهل معنى ذلك أن ثمة حضارة واحدة؟ وإذا كان ثمة عقلانيات فهل معنى ذلك أن ثمة حضارات متعددة وليس حضارة واحدة؟ وإذا كانت الحضارة واحدة فلماذا تتعثر العقلانية في مكان دون آخر؟ وإذا كان ثمة حضارات متعددة فهل هي في صراع أم في حوار؟ وإذا كانت في حالة صراع فهل معنى ذلك أن العقلانية تنطوي على اللاعقلانية؟ وإذا كانت في حالة حوار فهل معنى ذلك أن العقلانية تخلو من التناقض، أي تخلو من اللاعقلانية؟ واللافت للانتباه هاهنا أن هذه الأسئلة مثارة والمناخ العالمي مضطرب بسبب ظاهرة الارهاب التي أصبحت ظاهرة كوكبية. وإذا كان عدو الإرهاب هو العقل فهل معنى ذلك أن العقلانية تراجعت كوكبياً. وإذا كان ذلك كذلك فما أسباب هذا التراجع؟ وهل معنى هذا التراجع إعادة النظر في مفهوم العقلانية أياَ كان؟
والذى دفعني إلى إثارة هذه الأسئلة هو أننى كنت مهموماً بمفهوم العقل منذ عام 1975 عندما قدمت بحثاً إلى المؤتمر الفلسفي الباكستاني السابع عشر الذى انعقد بلاهور، وكان عنوان بحثى «الأصالة والتحديث في العالم الثالث». فقد كان رأيي أن الفجوة الحضارية بين البلدان المتقدمة والبلدان المتخلفة مردوده إلى مرور الأولى بمرحلتين: سلطان العقل والتزام العقل بتغيير الواقع. مرحلة سلطان العقل كامنة في عصر الاصلاح الديني، والذى كان التنوير تتويجاً له. وتأسيساً على ذلك فإنه يمكن القول بأن غياب العقل يفضى إلى تجميد الوضع القائم، وهذا بدوره يفضى إلى سلطان الأسطورة، ومن ثم إلى سلطان المحرمات الثقافية وهما من سمات الوضع القائم في الدول المتخلفة. ومن هنا تكون الأصالة التي تعنى سلطان التراث هي التيار المهيمن بسبب عزلتها عن الحضارة الغربية لمدة ثلاثمائة عام وذلك بسبب الاستعمار. ولذلك عندما بزغت حركة التحرر الوطني فى أثناء الحرب العالمية الثانية كانت سياسة «التحرر من الاستعمار» تعنى في الوقت نفسه التحرر من الغرب. وترتب على ذلك بزوغ شعارين: «الاستعمار الثقافي» و«الغزو الثقافي». وأصبحا من المصطلحات السائدة. وترتب على ذلك اتجاه النخبة الأفروآسيوية إلى اكتشاف الثقافة القديمة بطرق شتى، سواء في إفريقيا أو في آسيا بما في ذلك العالم الإسلامي، وكان من نتيجة ذلك الاكتشاف التفرقة بين الفلسفة الغربية التي تستند إلى التفكير النقدي والمنطقي والفكر الإفريقي الذى يستند إلى التفكير الأسطوري الخالي من التفكير العقلاني. ومن هنا التفرقة بين فلاسفة الإغريق والحكماء الشعبيين لإفريقياعلى نحو ما كان يرى فيلسوف كينيا الراحل أوديراأوروكا. ففي كتابه المعنون «الفلسفة الحكيمة» (1991) يبحث عن المعاني الفلسفية الكامنة لدى الافريقيين القدامى، والذين كانوا أميين وكانت حياتهم متجذرة في الوسط الثقافي لإفريقيا القديمة، الأمر الذى لا يسمح بمولد سقراط الذى كان يثير السؤال ويسخر من جواب الآخرين أو بمولد ديكارت الذى أسهم في إخراج أوروبا من العصور الوسطى المظلمة. وما انتهى إليه أوروكا يتسق مع ما انتهى إليه مارتن برنال في كتابه المعنون «أثينا السوداء» ( 1987)، أي قبل صدور كتاب أوروكا بأربع سنوات، فقد أرتأى زيف القول بأن اليونان القديمة هي التي ابتدعت الديمقراطية والفلسفة والعلم، كما ارتأى أن سقراط كان إفريقياً هو وكليوباترا. وفى نفس الاتجاه سار مفكر آخر اسمه جورج جيمس إذ أصدر كتابا عنوانه «التراث المسروق أو الفلسفة اليونانية فلسفة مصرية مسروقة» (1992). والمفارقة هنا أن وزارة الثقافة دعت برنال إلى الاحتفاء بكتابه الذى تُرجم إلى اللغة العربية كما ترجمت أيضا كتاب جيمس.
والمفارقة هنا أنه إثر صدور هذين الكتابين صدر كتاب ثالث مؤلفته يهودية اسمها ماري لفكوفيتز وعنوانه «ليس من إفريقيا» (1996). فكرته المحورية أن المركزية الافريقية دون الأوروبية أصبحت مبرراً لتدريس الأسطورة على أنها تاريخ حي.
هذا عن حال إفريقيا فماذا عن حال آسيا؟
قيل عن اليابان إنها نموذج آسيوي للدول النامية، وقيل عن كتاب «العقل الياباني» لمحرره تشارل» مور أنه كتاب مشهور دولياً بسبب أن محرره مشهور دولياً باعتباره المبدع والقوة المحركة لمؤتمرات الفلاسفة من الشرق والغرب والتي تنعقد سنوياً في هونولولو لتدعيم فهم تراث الآخرين. وقال مور في بحثه المعنون «العقل الياباني الملغز» أن هذا العقل يرفض العقلانية بدعوى أنها لا ترى الأشياء على حقيقتها، ولهذا فإن الشرق متميز إلى حد بعيد عن الغرب المنطقي، ومن هنا فإن ذلك العقل لا يشمئز مما هو غامض ومما هو غير محدد.
يبقى بعد ذلك العالم الإسلامي، وما هو حادث فيه من قتل وتدمير. إنه محكوم بالأصولية الاسلامية من شمال إفريقيا حتى جنوب شرق آسيا والتي تدعو إلى نظام سياسي واجتماعي واقتصادي يكون بديلاً عن النظامين الاشتراكي والرأسمالي، ويكون إحياء لزمن الخلافة الاسلامية. والنتيجة المنطقية لهذه الدعوة تقولب الدولة في أنماط اسلامية. وهكذا يكون المفهوم الغربي لفصل الدين عن السياسة غريباً عن الاسلام. فالسلطة في يد الله، ومن ثم فهي مطلقة، والحكام هم ممثلو هذه السلطة، ولا قيمة للشعب.
وتأسيساً على ذلك يمكن القول بأن ثمة فجوة ثقافية بين الغرب والشرق. وإذا كنا نريد عبور هذه الفجوة فمن اللازم إجراء حوار بين فلاسفة الشرق والغرب من أجل إنقاذ الحضارة الانسانية من أولئك الذين يقفون ضد العقل.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتي ـ « القرن الحادي والعشرين» (39)دفاعاً عن الحضارة   الأربعاء 27 أغسطس 2014, 2:47 am





رؤيتي ـ « القرن الحادي والعشرين» (39)دفاعاً عن الحضارة

الثلاثاء 30 من شوال 1435 هــ 26 أغسطس 2014 السنة 139 العدد 46649

عنوان هذا المقال كان عنوان الندوة الثالثة التى كان من المقرر أن يعقدها «مركز زايد العالمى للتنسيق والمتابعة» بمشاركة «الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير» و«جامعة الدول العربية» و«منظمة التحرير الفلسطينية».
وقد تم اجتماع تحضيرى لهذه الندوة فى فندق سميراميس بالقاهرة فى 12/ 6/ 2003 على أن تنعقد اللجنة ذاتها فى 11/ 9 أما الندوة فتنعقد فى يناير 2004. وكان من بين الحضور هشام يوسف مندوب أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى وفاروق قدومى رئيس الدائرة السياسية بمنظمة التحرير الفلسطينية  ومحمد صبيح سفير فلسطين فى الجمعة العربية وأسامة الباز المستشار السياسى لرئيس الجمهورية ومحمد خليفه المدير التنفيذى لمركز زايد ومنى أبوسنة أمين عام الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير وهالة مصطفى رئيس تحرير مجلة الديمقراطية. وقد حضر قبل بداية الاجتماع المستشار فتحى نجيب رئيس المحكمة الدستورية العليا ولكنه انصرف لموعد طارئ. 

وفى بداية الجلسة سردت قصة كان قد رواها لى أحمد بهاء الدين حين كان رئيس تحرير مجلة المصور فى نوفمبر 1970. قال: «كنت مشاركاً فى ندوة ببيروت لممارسة «لعبة الأمم»، أى توزيع الأدوار السياسية على أعضاء الندوة. وكان دورى ممثلاً «للقومية العربية»، وكان الآخرون يؤدون أدوار القوى الأخرى المنخرطة فى الصراع العربى الإسرائيلي. وفى نهاية الندوة أُدخل الحوار برمته فى الكمبيوتر لإخراج النتيجة، وكانت مذهلة بالنسبة لى وهى تصفية منظمة التحرير الفلسطينية». انتهت القصة وكان تعليق فاروق قدومى أن ذلك الكمبيوتر تابع للموساد، وأيده فى ذلك سفير فلسطين!

وبعد ذلك انتقلنا إلى مناقشة جدول أعمال الجلسة التى انتهت إلى تحديد عنوان الندوة المزمع انعقادها تحت عنوان «دفاعاً عن الحضارة» بدعوى أن هذه القضية يمكن أن تكون امتداداً للندوة التى عقدها مركز زايد تحت عنوان «العقلانية جسر بين الشرق والغرب». وقد كُلفت، بقرار من اللجنة، بإعداد ورقة عمل، وقد كان، وهى على النحو الآتي: 

«قال آينشتين: بعد القاء القنبلة الذرية على هيروشيما ونجازاكى تغير كل شيء ما عدا أسلوب التفكير». وهو قول يمكن ترديده بعد 11/9/2001. ففى ذلك اليوم تحولت طائرة مدنية إلى طائرة حربية بفعل إرهابى فدمرت مركز التجارة العالمى بنيويورك بأمريكا، وراحت وسائل الاعلام تحلل هذا الحدث الإرهابى بأسلوب تقليدي. فقيل على سبيل المثال لا الحصر أن ما حدث مرتبط ارتباطاً عضوياً بهيمنة القطب الواحد وهو أمريكا، أو بالعلاقة الوثيقة بالفجوة الاقتصادية بين الشمال والجنوب، أو بالصراع التقليدى بين الغرب والعالم الإسلامي، أو بمؤامرة صهيونية أمريكية، وهى أقوال كانت شائعة قبل 11/9. 

والسؤال المطلوب الاجابة عنه هو على النحو الآتى: 

هل هذا الأسلوب فى التفكير قادر على الكشف عن الأسباب الحقيقية الكامنة فى ذلك الحدث؟

إذا كان الجواب بالإيجاب فما المبرر للحديث عن ضرورة إحداث تغيير جذرى فى الأنظمة السياسية الراهنة فى كثير من دول العالم؟ ولماذا الحديث عن ابتداع وسائل جديدة لفهم أبعاد ذلك الحدث؟ ولماذا الحديث عن ضرورة إعادة النظر فى المنظمات الاقليمية والدولية؟

أما إذا كان الجواب بالسلب فعلينا تحليل ظاهرة الارهاب بمنظور غير المنظور التقليدى، أى بمنظور إبداعي، ذلك أن ثمة رعباً هيمن على سكان كوكب الأرض بغض النظر عن تباين الأنظمة السياسية والأنسقة الثقافية والاقتصادية الأمر الذى يؤدى بالضرورة إلى بزوغ تحالف كوكبى مضاد للإرهاب الكوكبي.  

والسؤال اذن:

ما الغاية من هذا التحالف الكوكبي؟  

هل هو دفاع عن كوكب الأرض فى مساره الحضارى المحكوم بالثورة العلمية والتكنولوجية؟  

وإذا كان ذلك كذلك فهل تدمير مركز التجارة العالمى هو رمز على محاولة تدمير الحضارة بفعل إرهابى تسمح تداعياته بإحداث هذا التدمير؟ 

والسؤال اذن:

ما الدليل على طبيعة هذه المحاولة؟

ويبقى بعد ذلك سؤال محوري:

هل ثمة مبرر لعقد هذه الندوة تحت عنوانها «دفاعاً عن الحضارة»؟

إذا كان الجواب بالسلب فعلينا النظر إلى 11/9 على أنه يوم لا يختلف عن أى يوم آخر، وأن ما حدث فيه من دمار يخص أمريكا وحدها دون غيرها من دول ذلك الكوكب.

وفى النهاية فإن اللجنة التنفيذية للندوة وهى تدعو إلى عقدها تنشد المشاركة الايجابية فى إحداث تغيير فى المفاهيم التقليدية من أجل البحث عن طريق جديد تواصل فيه الحضارة مسارها وهى خالية من الارهاب من أجل تقدم البشرية نحو الأفضل.

وإذا أردت مزيداً من الحجج لتبرير انعقاد تلك الندوة فاقرأ كتاب سيد قطب المعنون «الاسلام ومشكلات الحضارة» (دار الشروق 1988، ص 110) حيث يقول «إن هذه الحضارة الحديثة - ولو أنها قامت ابتداء على أسس الاتجاهات التجريبية العلمية التى اقتبستها أوروبا من الأندلس ومن الشرق الإسلامي، النابعة ابتداء من التوجيهات القرآنية ومن روح الاسلام الواقعية إلا أنها حين انتقلت إلى أوروبا صادفت ذلك «الفصام النكد بين الدين والحضارة». وقد أسهب سيد قطب فى توضيح ذلك المصطلح فى كتابه المعنون «المستقبل لهذا الدين» (دار الشروق، 1989) ويقصد به عصر الاحياء وعصر التنوير وعصر الصناعة. وإذا كان «الفصام النكد» مرضاً عقلياً فمعنى ذلك أن أوروبا مريضة عقلياً ومن ثم ينبغى القضاء عليها وإعادة البشرية إلى عصر الزراعة أو عصر الصيد إن أمكن ولكن بهدف قنص الانسان وليس قنص الحيوان!

   هذه هى ورقة العمل  التى قمت بتحريرها إلا أن الندوة لم تنعقد بل أُلغيت. والسؤال اذن: مَنْ الذى ألغاها؟ تساءلت وسألت ولكنى لم أعثر على جواب.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (40) أزمة الفلسفة فى أمريكا   الخميس 04 سبتمبر 2014, 12:10 pm









 رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (40) أزمة الفلسفة فى أمريكا


الثلاثاء 7 من ذو القعدة 1435 هــ 2 سبتمبر 2014 السنة 139 العدد 46656

في مفتتح هذا القرن احتفلت الجمعية الفلسفية الأمريكية بمرور مائة عام على تأسيسها، وذلك بتخصيص عدد من مجلة البحث الفلسفي لتكوين رؤية مستقبلية للفلسفة الأمريكية. وكان في مقدمة الأبحاث بحث لفيلسوف أمريكا المرموق جون سيرل (1932) الأستاذ بجامعة كاليفورنيا.

 حرر مقالا إثر حادث 11/9 جاء فيه أنه حادث في مسار صراع دائم ضد القوى المناوئة لأمريكا. أما بحثه المخصص للمجلة فعنوانه  الفلسفة في قرن جديد. ومغزاه أن ثمة فلسفة جديدة هي في الطريق إلى القرن العشرين. والسؤال اذن: ما هي؟ وإذا أريد لهذا السؤال أن يكون جوابه صياغة لوضع قادم فيلزم من ذلك الوعى بالفلسفة في وضعها القائم. ووضعها القائم، في رأى سيرل، يدور حول أن المعرفة في نمو متواصل، ومع هذا النمو المتواصل يحدث ما يسمى  تراكم المعرفة. ومن هنا ثمة سؤال لابد أن يثار: ما هو أصل ذلك التراكم؟ جواب سيرل أنه متجذر في القرن السابع عشر عندما أعلن الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت ولقبه  أبو الفلسفة الحديثة التشكك في كل ما ورثه من معرفة من أجل وضع أساس متين لها. والذى دفع ديكارت إلى أن يكون الشك هو نقطة البداية مردود إلى ما حدث من ثورة علمية أفضت بدورها إلى صراع بين الايمان الديني والمكتشفات العلمية، إلى الحد الذى دفع السلطة الدينية إلى محاكمة جاليليو عندما أيد نظرية دوران الأرض حول الشمس التي قال بها كوبرنيكس مخالفا بذلك نظرية بطليموس المدعمة من السلطة الدينية والقائلة إن الشمس هي التي تدور حول الأرض، وإلى حرق جثمان جيوردانو برونو بسبب تأييده أيضا نظرية كوبرنيكس.
   وهكذا أصبحت المعرفة هي محور التفلسف لمدة ثلاثة قرون ونصف القرن. وفى هذه المدة شاعت مفارقات الشك التي تكمن في عدم إمكان مواصلة البحث سواء في مجال الفلسفة أو فى مجال العلم، ومع ذلك فالبحث متواصل. 
  وقد ارتأى سيرل أن مفارقات الشك قد انتهت في القرن العشرين مع شيوع اليقين، ومع هذا الشيوع انتهى مشروع ديكارت في الشك، ومع ذلك فإن هذه النهاية لا تعنى تجاهل البحث عن معيار الحقيقة. ولا أدل على ذلك من أن فيلسوفا معاصرا اسمه توماس كُون قد ارتأى أن ثمة عناصر لا عقلانية في النظريات العلمية، ومن ثم فإن المسألة لم تعد التساؤل عن مدى قدرة العقل على اقتناص الحقيقة إنما عن مدى قدرته على تغيير الأنسقة المعرفية لأنها أنسقة متأثرة في تكوينها برؤية الانسان. ومن هنا يحاول سيرل التوفيق بين كون المعرفة موضع شك وبين كونها موضع يقين في الوقت ذاته. فما هو موضع يقين أن تقول مثلاً إن القلب يضخ دماً، وإن الأرض جزء من المجموعة الشمسية. والقول بعكس ذلك يعنى أنك تقف ضد العقل. ومع ذلك فمثل هذا اليقين قابل للتصويب، ولكن ليس معنى ذلك حذف مثل هذا النوع من اليقين، إذ إن اليقين لا يتناقض مع التصويب في حالة بزوغ مكتشفات في مستقبل الأيام. وسبب ذلك مردود إلى أن أى معرفة خاصة بالواقع الخارجي ليست بمعزل عن عقل الانسان وما ينطوي عليه من ميول وانحيازات اجتماعية، ومن هنا تتأثر المعرفة بالرؤيةالاجتماعية. ومع ذلك فإن هذه الرؤية لا تدخل في صراع مع المعرفة اليقينية لأن الحقيقة، في رأى سيرل، ليست مكوناً اجتماعياً، إذ هي مرتبطة بوقائع موضوعة في العالم الخارجي.
ويخلص سيرل من كل ذلك إلى إثارة مسألة مهمة وهى مسألة الحداثة وما بعد الحداثة حيث يقول:  إذا كانت الحداثة، تعنى بزوغ العقلانية في عصر النهضة في القرن السادس عشر ووصلت إلى قمتها في عصر التنوير في القرن الثامن عشر فليس معنى ذلك أننا اليوم نعيش في القرن العشرين في عصر ما بعد الحداثة، بل عكس ذلك هو الصحيح وهو أن الحداثة قد بدأت بعد القرن الثامن عشر، والصحيح أيضا هو القول إننا نحيا فيما بعد عصر الشك. وبعد ذلك إذا تصور مفكر بأننا نحيا في عصر ما بعد الحداثة فهو واهم. لماذا؟لأنه يستعين بالإنترنت لشراء تذكرة من شركة طيران تقله إلى حيث يريد. فأين الشك هنا؟ وأين الكذب؟ وهذه هي الفلسفة الجديدة التي يدعو إليها سيرل. إنها لن تبدأ بالشك ولا بالبحث عن الصدق أو الكذب إنما تبدأ بالوقائع التي نلاحظها في العالم الخارجي مثل القول إن المادة مكونة من ذرات وأن الكائنات الحية متطورة.
   والرأي عندي أن هذه الفلسفة التي يدعونا جون سيرل إلى تعاطيها ستزيد الأمر تعقيدا في مواجهة أمريكا للإرهاب لأن الارهاب فكرة في العقل قبل أن تكون واقعاً. فاذا طُلب منك أن تقدم تقريراً عن الإرهاب فإنك لن تقدم تقريراً عن الارهاب كفكرة إنما عن الإرهاب كواقعة، الأمر الذى يلزم بعدم كتابة التقرير إلا بعد أن يتحول الارهاب من فكرة إلى واقعة. وفى حالة الإرهاب الانتحاري فإنه لن يسهم في مساعدتك على كتابة التقرير لأنه يكون قد اختفى وتوقف عن أن يكون واقعا. وإذا كان جون سيرل هو فيلسوف أمريكا وإذا كانت هذه هي فلسفته وبالتالي هي فلسفة أمريكا فأزمة هذه الفلسفة تكمن إذن في أنها لن تفهم الإرهاب كفكرة قائمة في العقل على هيئة حقيقة مطلقة تريد أن تفرض ذاتها على الواقع. إذ على أمريكا الانتظار حتى يعلن الإرهابي عن نفسه أنه في الطريق إلى تأسيس دولة الإرهاب. وعندما تصبح هذه الدولة واقعا يبدأ التفلسف ويبدأ التقرير ولكن بعد فوات الأوان.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (41) الإنسيكلوبيديا الجديدة   الثلاثاء 09 سبتمبر 2014, 11:42 am







رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (41) الإنسيكلوبيديا الجديدة


الثلاثاء 13 من ذو القعدة 1435 هــ 9 سبتمبر 2014 السنة 139 العدد 46663

تميز عصر التنوير فى القرن الثامن عشر فى أوروبا، أو بالأدق تميز عام 1751 بإصدار «الانسيكلوبيديا» التى أسسها الفيلسوف الفرنسى ديدرو وبمساعدة صديقه العالم الرياضى الفرنسى دالامبير وبمشاركة فلاسفة التنوير من أمثال روسو وفولتير ودولباخ.

 وقد صدرت فى سبعة عشر مجلداً ثم توقفت وكان ذلك التوقف فى عام 1772. وكانت الغاية من اصدارها نقد السلطة الدينية والسلطة السياسية بسبب توهمها امتلاك الحقيقة المطلقة وما يترتب على هذا الوهم من قهر البشر واخضاعهم لسلطان غير سلطان العقل. وكان من شأن ذلك كله بزوغ الثورة الفرنسية التى أحدثت بدورها تأثيرها على الثورة الأمريكية. 
وفى عام 2001، أى مع مفتتح القرن الحادى والعشرين، صدرت «انسيكلوبيديا جديدة» بإشراف فيلسوفين من فلاسفة «الجامعة الحرة» ببروكسل ببلجيكا وهما جيلبير أوتوا وزميله الطبيب والفيلسوف جان نويل ميسا. وأنا كنت على صلة بالأول، إذ تزاملنا عندما انتخبنا فى اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولى للجمعيات الفلسفية. وهو بالإضافة إلى ذلك كان نائبا لرئيس الجمعيات الفلسفية الناطقة باللغة الفرنسية. وقد أهدانى نسخة من «الانسيكلوبيديا الجديدة» وهى تقع فى ألف صفحة وأسهم فى إعدادها مائة وعشرون عالماً.
والسؤال بعد ذلك:
بماذا تتميز هذه الانسيكلوبيديا الجديدة عن انسيكلوبيديا عصر التنوير؟ 
 تتميز بدورانها حول مصطلح  هو «الأخلاق البيولوجية». والمفارقة هنا أن هذا المصطلح لم يصكه فيلسوف إنما صكه عالم بيولوجى اسمه فان رنسلار بوتر ( 1911- 2001)، وهو علم مؤلف من ثلاثة علوم «البيئة والطب والقيم الانسانية». وهنا تساءل أوتوا: لماذا غاب الفلاسفة عن صك ذلك المصطلح؟ وكان جوابه أن ذلك الغياب مردود إلى بزوغ تيار فلسفى فى النصف الثانى من القرن العشرين كان قد حصر الفلسفة فى تحليل ألفاظ اللغة للتمييز بين العبارات التى لها معنى والعبارات التى ليست لها معنى فنقول عن الأولى إنها صادقة وعن الثانية إنها كاذبة. ومن العبارات الكاذبة، على سبيل المثال، تلك التى تقال عن أشياء ليست محسوسة. وبناء عليه تجاهل ذلك التيار البحث فى الثورة العلمية والتكنولوجية لأنها ثورة تنشغل بالبحث فى الثقافة، والثقافة ليس لها مقابل حسى فى العالم الخارجى، فى حين أن أوتوا يرى أن لتلك الثورة ثقافة، وهذه الثقافة تتجاوز الثقافات المتعددة على الرغم من أنها بازغة منها وإن لم تكن متطابقة معها، إذ هى ثقافة علمية وتكنولوجية وكونية، وهى من هذه الزاوية تعبر عن حداثة منفتحة على ما بعد الحداثة. 
والسؤال إذن:
ما معنى الحداثة وما علاقتها بعصر ما بعد الحداثة؟
إن الحداثة تعنى تغييرا جذريا فى أسلوب التفكير وفى التكنولوجيا، ولذلك تطلق الحداثة على أنها ضد العصور الوسطى المظلمة ومواكبة للثورة الصناعية. أما علاقتها بعصر ما بعد الحداثة فإن أوتوا يرى أن الحداثة منفتحة على عصر ما بعد الحداثة على الرغم من أن ما بعد الحداثة يحتوى على عناصر لا عقلانية متمثلة بوجه خاص فى الأصوليات الدينية التى ليس من حق الحداثة اقصاؤها على الرغم من أن هذه الأصوليات تفرغ الحداثة من مضمونها، إذ مضمونها نسبى فى حين أن الأصوليات مضمونها مطلق. وعلى الرغم من هذا التناقض فإن أوتوا يرى أن على الحداثة أن تحد من شيوع الأصوليات وذلك بأن تدعو إلى شيوع فصل المعبد عن الدولة كما كان الحال فى أوروبا منذ نصف قرن. وإذا لم توفق الحداثة فى هذه المهمة فإن الصدام العنيف متوقع. وعلى الرغم من هذا الصدام المتوقع فإن أوتوا يرفض إقصاء أية ثقافة لا تمت إلى الحداثة بصلة. ومع ذلك فإن أوتوا ملتزم بالحداثة، أى ملتزم بالتنوير. ومن هنا فإنه يرى أن الانسيكلوبيديا الجديدة مكملة للانسيكلوبيديا القديمة لأنها أضافت إلى سلطان العقل سلطان العلم والثقافة المجاوزة للثقافات المتعددة والتكنولوجيا الكونية. والجدير بالتنويه  أن العقل، عند أوتوا، سواء فى عصر الحداثة أو عصر ما بعد الحداثة، هو عقل ديالكتيكي، أى عقل يبحث عن المتناقضات. إنها مهمة شاقة ولكنها مثمرة، إذ هى تنتهى إلى بناء جسور بين هذه المتناقضات على ألا تختصر هذه الجسور فى جسر واحد نقيمه بين الشرق والغرب، بل ثمة جسور أخرى ينبغى إقامتها بين الشمال والجنوب والشرق والغرب.
ومع ذلك كله يبقى سؤال:
هل من ضرورة لإقصاء الأصوليات؟
وأجيب بسؤال:
ما الأصولية؟
إنها بحسب تعريفى هى التفكير فى النسبى بما هو مطلق وليس بما هو نسبي، ومعنى ذلك أن الأصولى يُخضع النسبى للمطلق وبالتالى يصبح مطلقاً. وإذا كانت الحضارة التى ابتدعها الانسان متطورة فهى اذن نسبية وتحويلها إلى مطلق يعنى امتناعها عن التطور، ومع الوقت فإنها تتوارى أو بالأدق تتلاشي. ويترتب أيضا على تحول النسبى إلى مطلق أن يدخل البشر فى صراع إذا تعددت المطلقات لأن المطلق واحد ويرفض التعدد، وإذا تعدد فإن المطلقات تدخل فى صراع من أجل القضاء عليها إلا واحداً. ومن هنا يصبح المطلق دموياً أى ارهابياً، ومع الوقت يصبح الارهاب ملازماً للمطلق وهنا الكارثة. ولا أدل على حدوث هذه الكارثة من البيان الذى أصدره مجلس بطاركة الشرق فى 27 أغسطس من هذا العام فى بكركى بلبنان وجاء فيه أنه «لا يمكن أن تستمر الدول ولا سيما العربية والاسلامية ومن دون حراك فى وجه الدولة الأصولية داعش ومثيلاتها من التنظيمات الارهابية التكفيرية فهى مدعوة إلى تحريك المجتمع الدولى لاستئصال هذه الحركات الارهابية. وقد ارتأى البيان أن استئصال الأصولية الارهابية يستلزم فصل الدين عن الدولة. وإذا كان هذا الفصل من مستلزمات العلمانية فالعلمانية اذن لازمة لاستئصال الأصولية.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (42) مولد إنسانيات   الثلاثاء 16 سبتمبر 2014, 11:28 pm



رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (42) مولد إنسانيات


الثلاثاء 21 من ذو القعدة 1435 هــ 16 سبتمبر 2014 السنة 139 العدد 46670




عنوان هذا المقال هو عنوان ندوة دولية عقدها اليونسكو بمكتبة الإسكندرية فى ديسمبر 2003 ودعانى إليها للمشاركة. وإثر قراءة الدعوة ورد إلى ذهنى ما حدث فى أوروبا فى القرن الخامس عشر عندما ارتأى الأوروبيون ضرورة العودة إلى الثقافة القديمة من يونانية ولاتينية وأطلقوا عليها لفظ «انسانيات»
واعتبروا أن هذه الثقافة كفيلة بتكوين الإنسان بمعنى الكلمة فسميت هذه النزعة «الانسانية»، أى المذهب الإنساني، وكفيلة أيضاً بتحرير أوروبا من العصور الوسطى المظلمة. وأظن أن شيئاً من هذا القبيل يمكن أن يحدث فى القرن الحادى والعشرين بسبب إحياء تلك العصور ولكن فى ثوب جديد اسمه «الأصوليات الدينية» التى تلتزم بحرفية النص الدينى ومن ثم ترفض إعمال العقل، وتتحكم فى توزيع البشر بين الجنة والنار. ومن هنا يكون مولد الإنسانيات رد فعل ضد تلك الأصوليات. ومعنى ذلك أن هذه الإنسانيات ليست فى حاجة إلى البحث عن ماض معين على نحو ما حدث لإنسانيات القرن الخامس عشر، ولكنها إنسانيات فى مواجهة أصوليات معاصرة. ومن هنا أيضاً كان عنوان بحثى «نسق جديد فى مجتمع المعرفة»، ومغزاه أن الاطار المرجعى للنسق الجديد هو مجتمع المعرفة، وهو مصطلح من وضع عميد علماء الإدارة فى أمريكا المعاصرة ( بيتر دركر) ( 1909- 2005) فى كتابه المعنون » ما بعد المجتمع الرأسمالي« (1993)، ومضمونه أن كلا من الرأسمالية والتكنولوجيا قد تحكمت بسرعة فى كوكب الأرض، ومن ثم أفرزت حضارة عالمية، وكان من شأن ذلك إحداث تغيير جذرى فى معنى المعرفة، إذ أصبحت متجهة نحو الفعل، ومن ثم نحو العمل، وبعد ذلك أصبحت متجهة نحو ذاتها. وبسبب هذا التحول الجديد قيل عن المعرفة إنها من مكونات الانتاج. وعند هذه اللحظة كان مولد مجتمع المعرفة، ومن ثم مولد عمال المعرفة، إلا أنهم عمال متخصصون. وأنا هنا أختلف مع دركر. فالرأى عندى أن مجتمع المعرفة يخلو من الــ «إيَة»، أى يخلو من الايديولوجيا لأنه مرتبط بظاهرة جديدة هى ظاهرة الكوكبية التى جعلت من العالم شبكة علاقات بسبب ما أفرزت من تجارة إلكترونية وبريد الكترونى وانترنت، ومن هنا تغيرت رؤيتنا إلى العالم وإلى أنفسنا. فالمسافة ماتت فى الزمان والمكان. والتنافس لم يعد محلياً، إذ لا يعرف الحواجز، ولم تعد الشركات هى فقط العابرة للقارات بل الإنسان نفسه أصبح كذلك فى رؤاه. وعندما تسقط الحواجز تبزغ الوحدة وتشيع. والسؤال اذن: ما طبيعة هذه الوحدة؟ هل هى وحدة الانسانية أم وحدة المعرفة؟ أم هما معاً؟
للجواب عن هذه الأسئلة يلزم الحفر فى معنى التجارة الالكترونية، وعندئذ نكتشف أن موت المسافة الكامن فى هذه التجارة يفضى إلى إزالة الحواجز الدوجماطيقية، وهى حواجز من صنع مُلاك الحقيقة المطلقة. ويترتب على ذلك تغيير الذهنية لمواكبة هذه الوحدة الجديدة التى تسمى وحدة المعرفة. وفى هذا الاطار كنت قد عقدتُ مؤتمراً دولياً فى القاهرة فى عام 1980 تحت عنوان «وحدة المعرفة». وهنا لابد من إثارة السؤال الآتي: ماذا تعنى وحدة المعرفة؟ وأجيب بسؤال: ما المعرفة؟
كان جواب الفيلسوف الإنجليزى فرانسيس بيكون فى القرن السابع عشر أن «المعرفة قوة»، أى قوة تغيير الواقع المكون من الانسان والطبيعة. وهكذا تعبر المعرفة عن هذه الوحدة بين الانسان والطبيعة. وفى هذا الاطار بدأت تأسيس علم جديد أطلقتُ عليه «العلم الثلاثي» وهو علم مؤلف من الفلسفة والفيزياء والسياسة حيث تُرد العلوم الطبيعية إلى الفيزياء والعلوم الاجتماعية والانسانية إلى السياسة والفلسفة توحد بين العلمين من أجل تكوين رؤية كونية علمية. ويترتب على ذلك القول بأن العلم لا يصف الواقع إنما يؤله لأن الانسان يدخل فى صياغة وحدة المعرفة، ومن ثم يتصف التأويل بأنه إنساني. وحيث إن الانسان مغير للواقع من حيث هو حيوان مبدع، فالتأويل اذن غايته تغيير الواقع بحيث يستجيب لإشباع حاجاتنا المتجددة. ويترتب على ذلك أن تكون الحاجات الإنسانية هى نقطة البداية فى تأسيس العلم. ولا أدل على ذلك من أن نشأة الحضارة الانسانية مردودة إلى أزمة الطعام التى واجهت الانسان فى عصر الصيد، وعندما ابتدع الانسان التكنيك الزراعى انتقل الانسان من عصر الصيد إلى عصر الزراعة، ومن ثم انتقل من أزمة طعام إلى فائض طعام. والسؤال بعد ذلك: ما هو نسق القيم المواكب لوحدة المعرفة؟
إن البحث عن القيم يفترض أن ثمة غاية مطلوب تحقيقها، أو بالأدق، مشروعاً يتحقق فى المستقبل. ومعنى ذلك أولاً أن المشروع على علاقة عضوية بالمستقبل. ومعنى ذلك ثانيا أن الصدارة فناءات الثلاثة تكون للمستقبل. ومعنى ذلك ثالثا أننا نتحرك من المستقبل وليس من الماضى، ومن حيث اننا كذلك فإننا نرفض الوضع القائم من أجل استدعاء وضع قادم لتغيير ما هو قائم. ومعنى ذلك رابعاً أن سبب التغيير مطروح فى المستقبل وليس فى الماضى، وأنه فى الطريق إلى أن يتحقق. وبهذا المعنى نقول إن الحرية مطروحة فى المستقبل وكامنة فى الابداع، ومن ثم يمكن القول إن ما يقف عائقاً ضد الحرية يقف عائقاً ضد الابداع. والسؤال عندئذ: ما الذى يقف عائقاً ضد الحرية والابداع؟
إنه » المحرم الثقافي«، إذ يتسم بأنه مطلق من حيث إنه غير قابل للنقد، وبالتالى غير قابل للتغيير، أى أنه ثابت. وليس من سبيل إلى استبعاد ذلك المحرم الثقافى إلا بالعلمانية لأن العلمانية بحسب تعريفى هى التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق. وبهذا المعنى تكون العلمانية ملازمة لمولد الإنسانيات فى القرن الحادى والعشرين.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (43) التنوير والدين   الثلاثاء 23 سبتمبر 2014, 11:16 pm



 رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (43) التنوير والدين


الثلاثاء 28 من ذو القعدة 1435 هــ 23 سبتمبر 2014 السنة 139 العدد 46677

مع بداية هذا القرن تبنت جامعة بوسطن بأمريكا مشروعاً أطلقت عليه لفظ «بايديا» وهو لفظ في أصله يوناني ومعناه التربية الأخلاقية للفضيلة. والغاية منه إعادة النظر جذرياً في مفهوم التربية بحيث يفضى إلى تكوين مواطن لديه احساس بالمسئولية الأخلاقية والثقافية في إطار دولي.

وهو، في النهاية، مشروع لا يخص أمريكا وحدها بل يخص العالم برمته، ويشرف على انجازه رئيس قسم الفلسفة والأديان بجامعة بوسطن. وكان المسئول الأول عن تنظيم المؤتمر الفلسفى العالمي العشرين الذى انعقد تحت رعاية جامعة بوسطن في عام 1998، وكان، في حينها، مسئولاً أيضاً عن مشروع «بايديا».
وفى مارس 2003 عقد أول مؤتمر لذلك المشروع تحت عنوان «بايديا والدين.. التربية من أجل الديمقراطية». وقد دعاني لإلقاء بحث في جلسة هو رئيسها، وكان عنوانها «الايمان والمعرفة والتنوير العقلاني»، ووقتها ارتأيت أن يكون عنوان بحثى «وحدة المعرفة والتنوير». والفضل في هذه الصياغة مردود إلى بحث كان قد نشره الفيلسوف الفرنسي ديدرو ( 1755) وهو أحد مؤسسي التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر وذلك تحت عنوان «الانسيكلوبيديا». وهذا اللفظ في أصله يوناني ومكون من ثلاثة مقاطع: en بمعنى في وKyklos ومعناه
دائرة أما لفظ Paideia فيعنى المعرفة. واللفظ في جملته يعنى وحدة المعرفة، وكانت تعنى عند ديدرو تجميع المعلومات من أجل تسليمها للأجيال القادمة بحيث تكون منتجات الأجيال الماضية مفيدة للأجيال القادمة.
والسؤال اذن:

هل وحدة المعرفة تعنى تجميع المعلومات؟
الحاصل أن فلاسفة التنوير قد ارتأوا أن العلوم برمتها ينبغي أن تحاكى علم الفيزياء، ومن هنا يكون لدينا وحدة العلم. ولكن هل معنى ذلك أن القسمة في مجال المعرفة بين الفلسفة والعلم التجريبي تتوارى بلا رجعة؟ جاء جواب كانط- أعظم فلاسفة التنوير- على النحو الآتي: أعترف بلا تردد أن الفيلسوف ا ^




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (44) غياب الفلاسفة فى هذا الزمان   الأربعاء 01 أكتوبر 2014, 12:33 am









 رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (44) غياب الفلاسفة فى هذا الزمان


الثلاثاء 6 من ذو الحجة 1435 هــ 30 سبتمبر 2014 السنة 139 العدد 46684

إثر تدمير مركز التجارة العالمى من قِبل نفر من الأصوليين الاسلاميين فى 11/9/2001 دخل العالم العربى والإسلامى فى تناقض حاد مع العالم الغربي. وبعد ذلك أثير هذا السؤال: هل فى الامكان رفع ذلك التناقض بالحوار؟

 وإثر هذه الإثارة عقدت منظمة اليونسكو التى تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة ندوة دولية فى 20/11/2003 بباريس فى إطار الاحتفال السنوى باليوم العالمى للفلسفة. وكان عنوان الندوة «العالم العربى والعالم الغربي: حوار فلسفى يتجاوز الثقافات». ومعنى هذا العنوان أن الفلسفة هى أساس الحوار. والفلسفة هنا ليس بمعناها الأيديولوجى الذى يتضمن صراعاً بين الثقافات إنما بالمعنى الأصيل وهو أنها من صنع العقل وليست من صنع أى مصدر آخر. ولهذا فالسؤال المطلوب إثارته هو على النحو الآتي: ما العقل؟ وجوابى هو أن العقل قوة معرفية ندرك بها الواقع الخارجى لا على نحو ما هو عليه، إنما على نحو ما تراه هذه القوة بحكم أنها قوة مزودة بأدوات تمكنها من تكوين «علاقات» بين الوقائع. وهذه العلاقات هى من صنعها. ومن هنا نقول عن ذلك الادراك بأنه ادراك عقلاني، وهو بسبب ذلك كفيل بتحريك الوقائع إلى الحد الذى يحدث فيه تغييراً فى الوضع القائم، وهو تغيير يشى بأن ثمة وضعا قادما ليحل محل الوضع القائم. وهكذا ينشئ العقل حواراً بين وضع قائم ووضع قادم.
والسؤال بعد ذلك: هل هذا الحوار الذى يمارسه العقل يتم بلا عائق؟ أظن أن الجواب بالسلب لأن ثمة عائقا اسمه «المحرم الثقافي». وهذا المحرم هو الذى يدفع العقل إلى أن يتوهم، فى لحظة معينة، أنه قد اقتنص حقيقة مطلقة مطابقة لوضع معين وبالتالى يمتنع الحوار. ويقال عن هذه الحالة بأنها حالة متزمتة ومتعصبة، أو بالأدق «حالة أصولية دينية» وهى حالة شاعت فى جميع أديان هذا القرن وفى مقدمتها الأصولية الاسلامية التى تكفر فى حدها الأدنى وترهب وتقتل فى حدها الأقصى. ونخلص من ذلك إلى نتيجة مفادها أنه إذا أريد للحوار أن يتواصل فيلزم إقصاء وهم اقتناص الحقيقة المطلقة. فإذا تحقق الاقصاء استؤنف الحوار. والسؤال عندئذ يكون على النحو الآتي:
ماذا تكون وظيفة المتحاورين؟ أن يكونوا شركاء فى صياغة مشروع مشترك بدلاً من أن يكونوا أعداء فى مشروعات متناقضة، وذلك لأن الشركاء عليهم الاهتمام بمجاوزة الوضع القائم حيث المشروعات متناقضة إلى وضع قادم تتم فيه صياغة مشروع مشترك. وأظن أن ذلك المشروع المشترك هو تحقيق السلام على كوكب الأرض.
والسؤال بعد ذلك:
ما المقصود بالسلام؟
وأجيب بسؤال:
ما العلاقة بين العقل والسلام؟
قد تكون هذه العلاقة بالسلب وقد تكون بالإيجاب.
تكون بالسلب فى حالة توهم العقل أنه قد اقتنص المطلق. وهو يقع فى ذلك الوهم إذا ارتقى بالإيديولوجيا التى تميز مجتمعا عن آخر إلى مستوى المطلق أى إلى مستوى الــ «إيَة» المنغلقة التى تدخل فى تناقض مع «إياَت» أخرى، وبالتالى تدخل فى صراع. والنتيجة الحتمية لذلك الصراع هزيمة الـ «إياَت» حتى لو زعمت «إيَة» أنها المنتصرة. والهزيمة، فى هذه الحالة، تعنى نفى «الإياَت» ومن ثم تدخل البشرية فى مرحلة «اللاإيات» وفى هذه المرحلة يتحقق السلام، إلا أنه سلام مؤقت، إذ سرعان ما تتحول اللاإيَة إلى إيَة جديدة، ومع التطور والدخول فى صراع تتحول هذه الـ«إيَة» بالضرورة إلى «إِيَة» منغلقة يمتنع معها السلام. فاذا كنا نريد سلاماً دائما كان علينا حذف الايديولوجيا. وهذا الحذف ممكن إذا نظرنا إلى النشاط الإنسانى ليس من منظور التعارض مع الطبيعة ولكن من منظور الوحدة بين الانسان والطبيعة، ومن ثم يصبح من الممكن اتحاد المجتمع والطبيعة فى نسق واحد، ويصبح النشاط الإنسانى تفاعلاً بين الجزء وهو الانسان مع الكل وهو الطبيعة. والثورة العلمية والتكنولوجية ارهاص لذلك التفاعل. فبفضل هذه الثورة تحرر الانسان من قيود المكان وحلًق فى الكون مفرزاً وعياً كونياً. وبدون هذا الوعى الكوني، فى العصر النووي، يكون موت الانسان والطبيعة أمراً محتوماً. ومن هذه الزاوية يمكن تحوير العبارة الأخيرة فى المنفستو الشيوعى على هذا النحو: «يا شعوب العالم اتحدوا مع الكون وليس ضد الكون» بدلاً من «يا عمال العالم اتحدوا» التى وردت فى ختام ذلك المنفستو. وعندئذ تكون العلاقة بين العقل والسلام بالإيجاب. وعندئذ أيضا تنهار الأصوليات الدينية التى نشأت فى السبعينيات من القرن العشرين وهيمنت فى القرن الحادى والعشرين، ودفعت العالم العربى والإسلامى إلى الدخول فى صراع مع العالم الغربي. أما الفلاسفة فقد تواروا بسبب دورهم السلبى عندما حصروا الفلسفة فى التحليلات اللغوية وابتعدوا بها عن تأسيس رؤية كونية على نحو ما كانت فى بداية مسارها فى العصر اليونانى القديم، وعندما قالوا عن عصر ما بعد الحداثة أنه نقيض عصر التنوير، أى نقيض العقل، وعندما زعموا أن الأسطورة فى صميم تكوين العقل وليس من سبيل إلى التحرر منها. وليس من قبيل الصدفة أن يصدر كتاب فى عام 2004 عنوانه على هيئة سؤال ساخر: «لماذا لا يوجد فلاسفة» لمفكر فرنسى اسمه جاك بوفريس. وكان جوابه أن الغياب مردود إلى انشغال الفلاسفة بتحليل الأفكار دون ربطها بالواقع ففقدت فاعليتها. وهو نفس السؤال الذى أثاره معى الصحفى والكاتب الملتزم مكرم محمد أحمد، قبل صدور ذلك الكتاب. إلا أن سؤاله لم يكن من قبيل السخرية بل من قبيل الأسى.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتىلـ « القرن الحادى والعشرين» (45) انسيكلوبيديا هندية   الخميس 16 أكتوبر 2014, 1:26 am



 رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (45) انسيكلوبيديا هندية


الثلاثاء 13 من ذو الحجة 1435 هــ 7 أكتوبر 2014 السنة 139 العدد 46691

مع تأسيسى للجمعية الفلسفية الأفروآسيوية فى مارس 1978 كان فلاسفة الهند فى مقدمة المؤسسين والمشاركين فى تطويرها فى اتجاه التنوير وفى مقاومة الأصوليات الدينية،

 وكان فى مقدمة هؤلاء فيلسوف ماركسى مرموق وتوءم فكر فى اتجاه العلمانية، اسمه شاتوباديا. كان رئيس المجلس الهندى للبحوث الفلسفية منذ تأسيسه فى عام 1980. إلا أن تأسيسه لم يكن بالأمر الميسور، فقد واجه مقاومة من جهات متعددة، إلا أن شاتوباديا واجه هذه المقاومة بمثابرة وبلا هوادة، لأنه كان صاحب رؤية مستقبلية يستند فيها إلى ايجاد علاقة عضوية بين الفلسفة والمعارف الانسانية المتباينة، وبين الفلسفة والعلم وبالذات الفيزياء. ودعمته فى هذه الرؤية أنديرا غاندى رئيسة وزراء الهند، إذ كانت متعاطفة مع ماركسية شاتوباديا. فقد أممت البنوك التجارية وشركات التأمين وصناعة الفحم. وفى المقدمة التى حررتها للطبعة الروسية لكتاب نهرو المعنون «لمحات فى تاريخ العالم» قالت «إن الأممية الأصيلة يمكن أن تستند إلى القومية بشرط أن تكون خالية من التعصب والتزمت».

وفى عام 1986 وردت إلى ذهنه فكرة «الانسيكلوبيديا الهندية» بسبب أن تاريخ الهند حافل بالإنتاج فى مختلف مجالات المعرفة الإنسانية. إلا أنه لا يسير فى اتجاه واحد لأنه محكوم بممارسات بشرية مع غياب قانون عام للتاريخ، وبالتالى ليس ثمة فترات تاريخية واضحة المعالم من حيث البداية والنهاية لكل فترة على غرار القول إن ثمة عصرا قديما ووسيطا وحديثا ومعاصرا.


ومن هنا تتداخل الأفكار فى هذه العصور الأربعة، بل إن هذه الأفكار ذاتها يتم تأويلها من قِبل كل جيل فتبدو وكأنها جديدة مع أنها مستمدة من النظر إلى الوراء. ومن هنا أيضا يرى شاتوباديا أن التاريخ ليس معاصراً فقط إنما هو أيضا مستقبلي، ومحوره الصراع بين الطبقات، والصراع بين صدارة الروح أو صدارة المادة. وشاتوباديا ينحاز إلى صدارة المادة بسبب ماركسيته. وفى هذا الاطار أصدر كتاباً فى عام 1959 عنوانه «دفاعاً عن المادية فى الهند القديمة».


وفى عام 1995 أصدرت الحكومة الهندية قراراً بتغيير اسم «المجلس الهندى للبحوث الفلسفية» إلى مؤسسة جديدة اسمها » مشروع تاريخ العلم والفلسفة والثقافة الهندية« على أن يكون رئيسه شاتوباديا. وكانت الغاية منه الكشف عن التراث الهندى برؤية معاصرة تدور حول العلمانية والعقلانية والمنهج العلمي، وعلى تأثيره على ثقافات البلدان الآسيوية.


وعندما واجه شاتوباديا صعوبات مثارة من القوى المعادية أسس «مركز دراسات الحضارة» ونقل إليه المشروع. وفى 3 ديسمبر من عام 2002 تسلمت خطاباً من رئيسة المجلس الهندى للبحوث الفلسفية كيريت غوشى وهى من أتباع شاتوباديا تدعونى فيه إلى المشاركة فى الاحتفال بصدور سبعة وسبعين مجلداً من المشروع، ثم المشاركة فى الندوة التى تقيمها الجمعية الفلسفية الأفروآسيوية بنيودلهى فى أبريل 2003 تحت عنوان «الذات والمجتمع» وتحت رعاية الاتحاد الدولى للجمعيات الفلسفية. والجدير بالتنويه، هاهنا، أن الجمعية الفلسفية الأفروآسيوية قد عقدت ندوة فى نفس المدينة فى 7 ديسمبر من عام 2000 تحت عنوان «النزعة العرقية والهوية الثقافية والحرية». وأظن أن عنوان ندوة 2003 يستلزم تناوله فى إطار ظاهرة جديدة بدأ بزوغها مع بداية القرن الحادى والعشرين وهى ظاهرة «الكوكبية» وهى ظاهرة تستلزم بدورها تناول المسائل الفلسفية التقليدية مثل الحرية والهوية والنزعة العرقية فى ضوئها وإلا فإن تناولها يكون تقليدياً بالضرورة. ومن هنا كان عنوان بحثى فى ندوة 2000 «الصراع الثقافى والكوكبية»، وكان عنوان بحثى فى ندوة 2003 «الذات الكوكبية». وهذا البحث تطوير للبحث الآخر. ومن هنا أثرت سؤاليْن: أحدهما عن الهوية والآخر عن الكوكبية. الهوية تعنى أن الانسان يظل كما هو من غير حدوث أى تغيير، ومن هنا تنشأ العلاقة العضوية بين الهوية والثبات أو بالأدق بين الهوية واليقين لأن اليقين هو المعبر عن الثبات. إلا أن اليقين قد اهتز مع بزوغ مبدأ اللايقين الذى أذاعه العالم الفيزيائى الألمانى فى عام 1927، وبمقتضاه لا يستقيم القول بثبات الهوية، ومن ثم يمكن القول إن الانسان هو وليس هو. وهذا التناقض هو الذى يولَد وعى الانسان بذاته أو وعيه بأنه فى حالة مغايرة مع ذاته، ومن ثم يبزغ الغير أو الآخر. ومن هنا تنفتح الذات على الآخر، ويكون من شأن هذا الانفتاح أن تعى الذات أنها جزء من مكون أكبر منها، وهذا المكون الأكبر هو المجتمع فى البداية ثم يصبح كوكب الأرض. وهكذا تتطور الذات من مغايرة لذاتها إلى مغايرة للمجتمع إلى مغايرة لكوكب الأرض. وهى فى تطورها تسير من الأسطورة إلى العقل إلا أن هذا المسار لا يخلو من عقبات متبلورة فيما أسميه «المحرمات الثقافية». وليس فى الامكان إزالة هذه المحرمات إلا بالانحياز إلى العقل الذى أفرز بدوره الثورة العلمية والتكنولوجية، وهذه بدورها قد أفرزت الكوكبية بمكوناتها الثلاثة: الإنترنت أو الكل المترابط والبريد الإلكترونى والتجارة الإلكترونية. ومن ثم تتطور الذات مع هذا المسار إلى أن تصبح ذاتاً كوكبية. إلا أن الذات لن تصبح كذلك من غير دخول فى صراع مع الذات الفردية والذات الاجتماعية والمفارقة هنا أن الارهاب الكوكبى من شأنه أن يسهم فى إفراز الذات الكوكبية ولكن ليس فى إطار الأسطورة إنما فى إطار العقل. وبهذا المعنى يمكن القول بأن الحضارة الانسانية فى طريقها إلى الانتقال من مركزية المجتمع إلى مركزية كوكب الأرض وبالتالى إلى الترابط وليس إلى التفكك. بيد أن هذا الترابط ليس ممكناً إلا بفضل وحدة المعرفة، إذ بفضلها تنتفى المسافة بين ما هو حى وما هو غير حي.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (46) حق الحياة فى الصدارة   الخميس 16 أكتوبر 2014, 1:31 am



 رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (46) حق الحياة فى الصدارة


الثلاثاء 20 من ذو الحجة 1435 هــ 14 أكتوبر 2014 السنة 139 العدد 46698

فى مدينة القيروان بتونس انعقدت ندوة دولية فى 24 أكتوبر 2001، إثر أحداث 11/9 بنيويورك بأكثر من شهر. وهذه المدينة مشهورة بجامع القيروان الكبير الذى أنشأه الفاتح عقبة بن نافع فى عام 670 هـ.

والجامع مشهور بأنه جامعة علمية وثقافية استطاعت استقطاب العلماء والمفكرين. ومن هنا جاء عنوان الندوة » الفلسفة وحقوق الانسان«. وعندما تُذكر الفلسفة يُذكر العقل. ومن هنا ثانياً يثور التساؤل عن علاقة العقل بأحداث 11/9، وهو تساؤل يتجاوز القيروان كما يتجاوز نيويورك. ومن هنا ثالثاً جاء عنوان بحثى «ابستمولوجيا حقوق الانسان». وهنا يلزم إثارة سؤالين هما على النحو الآتي: ما معنى الابستمولوجيا؟ وما معنى حقوق الانسان؟
نبدأ بالسؤال الأول:

ما معنى الابستمولوجيا؟
هذا لفظ معرب عن اليونانية، وهو مكون من مقطعين: épistêmê بمعنى المعرفة النظرية،
وlogos بمعنى النظرية أو العلم أو العقل. والمقطعان معاً يعنيان نظرية المعرفة على نحو ما هو وارد فى اللغة الانجليزية، أو فلسفة العلوم على نحو ما هو وارد فى اللغة الفرنسية. وأيا كان التباين فى المعنى بين اللغتين فالرأى الشائع أن نظرية المعرفة هى أساس البحث، فهى تبحث فى أصل المعرفة وحدودها. السؤال عن أصلها يعنى البحث فيما إذا كانت المعرفة آتية من العقل أم من الحواس أم منهما معاً. والسؤال عن حدودها يعنى البحث عما إذا كانت المعرفة ممكنة أو التشكيك فى إمكانها. وإذا كانت ممكنة فهل العقل، فى هذه الحالة، يكون قادراً على قنص الحقيقة، أو بالأدق قنص الحقيقة المطلقة؟ وبسبب هذا السؤال ارتبطت المعرفة بالحقيقة المطلقة.
هذا جوابى عن السؤال الأول فماذا عن جوابى عن السؤال الثانى: ما معنى حقوق الانسان؟
إنها تعنى أن للإنسان حقوقاً بغض النظر عن موطنه أو جنسه أو عِرقه أو لغته أو دينه، ومن ثم فهى حقوق طبيعية. وقد روَج لهذا المعنى الفيلسوف الإنجليزى جون لوك من القرن السابع عشر، إذ ارتأى أن للإنسان حقوقاً لا يخلقها المجتمع كما لا يخلقها العرف الاجتماعي. ويأتى فى مقدمة الحقوق الطبيعية حق الحرية من حيث هو أساس العقد الاجتماعى الذى يلتزم الدفاع عن هذا الحق وغيره من الحقوق الطبيعية الأخرى مثل حق المِلكية وحق العمل. وفى مقابل التزام المجتمع بالدفاع عنها كان أعضاء المجتمع ملزمين بالتنازل عما يتنافر من حقوقهم مع حال المجتمع وذلك هو حق الاقتصاص الذى هو مسئولية السلطة القضائية، ومن قبلها مسئولية الدولة فى تحقيق الأمن والأمان.
ثم تطورت نظرية لوك عن العقد الاجتماعى فى «الاعلان العالمى لحقوق الانسان» الذى أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 10/ 12/ 1948 حيث البند الثالث من البنود الثلاثين ينص على حق الحياة والحرية والأمن. إلا أننى أريد إدخال تعديل فى هذا البند بحيث يصبح حق الحياة بنداً قائماً بذاته ويأتى فى صدارة الاعلان وذلك لسببين: السبب الأول أنه بدون الحياة لا حرية ولا أمن ولا أى حق من الحقوق الأخرى. والسبب الثانى أن الأصولى يتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة، وبالتالى يتوهم أن تكون لهذه الحقيقة السيادة، ومَنْ يرفض هذه السيادة يصبح مهدداً لوجود هذه الحقيقة الأمر الذى يتطلب تكفيره فى الحد الأدنى وقتله فى الحد الأقصى. سلب حق الحياة إذن فى صميم «فكر» الأصولي، ومن ثم فقتله مشروع ولازم. وهذا الذى أقوله هو على الضد من القانون الجنائى الذى يشترط «ارتكاب الجريمة» وليس «التفكير» فى ارتكابها، وهو شرط وارد أيضاً فى قانون العقوبات.
والسؤال اذن:

هل من حق الإرهابى الأصولى سلب حق الحياة من الآخر المقاوم له وذلك بقتله؟ وهل يلزم تعديل القانون الجنائى بحيث ينص على سلب حق الحياة من الأصولى قبل أن يفكر فى قتل المقاومين لحقيقته المطلقة؟ أظن أن الجواب بالإيجاب. ولا أدل على ذلك من تأسيس التحالف الدولى ضد الارهاب «داعش». فالتحالف يقتل بلا محاكمة. حق الحياة إذن ينبغى أن يكون فى الصدارة، ولكى يكون فى الصدارة يلزم «غسل العقل» من لوثة الارهاب بحيث يكون لدينا عقل غير ملوث.
والسؤال بعد ذلك:

مَنْ الذى يقوم بتلويث العقل عملياً؟
إنه الوهابية منذ القرن الثامن عشر والاخوان المسلمون منذ القرن العشرين وفروعهما من تنظيم القاعدة إلى داعش مروراً بحزب الله وحماس و بيت المقدس. وأصلهم جميعاً هو ابن تيمية من القرن الثالث عشر. إنه أبو الأصولية فى العالم الإسلامى، إذ هو يلتزم التفسير الحرفى للنص الديني، أى يلتزم إبطال إعمال العقل فى ذلك النص، ومن ثم يرفض تأويله لأنه، فى رأيه، يعنى صرف النظر عن ظاهر ذلك النص والبحث عن باطنه. وهذا أمر لا لزوم له لأن آيات القرآن كلها واضحة فى معناها وليس فيها باطن. ثم إن التأويل، فى رأيه، تحريف لكلام الله، وبالتالى يكون مخالفاً لما أجمع عليه سلف الأمة. ومن هنا يصبح التحالف بين الوهابية والاخوان المسلمين من جهة وحزب النور من جهة أخرى ممكناً بل لازماً، ويصبح حق الحياة فى مهب الريح.
وتأسيساً على ذلك كله يمكن القول بأنه أصبح من اللازم إحداث تغيير فى الاعلان العالمى لحقوق الانسان وفيما تفرع عنه من منظمات أطلقت على نفسها منظمات حقوق الانسان غير الحكومية. والتغيير المطلوب هو أن يكون حق الحياة فى صدارة الاعلان فى مواجهة الارهاب الأصولى الذى أصبح ارهاباً كوكبياً لا يهدد حرية الانسان بل يهدد وجود الانسان. وهذا هو التحدى الذى ينفرد به القرن الحادى والعشرون دون غيره من القرون.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (47)خيانة الحضارة   الثلاثاء 21 أكتوبر 2014, 7:14 pm



رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (47)خيانة الحضارة


الثلاثاء 27 من ذو الحجة 1435 هــ 21 أكتوبر 2014 السنة 139 العدد 46705

«يزهو انسان هذا القرن بأن له عدواً، وبأن عداوته ترقى إلى حد الاعلان عن ضرورة إبادته، وهو على وعى بأنه وهو يبيده إنما يبيد الحضارة». دارت فى ذهنى هذه العبارة وأنا أقرأ كتاباً كان قد أصدره فيلسوف بريطانى اسمه كارل بوبر فى عام 1945، أى إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية تحت عنوان «المجتمع المفتوح وأعداؤه»،

 وكان يقصد أفلاطون من القرن الرابع قبل الميلاد وهيجل وكارل ماركس من القرن التاسع عشر الميلادي. وكان يرى أن الثلاثة معادون للحضارة. والمفارقة هنا أن عدو الحضارة ليس هو رجل الشارع إنما فيلسوف. ومن هنا جاءت عبارته الأولى من مقدمة كتابه على النحو الآتى:
إن هذا الكتاب يثير مسائل قد لا تكون واضحة فى الفهرست. إنه يصور بإيجاز بعض المصاعب التى تواجه حضارتنا، وهى حضارة قد توصف بأن غايتها إشاعة الانسانية والعقلانية والمساواة والحرية. ومع ذلك فهى حضارة مازالت فى مرحلة الطفولة، ولهذا فهى مازالت فى مرحلة التطور بالرغم من خيانة قادتها المثقفة. والكتاب من أجل ذلك يحاول أن يدلل على أن هذه الحضارة لم تتعاف من صدمة مولدها، أى من صدمة الانتقال من المجتمع القبلى أو المجتمع المغلق بما ينطوى عليه من إذعان للقوى السحرية إلى المجتمع المفتوح الذى يحرر القوى الناقدة فى الانسان.والكتاب من أجل ذلك أيضا يحاول أن يدلل على أن الصدمة التى يحدثها ذلك الانتقال هى من العوامل التى أفضت إلى بزوغ هذه القوى الرجعية التى حاولت فيما مضى ومازالت تحاول خلع الحضارة والعودةبها إلى النظام القبلي. والكتاب من أجل ذلك ثالثاً يومئ بأن ما نسميه اليوم نزعة شمولية إنما هى تنتمى إلى حضارتنا قديماً وحديثاً.
أما أنا فأثير السؤال الآتى:

ما مغزى هذه العبارات التى كتبها بوبر فى مقدمة كتابه؟
إنها تعنى خيانة المثقفين أو مَنْ يقال عنهم أصحاب الياقات البيضاء أو أصحاب الجباه العريضة أو إن شئت الدقة قل الفلاسفة على نحو ما يعنيه بوبر.
والسؤال بعد ذلك:

مَنْ هم خونة الحضارة فى القرن الحادى والعشرين؟
إنهم الأصوليون فى كل الأديان بديلا عن الشموليين فى الأنظمة السياسية. وكان يوم 11/ 9 هو يوم خيانة الحضارة عندما حدث انفجار فى مركز التجارة العالمي. والمغزى هنا أن ذلك المركز إنما يمثل أعلى مراحل الثورة العلمية والتكنولوجية، أو بالأدق أعلى مراحل الحضارة الانسانية ومن ثم فتدميره هو تدمير للحضارة. ولكن من الظلم القول بأن الأصولية الاسلامية هى التى انفردت بمحاولة تدمير الحضارة فثمة نفر من أصحاب الجباه العريضة أو بالأدق من الفلاسفة الذين شاركوا بالتمهيد لذلك التدمير، ومن هؤلاء فيلسوفان ألمانيان هما أدورنو وهوركهمير وهما من مؤسسى مدرسة نشأت فى فرانكفورت بألمانيا ولهذا أطلق عليها اسم
«مدرسة فرانكفورت». أصدرا كتاباً فى عام 1943 عنوانه «ديالكتيك التنوير». وإذا كان الديالكتيك ينشغل بالكشف عن المتناقضات فالديالكتيك الوارد فى العنوان إنما يكشف عن التناقض الكامن فى التنوير. فما هو هذا التناقض فى رأى هذين الفيلسوفين؟ فى رأيهما أن التنوير الذى يعنى إعلاء سلطان العقل قد أفرز نقيضه وهواللاعقل المتمثل فى النازية والفاشية فى أوروبا، إذ على الرغم من أن التنوير كان المسئول عن التقدم الاجتماعى والثقافى والمادى إلا أنه كان يحمل فى طياته بذور التراجع إلى أشكال بدائية مضادة. وعلى الرغم من أن العقل هو المفهوم المحورى للتنوير، وأنه أساس الحرية والعدالة والحقيقة بحيث تبدو هذه المفاهيم وكأنها متجذرة فى العقل، أى فطرية، إلا أنه سرعان ما سقط فى المذهب الشكى فلم يبق منه شيء وأصبح بعد ذلك اللاعقل.
وفى عام 1941 نشر هوركهيمر مقالاً فى مجلة «دراسات فى الفلسفة والعلوم الاجتماعية» عنوانها «نهاية عقل»، وفى عام 1946 أصدر كتاباً عنوانه «أفول العقل». ارتأى فى المقال أن المفاهيم الأساسية للحضارة فى حالة تآكل سريع، وكان العقل من بين هذه المفاهيم، إذ لم يعد موضع ثقة وعلى الأخص بعد صعود الفاشية. ومعنى ذلك أن العقلانية أصبحت مخاصمة لذاتها، هذا عن المقال أما عن الكتاب فقد ارتأى فيه أن ثمة علاقة عضوية بين التنوير والتقدم التكنولوجى من جهة وبزوغ البربرية الجديدة من جهة أخرى. ومغزى هذه العلاقة أن التقدم التكنولوجى يصبح خطراً على الحضارة. وهذا هو ما تروج له الأصولية الاسلامية.
ولم تكن مدرسة فرانكفورت هى وحدها المدعمة للأصولية فقد أضيف إليها تيار آخر اُطلق عليه «ما بعد الحداثة» وهو تيار لاعقلانى يرفض التأويل بدعوى أنه يرد الفن إلى معان مجردة ويقيد طاقاته المحررة للإنسان، ومن ثم فإنه يعتبر ثقافة مضادة. وهكذا يمكن القول بأن ثمة سمتين أساسيتين لذلك التيار وهما اللاعقل و رفض التأويل، وهما لا يفترقان لأن مَنْ يرفض العقل يرفض التأويل لأن وظيفة العقل، فى رأيى، لا تقوم فى وصف العالم إنما فى تأويل العالم، إذ العقل ليس صفحة بيضاء يسجل فيه ما يرد إليه من العالم إنما هو قوة فاعلة، أى يضيف من عنده بحيث يرى العالم على نحو مغاير. وإذا كان رفض التأويل هو العلامة المميزة لتيار ما بعد الحداثة فيمكن القول بأن ثمة علاقة عضوية بينه وبين الأصولية الاسلامية من حيث إنها تلتزم حرفية النص الديني، وبالتالى ترفض إعمال العقل.
وتأسيساً على ذلك كله يمكن القول بأن الأصولية الاسلامية وما يماثلها من أصوليات دينية وتيارات فلسفية لا عقلانية كلها موضع اتهام بخيانة الحضارة.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى لـ«القرن الحادى والعشرين» (48) بدوى والإرث الإسلامى   الأربعاء 29 أكتوبر 2014, 1:28 am



رؤيتى لـ«القرن الحادى والعشرين» (48) بدوى والإرث الإسلامى


الثلاثاء 4 من محرم 1436 هــ 28 أكتوبر 2014 السنة 139 العدد 46712

احتفل مركز زايد للتنسيق والمتابعة والمتفرع من الجامعة العربية في ابريل 2003 بفيلسوف عربي هو عبد الرحمن بدوى ( 1917- 2002) وجاء في كلمتي التي ألقيتها نيابة عن المشاركين، في الجلسة الافتتاحية، أن هذا الاحتفال له دلالات أربع: فهو أولاً يدل على وعى المركز بقيمة الفكر الفلسفي وتأثيره في تشكيل العقل.

ويدل ثانياً على جرأة المركز في الاحتفال بفيلسوف عربي اقتحم مجالات فكرية شاع عنها أنها من المحرمات الثقافية، ومع ذلك فهذا الفيلسوف لم يتردد في تناولها وتحليلها ونقدها، وفى دعوة الآخرين إلى السير فيما سار فيه. وهنا تكمن الدلالة الثالثة وهى استجابة ايجابية لدعوة عبد الرحمن بدوى. وأظن أن هذه الدلالات الثلاث وما تنطوي عليه من جسارة تكشف عن دلالة رابعة وهى المسار الذى سار فيه فيلسوفنا العربي، إذ لم يكن مساراً سوياً، بل كان مساراً مضطرباً دفع بصاحبه إلى أن يكون في حالةصدام ، وبالتالي أصبح في حالة هجرة من بلد إلى آخر. وأظن أن كتابه المعنون ز سيرة حياتيس تعبير صارخ عن هذه العلاقة العضوية بين الصدام والهجرة، بل تعبير صارخ عن أزمة المثقف العربي عندما يتحرش بالمحرمات الثقافية.
انتهت كلمتي الافتتاحية وبعد ذلك تساءلت:
ما هو المسار الفلسفي لــــ عبد الرحمن بدوى؟ وما هي هذه المحرمات؟ وماذا فعلت به عندما تحرش بها؟
بداية مساره التنوير. ففي أول كتاب له وعنوانه ز ربيع الفكر اليونانيس( 1943) يقول بدوى في مقدمته ز إن ثمة تشابهاً بين القرن الخامس قبل الميلاد بالنسبة للحضارة اليونانية والقرن الثامن عشر بعد الميلاد بالنسبة للحضارة الأوروبية. وهذا التشابه يتلخص في كلمة واحدة هي
ز التنويرس. وهو يريد إشاعة التنوير في الحضارة الاسلامية على غرار ما حدث في الحضارتين اليونانية والأوروبية.
والسؤال اذن:
ما هي رؤية بدوى لهذا التنوير الذى يريد إشاعته في الحضارة الاسلامية؟
في كتابه المعنون ز من تاريخ الإلحاد في الاسلامس (1945) يتحدث بدوى في تقديمه للكتاب عن التنوير في العالم العربي الإسلامي فيرى أنه مردود إلى انتشار الثقافة اليونانية في ذلك العالم وكان شأن التنوير فيها شأن كل نزعة تنوير تقوم على أساس تمجيد العقل باعتبارهالحاكم الفيصل. و على فكرة التقدم المستمر للإنسانية. وتتصل بتلك الخاصية خاصية ثالثة هي النزعة الانسانية التي ترمى إلى الارتقاء بالقيم الانسانية الخالصة.
والجدير بالتنويه هاهنا أن بدوى يربط في الحضارة العربية الاسلامية بين التنوير والإلحاد فيتحدث عن ابن الراوندى وابن زكريا الرازي، ولكن الجدير بالتنويه أيضاً أن بدوى قد وعد القارئ في مقدمته لذلك الكتاب بأنه سينشر كتباً أخرى في ذلك الاتجاه حتى يكتمل ما يسميه ز الكتاب العام في الالحاد في الاسلامس ولكنه لم يف بوعده فلم يصدر إلا جزءً واحداً من ذلك الكتاب.
والسؤال اذن:
لماذا لم يصدر الأجزاء الأخرى؟
أستعين في الجواب عن هذا السؤال بكتابه المعنون ز الزمان الوجوديس ( 1945). وفى تقديري أن هذا الكتاب ينطوي على إلحاد مقنع. يقول بدوى: ز إننا نقرر هنا صراحة تامة وبلا أدنى مواربة أن كل وجود غير الوجود المتزمن بالزمان وجود باطل كل البطلان. ولما كان الزمان عنده نوعان: زمان فيزيائى وزمان ذاتي فالوجود كذلك نوعان: وجود فزيائى ووجود ذاتي. الوجود الفزيائىهو وجود الأشياء الصلبة في العالم الذى يوجد به الانسان، والوجود الذاتي هو وجود الذات المفردة وهو وجود مستقل بنفسه ويعيش في عزلة تامة. ولهذا فالاتصال معدوم بين الذوات الانسانية، ومع ذلك يمكن اجتياز ما بينها من هوة بواسطة الطفرة، والطفرة لا يخضع تفسيرها للعقل لأنها تتم بلا عقل، أي أنها تتم بوسيلة أخرى غير وسيلة العقل وهى وسيلة الوجدان. وإذا كان التصوف أساسه الوجدان فالتصوف إذن يكون بديلاً عن الفلسفة التي أساسها العقل، ويكون هو الذى يصلح أن يكون ايديولوجيا للعالم العربي الإسلامي. وإذا كان ذلك كذلك فهل ثمة مبررللتفلسف؟ يجيب بدوى عن هذا السؤال في المقدمة التي حررها في كتابه المعنونس التراث اليوناني في الحضارة العربيةس (1940). والكتاب جملة دراسات لكبار المستشرقين انتقاها لكى يدلل على رؤيته عن العلاقة بين الاسلام والغرب والتي أوضحها في المقدمة والتي مع صغر حجمها إذ لا تتجاوز سبع صفحات إلا أنها تستحق الدراسة والتحليل. والمفارقة هنا أن أحداً لم يلتفت إلى تلك المقدمة، وأن أحداً لم ير مغزى انتقاء بدوى لتلك الدراسات. فبدوى يرى أنه ليس في الامكان تحديد طابع الحضارة الاسلامية إلا من موقفها من الحضارة اليونانية.وانتهى من ذلك إلى أن الأولى متباينة عن الثانية أشد التباين. وأهم ما في هذا التباين أن الروح اليونانية تمتاز بأن الفرد يشعر بكيانه واستقلاله أمافى الروح الاسلامية فالفرد لا قيمة له إذ القيمة لمن يعلو على الفرد وهو الذى يفنى فيه الفرد، ومن هنا فإنه لا يمكن تصور الأفكار إلا على صورة الاجماع. ولا يمكن فهم الاجماع إلا على أنه القوة العليا التى يخضع لها الكل . الفلسفة اذن منافية لطبيعة الروح الاسلامية التى لم تفهم طبيعة الروح اليونانية. ومن هنا انتشرت فتوى ابن صلاح الدين الشهرزورى ( مات 643 ه) الخاصة بتحريم الاشتغال بالمنطق لأن مَنْ يشتغل بالمنطق يستحوذ عليه الشيطان. وأظن أن هذا هو السبب الذى دفع بدوى إلى الانشغال بالترجمات أو تحقيق المخطوطات. وهذا هو السبب أيضا الذى يفسر لنا تصادم الحضارات فى هذا القرن.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 15051
نقاط : 25108
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتي لـ القرن الحادئ والعشرين ( 49) العقل العربى ورباعية القرن   الأربعاء 05 نوفمبر 2014, 2:13 am



 رؤيتي لـ القرن الحادئ والعشرين ( 49) العقل العربى ورباعية القرن


الثلاثاء 11 من محرم 1436 هــ 4 نوفمبر 2014 السنة 139 العدد 46719




  كان عنوان المؤتمر الذى عقده المجلس الأعلى للثقافة في يوليو 2003 نحو خطاب ثقافي عربي جديد، وكان عنوان بحثى العقل العربي ورباعية القرن الحادي والعشرين، وهو عنوان من شأنه أن يثير تساؤلاً عن مشروعية الحديث عن عقل عربي
أي عن مشروعية وجود جماعة بشرية تفكر بنمط معين بحيث يقال عن هذا النمط إنه يخص جماعة دون أخرى. وكان جوابي أن هذه المشروعية ممكنة. فقد تحدث مؤسس المدرسة الاجتماعية الفرنسية إميل دوركايم عن عقل جمعي متمايز عن العقول الفردية وإن كان هو جملة هذه العقول إلا أنه يؤلف كلاَ مغايراً. والفيلسوف توماس كُون له مؤلفات أربعة عناوينها على النحو الآتي: العقل الألماني و العقل الروسي الحديث و العقل الفرنسي وعقل افريقيا. وعالم الاجتماع الإنجليزي دبليو إي إبراهام له عقل الانسان البدائى ولكود ليفي شتراوس العقل المتوحش والإسرائيلي رافايل باتاى له العقل العربي وليفي بريل له العقلية البدائية. ومغزى هذه العناوين أنه من المشروع الحديث عن عقل عربي.
والسؤال اذن:

كيف نحدد خصائص العقل العربي؟
نحدده بكيفية مواجهته للتحديات المعاصرة ونختزلها في تحديين: مواجهته للغرب ومواجهته لمكونات الحضارة الانسانية في القرن الحادي والعشرين. بدأت المواجهة الأولى مع غزو نابليون لمصر في 3 يوليو 1798، إذ انتبه لها محمد على فأرسل البعثات إلى فرنسا وكانت أولاها بقيادة رفاعه الطهطاوي الذى ألف كتاباً إثر عودته إلى مصر عنوانه تخليص الإبريز في تلخيص باريز أعلن فيه أنه كان قد ترجم شذرات لمفكري التنوير ولكنه حذر القارئ من قراءتها لأن بها حشوات ضلالية مخالفة للكتب السماوية. وفى عام 1925 صودر كتاب الشيخ على عبد الرازق المعنون الاسلام وأصل الحكم وكُفر لأنه أنكر مشروعية الخلافة الاسلامية متأثراً في ذلك الانكار بنظرية العقد الاجتماعي للفيلسوف الإنجليزي جون لوك التي تقرر أن المجتمع من صنع البشر وليس من صنع السلطة الدينية. وفى عام 1926 أصدر طه حسين كتابه المعنون في الشعر الجاهلي حيث أنكر فيه أساسيات التراث الإسلامي فصودر الكتاب وكُفر صاحبه. وفى عام 1985 هاجم زكى نجيب محمود العلمانية بدعوى أن العلمانية مشروعة في الأديان باستثناء الاسلام لأنه الدين الوحيد الذى ينبذها، لأن المسلم لا يحيا دينه الإسلامي إلا في إطار العلاقة الحميمة بين الدين والدولة.
وتأسيساً على ذلك يمكن القول بأن العقل العربي في القرن العشرين عاجز عن مواكبة الغرب سواء في مساره التنويري أو مساره العلماني فماذا عن استجابته للتحدي الثاني وهو رباعية القرن الحادي والعشرين؟ وقبل الشروع في الاجابة عن هذا السؤال يلزم تحديد مكونات الرباعية وهى الكونية والكوكبية والاعتماد المتبادل والابداع: الكونية هي رؤية الكون من خلال الكون وليس من خلال كوكب الأرض وذلك بفضل الثورة العلمية والتكنولوجية التي أتاحت للبشر السباحة فى الفضاء من أجل الكشف عن القوانين التى تحكم الكون وبذلك يمكن تكوين رؤية كونية علمية. ومن شأن هذه الرؤية أن تفضى إلى رؤية كوكب الأرض من خلال الكون ، وعندئذ يبدو كوكب الأرض كتلة واحدة بلا تقسيمات مصطنعة سواء كانت جغرافية أو سياسية أو ثقافية. وهذه هي الكوكبية التي تُرجمت خطأ بلفظ العولمة ذلك أن هذا اللفظ مشتق من العالم وهو باللاتينية mundus، أي الكون بما فيه كوكب الأرض في حين أن اللفظ الإفرنجي globalization مشتق من اللفظ اللاتيني Globus ومعناه كوكب الأرض. وإذا سلمنا بأن الكوكبية تعنى انعدام الحدود فإن هذا الانعدام يستلزم تدا خل الدول والشعوب في اعتماد متبادل. ولا أدل على ذلك من بزوغ ثلاث ظواهر: الانترنت وتعنى الترابط المتداخل، إذ تسمح بفيضان من المعلومات يتجاوز الحدود فيصعب التحكم فيها بقوانين ذات طابع قومي، ويضعف التمييز بين ما هو عام وما هو خاص. والظاهرة الثانية البريد الإلكتروني الذى يختزل الزمان والمكان في آن واحد. فقد كان الزمان محكوماً بالطبيعة ( أي شروق وغروب) أما اليوم فإدارة الزمان محكومة بالإنسان، وكذلك المكان، أما الظاهرة الثالثة فهي التجارة الالكترونية التي تنطوي على خلق سوق الكترونى يتجاوز الحدود الجغرافية، ويستند إلى لغة مشتركة هي لغة الكمبيوتر.
ومن شأن الاعتماد المتبادل أن يفضى إلى استحالة حل أي مشكلة اقليمية إلا في إطار كوكبي مثل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وانفجار السكان، والارهاب.
بيد أن هذه الثلاثية من كونية وكوكبية واعتماد متبادل تنطوي على تناقضات. فالتناقض في الكونية يكمن في أن الانسان وهو جزء من الكون يعي الكون دون أن يكون الكون وهو الكل واعياً بذاته. والتناقض في الكوكبية يكمن في أن كوكب الأرض وحدة بلا تقسيمات ومع ذلك فالتقسيمات قائمة. والتناقض في الاعتماد المتبادل يكمن في انفصال الدول والشعوب بعضها عن بعض في حين أن أصلها واحد. وهذه التناقضات ليس في الامكان إزالتها إلا بتفكير مبدع. ومن هنا جاء تعريفي للإبداع بأنه قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الواقع. ومن هنا أيضا أضفت الابداع إلى الثلاثية فأصبح لدينا الرباعية.
والسؤال اذن:

هل العقل العربي صالح للتعامل مع هذه الرباعية؟
أظن أن الجواب بالسلب لأن التيار السائد والمتحكم في العالم العربي هو التيار الأصولي الذى يرفض إعمال العقل في النص الديني فيلتزم بحرفيته وبالتالي يرفض العقل المبدع، ومع رفضه يمتنع الابداع، وإذا امتنع الابداع انهارت الرباعية. وإذا انهارت الرباعية خرج العقل العربي عن المسار الحضاري. بيد أن المسار الحضاري أقوى من نقيضه وهو العقل العربي، وبالتالي فإن خروجه لن يمس المسار.




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
رؤيتى للقرن الواحد والعشرين - مراد وهبه ... 1 : الخ
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 4انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
elwardianschool :: المكتبة :: تحميل كتب :: العلوم الاجتماعية (300)-
انتقل الى: