elwardianschool


elwardianschool

مـنـتـدى مـــكـتـبــة مـدرسـة الـورديـان الـثـانـويـة * بـنـيـن...( تعليمى.متنوع.متطور )

 
الرئيسيةالبوابةبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول
نتمنى لكم قضاء وقت ممتعا و مفيدا فى المنتدى

شاطر | 
 

 رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه من 101 : إلخ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه من 101 : إلخ   الثلاثاء 11 يونيو 2013, 9:52 pm






الثلاثاء 2 من شعبان 1434 هــ 11 يونيو 2013 السنة 137 العدد 46208

كما كان مؤتمر شمال كارولينا الذي عقد في عام‏1988‏ محاكمة للمحافظين الجدد في مجال الفلسفة كذلك كان مؤتمر تونس الذي عقد في نفس ذلك العام تحت رعاية المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم

ولكن ليس لمحاكمة تيار فلسفي معين إنما لمحاكمة المسئول عن افراز التيارات الفلسفية برمتها وهو العقل العربي, أي نقده من حيث هو الذي أفرز وضعا فاسدا عليه هو نفسه مجاوزته, الأمر الذي يستلزم نقد هذا الوضع الفاسد نقدا عقلانيا من أجل تأسيس مشروع حضاري عربي يتناغم مع مسار الحضارة الانسانية. فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أن العقل العربي في مأزق.
والسؤال اذن: ما هو هذا المأزق؟
أظن أن المفكر علي أومليل أستاذ علم الاجتماع بالجامعة المغربية و السفير الأسبق إلي كل من مصر ولبنان كان علي وعي بهذا السؤال, ومن هنا يكون جوابه جديرا بالتنويه من أجل الكشف عن أبعاده.
فماذا كان جواب أومليل؟
إنه يثير في جوابه إشكالية النص الديني وهي علي النحو الآتي:
إذا كان المقدس مطلقا واذا كان الواقع المتغير نسبيا فكيف يمكن للمطلق أن يحكم النسبي من غير أن يتلوث بخصائص النسبي؟ وكيف يمكن للنسبي أن يكون محكوما بالمطلق من غير أن يتأثر بخصائص المطلق؟ واذا كان ذلك كذلك فإشكالية النص المقدس تكمن في أن المطلق يمكن أن ينزلق إلي النسبي, وفي أن النسبي يمكن أن يرقي إلي مستوي المطلق.
ويري أومليل أن المفكرين المسلمين كانوا علي وعي بهذه الاشكالية فحاولوا رفع التناقض الكامن فيها وذلك بتأسيس مبحث اسمه أسباب نزول الآيات القرآنية. وقيل في ذلك الشأن أن هذه الأسباب هي في الوقت نفسه من التاريخ وفوق التاريخ. هي من التاريخ بمعني أنها وقعت في فترة معينة, ولكنها تعالت بعد ذلك علي التاريخ فأصبحت أجوبة نهائية. وهكذا أقفل باب تجديد السؤال, وبالتالي تجديد الجواب لأن الجواب قد نطق به مرة واحدة وإلي الأبد, وحمله نص له السلطة المطلقة علي كل الأزمنة اللاحقة. ومع ذلك فان المفارقة هنا تكمن في أن السلطة المطلقة للنص قد أفرزت اختلافا منذ السلف الأول, إذ ادعي كل مفكر بأنه وحده العليم بكنه النص الديني وأن خصومه ليسوا مجرد أناس اختلفوا معه, بل هم المخالفون للنص. وهذا هو ما يسميه أومليل التطرف الديني أو الطغيان. ومعني هذه التسمية أن للطغيان فقاءه وفي مقدمتهم القاضي النعمان بن محمد الذي كان قاضي القضاة في الدولة الفاطمية. ويري أومليل أن القاضي أو الفقيه الطاغية مازال حيا في هذا الزمان ومتجسدا فيما يسمي الجماعة الاسلامية.
وأنا هنا أوثر لفظ الأصولية علي لفظ التطرف الديني علي نحو ما هو وارد عند أومليل لأن لفظ الأصولية مشتق من الأصول. واذا اتسمت الأصول باليقين المطلق فان العقل الإنساني يصاب بالدوجماطيقية التي تعني توهم امتلاك الحقيقة المطلقة. ومن ثم تصبح اشكالية العقل العربي تكمن في هذا التناقض بين الواقع والوهم. فالواقع الذي نحياه هو نسبي بالضرورة لأن العقل الإنساني الذي يحياه هو نسبي أيضا. ولهذا فليس من المشروع أن يقفز العقل من النسبي إلي المطلق, أي عليه أن يظل متحركا في مجال النسبي. ومن هنا جاء تعريفي للعلمانية بأنها التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق. وبهذا المعني للعلمانية نشأ الاصلاح الديني في أوروبا وتم تتويجه بعقلانية التنوير التي أفصح عنها الفيلسوف الألماني العظيم عمانوئيل كانط في مقاله الشهير المنشور في عام1784 والمعنون جواب عن سؤال: ما التنوير؟ وكانط له عبارة مشهورة ومأثورة في ذلك المقال: كن جريئا في إعمال عقلك, وكان يعني بها أن العقل سلطان ذاته. وهكذا تحققت العلاقة العضوية بين العلمانية والعقلانية, بمعني أن العقلانية تستلزم العلمانية, أي لا عقلانية بلا علمانية. ومن هنا جاء عنوان بحثي العقلانية العربية والعلمانية.
والسؤال بعد ذلك:
اذا لم تتوافر هذه العلاقة العضوية فماذا يحدث؟

يولد القاضي النعمان بن محمد. وفي مجال الفلسفة كان اسمه الإمام الغزالي والكتاب الملازم لشهرته عنوانه تهافت الفلاسفة, وقيمته التاريخية تكمن في أنه كان تعبيرا عن نهاية الفلسفة في العالم الإسلامي, إذ فيه كفر الغزالي الفلاسفة المسلمين ومن بينهم الفارابي وابن سينا. وجاء ذلك التكفير في مفتتح كتابه بسبب تأثرهم بفلاسفة اليونان من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو, مع أن هؤلاء كان همهم الأكبر إعمال العقل من أجل اقتناص الحقيقة. ومعني ذلك أن تكفير هؤلاء معادل لتكفير إعمال العقل من أجل التمهيد لسيادة نقيض العقل وهو اللاعقل, وقد كان.
وإذا أردت مزيدا من الفهم فاقرأ حكم المحكمة الدستورية العليا في شأن بطلان مجلس الشوري الذي يتولي سلطة التشريع وبطلان قانون معايير تشكيل الجمعية التأسيسية التي وضعت دستور مصر قبل خمسة أشهر والصادر في9/25/.2013 إلا أن ذات الحكم يقرر امتناع تنفيذه بحكم تصادمه مع المادة230 من الاعلان الدستوري المشار إليه سالفا. ومن هذه الزاوية يمكن القول بأن ذلك الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا هو حكم تاريخي لأنه يصف حالة اللاعقلانية السائدة في زمن الاخوان.








الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه 102   الثلاثاء 18 يونيو 2013, 9:45 pm



 
  
 
 الثلاثاء 9 من شعبان 1434 هــ 18 يونيو 2013 السنة 137 العدد 46215
 
 
   
  إذا قيل عن عام‏1988‏ إنه بداية صراع ثقافات بديلا عن صراع طبقات وإذا كانت بداية صراع الثقافات مع المحافظين الجدد في أمريكا ومع فقهاء السلطة في البلدان العربية فهل ثمة جديد يمكن أن ينبثق عن ذلك الصراع؟
 
 وإذا انبثق هذا الجديد فكيف ينبثق؟ هل ينبثق آليا أم ينبثق في مواجهة تحد معين؟ وإذا كان ذلك كذلك فالسؤال اذن: ما هو هذا التحدي؟ وتأسيسا علي ذلك السؤال انعقد مؤتمر فلسفي عربي أوروبي في تونس في شهر ابريل من عام1988 وكان موضوعه الفلسفة... تحديات منها وإليها.
وأظن أن بحث محمد عبد الهادي أبو ريده أستاذ الفلسفة الاسلامية بجامعة القاهرة وموضوعه تحديات منها وتحديات إليها في الاسلام هو البحث المحوري في ذلك المؤتمر, إذ هو يري أن الالحاد هو التحدي الحقيقي للفكر الإسلامي, ولهذا فان رفض الالحاد هو معيار صدق علم الكلام والفلسفة. وقد قام المعتزلة بهذه المهمة مع بداية تأسيسهم لعلم الكلام, إذ هم أول من كفر الفلسفة اليونانية لأنها تقول بأزلية المادة واستقلال الطبيعة بأفعالها. وكذلك فعل الأشاعرة. وعندما أراد ابن رشد أن يتفلسف علي النمط اليوناني كفر وأحرقت مؤلفاته. وأبو ريده نفسه هو علي شاكلة المعتزلة والأشاعرة, فهاجس الالحاد يهيمن علي عقله إلي الحد الذي يقول فيه إن نشأة علم الكلام مردودة إلي ظاهرة الالحاد. ولا أدل علي ذلك, في رأيه, من أنه عندما انقرض الملاحدة المبدعة في زمن ابن خلدون تواري علم الكلام, ولكنه ظهر مرة أخري مع بزوغ مذاهب مادية لا دينية وأخري الحادية إلي أن جاءت الحضارة الحديثة بانحرافاتها وتنصلت بعض الدول من الدين. وتأسيسا علي ذلك فانه يمكن القول بأن الالحاد هو المولد للفلسفة, وإذا بطل بطلت الفلسفة لأنه لا شأن للفلسفة بغير هذه القضية. وكان من شأن هذه الرؤية أن أسهمت في دفع الجماهير إلي كراهية الفلسفة, ودفعها للسلطة السياسية إلي مطاردة الفلاسفة بل إلي اعدامهم علي نحو ما حدث لابن المقفع والحلاج والسهروردي, وذلك من أجل المحافظة علي الوضع السياسي القائم وعلي المشاعر الدينية السائدة. وكان الخليفة باعتباره أميرا للمؤمنين وقابضا علي السلطتين الروحية والزمانية ملزما بالانصياع لعقلية الجماهير فقام هو أيضا باضطهاد الفلاسفة. وإذا كانت الأضداد في تماس فقد تولد عن ذلك الاضطهاد تيار تحرري يقع خارج العقيدة وهو تيار الزندقة ويمثله ابن الراوندي وابن زكريا الرازي.
 
 
 
وفي نهاية بحثه أشار أبو ريده إلي أن اللغة العربية لغة مقدسة لأنها اللغة التي اختيرت للتعبير عن التعليم الإلهي. ومن هنا جاء التناقض بين علم الكلام والفلسفة. وكان هذا التناقض هو الفكرة المحورية في بحث مقداد منسية أستاذ الفلسفة الاسلامية بجامعة تونس. وسبب ذلك التناقض مردود إلي أن العقلانية ملازمة للفلسفة أما علم الكلام فينقصه البرهان المنطقي. وهذا النقص مردود إلي خشية علماء الكلام من الخروج علي عقيدة التوحيد. وهذه الخشية واضحة في تناول مفهوم الطبيعة. فالطبيعة عند الفلاسفة هي علة الظواهر, أما عند علماء الكلام فالله هو علة الطبيعة وعندئذ يكون لدينا ازدواجية في السببية: سببية الطبيعة وسببية الله.
والسؤال اذن:
هل علم الكلام هو المضاد الحيوي لقتل جرثومة التفلسف؟
أظن أن هذا السؤال كان هو الدافع وراء صياغة عبد السلام بنعبد العالي أستاذ الفلسفة بجامعة المغرب لبحثه المعنون ما في فلسفتنا يتحدي الفلسفة؟ وكان جوابه أن فهمنا للفلسفة ولتاريخها هو العائق الذي يتحدي ظهور فكر فلسفي في عالمنا العربي. وهذا الفهم يدور علي أننا نتفلسف في إطار أنسقة مغلقة وجاهزة وعلينا أن نختار من بينها نسقا واحدا ندخل فيه, ومن ثم يمتنع ابداع العقل العربي في ميدان الفلسفة.
هذا عن تحديات الفلسفة للعقل العربي فماذا عن تحديات الفلسفة للعقل الأوروبي؟ حيث إن اللغة عند العقل الأوروبي ليست مقدسة فالأبحاث تناولت علاقة اللغة بالعالم سواء كانت اللغة علمية أو جماهيرية ومن هنا أهمية بحث كونولورنتز( النمسا). فقد ارتأي هذا المفكر أن الفلسفة الحديثة تفصل بين اللغة والعالم, وهي في هذا الفصل ينبثق عنها أكثر من تيار فلسفي, وهي تيارات متناقضة وخالية من التكفير, إذ ليس ثمة مقدس في البحث الفلسفي الأوروبي.
واذا أردت مزيدا من الفهم فانظر إلي حال الفلسفة في مصر. فقد ألغيت مرتين من المرحلة الثانوية. المرة الأولي في عام1960 عندما كان كمال الدين حسين الملتزم بفكر الاخوان المسلمين وزيرا للتربية والتعليم, والمرة الثانية في عام2013, أي في زمن استيلاء الاخوان علي السلطة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 








الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه 103 بتاريخ 25/6/2013   الثلاثاء 25 يونيو 2013, 11:39 pm



 

 



 

 

الثلاثاء 16 من شعبان 1434 هــ 25 يونيو 2013 السنة 137 العدد 46222





 



 

  في عام‏1988‏ ارتأيت أن الصراع المقبل لن يكون صراع طبقات ولا صراع ثقافات إنما صراع أصوليات‏.‏



وكانت بداية رؤيتي لذلك الصراع في النصف الثاني من السبعينيات من القرن العشرين بسبب استعانة الرئيس السادات بالحركات الاسلامية علي تباين رؤاها من أجل الإسهام في القضاء علي الأحزاب الناصرية واليسارية والشيوعية في إطار خطة أمريكية للقضاء علي الشيوعية الأممية. فقد أصدر الرئيس الأمريكي جيمي كارتر قرارا في يناير1979 بتدعيم حركة طالبان الأفغانية في حربها ضد الغزو السوفيتي. وفي ذلك العام تحولت ايران من دولة ملكية إلي دولة أصولية اسلامية بقيادة الزعيم آية الله خوميني. وفي ذلك العام نفسه أيضا أبرمت المعاهدة المصرية الإسرائيلية برعاية أمريكية خالصة بعد استبعاد الاتحاد السوفيتي وبموافقة الرئيس السادات المدعوم من الأصولية الاسلامية والرئيس بيجن الأصولي علي الأصالة.
وإثر ذلك تبلورت رؤيتي للصراع المقبل علي هيئة ندوة دولية اقترحت عقدها في المؤتمر العالمي الثامن عشر الفلسفي بمدينة بريتون بإنجلترا في ذلك العام أيضا, وكان عنوان الندوة الأصولية والعلمانية في الشرق الأوسط. والذي دفعني إلي هذه الصياغة هو هيمنة أصوليات ثلاث يهودية ومسيحية واسلامية علي الصراع العربي الإسرائيلي, وأن هذه الهيمنة ليس في الامكان التحرر منها إلا بالعلمانية.
والسؤال اذن: لماذا العلمانية خاصة؟
جوابي مردود إلي تعريفي كلا من الأصولية والعلمانية. فاذا كانت الأصولية هي التفكير في النسبي بما هو مطلق وليس بما هو نسبي فالعلمانية هي التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق, والتناقض بينهما حاد, بمعني إقصاء كل منهما الآخر. ومعني ذلك أننا إذا قررنا التحرر من هيمنة الأصولية فالعلمانية هي الوسيلة الحتمية.
وتأسيسا علي ذلك يمكن القول بأن انفراد الأصوليات بالهيمنة يعني استحالة الدعوة إلي السلام لأن السلام لا يتحقق إلا بالمفاوضات علي نحو ما هو وارد في تاريخ الحروب.



والمفاوضات تستلزم الانصياع لتنازلات من قبل الطرفين المتحاربين. والتنازلات تقتضي هز ما كان ثابتا أو بالأدق ما كان يبدو أنه مطلق. ومن هنا يمكن القول بأنه من غير العلمانية فإن السلام لا يستقيم. ومن هنا أيضا جاء عنوان بحثي المطلق الأصولي والعلمانية في الشرق الأوسط. بيد أن هذا العنوان لا يعني أن الأصولية والعلمانية محصورتان في الشرق الأوسط, فهما ظاهرتان كوكبيتان, ولكنه يعني اتخاذ منطقة الشرق الأوسط نموذجا لفحص هاتين الظاهرتين.
واللافت للانتباه في أمر هذه الندوة أنها تزامنت مع قرار أصدرته الأكاديمية الأمريكية للآداب والعلوم بمنح جامعة شيكاغو مليونين ونصف مليون دولار لدراسة الأصوليات الدينية في القرن العشرين علي أن تصدر هذه الدراسة في خمسة مجلدات في خمس سنوات بمعدل مجلد كل عام, وقد كان.
والسؤال بعد ذلك:أين يكمن خطر الأصوليات الدينية؟
يكمن في أنها مطلقات, والمطلقات بالضرورة في حالة صراع إن لم تكن في حالة حرب لأن المطلق بحكم تعريفه هو واحد بالضرورة ومن ثم فهو لا يقبل التعدد, وإذا تعدد فإن مطلقا واحدا هو الذي يشتهي أن يسود. ومن شأن تحقيق هذه السيادة اشتعال الحروب. وقد بلور فيلسوف الثورة الايرانية علي شريعاتي هذه المسألة في كتابه المعنون في سوسيولوجيا الاسلام
(1979) حيث يقرر أن قصة هابيل وقابيل هي قصة التاريخ البشري, أي قصة الحرب التي اشتعلت منذ بداية الخليقة ومازالت مشتعلة إلي اليوم. فقد كان الدين هو سلاح كل من هابيل وقابيل. ولهذا السبب فحرب دين ضد دين هو العامل الثابت في تاريخ البشرية, وإن شئنا الدقة قلنا إنه حرب الذين يشركون بالله ضد حرب التوحيد. وإذا كانت أسس الاسلام هي التقية والخضوع للإمام والاستشهاد فالاستشهاد, في رأي شريعاتي, هو أهمها لأنه المبدأ الذي يدفع المسلم إلي الحرب من غير تردد. ومن هذه الزاوية فإن الموت لا يختار الشهيد, إنما الشهيد هو الذي يختار الموت عن وعي. والمسألة هنا ليست مسألة تراجيديا إنما هي مسألة نموذج يحتذي لأن الشهادة بالدم أرفع درجات الكمال. ومعني ذلك أن المسلم الحق هو الشهيد المناضل.
وإذا أردت مزيدا من الفهم فانظر إلي ما هو حادث في الشرق الأوسط الآن فماذا تري؟ أصوليات في حالة تهديد بالحرب أو في حالة حرب, وهي علي النحو الآتي: أصوليات في غزة والسودان وجنوب لبنان وايران وسوريا وليبيا والجزائر وتونس, وعلمانية في اسرائيل تدلل أصولية يهودية دون أن تكون محكومة بها, وعلمانية في حالة كسوف في الضفة الغربية. وقوي خارجية مترنحة في مواجهة هذه الأصوليات, إذ تراها ارهابية ولكنها عاجزة عن مواجهتها فتتهم بأنها متآمرة. وحركة تمرد في مصر في مواجهة أصولية اسلامية دموية متجذرة وحاكمة ومتداخلة مع الأصوليات الراهنة.



 

 

 






الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: مراد وهبه - رؤيتى للقرن العشرين 104   الثلاثاء 02 يوليو 2013, 11:39 pm


 
 

 
الثلاثاء 23 من شعبان 1434 هــ 2 يوليو 2013 السنة 137 العدد 46229

 
 صراع طبقات فصراع ثقافات وأخيرا صراع أصوليات‏.‏ والسؤال اذن‏:‏ هل تعني هذه السلسلة من الصراعات أن الصراع سمة الحضارة الانسانية؟
 
 
كان جواب الفيلسوف اليوناني هرقليطس(544-483 ق.م) بالإيجاب, لأن الصراع, في رأيه, هو أبو الأشياء وملكها. يجعل البعض آلهة وأبطالا, ويجعل البعض الآخر بشرا, ويحيل البعض عبيدا, كما يجعل غيرهم أحرارا. أما في الزمن المعاصر فقد جاء الجواب بالسلب في مؤتمر عقد في فارنا ببلغاريا في عام1989 تحت عنوان شركاء معارضون لا أعداء. وقد اختير هذا العنوان إثر تفاهم بلغاري أمريكي تم إثر انتهاء مؤتمر جمعية الفلاسفة الدوليين لمنع الانتحار البشري نوويا الذي انعقد في سانت لويس بأمريكا في عام.1986 وقيل حينها إن موضوع مؤتمر فارنا هو من قبيل اليوتوبيا التي تعني حرفيا ما لا يوجد في أي مكان ويراد بهذا المعني كل فكرة لا تتصل بالواقع أو لا يمكن تحقيقها. ولكن اليوتوبيا, في جوهرها, رؤية مستقبلية مجاوزة للواقع. واذا كان ذلك كذلك فيبقي بعد ذلك التساؤل عما إذا كانت هذه المجاوزة تستند إلي معطيات علمية, فاذا كانت فهي قابلة للتحقيق, وإذا لم تكن فهي وهم.
والسؤال اذن: أين الوهم وأين الواقع في رؤي فلاسفة ذلك المؤتمر الذي ينشد عالما بلا عداوة؟

أنتقي من أبحاثهم بحثا محوريا للفيلسوف البلغاري نيكولاي ايريباجاكوف, إذ كان حينها رئيسا لمجلة العصور الحديثة ورئيسا للجمعية الفلسفية البلغارية. يري ايريباجاكوف أن العصر الراهن هو عصر إعادة بناء الفلسفة. وهذا الرأي منقول من عنوان كتاب للفيلسوف الأمريكي جون ديوي وهو إعادة بناء الفلسفةس(1920).
والسؤال اذن: لماذا يعاد بناء الفلسفة؟
لأن ثمة ثورة في العلم والتكنولوجيا مع رؤية جديدة للقيم الانسانية, كما أن ثمة مشكلات مشتركة نشأت بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي مع إمكان العثور علي حلول مشتركة لأن الفلاسفة, في المقام الأول, هم موجودات انسانية عاقلة. وإذا كان ذلك كذلك فالصراع له نهاية ولكن نهايته مشروطة ببداية الحوار. إلا أن بؤس الفلسفة كامن في أن بعض مشاهير الفلاسفة لا ينشغل بالحوار. أمثلة لثلاثة فلاسفة: فتجنشتين وهيدجر ورسل.
الأول وهو فتجنشتين فيلسوف نمساوي يري أن مهمة الفلسفة توضيح معاني اللغة العلمية. وقد أحدثت فلسفته تأثيرا علي حلقة فيينا ومفادها أن الفكرة تكون صادقة اذا كان لها مقابل في العالم الخارجي. وبناء عليه رفضت القول بأن ثمة ايديولوجيا علمية مثل الماركسية لأن الايديولوجيا نسق من القيم والقيم ليس لها مقابل في العالم الخارجي. والثاني وهو هيدجر فيلسوف ألماني يري أن الفلسفة عاجزة عن الاجابة عن قضايا العصر. أما الثالث وهو برتراند رسل فيلسوف إنجليزي فيري أن الفلسفة بلا مستقبل لأن العلوم الطبيعية والاجتماعية كفيلة بحل مشكلات البشر.
والمفارقة هنا أن الفلاسفة السوفييت أنفسهم قد رفضوا الحوار مع سارتر عندما أصدر كتابه المعنون نقد العقل الديالكتيكي(1960) حيث أعلن إمكان عقد قران بين الماركسية والوجودية. وكانت حجتهم في الرفض أن نقطة البداية عند كل منهما في حالة تناقض حاد. فنقطة البداية عند سارتر الانسان الفرد أما عند الماركسية فهي المجتمع لأن الانسان بحكم تعريفها هو جملة علاقات اجتماعية.وقد أوضحت ذلك التناقض الحاد لايريباجاكوف بحكم الحوار الذي أجريته مع الفلاسفة السوفييت في الفترة من أكتوبر1968 إلي أكتوبر.196 وكان رأيي حينها أن ذلك التناقض الحاد مردود إلي تحكم دوجماطيقية ستالين في الذهنية السوفييتية, أي محكومة بمعتقد مطلق يمتنع تطويره.
كان تعليق الفيلسوف السوفييتي ليو ميتروخين أن الفلسفة السوفييتية مستعدة الآن لعقد القران, ولكن المشكلة تقوم, في رأيه, فيما إذا كانت هذه الفلسفة هي الزوج أو الزوجة. وإذا كانت هي الزوج فهل هذا الزوج خاضع لنظام تعدد الزوجات أم خاضع لنظام الزوجة الواحدة؟
والسؤال بعد ذلك: هل كان متروخين ساخرا في ذلك السؤال؟
أظن أنه كان كذلك لأن الفلسفة الماركسية كنظام سياسي انتهت وذلك بسبب دوجماطيقيتها, أي بسبب توهمها أنها مالكة للحقيقة المطلقة. ومع دوام التوهم دوام الصراع. وإذا أردت مزيدا من الفهم فانظر إلي حال نظام الحكم في مصر فماذا تري؟ تري نظاما محكوما بجماعة الاخوان المسلمين التي تتوهم أنها مالكة للحقيقة المطلقة, ومن ثم تدخل المجتمع برمته في صراع محتوم.

 
 
 
 
 
 
 
 






الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتي لــ القرن العشرين‏(105)‏   الثلاثاء 09 يوليو 2013, 9:42 pm


 
 
الثلاثاء 30 من شعبان 1434 هــ 9 يوليو 2013 السنة 137 العدد 46236

بعد صدور قرار الأكاديمية الأمريكية للآداب والعلوم بمنح جامعة شيكاغو مليونين ونصف مليون دولار في عام‏1988‏ لدراسة الأصوليات أيا كانت سمتها الدينية‏


وبعد الندوة الدولية عن الأصولية والعلمانية في الشرق الأوسط والتي أشرفت علي تنظيمها أثناء انعقاد المؤتمر الفلسفي العالمي الثامن عشر بمدينة بريتون بانجلترا في نفس ذلك العام كان من اللازم إثارة السؤال الآتي: ما مدي تأثير الأصولية الاسلامية علي العلاقة بين العالم الاسلامي والغربي؟
وأظن أن الدافع وراء هذا السؤال مردود إلي الثورة الأصولية الايرانية التي اشتعلت في عام1979 وإلي اغتيال الرئيس السادات من قبل الأصولية الاسلامية. وحيث إن التنوير علي علاقة تناقض حاد مع الأصوليات بسبب رفضها لإعمال العقل في النص الديني فقد ترتب علي ذلك رفض الأصوليات للحداثة لأن الحداثة هي ثمرة التنوير. وحيث إن الحداثة معادلة للثورة العلمية والتكنولوجية التي هي ضمير القرن العشرين فان الأصوليات, في هذه الحالة, يمكن اعتبارها نتوءا في مسار الحضارة الانسانية. ومن هذه الزاوية يمكن الكشف عن الطبقة الاجتماعية المسايرة لهذا النتوء الثقافي. وهذه الطبقة لا يمكن أن تكون طبقة رأسمالية مستنيرة. فهي اذن طبقة رأسمالية غير مستنيرة, وأنا أطلق عليها مصطلح رأسمالية طفيلية لأنها تتصاعد ثراء بطريقة صاروخية بسبب تعاملها مع كل ما هو طفيلي مثل تجارة المخدرات والسوق السوداء وشركات توظيف الأموال. ومن هذه الزاوية أيضا يمكن القول بأن الرأسمالية الطفيلية تدخل في علاقة عضوية مع الأصوليات الدينية بسبب أن كلا منهما ضد المسار التنويري للحضارة الانسانية. ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن ينعقد المؤتمر الدولي الخامس عشر للجمعية الأمريكية للفلسفة الاجتماعية بمونتريال بكندا في عام1989 تحت عنوان الثورة والعنف والعدالة.
ومن الشائع أن المؤتمرات التي تعقدها هذه الجمعية تنشد إجراء حوار خلاق حول أهم القضايا المثارة في مجال الفلسفة الاجتماعية. وقد نشرت أبحاث منتقاة من ذلك المؤتمر في عام1990, وكان عنوان بحثي المنشور مثل التنوير في هذا الزمان. فكرته المحورية أن هذه المثل تدور علي مبدأ واحد هو سلطان العقل,
وعلي أن الأصولية الاسلامية تري أن هذا السلطان هو الجهل ذاته, وأن القضاء عليه أمر لازم, إلا أن هذا الأمر اللازم لا يمكن أن يتم إلا بالحرب, والحرب قائمة بالفعل منذ زمن هابيل وقابيل ومازالت قائمة حتي هذا الزمان إلي أن يتمكن دين التوحيد من كوكب الأرض.
وفي نفس عام1989 انتخبت عضوا في الأكاديمية الانسانية وكانت حينها مكونة من ستين عضوا من كبار الفلاسفة والعلماء الذين يتسمون بأربع خصائص هي علي النحو الآتي:
< الالتزام بمبادئ البحث الحر في جميع مجالات المعرفة الانسانية.
< الالتزام بالرؤية العلمية وإعمال العقل في إطار المنهج العلمي من أجل معرفة هذا الكون.
< احترام حقوق الانسان والتسامح مع وجهات النظر الأخري والانحياز إلي العدالة الاجتماعية, وإلي رؤية كونية تتجاوز الحواجز القومية والعرقية والدينية.
التميز بالابداع في البحث العلمي والفني والأدبي.
وقد تأسست هذه الأكاديمية في عام1983 بمناسبة مرور خمسة قرون علي محاكم التفتيش وثلاثة قرون ونصف قرن علي محاكمة
جليليو
.
واللافت للانتباه هاهنا أنه في نفس عام1989 الذي انتخبت فيه عضوا في الأكاديمية الانسانية تم تعييني عضوا في الهيئة العلمية للجامعة العالمية للعلوم الاسلامية ومقرها لندن مع طلب بابداء رأيي فيما جاء بكراسة موجزة عن هذه الجامعة. وجاء رأيي علي النحو الآتي:
إن الأصالة في الفكر الاسلامي والعمق لدي علماء المسلمين كان العامل الرئيسي لتطور العلوم وتقدمها لقرون عديدة, وأن الغرب اقتبس كثيرا من العلوم في حقول الثقافة والفن. ومعني ذلك أن الأصالة لم تكن تعني إقصاء الآخر بل تعني تطويره. والحضارة الاسلامية بالفعل قد خصبت الحضارة الغربية بالفلسفة والعلم ولكنها توقفت بعد ذلك عن التخصيب. والرأي عندي أن هذا التوقف مردود إلي أسباب ذاتية وموضوعية. والمطلوب التركيز علي الأسباب الذاتية وبالأخص علي القرن الثاني عشر حيث كانت الفلسفة مضطهدة في قرطبة وبالذات فلسفة ابن رشد. ومن هنا يكون من اللازم توجيه العلوم الاسلامية في الاتجاه الذي يسمح لها بتخصيب الحضارة الاسلامية للحضارة الغربية مرة أخري.



 
 
 




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين 106   الثلاثاء 16 يوليو 2013, 9:34 pm


 
 
الثلاثاء 7 من رمضان 1434 هــ 16 يوليو 2013 السنة 137 العدد 46243


 


 


 

في عام‏1989‏ تزاحمت الأفكار في ذهني بحكم شيوع الصراعات سواء كانت أصولية دينية مناهضة للعلمانية أو ثقافية تدور حول أزمة الهوية‏.‏


بدأت الحفر حتي أتلامس مع جذور هذه الصراعات فوجدت أنها متمركزة في الدوجماطيقية, أي في توهم امتلاك الحقيقة المطلقة.وجاء السؤال بعد ذلك علي الوجه الآتي: لماذا يقع الانسان في هذا الوهم؟
بحكم طبيعة العقل الإنساني, إذ هو يشتهي اقتناص المطلق حتي يشعر بالأمن والأمان, إلا أن هذا الاشتهاء ليس في الامكان تحقيقه لأن العقل بحكم أنه إنساني الطابع فمعرفته نسبية بالضرورة. ومع ذلك فثمة فلسفات تتخذ من المطلق نقطة البداية وترتب عليه ما يطيب لها من أفكار, ويؤسس عليها رجال الحكم أنظمة سياسية تتسم بالقهر والطغيان فيقال عنها عندئذ إنها إما نازية أو فاشية أو شيوعية أو أصولية وهي كلها تقع تحت بند الدوجماطيقية التي تفرز التعصب بالضرورة. والسؤال عندئذ:
إذا كانت الدوجماطيقية آفة البشرية فكيف يمكن التحرر منها ؟
كان جوابي في عام1989 أن الابداع هو الوسيلة وليس من وسيلة سواها فعقدت ندوة بالقاهرة عنوانها الابداع والتعليم العام وبمشاركة من وزير التربية والتعليم الأستاذ الدكتور فتحي سرور الذي أعلن فيها أن مجال التعليم هو مجال متخلف وعلينا اقتحامه بفكر غير تقليدي نؤثر فيه الابداع علي الاتباع, وبالتالي نؤثر فيه التقدم علي التخلف, ومصر في حاجة إلي هذا اللون من التفكير. ويترتب علي ذلك ضرورة تغيير أسلوب التعليم الذي يعتمد علي التلقين والحفظ. فالمدرس يلقن الطالب الحقيقة المطلقة في كل مجال من مجالات المعرفة, وما علي الطالب بعد ذلك سوي حفظ مجموعة من الحقائق المطلقة من غير نقد لها فيغتال العقل الذي هو في جوهره مبدع. ولا أدل علي ذلك من أن سبب نشأة الحضارة مردود إلي أن الانسان حيوان مبدع, إذ هو الذي ابتدع التكنيك الزراعي الذي يسمح بتحويل بيئة غير زراعية إلي بيئة زراعية. ومن هنا جاء تعريفي للإبداع علي النحو الآتي: هو قدرة العقل علي تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الوضع القائم. ومعني هذا التعريف أن الجدة لا تكفي لكي يقال عن الانسان إنه حيوان مبدع بل لابد من ملازمة التغيير للجدة. وعلي هذا النحو شاع مفهوم الابداع إلي الحد الذي طالبت فيه بعض المدارس الخاصة بتدريب مدرسيها وطلابها علي الابداع, كما وافق معهد جوته بالقاهرة علي عقد خمس ندوات عن الابداع.
في ذلك العام, عام1989, التقيت العالم النفسي هانس أيزنك(1916-1997) بريطاني الجنسية من أصل ألماني وكاره للنازيةوكان أستاذا لعلم النفس بمعهد الأمراض العقلية بالكلية الملكية بلندن. وقد تم اللقاء بترتيب من المجلس البريطاني بالقاهرة لإجراء حوار معه حول مشروعي عن الابداع والتعليم العام. وفي بداية الحوار أعلن أيزنك رفضه للمشروع بدعوي أن تعريفي للإنسان بأنه حيوان مبدع يحيل المجتمع إلي فوضي, هذا بالإضافة إلي قوله بأن الابداع علي علاقة حميمة بالجنون. وكان ردي علي النحو الآتي: عندما يشيع الابداع بين البشر أجمعين بحكم تعريفي للإنسان بأنه حيوان مبدع فهذا الشيوع لا يترتب عليه إحالة المجتمع إلي فوضي لأن الابداع نفسه محكوم بقانون وهو علي النحو الآتي: ثمة وضعان: وضع قائم ووضع قادم. وعندما يتأزم الوضع القائم يلزم تأسيس وضع قادم ليكون بديلا عن الوضع القائم المأزوم. والوضع القادم ينطوي علي رؤية مستقبلية. المستقبل اذن وليس الماضي هو المحايث في الابداع. ومعني ذلك أن التغيير يبدأ من المستقبل وليس من الماضي. ومن هنا كانت الأصولية, أيا كانت سمتها الدينية, ضد الابداع لأنها ملتزمة بماض فاقد فاعلية التغيير. أما القول بأن الابداع علي علاقة حميمة بالجنون فهذا القول لا يستقيم مع تعريفي للإبداع بسبب أن الابداع, عندي, لا يقف عند حد تكوين علاقات جديدة بل يتجاوزه إلي حد التغيير. والمجنون, علي الرغم من قدرته علي ابداع ما هو جديد إلا أن هذا الجديد موجود في عالم افتراضي لا علاقة له بالواقع. ومن هنا ارتأيت أن ثمة فارقا كيفيا بين الابداع السوي والابداع المرضي وهو أن المبدع السوي يفضي فعله بالضرورة إلي إحداث تغيير في الواقع أما المبدع المريض فان فعله عاجز عن إحداث أي تغيير في الواقع.
والمفارقة هنا أن أيزنك قد أصدر كتابا عنوانه العبقرية في عام1995, أي بعد اللقاء بست سنوات وجاء في خاتمته أنه يحرض الأطفال علي الابداع وأنه يدعو إلي تأسيس التعليم علي الابداع ومن ثم يكون الدين المرموق هو دين العقل المفتوح, كما أنه يدعو إلي إزالة عقبات ثلاث أمام الابداع: التعصب والبيروقراطية والسلطة.
وإذا أردت مزيدا من الفهم فانظر إلي حال أوباما فماذا تري؟ رئيس دولة عظمي ومتحضرة لديه إدمان هو وسفيرته بالقاهرة في الدفاع عن جماعة الاخوان المسلمين التي تحذف المستقبل وتقدس الماضي وتكفر من يبدع بل تقتله إذا لزم الأمر, وبذلك يكون هو وهي من أعداء البشرية.







الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين 107 - مراد وهبه    الأربعاء 24 يوليو 2013, 9:04 am


 
 
الثلاثاء 14 من رمضان 1434 هــ 23 يوليو 2013 | السنة 137 العدد 46250


 
نحن نريد أن نفهم‏..‏ عبارة وجهت إلي من نفر من فلاسفة دوليين في مساء‏6‏ أغسطس من عام‏1990,‏ أي بعد عقد مؤتمر الاتحاد الدولي الانساني والأخلاقي الحادي عشر تحت عنوان الحرية والمساواة والإخاء‏.‏


والذي دفع هذا النفر من الفلاسفة إلي قول تلك العبارة مردود إلي أن غزو العراق للكويت في2 أغسطس من نفس ذلك العام كان يشي ببداية صراع بين العالم الاسلامي والعالم الغربي, لأن الرأي الشائع حينها هو أن رئيس العراق صدام حسين كان ينوي محاربة الغرب بعد الاستيلاء علي دول الخليج البترولية. وإذا كان ذلك كذلك فما العمل؟
كان الرأي عندي أن ثمة فجوة حضارية بين العالمين الاسلامي والغربي, وأن هذه الفجوة هي التي أغرت العالم الغربي بامكان استثمار العالم الاسلامي وقيل عن هذا الاستثمار إنه استعمار. وسواء كان هذا أو ذاك فالاثنان يستندان إلي مبدأ مشترك وهو أن الضعيف هو المولد للقوي.
والسؤال اذن: أين يكمن الضعف؟
إنه يكمن في أفول العقل. والأفول لا يتحقق إلا بهيمنة الفكر الأسطوري علي الفكر العقلاني. والمفارقة هنا تقوم في أنه بالرغم من التناقض الحاد بين الفكرين إلا أنهما يشتركان في إعمالهما لمبدأ السببية ولكن مع فارق كيفي وهو أن السبب, في الفكر الأسطوري, هو بلا فاعلية في تغيير الوضع القائم في حين أن السبب في الفكر



[rtl]العقلاني لديه القدرة علي إحداث تغيير في الوضع القائم من أجل افساح المجال لتجسيد الوضع القادم, أي الرؤية المستقبلية. وتأسيسا علي ذلك يمكن القول بأن أفول العقل يعني أفول التغيير. وبناء عليه فاذا أراد العالم الاسلامي أن يتحرر فعليه التحرر من أفول العقل.
والسؤال اذن: كيف يمكن التحرر من أفول العقل؟
ليس في الامكان تحقيق ذلك التحرر إلا إذا كان العالم الاسلامي حاسما في الاختيار بين نموذجين متناقضين وهما نموذج ابن تيميه ونموذج ابن رشد. فكر ابن تيمية يرفض تأويل النص الديني, أي يرفض إعمال العقل من أجل الكشف عن المعني الباطن, وذلك بدعوي أن التأويل, عند ابن تيميه, هو بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. ويترتب علي رفض التأويل اجماع الأمة علي فهم واحد للنص الديني, وبناء علي ذلك الاجماع يكفر من يخرج عنه وقد يقتل إذا لزم الأمر. أما فكر ابن رشد فيدعو إلي ضرورة تأويل النص الديني, أي ضرورة إعمال العقل من أجل الكشف عن المعني الباطن. والتأويل متعدد, والتعدد مشروع, ومن ثم يكون إجماع الأمة, في هذه الحالة, ممتنع, ومن هنا يقول ابن رشد عبارته المأثورة في كتاب فصل المقال...: لا يقطع بكفر من خرق الاجماع.
ومحنة العالم الاسلامي تكمن في أنه قد آثر ابن تيمية علي ابن رشد ومن ثم تأسست الوهابية في القرن الثامن عشر, وجماعة الاخوان المسلمين في القرن العشرين, وبذلك أصبح ابن رشد هامشيا في الحضارة الاسلامية علي حد قول المستشرق الفرنسي هنري كوربان في كتابه المعنون تاريخ الفلسفة الاسلامية(1964). والمطلوب اذن إحداث فعل ثوري لاحلال ابن رشد محل ابن تيمية, وذلك بتأسيس رشدية عربية علي غرار الرشدية اللاتينية في العالم الغربي والتي كانت من أسباب بزوغ الاصلاح الديني في القرن السادس عشر والتنوير في القرن الثامن عشر وبذلك يتداخل العالمان
الاسلامي والغربي من أجل تطوير الحضارة الانسانية من غير صدام.
وإثر الانتهاء من هذا العرض التاريخي استجابة للعبارة التي قالها ذلك النفر من الفلاسفة نحن نريد أن نفهم دار حوار من أجل مزيد من الفهم الأمر الذي انتهي إلي ضرورة احياء فكر ابن رشد من أجل إشاعة الرشدية العربية. وقد كان, إذ تمت الموافقة في اجتماع ضم كل الفلاسفة المشاركين في المؤتمر علي عقد مؤتمر دولي ينعقد في القاهرة في عام1994 تحت عنوان ابن رشد والتنوير, وقد كان, إذ انعقد في الموعد المحدد بتمويل من الاتحاد الدولي الانساني الأخلاقي ومن الجامعة العربية ومن وزارة الخارجية المصرية, ومن وزارة الثقافة, ومن وزارة التعليم, ومن معهد جوته بالقاهرة, وبعث أمين عام الأمم المتحدة الأستاذ الدكتور بطرس غالي برسالة إلي المؤتمر جاء فيها أن مؤلفات ابن رشد تخاطبنا جميعا اليوم حول أهمية الجماهير في السياسة, وضرورة مواجهة مشاكلها وتحقيق سعادتها. وقد كان الأمين العام محقا في لفت الانتباه إلي علاقة ابن رشد بالجماهير, إذ كان ابن رشد يري أن ثمة نوعين من المنطق: منطق الراسخين في العلم, أي النخبة بالمعني المعاصر, وهو المنطق الذي يستند إلي إعمال العقل في ممارسة البرهان, ومنطق الجماهير وهو المنطق الذي يقف عند حدود التجربة الحسية. وإذا أردت مزيدا من الفهم فانظر إلي ثورة30 يونيو2013 فماذا تري؟ تري ثورة جماهيرية ليس لها مثيل في تاريخ الحضارة الانسانية إذ كانت مشتعلة بثلاثين مليونا من المواطنين تعلن إقالتها لرئيس خلا حكمه من إعمال العقل. ومعني ذلك أن الجماهير في طريقها إلي أن تكون هي النخبة.
[/rtl]




الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين 108 - مراد وهبه    الثلاثاء 30 يوليو 2013, 7:41 pm


 
 
 
الثلاثاء 21 من رمضان 1434 هــ 30 يوليو 2013 السنة 137 العدد 46257


 

منذ تأسيس الجمعية الفلسفية الأفروآسيوية في عام‏1978‏ ومفهوم الثقافة كان هو المدخل إلي مؤتمراتها وندواتها الدولية‏,‏ بل كان هو المدخل إلي المؤتمر العالمي السابع عشر للاتحاد الدولي للجمعيات الفلسفية الذي انعقد في مونتريال في عام‏1983‏ تحت عنوان الفلسفة والثقافات‏.‏


وفي10 أبريل من عام1986 تسلمت رسالة من الأب كارييه سكرتير المجلس البابوي للثقافة يعرب فيها عن رغبة المجلس برئاسة الكاردينال بول بوبار في عقد مؤتمر مشترك مع الجمعية الفلسفية الأفروآسيوية التي كنت حينها مؤسسا ورئيسا لها فاقترحت موضوعا للمؤتمر تحت عنوان الثقافات صراع أم حوار؟
وبمجرد الاعلان عن المؤتمر طلبت عدة مؤسسات المشاركة في تمويل المؤتمر وتنظيمه: الاتحاد الدولي للجمعيات الفلسفية ومنظمة تضامن الشعوب الأفروآسيوية والجامعة العالمية للعلوم الاسلامية ووزارة الدولة للشئون الخارجية ووزارة الثقافة وهيئة الاستعلامات ومعهد جوته بالقاهرة ومؤسسة فولبرايت الأمريكية. والمفارقة هنا أنه مع هذا الاهتمام اللافت للانتباه لقيمة المؤتمر فقد واجه أزمة خارجية بسبب نشوب حرب الخليج الأولي في2 أغسطس من عام.1990 إذ كان من شأنها أن اعتذر الأعضاء المشاركون من قبل المجلس البابوي للثقافة عن عدم المشاركة, واكتفي الكاردينال بوبار بإرسال كلمته الافتتاحية التي جاء فيها أن هذا المؤتمر المتفرد يعتبر لحظة فريدة في التاريخ وبوجه خاص في الشرق الأوسط وأوروبا. ثم استطرد قائلا: إن التفكير العلمي يجب أن يكون ملازما للحوار بين الثقافات والأديان والشعوب, وأن علينا البحث عن الصراع بين الجماعات البشرية وعن حلول لها مستندة إلي العقل والعدالة والمحبة.
ولم تقف الأزمة عند هذا الحد إذ أعقبتها أزمة ثانية داخلية بسبب اغتيال رئيس مجلس الشعب الدكتور رفعت المحجوب في1990/10/12, أي قبل موعد انعقاد المؤتمر بثلاثة أسابيع, إذ أطلق عليه وابل من الرصاص فلقي مصرعه فورا, وهرب القتلة علي دراجات بخارية. وكان سبب اغتياله مردوده إلي أنه قد منع مناقشة تطبيق الشريعة الاسلامية إلي أجل غير مسمي. وقد كان هذا الاغتيال طعنة موجهة لعنوان المؤتمر
, إذ هو يعني حسم الاختيار لصالح الصراع وليس لصالح الحوار.
ومع ذلك كله يبقي سؤال لابد أن يثار:
هل ثمة سمة مشتركة بين حرب الخليج الأولي واغتيال رفعت المحجوب؟
أظن أن السمة المشتركة متمثلة في الأصولية الاسلامية, إذ هي واردة في اغتيال رفعت المحجوب, ولكنها ليست واضحة في حرب الخليج الأولي إلا أن وضوحها يكون ممكنا إذا عرفت أن صدام حسين المفجر لهذه الحرب قد ألغي فجأة الاحتفال بثورة العراق في14 يوليو, أي قبل نشوب الحرب بأسبوعين. وسبب هذا الالغاء المفاجئ مردود إلي اجتماع طارئ تم بين صدام حسين ووفد من ممثلي جماعة الاخوان المسلمين المصرية اتفق فيه علي توحيد هوية النضال بأن تكون هوية عربية اسلامية وفي حالة حدوث صدام بين العروبة والاسلام فالاختيار لن يكون إلا للاسلام. وعندئذ قال أحمد سيف الاسلام معقبا: نفديك بأرواحنا. فرد الرئيس قائلا: إن الاخوان هم درع الأمة, وأن دعوتهم هي أمانة في عنق كل مسلم.
وفي23 يوليو1990 حدثت أزمة ثالثة, ففي ذلك اليوم تسلمت رسالة من زميلي في اللجنة التنفيذية للاتحاد العالمي للجمعيات الفلسفية وهو الفيلسوف شلومو أفينيري الأستاذ بالجامعة العبرية بالقدس ينبئني فيها بأنه قد علم من إحدي نشرات الاتحاد عن انعقاد مؤتمر دولي للجمعية الفلسفية الأفروآسيوية وأن موضوعه الثقافات في صراع أم حوار, وهو موضوع يدخل في صميم اهتماماته, ولهذا فهو يريد المشاركة. وكنت أعلم مقدما أن المشاركة أمر محال. وهنا تكمن الأزمة ذلك أن ثمة نصا في دستور الاتحاد الدولي للجمعيات الفلسفية يمنع مشاركة الاتحاد في أي مؤتمر اذا منعت الدولة المضيفة مشاركة عضو في دولة أخري. ومع ذلك قبل الاتحاد المشاركة رغم منع أفينيري من الحضور. وعندما التقيته بعد ذلك قال: لم أكن أرغب في إثارة أزمة التزاما مني بالسلام القائم بين مصر واسرائيل.



وإذا أردت مزيدا من الفهم فانظر إلي حال جماعة الاخوان المسلمين عندما استولت علي الحكم في مصر فماذا رأيت؟ جماعة منفردة بالحكم تقصي الجماعات الأخري بل تكفرها وتدعو إلي قتالها وتعود بالوطن إلي قرون سحيقة وبذلك تهجر الحضارة وتلزم الآخرين بهجرانها.



 





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين 109 - مراد وهبه    الثلاثاء 06 أغسطس 2013, 9:28 pm


 
 
الثلاثاء 28 من رمضان 1434 هــ 6 أغسطس 2013 السنة 138 العدد 46264


 

 
يمكن أن يقال عن عام‏1990‏ إنه عام العالم الاسلامي بسبب غزو العراق للكويت في‏2‏ أغسطس‏,‏ أو بالأدق بسبب اشتعال حرب الخليج الأولي وما ترتب علي ذلك من حدوث توتر بين العالم الاسلامي والعالم الغربي‏.‏


وقد واكب هذا التوتر عقد لقاءات عربية واسلامية كان في مقدمتها ــ مهرجان الإمام علي عليه السلام بمناسبة مرور14 قرنا علي وفاته- الغدير الأغر ــ الذي انعقد في لندن في يوليو من ذلك العام. وقد طلبت مني اللجنة التحضيرية للمهرجان المشاركة ببحث فاخترت له عنوانا الفكر السياسي عند الامام علي انتهيت منه إلي أن فكره السياسي كان خاليا من التزمت والتعصب بسبب التزامه بما هو نسبي. ودللت علي هذا الرأي برسالته إلي مالك الأشتر النخعي جاء فيها وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضا الرعية. فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة, وأن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة. ومعني هذا النص أن الأولوية عند الامام علي تكمن في تحقيق العدل للعامة دون الخاصة, ومن ثم تنتفي القسمة الثنائية بين الجماهير والنخبة. بل إن الامام علي يذهب إلي أبعد من ذلك فيري أن احتجاب الوالي عن الرعية يوقعه في ضيق الأفق وقلة العلم فيعزله عن الوضع المتغير للرعية ويفضي به إلي الوقوع في فخ الثبات والجمود والتحجر. ومن هذه الزاوية يحق لطه حسين القول بأن الخلافة عقد اجتماعي بين الحاكمين والمحكومين, أو بالأدق تصبح الخلافة عقدا اجتماعيا محكوما بسلطان الرعية وليس بأي سلطان آخر.


وكان اللافت للانتباه في ذلك المهرجان الكلمة التي ارتجلها فضيلة الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الأعلي للشيعة بلبنان. وقد دارت حول ضرورة إزالة العداوة بين السنة والشيعة, بل ضرورة تحقيق الوحدة بينهما. ثم نوه بأن الله قد أمره شخصيا بالعمل علي تحقيق هذه الوحدة. وكاد يبكي وهو يعلن هذا الأمر الالهي. وإثر انتهائه من إلقاء كلمته طلب نسخة من بحثي لأنه مهموم بالبحث عن العوامل السياسية الكامنة في الانقسامات الدينية. ومغزي هذا الهم في رأيي هو أن فضيلة الإمام يريد الكشف عن النسبي الكامن في المطلق. والسؤال بعد ذلك: ما مغزي كلمة فضيلة الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين؟
مغزاها أن العالم الاسلامي يواجه أزمة كامنة فيما يبدو أنه تناقض حاد بين السنة والشيعة إلي الحد الذي فيه تريد إحداهما إقصاء الأخري. إلا أن هذا التناقض الحاد ليس هو التناقض الوحيد, فثمة تناقض حاد آخر كامن في الثقافة العربية التي هي أصل الثقافة الاسلامية من حيث إن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم. والسؤال إذن: ما هو هذا التناقض الحاد الآخر؟



جاء الجواب عن هذا السؤال في رسالتين إحداهما من المجلس القومي للثقافة العربية الممول من الرئيس القذافي والملك الحسن باعتباري عضوا في هيئة أمناء المجلس. والرسالة عبارة عن دعوة للمشاركة في مؤتمر تحت عنوان المشروع الحضاري العربي. والرسالة الثانية من مجلة المنار القاهرية اللصيقة بنظام الرئيس صدام حسين باعتباري من كتاب المجلة. والرسالة عبارة عن دعوة للمشاركة في إجراء حوار بين كتاب المجلة ومستشاري الرئيس. تجاهلت الرسالة الأولي بعد أن استبعدت هيئة الأمناء المكونة من عشرين عضوا إثارة قضية العلمانية من جدول أعمالها بدعوي عدم مشروعية العلمانية في الحضارة الاسلامية. وكان الرأي عندي أن استبعاد العلمانية يمهد الطريق إلي استيلاء الأصوليين وفي مقدمتهم الاخوان المسلمون علي الحكم, وقد كان إذ حدث هذا الاستيلاء إثر اشتعال ثورات الربيع العربي في يناير.2012
اهتممت بالرسالة الثانية وارتحلت إلي بغداد. وفي أثناء الحوار كان الرأي عندي أن أي مشروع حضاري عربي جديد يلزم أن تكون له ركيزتان أساسيتان وهما العلمانية والتنوير من أجل تغيير الذهنية العربية المغروزة في الأصولية ذلك أن من شأن هذه الذهنية الأصولية إبطال إعمال العقل تمهيدا لاشاعة روح السمع والطاعة. وهنا أبدي مستشارو الرئيس التحفظ علي هذا الرأي بدعوي أن من شأنه اضعاف تيار القومية العربية. وكان ردي علي هذا التحفظ أنه علي ضوء ظاهرة الكوكبية التي من سماتها الأساسية موت المسافة زمانيا ومكانيا فإن النزعة القومية باعتبارها نزعة منغلقة علي ذاتها بالضرورة تدخل في تناقض حاد مع الكوكبية. وإذا أردت مزيدا من الفهم فانظر إلي حال الصراع القائم الآن في مصر فماذا تري؟ صراعا قائما بين الأصولية الاسلامية والعلمانية دون أي ذكر للفظ القومية العربية.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه 110   الثلاثاء 13 أغسطس 2013, 9:28 pm


 
 
الثلاثاء 6 من شوال 1434 هــ 13 أغسطس 2013 السنة 138 العدد 46271


 

 

 
أظن أن عام‏1991‏ قد تميز بـ مفارقة يمكن أن يقال عنها إنها مفارقة الحرب الباردة‏.‏ بيد أن هذا القول في حاجة إلي بيان معني اللفظين‏:‏ المفارقة والحرب الباردة‏.‏ المفارقة قضية تنطوي علي نقيضها‏,‏ ولكنها قد تعبر عن حقيقة ممكنة‏,‏ أو أنها تنطوي علي جملة أجوبة متناقضة تخص سؤالا واحدا‏.‏


ومعني ذلك أن المفارقة بلا تناقض هي بلا معني. أما الحرب الباردة فقد أطلقت علي العلاقة الجديدة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام1945, وهي علاقة تميزت بالتوتر إلي حد التهديد بحرب نووية, ومع ذلك فان هذه العلاقة قد انتهت بسقوط حائط برلين في9 نوفمبر عام1989, وهو الحائط الذي كان يفصل بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية ثم انهار لصالح ألمانيا الغربية, كما أنها انتهت بموت الاتحاد السوفيتي في عام.1991 ولم يبق بعد ذلك سوي قوة واحدة مهيمنة علي كوكب الأرض هي قوة الولايات المتحدة الأمريكية. ومع ذلك فان هذه القوة لم تنعم بالهيمنة, إذ سرعان ما اشتعلت حرب الخليج الثانية أو بالأدق عملية عاصفة الصحراء التي شنتها أمريكا علي العراق في17 يناير.1991 وإثر ذلك شاع العنف إلي الحد الذي تحول فيه إلي ظاهرة كوكبية. إلا أنني لم أفاجأ بهذه الظاهرة, فقد التفت إليها عندما اشتعلت حركة الطلاب في عدة دول في الستينيات من القرن العشرين, وكانت حركة ثورية لأنها كانت تنشد تدمير النظام الاجتماعي القائم. وقد واكب حركة الطلاب تأسيس المركز الاسلامي في ميونخ في عام1960 بقيادة سعيد رمضان. وجدير بالتنويه ها هنا أن هذا المركز هو تجسيد للأصولية الاسلامية التي تعلن رفضها للعلمانية. وفي هذا الاطار أشرفت علي تنظيم مؤتمر عربي أوروبي في روما في عام1981 تحت عنوان رئيسي: الشباب والعنف والدين وعنوان فرعي العلمانية واللاعلمانية. وفي البحث الذي ألقيته تساءلت: هل العنف الأصولي عقلاني؟ وجاء جوابي بالسلب بحجة أن هذا الضرب من العنف يستدعي ماضيا انتهي, أي ماضيا عاجزا عن تحريك المجتمع نحو المستقبل, أما العنف العقلاني فهو يحرك نحو المستقبل لأنه ينطوي علي رؤية مستقبلية بحكم أن الانسان حيوان مبدع. وحيث إن الابداع هو قدرة العقل علي تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الوضع القائم علي حد تعريفي فان الابداع بالضرورة لا ينشغل إلا بتكوين رؤية مستقبلية مستندة إلي قوانين علمية. ومن هنا فان العنف العقلاني يستلزم بالضرورة مقولتين هما المستقبلية والعلمية. ومن غير هاتين المقولتين فان العنف يصبح إرهابيا حتي لو التحف بالمقدس. وقد كان هذا الالتحاف بالمقدس هو الظاهرة التي سادت منذ السبعينيات من القرن العشرين حتي الآن. ومن هنا انزلق المقدس من مكانه التقليدي وهو ما يقال عنه إنه فوق الطبيعة إلي مكان آخر وهو ما يقال عنه إنه ما هو طبيعي.
والسؤال بعد ذلك:
هل هذا الانزلاق هو مصير المقدس اذا التحف به العنف؟



جاء جوابي في المؤتمر العالمي الذي عقدته الجمعية الدولية لتبادل الأبحاث العلمية عن العنف والتعايش البشري المشترك في مونتريال بكندا في عام1992 وكنت في حينها عضوا باللجنة الاستشارية للجمعية وطلب مني أن ألقي بحثا عن الأصولية والعنف. فكرته المحورية أن انزلاق المقدس من مكانه فوق الطبيعة إلي مكانه في الطبيعة واضح في الثورة الأصولية الايرانية وفي المنظر لها وهو علي شريعاتي في كتابه المعنون سوسيولوجيا الاسلام وفيه يفسر تاريخ البشرية بتصورات دينية, إذ يري أن هذا التاريخ ليس إلا تاريخ حرب بدايته حرب قابيل ضد هابيل, وبعد ذلك تنوعت الحروب بتنوع الأديان. وشريعاتي يحصرها في دين الشرك ودين التوحيد.
والسؤال عندئذ:
ما هي خصائص دين التوحيد؟
ثلاث: التقية( هي أن يظهر الانسان غير مايبطن), والخضوع للامام, والاستشهاد. والخاصية الثالثة هي الأهم لأنها هي التي تدفع المسلم إلي الحرب بلا تردد. ومن هذه الزاوية يقول شريعاتي: إن الموت لا يختار الشهيد إنما الشهيد هو الذي يختار الموت. واذا كان ذلك كذلك فهل الحوار مع الشهيد ممكن؟ أظن أن الجواب بالسلب. وإذا أردت مزيدا من الفهم فانظر إلي حال الحوار في مصر الآن فماذا تري؟ حوارا وهميا سواء أجرته قيادة مصرية أو أجنبية.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه 111   الأربعاء 21 أغسطس 2013, 2:07 am


 
 
 

الثلاثاء 13 من شوال 1434 هــ 20 أغسطس 2013 السنة 138 العدد 46278

في‏26‏ ديسمبر‏1991‏ أعلن الناعي موت الدولة الشيوعية الأولي ومعها موت الكتلة الشيوعية‏.‏ وقد يبدو من صياغة هذا النعي أن ثمة علاقة عضوية بين الشيوعية كفكرة والشيوعية كدولة‏.‏

لكن الرأي عندي أن هذا الذي يبدو أنه كذلك ليس كذلك. فالفكرة أية فكرة, هي ابداع من العقل, وحيث إنها كذلك فهي فكرة نسبية بحكم نسبية العقل وبحكم تغير الوضع القائم. ولكن مع اشتهاء العقل قنص المطلق فقد تتحول الفكرة من فكرة نسبية إلي فكرة مطلقة فتفرض ذاتها علي الوضع القائم ثم تتمكن منه لكي تشعر مع هذا التمكين بالأمان الذي هو غاية الانسان. والسؤال إذن: ما هو الشرط اللازم لاحداث ذلك التحول؟

أن يعتقد الانسان أن فكرته صادقة صدقا مطلقا, وأن اعتقاده بأن امتلاكه لهذا الصدق المطلق كفيل بأن يجعله علي وعي بأنه مالك للحقيقة المطلقة. والسؤال بعد ذلك: ماذا يحدث للانسان عندما يصبح علي وعي بأنه مالك للحقيقة المطلقة وبأنه مجسدها في الواقع النسبي؟

يصدر حكما علي النسبي بأن يجهز علي ذلك المطلق المتجسد لأن النسبي في دفاعه عن نسبيته أقوي من المطلق, لأن التغير أقوي من الثبات بحكم المسار المتطور للحضارة الانسانية. وأمثل لما أقول بما حدث في أوروبا في العصور الوسطي عندما تحولت المسيحية إلي نظام سياسي مطلق يتحكم في مصير الانسان, بعد أن انتزع منه حريته مستعينا في ذلك التحكم بمحاكم التفتيش. وقد قيل عن هذا الذي حدث في أوروبا في ذلك الزمان بأنه ظلام. إلا أن هذا الظلام قد انزوي بسبب الاصلاح الديني في القرن السادس عشر وبسبب التنوير في القرن الثامن عشر. وبناء عليه يمكن القول إن ما حدث في عام1991 هو شيء مماثل لما حدث في العصور الوسطي عندما ارتقت الفكرة الشيوعية إلي مستوي المطلق واشتهت عند هذا المستوي بأن تكون متجسدة في الواقع النسبي فانهارت وماتت. وأظن أن ستالين أدي دورا أساسيا في إحداث ذلك الموت, إذ هو الذي أشاع في الدولة الشيوعية الأولي هذا الاشتهاء لقنص المطلق, وهو الذي أدان أية محاولة لنقد ماركس أو الماركسية. وإذا أردتم مزيدا من الفهم فاقرأوا كتابي المعنون محاورات فلسفية في موسكو. والسؤال إذن: ماذا حدث بعد موت الشيوعية؟

حدثت هزة فكرية بدايتها كانت في صيف عام1993 عندما نشرت مجلة فورين بوليسي ـ أي شئون أجنبية ـ مقالا لأستاذ بجامعة هارفارد اسمه صموئيل هنتنجتون تحت عنوان صدام الحضارات؟. لم يلتفت أحد إلي علاقة الاستفهام, وبالتالي لم يلتفت أحد إلي الاشكاليات الكامنة في المقال والتي لم يكن صاحب المقال مستعدا لإثارتها والاجابة عنها. ومع ذلك فان المقال قد أثار جدلا حادا لمدة ثلاث سنوات, وهو ما لم يحدث لأي مقال آخر منذ الأربعينيات من القرن العشرين. فقد وردت إلي المجلة تعليقات من كل القارات ومن كل البلدان. والذي أخاف الكل وأزعجهم هو الفرض الذي وضعه هنتنجتون وهو أن الصراع القادم لن يكون ايديولوجيا أو اقتصاديا إنما سيكون ثقافيا, ومن ثم سيكون بين الحضارات, وسيؤدي الأصوليون, في الأديان المتباينة, دورا أساسيا في تدمير العلمانية. وسيترتب علي ذلك انعكاس الحضارات علي ذاتها, وبالأخص الحضارات غير الغربية ومن ثم تنشأ الحضارة الآسيوية في اليابان والحضارة الهندوسية في الهند وإعادة الحضارة الاسلامية في الشرق الأوسط. وسيترتب علي ذلك أيضا أن تكون الهويات دينية وينقسم البشر إلي نحن وهم. بيد أن الصراع الأساسي سيكون بين الاسلام والغرب, أو بالأدق سيكون الاسلام هو التحدي الموجه إلي الغرب. والسؤال إذن: ما مغزي قول هنتنجتون إن الاسلام يتحدي الغرب؟

الرأي عندي أن هذا التحدي يعني أن العالم الاسلامي يريد أن تكون قوته العسكرية والاقتصادية مساوية للغرب مع تباين نسق القيم عند كل منهما, وأن هذا التباين هو جوهر الصراع, أي أن الغلبة ستكون لنسق دون آخر, الأمر الذي يترتب عليه انزواء أحد النسقين أو بالأدق انزواء إحدي الحضارتين, ومن ثم تبقي حضارة واحدة في نهاية المطاف. إذن صراع الحضارات في أساسه هو صراع من أجل بقاء حضارة واحدة. فهل معني ذلك أن هذه الحضارة الواحدة هي حضارة الغرب وما عداها ليس كذلك أو أنه قد جاء الأوان لتكون حضارة أخري هي البديل؟

أظن أن جواب هذا السؤال كامن في مسار القرن الحادي والعشرين.




 



 





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه 112   الخميس 29 أغسطس 2013, 4:26 pm


 
الثلاثاء 20 من شوال 1434 هــ 27 أغسطس 2013 السنة 138 العدد 46285


 

 

 
ماذا حدث في عام‏1994‏ ؟ انعقاد مؤتمر دولي فلسفي بالقاهرة تمهيدا للاحتفال بمرور ثمانمائة عام علي موت ابن رشد في عام‏1198,‏ وكان عنوان المؤتمر ابن رشد والتنوير‏,‏ وذلك تنفيذا للقرار الذي اتخذه الاتحاد الدولي الإنساني الأخلاقي أثناء انعقاده في أغسطس‏1990‏ ببروكسل‏.‏


والسؤال إذن: ما مغزي انعقاد مؤتمر القاهرة؟
في تقديري أن مغزاه كامن في البحث الذي ألقيته في المؤتمر الاسلامي الدولي الفلسفي الذي عقد في القاهرة في عام1979 تحت عنوان الاسلام والحضارة, وكان عنوان بحثي مفارقة ابن رشد, وقد نشرته مجلة ألمانية تصدر عن الجمعية الدولية لفلسفة القانون والفلسفة الاجتماعية. فكرته المحورية أن ابن رشد حي في الغرب ميت في الشرق. هو حي في الغرب بفضل تيار الرشدية اللاتينية الذي شاع في جامعات فرنسا وايطاليا إثر ترجمة مؤلفات ابن رشد إلي اللاتينية والعبرية بناء علي قرار سياسي من فردريك الثاني(1197-1250) ملك نابولي وصقلية. وقد صدر هذا القرار استنادا إلي رؤية مستشاريه القائلة بأن مقاومة فردريك للبابوية المدعمة للطبقة الاقطاعية من أجل مؤزارة طبقة التجار الصاعدة تستلزم فكرا جديدا, وكان هذا الفكر الجديد هو فكر ابن رشد. وهكذا أصبح ابن رشد حيا في الغرب, أما في الشرق فقد كان ميتا بسبب هجوم علماء الكلام بوجه عام والغزالي بوجه خاص علي الفلسفة في القرن الحادي عشر, إذ اتهم الفلاسفة المسلمون من أمثال الفارابي وابن سينا بالكفر لأنهم تأثروا بالفلسفة اليونانية الوثنية. وهكذا لم يكن في إمكان ابن رشد أن يحتل مكانة مرموقة في العالم الاسلامي فظل هامشيا إلي يومنا هذا, ومن هنا جاء اقتراحي بضرورة تأسيس رشدية



عربية تكون جسرا لإعادة التواصل بين العالم الاسلامي والعالم الغربي. والسؤال إذن: ما مدي فاعلية مؤتمر القاهرة في تأسيس الرشدية العربية؟
ليس من الميسور الجواب عن هذا السؤال إذ تداخلت الفاعلية مع عدم الفاعلية. الفاعلية واردة في انعقاد ندوة فلسفية في نيويورك( بافلو) امتدادا لمؤتمر القاهرة الدولي تحت عنوان ابن رشد وتأثيره: احتفاء بذكري جورج حوراني. وقيمة حوراني كامنة في أنه لبناني وعين في جامعة متشجان بأمريكا عام1950 أستاذا لتاريخ الفلسفة الاسلامية, ثم أستاذا للفلسفة بنيويورك- بافلو عام.1960 وكان منشغلا بالكشف عن الينابيع العقلانية للفكر الاسلامي فترجم كتاب فصل المقال لابن رشد وقدم له بدراسة وافية(1961) وألف كتابا عن العقلانية الاسلامية(1971). وبعد كفاح مرير حصل علي لقب أستاذ متميز مع اضافة لها مغزي: علي الرغم من أنه قادم من فكر اسلامي وحضارة اسلامية.
هذا عن الفاعلية, أما عن عدم الفاعلية فقد تمثل في مجلة ألف الصادرة عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة والتي أصدرت عددا خاصا( رقم16) في عام1996 عنوانه ابن رشد والتراث العقلاني في الشرق والغرب والعدد مكون من قسمين: القسم العربي والقسم الانجليزي. جاء في افتتاحيته المترجمة عن النص الانجليزي ان هذا العدد ليس الغاية منه تكريس ابن رشد أو توظيفه لصالح وجهة نظر محددة. واللافت للانتباه في هذه العبارة أنها ترجمة غير دقيقة للنص الانجليزي. فالترجمة الدقيقة هي علي النحو الآتي: إن هذا العدد لا ينشد تكريس ابن رشد أو تحويله إلي أيقونة دولية, ولا يقصد إلي احتوائه في رؤية محددة. ومن البين أن النص الانجليزي يشي بمطاردة تأويل معين لابن رشد مع تحقير لهذا التأويل. والسؤال إذن: ما هو هذا التأويل سيئ السمعة؟



هو التأويل الوارد في بحثي المعنون مفارقة ابن رشد والذي فيه دللت علي أن فلسفة ابن رشد هي من جذور الإصلاح الديني في أوروبا في القرن السادس عشر ومن جذور التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر. ومن ملامح عدم الفاعلية أيضا ما ارتآه المستشرق الهولندي شتيفان فيلد وتلميذته أنكه فون كوحلجن من أن إحياء فلسفة ابن رشد أمر محال لأنها محاولة عبثية, إذ إن البرهنة علي التكافؤ بين القيم الاسلامية والقيم الغربية مازالت غائبة, واذا ظلت غائبة فإن العرب لن يكونوا شركاء للأوروبيين. والمفارقة هنا أنه في أمستردام عاصمة هولندا أنشئ في جامعة أوترخت أستاذ كرسي ابن رشد الذي كان يشغله حامد نصر أبو زيد. والسؤال إذن: بعد موت أبو زيد ما هو مصير ذلك الكرسي المسمي كرسي ابن رشد؟



 





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه 113   الثلاثاء 03 سبتمبر 2013, 5:14 pm


 
 
 
الثلاثاء 27 من شوال 1434 هــ 3 سبتمبر 2013 السنة 138 العدد 46292

 
ليس في امكانك فهم الأصوليات الدينية من غير فهم فكر غاندي‏,‏ بل ليس في امكانك فهم فكر غاندي من غير مواجهته بالأصوليات الدينية‏.‏ ومعني هذه العبارة أن ثمة اشكالية كامنة في العلاقة بين غاندي والأصوليات الدينية‏.‏ والسؤال إذن‏:‏ ما هي هذه الاشكالية؟


أستعين في الجواب عن هذا السؤال بأبحاث ألقيت في مؤتمر عقد بنيودلهي بالهند في سبتمبر1995 من قبل مؤسسة غاندي للأبحاث و أكاديمية بروشار وذلك بمناسبة الاحتفال بمرور مائة وخمسة وعشرين عاما علي مولد غاندي, وكان عنوان المؤتمر غاندي ومستقبل البشرية. وقد جاء في ورقة العمل المرفقة بالدعوة أن غاندي كان قد تجاوز عصره, لأن عصره كان يتميز بالعنف أما هو فكان يدعو إلي المقاومة السلبية, أي اللاعنف, في مواجهة الظلم الاجتماعي والسياسي. ولهذا يقول زعيم افريقيا الجنوبية نلسون مانديلا عن غاندي ينبغي أن نتذكر علي الدوام أن فلسفة غاندي قد تكون مفتاحا لبقاء البشرية في القرن الواحد والعشرين. والسؤال إذن: لماذا يذكرنا مانديلا بمفهوم اللاعنف لدي غاندي؟ هل هو المضاد الحيوي للظلم الاجتماعي والسياسي؟ وأجيب بسؤال: ما هو هذا الظلم الذي يستلزم أن يكون اللاعنف هو المضاد الحيوي؟


إنه كامن في العلاقة العضوية بين اقتصاد السوق الحر والثورة العلمية والتكنولوجية الأمر الذي من شأنه أن يفضي إلي البطالة والاحساس بعدم الأمان والتوزيع الظالم للثروة وامتلاك الأسلحة النووية. وإذا كان ذلك كذلك فهل يمكن تفكيك هذه العلاقة العضوية؟
باضعاف سلطة الدولة والعودة إلي القرية, ولهذا قال غاندي: إنني لن أسمح بأن تنتج المدينة ما يمكن أن تنتجه القرية. لماذا؟ لأن انتاج القرية يشبع الحاجات الأساسية بينما انتاج المدينة يشبع الرغبات. وثمة فارق كيفي بين الحاجة والرغبة, إذ الرغبة تولد الشراهة بينما الحاجة تولد الاكتفاء, ومن هنا تكون الحضارة ملازمة للقرية دون المدينة. ولهذا قال غاندي في إحدي رسائله إلي نهرو: إذا كانت الهند هي وسيلة العالم إلي التحرر فان علينا الذهاب إلي القري وإلي الأكواخ ونقيم فيها بدلا من أن نقيم في القصور. لكن هنا ثمة سؤال هنا لابد أن يثار: إذا كانت الثورة العلمية والتكنولوجية من افراز المدينة وليست من افراز القرية فهل غاندي ضد هذه الثورة؟
جوابي بالايجاب وهو مشتق من بحث ألقاه الفيلسوف الهندي بولك راج أثان عنوانه غاندي وحضارة الآلة عندما قال: إن الاحتفال بغاندي هو احتفال برفض حضارة الآلة. ولا أدل علي ذلك من قول غاندي إن الحكومة البريطانية في الهند تشكل صراعا بين الحضارة الحديثة التي هي مملكة الشيطان والحضارة القديمة التي هي مملكة الله علي نحو ما جاء في بحث الفيلسوف الهندي باندي المعنون الحضارة الانسانية الغاندية في القرن الحادي والعشرين. ومعني ذلك أن ثمة تناقضا بين الحضارة الغربية الحديثة والحضارة الهندية القديمة.الأولي مادية تبشر بالعنف والثانية روحية وجوهرها القوة الالهية وتبشر باللاعنف.



أظن أن إشكالية غاندي تقوم في قناعته بأن ثمة علاقة جوهرية بين الحضارة الغربية والاستعمار, بينما المسألة ليست كذلك. فالحضارة الغربية هي حضارة انسانية, لأنها قد اتخذت من العقل سلطانا لا يعلوه أي سلطان. ولا أدل علي ذلك من أنها استطاعت هزيمة أية سلطة حاكمة غير مستنيرة علي نحو ما حدث في العصر الوسيط حيث تحالفت سلطة حاكمة متخلفة مع نظام إقطاعي فبزغ عصر النهضة ومن بعده عصر التنوير وما تبعهما من ثورة علمية وتكنولوجية. ومن ثم يمكن القول بأن الاستعمار الغربي سمة عرضية في الحضارة الغربية. أما إقرار العلاقة الجوهرية بين الحضارة الغربية والاستعمار فمن شأنه أن يفضي إلي الثنائية التي توهمها غاندي بين مملكة الشيطان وهي الحضارة الغربية ومملكة الله التي هي الحضارة الهندية القديمة. وهي ثنائية تذكرني بثنائية سيد قطب بين مجتمع جاهلي ومجتمع اسلامي. ومن شأن هذه القسمة الثنائية أن تفرز أصولية دينية ترفض المجتمع المعاصر بما ينطوي عليه من انفجار معرفة وثورة كمبيوتر, وتري أن من حقها قتل كل من ينحاز إلي الحضارة الغربية, ومن ثم تصبح السلطة العليا للارهاب, ويصبح رجل الشارع محكوما بهذه السلطة. ولهذا لم يستطع غاندي أن يفلت من النتيجة المأساة عندما أطلق عليه ارهابي من ملته الهندوسية ثلاث رصاصات فخر علي الأرض بعد الرصاصة الثالثة وسقط ميتا في30 يناير.1948 وإذا أردت مزيدا من الفهم فانظر إلي ما يحدث الآن في سيناء فماذا تري؟ دماء تسيل برصاص الأصولية الاسلامية, ولا فرق بعد ذلك بين أصولية هندوسية وأصولية اسلامية.



 





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه ..114   الأربعاء 11 سبتمبر 2013, 4:18 am








الثلاثاء 4 من ذو القعدة 1434 هــ 10 سبتمبر 2013 السنة 138 العدد 46299
 
 
 
يمكن أن يقال عن القرن العشرين وهو يقترب من النهاية في عام‏1996‏ إنه عصر السلام الزائف‏.‏ فقد قال الرئيس السادات إن حرب أكتوبر‏1973‏ هي آخر الحروب فإذا بحرب الخليج تشتعل في عامي‏1991,1990
 
وإذا بالاقتتال الداخلي بين شعب البلد الواحد يندلع في العراق واليمن والصومال وسوريا, واذا بالتهديد بإشعال حرب نووية بين القوتين العظميين يدفع ستة من أعضاء الكونجرس الأمريكي إلي الكتابة إلي الرئيس ريجان في19 ابريل1984 من أجل الضغط عليه حتي يستجيب لشعار الامتناع عن الضربة الأولي النووية.
والسؤال إذن:
لماذا توهم الرئيس السادات أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب, وأن السلام بعد ذلك هو السلام الدائم الذي توهم كانط فيلسوف ألمانيا العظيم في القرن الثامن عشر أنه أمر ممكن؟
جوابي أن وهم الرئيس السادات مردود إلي أنه لم يكن علي وعي بالأصولية الدينية التي استند إليها في تدعيم سلطته بعد القضاء علي التيارات التي كانت تقاومها من يسارية وشيوعية وناصرية, إذ من شأن الأصولية أن دعوتها إلي الحرب هي دعوة ضرورية بحكم امتلاكها الحقيقة المطلقة التي تدخل في عداوة حتمية مع كل من يدعو إلي حقيقة مطلقة مغايرة. ومعني ذلك أن الأصولي هو قاتل بالضرورة.
والسؤال إذن:
هل سيادة الأصوليات الدينية تعني سيادة فكرة الحرب, كما يعني زوالها زوال الحرب؟
للجواب عن هذا السؤال كان اقتراحي للجمعية الفلسفية الأفروآسيوية بأن تعقد مؤتمرا فلسفيا دوليا تحت عنوان الإبداع والسلام العالمي, وقد كان, إذ انعقد في عام1996 بالقاهرة تحت رعاية اليونسكو ووزارة الخارجية ومعهد جوتة. واللافت للانتباه هاهنا أن رسالة مدير اليونسكو فدريكو مايور إلي المؤتمر جاء فيها أن من رأي اليونسكو أن تأسيس السلام متجذر في تعليم البشر أجمعين, لأن التعليم هو الذي ينقلنا من منطق القوة إلي قوة العقل, ومن ثقافة الحرب إلي ثقافة السلام. ولا أدل علي ذلك مما جاء في مفتتح ميثاق اليونسكو من أنه إذا كانت الحروب تنشأ في عقول البشر فان عقول البشر هي المنوطة بالدفاع عن السلام. وهنا قال أينشتين:
إن انطلاق الطاقة الذرية قد غير كل شيء ما عدا شيئا واحدا وهو أساليب التفكير, ومن ثم فنحن مندفعون نحو كوارث ليس لها مثيل.
وبناء علي هذين النصين فانه يمكن القول إن العقل يمكن أن يدفعنا إلي إشعال الحرب كما يمكنه أن يدفعنا إلي تأسيس السلام. وإذا كان العقل يستند في الحالتين إلي منطق فالسؤال اذن:
ما هو منطق السلام أو بالأدق ما هو منطق السلام العالمي؟
كان هذا السؤال هو عنوان بحثي في ذلك المؤتمر, وهو في إيجاز علي النحو الآتي:
إذا قيل إن السلام نفي للحرب فالسؤال إذن: ما الحرب؟
جوابي أن الحرب تستلزم وجود عدو. وإذا قيل إن الحرب تستلزم وجود عدو فالسؤال اذن:
ما هو أساس هذا الوجود؟ أظن أن أساسه كامن في المحرم المقدس وهذا المحرم مطلق لأنه ليس من المشروع نقده, إذ ليس له من بديل, ومن هنا فانه يرقي إلي مستوي الحقيقة المطلقة, وبالتالي إلي الدوجماطيقية التي تعني توهم قدرة العقل علي امتلاك هذا النوع من الحقيقة. والسؤال إذن: من المسئول علي الترويج لهذه الدوجماطيقية؟ إنهم الفقهاء وعلماء اللاهوت في كل الأديان بلا استثناء. وهم يستندون في ذلك الترويج إلي منع إعمال العقل في النص الديني, أو بالأدق إلي منع التأويل, ومن يمارسه يتهم بالكفر وقتله واجب. وإذا كان التأويل يعني إعمال العقل فإعمال العقل يعني بالضرورة الإبداع, ومن غير ذلك يمتنع العقل عن حث الانسان علي التقدم, فالسؤال بعد ذلك: هل للإبداع منطق؟
جوابي أنه يتحدد بتحديد معني الإبداع وهو في رأيي قدرة العقل علي تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الوضع القائم. وبديل الوضع القائم هو الوضع القادم, والوضع القادم هو رؤية مستقبلية. المستقبل اذن في الابداع.
وإذا أردت مزيدا من الفهم فانظر إلي حال الأصولية الدينية في مصر الآن فماذا تري؟
حذف المستقبل وعبادة ماض معين, وتكفير من ينكر هذه العبادة وقتله بلا تردد.






الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه ..115   الثلاثاء 17 سبتمبر 2013, 4:52 pm








الثلاثاء 11 من ذو القعدة 1434 هــ 17 سبتمبر 2013 السنة 138 العدد 46306
 
 
كان الرأي عندي أن عام‏1997‏ هو عام حاسم في تحديد مسار الصراع العربي الإسرائيلي بوجه عام والصراع الفلسطيني الاسرائيلي بوجه خاص‏.‏ وكان الرأي عندي ثانيا أن مسار ذلك الصراع محكوم مستقبلا بالأصولية الاسلامية‏.‏
وكان الرأي عندي ثالثا أن السلام في الشرق الأوسط مرهون بإزاحة العلمانية للأصولية. ومن هنا جاء قبولي للدعوة التي تسلمتها من وزير خارجية الدنمارك للمشاركة فيما أطلق عليه حوار لويزيانا بكوبنهاجن مع مثقفين مصريين وفلسطينيين وأردنيين لتكوين تحالف دولي من أجل السلام العربي ــ الإسرائيلي عرف إعلاميا باسم اعلان كوبنهاجن الصادر في30 يناير.1997
وبعد اعتماد هذا الاعلان من المشاركين طلبت الكلمة لنقد لفظين وردا بالإعلان وهما لفظ
نترجم ولفظ أعداء السلام. فقد جاء في الاعلان أن أمامنا شوطا طويلا قبل أن نترجم الرؤية الحقيقية إلي واقع. وكان رأيي أن لفظ نترجم غير دقيق لأن الترجمة تتم بين لغتين, والغاية منها نقل فكر من لغة إلي أخري, في حين أن الإعلان لم ينشد نقلا إنما تغيير فكر من دورانه علي الحرب إلي دورانه علي السلام, ومن دورانه علي الحكومات إلي دورانه علي الشعوب, ومن دورانه علي الإرهاب إلي دورانه علي التسامح.
هذا عن لفظ نترجم فماذا عن لفظ أعداء السلام؟ كان الرأي الذي أعلنته في حينه أن أعداء السلام هم الأصوليون في الأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والاسلام, وأن التحرر منهم ليس ممكنا من غير تأسيس تيار علماني لإقامة السلام. ومعني ذلك أن الصراع القادم هو صراع بين الأصولية والعلمانية. الأصولية مع الحرب أما العلمانية مع السلام لأن الأصولية هي التفكير في النسبي, بما هو مطلق وليس بما هو نسبي أما العلمانية فهي التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق بحسب تعريفي لهما. وتأسيسا علي هذين التعريفين يمكن القول إن الحرب لا تشتعل إلا في إطار صراع بين مطلقين والنسبي هو الكفيل بإخماد ذلك الصراع.
كان هذا هو تعليقي علي الاعلان. والمفارقة هنا أنه إثر ذلك التعليق اعترض أصوليان أحدهما من حماس والآخر من الليكود بسبب تنديدي بالفكر الأصولي, ثم اتفقا معا علي المطالبة بإعادة النظر في الاعلان لبث مزيد من الجرعة الدينية. والمفارقة هنا أيضا أنه بعد ثلاث سنوات من اعتماد ذلك البيان أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك في20/8/2000 عن ضرورة احداث ثورة علمانية في اسرائيل, ثم قال للإذاعة الاسرائيلية إثر إعلانه عن هذه الثورة الجديدة إنه قد آن الأوان لرفع هذه الراية لأننا نريد مجتمعا ديمقراطيا. ومعني هذا القول إنه لا ديمقراطية بلا علمانية. والمفارقة هنا أيضا أنه في4 /9/2000, أي بعد أسبوعين من اعلان الثورة العلمانية دعا زعيم حزب شاس الأصولي إلي ثورة دينية في إسرائيل تمنع صياغة دستور علماني يكون من شأنه تقليص سلطة الحاخامات.
أما في مصر فالعلمانية محرمة ومجرمة, وبالتالي ليس ثمة صراع بين الأصولية المتمثلة في الإخوان المسلمين وبين علمانية غائبة. ومع ذلك فعندما استولي الإخوان علي السلطة في عام2012 عاثوا في الأرض فسادا, الأمر الذي دفع الجيش والشرطة وثلاثة وثلاثين مليونا من المواطنين إلي تكوين تحالف من أجل اسقاط حكم الإخوان الأصولي, وقد كان, إذ تجمهر هؤلاء الملايين في30 يونيو2013 في جميع محافظات مصر لتفويض الفريق أول وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي في تحرير مصر من الإخوان, وهو الآن في طريقه إلي تحقيق هذه الغاية مع الجيش والشرطة بشجاعة ليس لها مثيل في تاريخ البشرية.
والسؤال بعد ذلك:
ما هو مصير مصر بعد سقوط الإخوان؟
إنه مرهون سلبا بالقضاء علي الارهاب, ومرهون ايجابا بتغيير الذهنية وذلك بتحويلها من ذهنية أصولية إلي ذهنية علمانية. القضاء علي الارهاب ممكن عسكريا, أما القضاء عليه فكريا فأمر ليس بالميسور لأنه ليس ثمة تيار علماني في تاريخ مصر, إنما ثمة أفراد علمانيون مقهورون.
والسؤال إذن:
ما العمل؟
الجواب عن هذا السؤال مرهون بالمثقفين وأهل الفكر, إذ هم وحدهم وليس غيرهم المكلفون بتأسيس تيار علماني.
والسؤال بعد ذلك:
ماذا يحدث لو فشل هؤلاء؟
تدخل مصر والمنطقة والعالم في ارهاب متواصل, بل تدخل الحضارة في مأزق.







الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه ..116   الأربعاء 25 سبتمبر 2013, 4:21 am







 
الثلاثاء 18 من ذو القعدة 1434 هــ 24 سبتمبر 2013 السنة 138 العدد 46313
 
 
 
أظن أن حرب الخليج في‏17‏ يناير عام‏1991‏ قد أحدثت أشرخا في العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب بسبب اجتياح أمريكا للعراق إثر غزو العراق للكويت في عام‏1990‏ مع اعلان الاخوان المسلمين تأييدهم للرئيس العراقي صدام حسين‏.‏
والسؤال اذن:
ما مصير هذا الشرخ ؟ هل هو قابل للاتساع بحيث يحدث انفصالا بين طرفي الشرخ؟
يبدو أن ثمة احساسا من هذا القبيل قد راود كل من خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز( وكان حينها ولي عهد المملكة العربية السعودية) ورئيس أمريكا بيل كلينتون. فقد تسلمت دعوة في يناير عام1997 للمشاركة في المهرجان الوطني للتراث والثقافة الثاني عشر بالمملكة والذي كان من المزمع عقده في مارس من ذلك العام. كان بجواري في الجلسة المخصصة لإلقاء بحثي السفير الأمريكي بالرياض وايشفاولر ليتلو رسالة بعث بها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وكان عنوانها الاسلام والغرب. فكرتها المحورية أن إزالة الحواجز ليست ممكنة من غير إجراء حوار مع إشاعة روح التسامح علي نحو ما حدث في القرون السالفة وتسبب في تخصيب الحضارة الانسانية. ومن اللازم أن يحدث مرة أخري في هذا العصر الذي تنتشر فيه المساجد والمنظمات الاسلامية في الأرض الأمريكية. ومن هنا تكون المسئولية مشتركة في منع العناصر المتطرفة من بث روح سوء التفاهم لمنع الحوار مع اشاعة التعصب.
أما بحثي فكان عنوانه ابستمولوجيا.. إسلامية وغربية. ابستمولوجيا لفظ يوناني مكون من مقطعين:episteme بمعني معرفة وlogos بمعني نظرية, فيكون اللفظ اليوناني معناه بالعربية نظرية المعرفة, ومفادها أننا نستعين في الحصول علي المعرفة إما بالعقل منفردا أو برفقة الحواس. وأيا كان الاختيار فالعقل وارد في الحالتين في ادراكنا للعالم الخارجي. ولهذا فالمطلوب بعد ذلك دراسة العلاقة بين العقل وذلك العالم. والمفارقة هنا أن هذه العلاقة لا وجود لها في ذلك العالم لأنك لا تراها إنما الذي تراه وقائع منفصلة وعقلك هو الذي يقوم بإزالة هذا الانفصال لتحقيق الاتصال.ومعني ذلك أن العقل يضيف شيئا إلي الواقع. وفي هذه الحالة نقول عن العقل إنه لا يصف الواقع إنما يؤوله. والتأويل هنا ليس لعبة يمارسها العقل إنما هو وسيلة للتأثير في الواقع من أجل تغييره. ومن هنا تنشأ علاقة جديدة بين العقل والتأويل والتغيير.
هذه مقدمة لازمة قبل المضي في المقارنة بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي. واذا مضينا في المقارنة لزم هذا السؤال: أين مكانة التأويل في كل من الفكر الإسلامي والفكر الغربي؟.
للجواب عن هذا السؤال أستعين بإجراء مقارنة بين ابن تيمية وابن رشد. والدافع إلي اختيار هذين المفكرين من مفكري العالم الإسلامي مردود إلي أن ابن تيمية هو المؤسس الحقيقي للوهابية وللإخوان المسلمين, وأنه هو الذي كفر ابن رشد وجعله هامشيا في العالم الإسلامي.
يرفض ابن تيمية التأويل, أي يرفض إعمال العقل في النص الديني بدعوي أن التأويل يستلزم وجود معنيين للنص الديني أحدهما ظاهر ندركه بالحواس والآخر باطن نستنبطه بالعقل. وابن تيمية يكتفي بالمعني الظاهر, أي بالمعني الحسي لأنه لا خفاء في كل آيات القرآن, وبالتالي فالعقل ليس في حاجة إلي تأويلها. ومعني ذلك أن القرآن يفسر نفسه بنفسه وإذا تعذر فعلينا بالسنة, وإذا تعذر فبأقوال الذين عاصروا نزول القرآن وفهموه من الرسول. ومن هنا يحدث الاجماع,ومن يخرج علي الاجماع يكون موضع تكفير من الأمة. ولا أدل علي صحة ما نذهب إليه من أن ابن تيمية نفسه يقرر أن التأويل تحريف الكلم عن مواضعه, ومخالف للغة, ومتناقض في المعني, ومخالف لإجماع السلف.
أما ابن رشد فالتأويل عنده مسألة أساسية وهو يعرفه بأنه اخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلي الدلالة المجازية. ولكنه يشترط في الاستعانة به عندما يتعارض ظاهر النص الديني مع البرهان العقلي وعندئذ نطلب تأويله. والتأويل هنا يخرق الاجماع بالضرورة, إذ لا يتصورفيه اجماع. ولهذا يمتنع تكفير المؤول.
وكان لهذا المفهوم للتأويل عند ابن رشد الفضل في بزوغ الاصلاح الديني في القرن السادس عشر. ففي بدايته أعلن لوثر أحقية الانسان في الفحص الحر للإنجيل أي الحق في إعمال العقل في النص الديني من غير معونة من السلطة الدينية. ويقول جاليليو ز إن تحت المعني الظاهر لكلمات الانجيل يكمن معني مباين.
خلاصة القول أن الفصل بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي وهم, وأن ثمة حضارتين حضارة اسلامية وحضارة غربية وهم كذلك, بل ثمة حضارة واحدة تخصبها ثقافات متباينة. والقول بغير ذلك يفضي إلي صراع يمتنع معه التقدم ويشتعل معه الإرهاب.

 






الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه ..117   الأربعاء 02 أكتوبر 2013, 1:27 am





الثلاثاء 25 من ذو القعدة 1434 هــ 1 أكتوبر 2013 السنة 138 العدد 46320
 
 
 
في عام‏1977‏ دعتني جمعية بحوث الفلسفة الاسلامية والعلم الإسلامي للمشاركة في مؤتمرها الدولي بسان فرنسسكو بأمريكا‏,‏ وكان عنوان بحثي ابن رشد والتنوير‏.‏
 
 وإثر الانتهاء من قراءة البحث أبدي رئيس المؤتمر والأستاذ بجامعة هارفارد محسن مهدي ملاحظة ذات دلالة وهي أنه ليس ثمة دراسات في مستوي الماجستير أو الدكتوراه عن ابن رشد في القرن الثالث عشر الأمر الذي أفضي إلي نوع من التعتيم علي هذه الفترة الزمانية المهمة في تاريخ الحضارة الانسانية.
وإثر انتهاء تعليق محسن مهدي ورد إلي ذهني هذا السؤال:
لماذا التعتيم علي القرن الثالث عشر في أوروبا؟
وجاء جوابي في عام1978 في المؤتمر الفلسفي الدولي الثاني الذي عقدته بالقاهرة تحت عنوان الاسلام والحضارة. كان عنوان بحثي مفارقة ابن رشد. فكرته المحورية أن ابن رشد حي في الغرب ميت في الشرق. وسبب هذه المفارقة مردودة إلي تكفير ابن رشد وحرق كتبه في العالم الإسلامي ونشأة تيار الرشدية اللاتينية في العالم الغربي والتي مهدت لبزوغ الاصلاح الديني في القرن السادس عشر والتنوير في القرن الثامن عشر. حدث كل ذلك علي الرغم من اضطهاد السلطة الدينية لذلك التيار, إذ أدانه أسقف باريس في1270 كما أدانه الأسقف نفسه في عام1277, هذا بالإضافة إلي النقد الهدام لابن رشد والرشدية اللاتينية من قبل ثلاثة من كبار فلاسفة العصر الوسيط: البرت الأكبر وتوما الأكويني وريمون لول. وفي عام1994 عقدت الجمعية الفلسفية الأفروآسيوية مؤتمرا دوليا بالقاهرة تحت عنوان ابن رشد والتنوير. واللافت للانتباه في ذلك المؤتمر أن ثمة بحثين أحدهما لمستشرق هولندي اسمه شتيفان فيلد والأخر لمستشرق بلجيكي اسمه جيرارفيربيكه. قال الأول إن أجوبة ابن رشد ليست ملائمة لنا اليوم لأن ابن رشد هو ابن عصره وليس ابن عصرنا. وخطأ فيلد يكمن في أنه لم يكن علي وعي بأن العالم الإسلامي محكوم حتي اليوم بابن تيميه الفقيه من القرن الثالث عشر والذي كفر ابن رشد بسبب قوله بإعمال العقل في النص الديني, والذي يعتبر مؤسس الوهابية في القرن الثامن عشر ومؤسس جماعة الاخوان المسلمين في القرن العشرين. أما الثاني وهو فيربيكه فقد قال إن ابن رشد لا ينتمي إلي عقل العالم الإسلامي بل إلي عقل العالم الغربي. ومع ذلك توالت الندوات والمؤتمرات التي عقدت في العالم الإسلامي بعد مؤتمر القاهرة.
أقول ذلك كله تمهيدا لما حدث في عام1999 عندما انعقد لأول مرة مؤتمرا دوليا بجامعة ليون تحت عنوان ابن رشد والرشدية من القرن الثاني عشر إلي القرن الخامس عشر. وفي ذلك المؤتمر أشير إلي رأيي في فلسفة ابن رشد وفي إثارة التساؤل عما اذا كانت الدول النامية في حاجة إلي ابن رشد, وإلي أي مدي يكون ابن رشد قادرا علي توليد التنوير في تلك الدول.
وفي عام2000, أي في نهاية القرن العشرين تسلمت خطابا من الفيلسوف الكندي فنانت كوشي والذي كان رئيسا سابقا للاتحاد الدولي للجمعيات الفلسفية ينبئني فيه بأنه يزمع عقد مؤتمر عالمي في عام2000 تحت عنوان التعايش البشري في عالم مسئول ومتعاون مع بداية القرن الواحد والعشرين ويطلب مني تحديد المشكلات التي أراها ملتهبة في منطقة الشرق الأوسط مع بيان الحلول التي تبدو أنها علي درجة عالية من الأهمية والتي تسهم في تأسيس علاقات أفضل بين البشر والأمم والقارات. استجبت ببحث عنوانه ابن رشد هنا والآن. وقصدت بلفظ هنا العالم الإسلامي, وقصدت بلفظ ز الآنس القرن العشرين, وبذلك تكون لدينا صياغة أخري للعنوان وهي مكانة ابن رشد في العالم الإسلامي في العصر الحديث ويكون السؤال المترتب علي ذلك العنوان هو علي النحو الآتي: لماذا ابن رشد بالذات ولماذا لم اختر فيلسوفا آخر غيره من تاريخ الفكر الإسلامي؟
جوابي هو علي النحو الآتي: إن العالم الإسلامي قد تجمد عند القرن الثالث عشر عندما اكتفي بابن تيميه المكفر لابن رشد والقائل بأن تأويل النص الديني بحسب فهم ابن رشد هو بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. ومن هنا فأنا أوثر ابن رشد في مواجهة الأصولية الاسلامية التي تسللت إلي جميع مؤسسات الدولة في العالم الإسلامي بقيادة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين. وفكر ابن رشد قادر علي هذه المواجهة بفضل ما لديه من فكرتين: التأويل باعتباره كاشفا عن المعني الباطن للنص الديني لكي يتفق مع مقتضيات العقل الإنساني. واقصاء علماء الكلام الذين يلتزمون حرفية النص الديني من أجل تأسيس العقل الأصولي.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه ..119   الثلاثاء 08 أكتوبر 2013, 7:57 pm





الثلاثاء 3 من ذو الحجة 1434 هــ 8 أكتوبر 2013 السنة 138 العدد 46327
 
 
ماذا يعني عنوان هذا المقال‏:‏ كتاب القرن العشرين؟ إنه يعني الكتاب الذي يكون نتيجة لسبب ويكون هو في الوقت نفسه سببا لهذه النتيجة‏,‏ ويكون السبب والنتيجة معبرين عن مسار القرن العشرين‏.‏ والسؤال اذن‏:‏ من مؤلف ذلك الكتاب؟ وما السبب في تأليفه؟وما نتيجة تأليفه؟
إن مؤلف الكتاب هو جون فوستر دالاس وزير خارجية أمريكا الأسبق وعنوانه حرب أم سلام وصادر في عام.1950 والسؤال اذن: هل منع الحرب ممكن؟ جواب دالاس أن ذلك ممكن ولكن مع توافر أربعة شروط: الأول, رؤية الشعب الأمريكي للخطر حتي لا يتم تضليله بتحركات زائفة. والثاني, فهم السياسات الخيرة مع الاتحاد في التحالف معها. والثالث, رؤية السياسات الشريرة حتي يتم استبعادها برمتها. والرابع, تنمية القوي الروحية, إذ بدونها فان أية سياسة لن تكون إلا مجرد إجراء مؤقت. في ضوء هذه الشروط ماذا رأي دالاس؟
رأي قوة عظمي اسمها روسيا محكومة بجماعة متعصبة بسبب استنادها إلي معتقد يبشر بهيمنة عالمية وينكر الحريات الشخصية التي تشكل التراث الأمريكي السياسي والديني. وهذا المعتقد اسمه الشيوعية السوفييتية, تتحكم به في الجنس البشري استنادا إلي أسلحة نووية, ومن ثم فالدمار الشامل ممكن. والسؤال بعد ذلك: في وجود ذلك المعتقد هل السلام الدائم ممكن؟
جواب دالاس أن ذلك ممكن ولكن بشرط تحريك الامكانات الأخلاقية والروحية ضد العدو المطلوب تصفيته, وهو في رأيه الحزب الشيوعي السوفييتي المتعصب, بل هو ستالين زعيم ذلك الحزب في كتابه المعنون مشكلات اللينينية. وهو كتاب خطر لأنه مماثل لكتاب هتلر المعنون كفاحي حيث يبين الوسائل التي تسمح للحزب النازي من التمكن من العالم, وكذلك يريد ستالين ولكن بأدواته الخاصة. وأدواته ثلاث. الأول, إن كل ما في العقل ليس إلا انعكاسا للبيئة المادية, وبالتالي تكون المهمة الأساسية تحريك الحياة المادية للمجتمع بوجه عام وللبروليتاريا بوجه خاص. والثاني, اشاعة الالحاد. والثالث, وصف أمريكا بأنها دولة استعمارية.
هذه هي أدوات ستالين, أما أدوات دالاس فهي علي النقيض من ذلك وعددها ثلاث. أولها, متاعب أمريكا ليست مادية, إذ هي في مقدمة الدول في مجال الانتاج المادي. وثانيها, الاعتماد علي الماديات وحدها يفضي إلي نتائج تعسة وحتمية. وثالثها, ما ينقص الشعب الأمريكي هو الايمان وليس القنبلة الذرية.
واستنادا إلي أفكار دالاس هذه قدم جون روكفلر منحة إلي مجلس الكنائس العالمي في عام1955 أو بالأدق إلي بول أبرخت رئيس قسم الدراسات بالمجلس لكي يسافر ومن معه إلي دول في العالم الثالث لكي يحث الكنائس علي مواجهة الوطن والدولة بدعوي أنها تحت سلطان الله, وإذا لم تستجب فعليها الدخول في صراع مع الدولة لكي تحذرها من الاستجابة لدعوتين: التصنيع والقومية باعتبارهما معاديين للإيمان. وقد نشر بول أبرخت هذه الأفكار في كتاب عنوانه الكنائس والتغير الاجتماعي السريع(1961). وفي نفس ذلك العام أنشأ دالاس المركز الإسلامي برئاسة سعيد رمضان, ويقع بجوار مجلس الكنائس العالمي بجنيف. وحاكمية الله هي الفكرة المحورية لدي المجلس والمركز, بل هي الفكرة المحورية التي أفضت إلي إفراز تيار أصولي من أجل القضاء علي الشيوعية. وقد كان, إذ في يناير1979 أصدر رئيس أمريكا الأصولي جيمي كارتر قرارا بتدعيم الأصولية الاسلامية بأفغانستان في نضالها ضد الاتحاد السوفييتي. إلا أن هذه الأصولية لم تكن غايتها الاكتفاء بتدمير الاتحاد السوفييتي بل تدمير أمريكا بعد ذلك حتي تتمكن بعد ذلك من التحكم في العالم وتجسيد الخلافة الاسلامية, وقد كان, إذ بعد موت الاتحاد السوفييتي في عام1991 قررت الأصولية الاسلامية التمهيد لتدمير الكتلة الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في9/11 حيث تم تدمير مركز التجارة العالمي بنيويورك وهو أعلي مراحل الرأسمالية من قبل فعل إرهابي قامت بتنفيذه جماعة من الأصولية الاسلامية.

 





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة


عدل سابقا من قبل mohammed_hmmad في الثلاثاء 22 أكتوبر 2013, 10:28 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه ..120   الثلاثاء 22 أكتوبر 2013, 10:27 pm





الثلاثاء 17 من ذو الحجة 1434 هــ 22 أكتوبر 2013 السنة 138 العدد 46341
 
 
الغاية من أي حوار البحث عن مشروع مشترك يلتزم به المتحاورون من أجل تجسيده لتغيير وضع قائم مأزوم‏.‏ وفي يناير‏1941‏ تأسست جماعة اسمها إخوان الصفا كان من أعضائها قساوسة وشيوخ‏,‏ وأساتذة من جامعتي الأزهر وفؤاد الأول‏.‏
وكان الأب الروحي لهذه الجماعة المستشرق والدبلوماسي الفرنسي لويس ماسينيون, إذ هو الذي حدد الغاية من تأسيس هذه الجماعة وهي إجراء حوار إسلامي مسيحي لإشاعة روح التصوف مستندا في ذلك إلي المتصوف المسلم الحسين بن منصور الحلاج المشهور عنه هذا القول المفارق أنا الحق. وقد عبر عنه شعرا علي النحو الآتي: أنا من أهوي ومن أهوي أنا/ نحن روحان حللنا بدنا.. فاذا أبصرته أبصرتني/ وإذا أبصرته أبصرتنا.
وكان الحلاج يقصد بالروحين هو والله. وبسبب هذه الهوية بينه وبين الله سجن في عام1913 وأعدم في عام922 بدعوي أنه كافر. وقد انعكست محنة الحلاج علي جماعة إخوان الصفا, إذ أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قرارا بإلغائها, إلا أن الرئيس السادات أصدر بعد ذلك قرارا بإحيائها ولكن تحت مسمي الإخاء الديني. وتزامن هذا القرار مع قرار آخر وهو الافراج عن المعتقلين من جماعة الاخوان المسلمين. ومغزي هذا التزامن أنه يدخل المسلمون والمسيحيون في مشروع مشترك وهو إقصاء اليسار والناصريين والشيوعيين من الحياة السياسية, وقد كان, إلا أن المفارقة هنا أن الرئيس السادات قد تم إقصاؤه من الاخوان المسلمين وذلك باغتياله في6 أكتوبر.1981
وفي عام1962 دعا البابا يوحنا الثالث والعشرون إلي عقد المؤتمر الثاني للفاتيكان من أجل إحداث تغيير لاهوتي يبرر الانفتاح علي الأديان غير المسيحية بدعوي أن الله قد كشف عن ذاته في أشكال متعددة من الايمان, ومن ثم فلا مبرر للادعاء بتميز المسيحية عن غيرها من الأديان الأخري. وبناء عليه فقد امتد الحوار من الإسلامي المسيحي إلي حوار بين الأديان من غير إقصاء لأي دين. ومع ذلك فانه بعد انتهاء المؤتمر في عام1965 عاد الوضع بعد خمس سنوات إلي ما كان عليه, وبذلك تحكم المحافظون من الكرادلة, ومن ثم لم تعد عصمة البابا بل لم تعد عصمة الكنيسة موضع شك لاهوتي.إلا أن هانس كينج أستاذ اللاهوت العقائدي ومدير معهد الدراسات المسكونية بجامعة كوتنجن بألمانيا رفض المحافظة علي الوضع القائم بل ثار عليه, وكانت حجته في هذه الثورة أنه لا سلام بين الأمم من غير سلام بين الأديان, ولا سلام بين الأديان إذا توهمت الكنيسة امتلاكها للحقيقة المطلقة. بيد أن ثورته لم تكن مقبولة من الكرادلة المحافظين بدعوي أن الانفتاح علي الأديان الأخري يفضي إلي إحداث بلبلة فكرية.
وقد أسهم في وأد ثورة هانس كينج الصراع بين العرب واسرائيل, وبين السنة والشيعة, وتعصب اليهود الأرثوذكس في اسرائيل خوفا من تحول اليهود إلي أديان أخري. وقد أسهم في وأد ثورة هانس كينج أيضا فكر سيد قطب الداعي إلي شن حرب إبادة ضد الكفرة الذين يروجون للعلمانية في الأنظمة العربية. ومن هنا يري المفكر الإسرائيلي عمانوئيل سيفان أن ثمة عدوين لدي الأصولية الاسلامية: العدو الأقرب والعدو الأبعد. العدو الأقرب هو الحكومات العربية التي تتعاون مع النظام الأمريكي. أما العدو الأبعد فمحصور في أمريكا واسرائيل, إذ أن ابادتهما تأتي بعد القضاء علي العدو الأقرب. والسؤال اذن: اذا كان ذلك كذلك فهل ثمة بديل عن حوار الأديان؟
في أول يناير1983 أصدر البابا يوحنا بولس الثاني قرارا بتأسيس المجلس البابوي للثقافة وفي أول اجتماع لذلك المجلس في17 يناير من ذلك العام أعلن البابا أن ثمة علاقة عضوية بين الثقافة والرسالة المسيحية لثلاثة أسباب: السبب الأول أن الثقافة وسيلة الانسان لتحقيق انسانيته. والسبب الثاني أن الثقافة لها تأثير علي الحياة الدينية للمؤمنين. والسبب الثالث أن علي المسيحيين فهم ثقافة الآخرين لتدعيم التفاهم الثقافي. وفي16 ابريل من عام1986 تسلمت خطابا من الأب هيرفيكارييه أمين عام المجلس البابوي للثقافة ينبئني فيه بأن الكاردينال بول بوبار رئيس المجلس البابوي للثقافة قد وافق علي عقد مؤتمر مشترك بين المجلس والجمعية الفلسفية الأفروآسيوية, التي كنت أشرف بتأسيسها ورئاستها, تحت عنوان الثقافات في صراع أم في حوار. وكان الرأي عندي أنه إذا توهمت إحدي الثقافات أن هويتها مطلقة فإنها تكون عندئذ قد أعلنت الحرب علي الثقافات الأخري لإخضاعها لمطلقها. أما إذا امتنعت عن السقوط في ذلك الوهم ودخلت في حوار مع الثقافات الأخري التي تسايرها في ذلك الامتناع فان هذه الثقافات كلها تكون نسبية وليست مطلقة وتكون مشروعية الحوار, في هذه الحالة, ممكنة. ومع ذلك يبقي سؤال في حاجة إلي جواب: ما هو المشروع المشترك الكامن في حوار الثقافات؟
أن تدخل في علاقة عضوية مع الحضارة الانسانية الواحدة التي تنتقل, في مسارها, من الفكر الأسطوري إلي الفكر العقلاني. ولا يصح بعد ذلك أن يقال عن هذه الحضارة إنها غربية أو شرقية إنما يقال عنها إنها انسانية. وتبقي المنافسة بين الثقافات كامنة في مدي اقترابها من الحضارة الانسانية أو ابتعادها منها. فاذا اقتربت يقال عنها إنها ثقافة متحضرة وإذا ابتعدت يقال عنها إنها ثقافة غير متحضرة أو بالأدق تتاريه. وإذا أردت مزيدا من الفهم فانظر إلي ثقافتنا الآن فماذا تري؟ تري أنها ثقافة من الضرب الثاني.

 





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه ..121   الثلاثاء 29 أكتوبر 2013, 1:53 pm





الثلاثاء 24 من ذو الحجة 1434 هــ 29 أكتوبر 2013 السنة 138 العدد 46348
 
 
قديما قال أرسطو إن الفلسفة وليدة الدهشة‏.‏ ومعني هذا القول أنك لا تتفلسف إلا إذا أصابتك الدهشة‏.‏ لماذا ؟ لأن الدهشة تشير إلي تناقض في وضع قائم وإزالته لازمة من أجل تجسيد وضع قادم‏.‏ وهذه الإزالة يقوم بها العقل‏.‏
وهذه الازالة علي ضربين: إما إزالة بهدف اقصاء أحد الطرفين المتناقضين وإما برفع التناقض إلي تناقض أعلي.
وأول تناقض اندهش له الانسان أو بالأدق الفيلسوف هو مفهوم الحقيقة. حدثت هذه الدهشة في القرن الخامس قبل الميلاد مع فيلسوف يوناني اسمه بروتاغوراس. تساءل: ما الحقيقة؟ والذي دفعه إلي هذا التساؤل هو اندهاشه من تغير الحقيقة لأن تغيرها يعني أنها لم تكن حقيقة الأمر الذي من شأنه إحداث بلبلة ذهنية تفضي إلي تدمير سكينة النفس. وكان دليله علي تغير الحقيقة أن هواء بعينه يرتعش منه الواحد ولا يرتعش منه الآخر فماذا عسي أن يكون الهواء في ذاته؟هل نقول إنه بارد أم نقول إنه ليس باردا؟ وقد أكثر من هذه الأدلة إلي الحد الذي أنكر فيه الحقيقة فاتهم بالإلحاد وأحرقت كتبه وحكم عليه بالإعدام ففر هاربا ولكنه مات غرقا في أثناء هروبه. وفي القرن السادس عشر الميلادي أيد جاليلو النظرية القائلة بدوران الأرض, أي بعدم ثباتها فحوكم دينيا.
وكانت الدهشة الكبري عندما أعلن علماء الفيزياء مع بداية القرن العشرين أن الذرة يمكن أن تتجزأ بعد أن كان الاعتقاد السائد لأكثر من ألفي عام أن الذرة هي الجزء الذي لا يتجزأ, ومن ثم انزعج علماء الفيزياء الكلاسيكيون وهددوا بعدم نشر أبحاثهم العلمية في المجلات التي تؤيد تجزئة الذرة. ومع تطور علم الفيزياء الذرية ازدادت الدهشة ومعها ازداد التناقض فأثار الفلاسفة السؤال الذي كان قد أثاره بروتاغوراس في القرن الخامس قبل الميلاد: ما الحقيقة؟ واذا كانت قضية الفلسفة الرئيسية هي الحقيقة فاذا حدث وتشكك الفلاسفة فيها فماذا يبقي من الفلسفة؟ لا يبقي سوي مشكلات زائفة. كان هذا جواب نفر من علماء فيزياء ورياضة كانوا قد التقوا في حلقة أطلقوا عليها اسم حلقة فيينا لأن فيينا كانت مكان هذا اللقاء في منتصف العشرينيات من القرن العشرين, وانتهوا إلي أن الفلسفة لن تكون إلا تحليلا منطقيا للغة سواء كانت لغة عادية أو لغة علمية.
والتشكك في الحقيقة ينطوي بالضرورة علي التشكك في اليقين والتشكك في اليقين ينطوي بدوره علي التشكك في الحتمية لأن الحتمية تعني التنبؤ بالأحداث مستقبلا استنادا إلي مبدأ السببية الذي يعني أن الظاهرة التي تحدث الآن ستكون سببا مستقبلا في افراز ظاهرة أخري هي كذا. وقد حدث كل هذا التشكك في عام1927 عندما أعلن العالم الفيزيائي هيزنبرج أن الأجهزة العلمية التي اخترعها الانسان مكنته من التدخل في أي صياغة علمية في مجال الفيزياء الذرية, وبالتالي فقدت القوانين العلمية سمة اليقين المطلق وأصبحت احتمالية.
ومع ثورة المعلومات وانفجار المعرفة توارت الحقيقة, إذ لم تعد وظيفة العقل البحث عن الحقيقة بل البحث عن المعرفة التي ليست إلا الكشف عن علاقة بين جملة معلومات يكون من شأنها احداث تغيير في الوضع القائم, وتكون العلاقة بعد ذلك بين العقل والمعرفة والتغيير وليس بين العقل والحقيقة والتثبيت. ومن هنا صك العالم الأمريكي بيتر دركر مصطلح مجتمع المعرفة وعمال المعرفة ومن ثم نتوقف عن القول بأن هذا الانسان يتعلم ونبدأ في الحديث علي أنه انسان المعرفة أو بالأدق نقول رجل المعرفة أو امرأة المعرفة. واذا كان العقل بطبيعته ينشد اقتناص الوحدة في نهاية المطاف فيلزم من ذلك اقتناص وحدة المعرفة. ومن هنا كان مغزي المؤتمر الفلسفي الدولي الذي عقدته بالقاهرة في ديسمبر1980 تحت عنوان وحدة المعرفة وكان الرأي عندي أن وحدة المعرفة تستلزم تأسيس علم جديد أطلقت عليه اسم
ثلاثية العلم أي الفلسفة والفزياء والسياسة. الفلسفة هي الوحدة الكلية وتتأسس علي الفيزياء والسياسة. العلوم الطبيعية ترد إلي الفيزياء والعلوم الاجتماعية والانسانية ترد إلي السياسة. والوحدة بين هذين العلمين, الفيزياء والسياسة, تقوم في علم السيبرنطيقا الذي أسسه العالم الأمريكين وربرت وينر في عام1948, وهو علم ينطوي علي علاقة جدلية بين الانسان والآلة, وهذه العلاقة تعني أن ثمة تناقضا بين الانسان والآلة ومع ذلك فثمة وحدة بينهما. ومن شأن كل ذلك أن يسمح للفلسفة بتكوين رؤية كونية علمية.
وفي عام1999 صدر كتاب عن عالم فيزيائي دنماركي اسمه نيلز بوهر تحت عنوان الفلسفة والفيزياء والسياسة وهو نفس عنوان بحثي في مؤتمر القاهرة. فكرته المحورية أنه مع إنكار مبدأ السببية وما يلزم عنه من انكار الحتمية يصبح العقل منفتحا. ولكن هذا العقل المنفتح لا يستقيم مع وجود قوي عظمي متناقضة فيما بينها تناقضا حادا إلي الحد الذي عنده أصبحت كل قوة منغلقة علي ذاتها بحيث يمتنع الانفتاح العالمي علي نحو ما يريد بوهر. ومن أجل تحقيق هذا الانفتاح التقي بوهر كلا من رئيس وزراء بريطانيا تشرشل والرئيس الأمريكي روزفلت ولكن بلا جدوي, إذ في صباح6 أغسطس من عام1945 دمرت هيروشيما بقنبلة ذرية, وفي9 أغسطس من نفس ذلك العام دمرت نجازاكي بقنبلة أخري وبذلك انتهت الحرب بانتصار إحدي القوتين المالكة للحقيقة المطلقة في زمن كانت فيه الحقيقة ذاتها في طريقها إلي الانزواء.






الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه ..122   الأربعاء 06 نوفمبر 2013, 12:26 am





الثلاثاء غرة من محرم 1435 هــ  5 نوفمبر 2013 السنة 138 العدد 46355
 

 

في عام‏1999,‏ أي قبل نهاية القرن العشرين بعام‏,‏ ألقي الفيلسوف الكندي تشارلز تيلر عدة محاضرات بجامعة ادنبرة باسكتلندا تحت عنوان نحن نحيا في عصر علماني؟‏.
 
وعلامة الاستفهام في آخر العنوان تعني أن العلمانية في القرن العشرين موضع تساؤل, والجواب عن هذا التساؤل يستلزم تحديد معني العلمانية. والرأي عند تيلر أن العلمانية تعني أن الدولة الحديثة,في الغرب, قد تحررت من علاقتها مع الله, ومن ثم أصبحت الكنائس مستقلة عن المؤسسات السياسية باستثناء بريطانيا والدول الاسكندنافية. وقد ترتب علي ذلك الاستقلال ثلاثة أمور: الأمر الأول أن الايمان أصبح مسألة تخص الفرد وحده دون غيره من أفراد المجتمع. والأمر الثاني أن المؤمن تساوي مع غير المؤمن في الحقوق والواجبات. والأمر الثالث أن في إمكان الفرد الاشتغال بالسياسة دون أن يدخل في علاقة مع الله.
وبناء علي هذه الأمور الثلاثة انفصلت الطبيعة عما فوقها من عالم قيل عنه إنه عالم ما بعد الطبيعة وهو عالم مملوء بالأرواح والملائكة.
وبناء علي هذه الرؤية العلمانية نشأت حركة لاهوتية جديدة, في نهاية الخمسينيات من القرن العشرين, اسمها اللاهوت العلمانيين. وقد عبر عن هذا اللاهوت لاهوتي أمريكي اسمه هارفي كوكس في كتاب له بعنوان المدينة العلمانية(1965) طبع منه ربع مليون نسخة في أمريكا ثم طبع في انجلترا وبعد ذلك ترجم إلي الفنلندية والألمانية والهولندية والكورية والسويدية والفرنسية. وإثر ذلك حدث جدل حاد حول ما جاء فيه من أفكار نشر في كتاب بعنوان جدل حول المدينة العلمانية(1966).
والسؤال إذن:
ماذا أحدث ذلك الكتاب من ثورة لاهوتية؟
قول كوكس إن العلمانية تعني انتقال المسئولية من السلطة الكنسية إلي السلطة السياسية وبذلك يتحرر المجتمع من القبضة الدينية. ومن هنا يميز كوكس بين الانسان العلماني والانسان ما قبل العلماني. الثاني يحيا في عالم من الأرواح الخيرة والشريرة, وفي واقع مشحون بقوة سحرية قد تكون نافعة وقد تكون ضارة. أما الأول فالطبيعة عنده منفصلة عن الله, ومن ثم تمكن العلم الطبيعي من التطور, وتمكن الإنسان من الحكم من غير استعانة بما يسمي الحكم الإلهي, وبالتالي أصبح التقدم الاجتماعي ممكنا باعتبار أن التقدم يستلزم سلب القداسة من السياسة.
ومع ذلك يبقي السؤال المثار في بداية المقال:
هل نحن نحيا في عصر علماني؟
الجواب عن هذا السؤال ليس بالأمر الميسور لأن العصر الذي نحياه ليس مقصورا علي الغرب, فثمة عالم إسلامي اكتفي فقط بضبط لفظ العلمانية مع قرار بضرورة سحقها لأنها هي العدو وليس من عدو سواها. وقد تم ضبط اللفظ في المؤتمر السنوي لمجمع اللغة العربية في عام1987 جاء فيه أنه قد تردد في العصر الحديث استعمال كلمة علماني علي أقلام بعض الكتاب والمفكرين بفتح العين غالبا وبكسرها في النادر. فمن فتح العين أراد النسب إلي العلم بمعني العالم, ومن كسر العين أراد النسب إلي العلم. وقد انتهي المجمع إلي أن ضبط الكلمة هو بفتح العين, أما ضبطها بكسر العين فلا سند له من لغة أو تاريخ.
العلمانية إذن في العالم الإسلامي إنما هي مسألة لغوية لا علاقة لها لا بالفقه ولا بالسياسة. ومن هنا دخل العالم الإسلامي اللاعلماني في تناقض حاد مع العالم الغربي العلماني. ومن هنا أيضا قيل إن لدينا حضارتين متناقضتين تناقضا حادا. والتناقض الحاد هنا يقوم بين الأصولي والعلماني. واذا كان التناقض الحاد يعني اقصاء أحد الطرفين للآخر فالعلماني يقصي بالعقل والأصولي يقصي بالإرهاب.
والسؤال بعد ذلك:
كيف يتم الاقصاء بالعقل؟
الجواب عندي أن هذا الاقصاء ممكن إذا تناولنا العلمانية علي أنها مسألة معرفية تخص مجال العقل قبل أن تخص أي مجال آخر.
والذي دفعني إلي ذلك الجواب نظرية كوبرنيكس عن دوران الأرض حول الشمس. فمن شأن هذا الدوران أن الأرض لم تعد مركزا للكون وبالتالي لم يعد الانسان مركزا للكون. واذا لم يكن الانسان مركزا فلا يكون من حقه الزعم بأنه قادر علي قنص الحقيقة المطلقة لأن هذا القنص ليس ممكنا إلا اذا كان الانسان في مركز الكون. ومعني ذلك أن العقل الإنساني ليس في امكانه التفكير بالمطلق وفي المطلق إنما في امكانه التفكير بالنسبي وفي النسبي. ومن هنا جاء تعريفي للعلمانية بأنها التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق.
والسؤال إذن:
هل في امكان هذا التعريف أن يكون مدخلا إلي تأسيس علاقة سوية بين العالمين الغربي والإسلامي؟
جواب هذا السؤال مرهون بالعالم الإسلامي دون العالم الغربي لأن المتحكم فيه ملاك الحقيقة المطلقة وهم الاخوان والسلفيون.





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mohammed_hmmad
Admin
Admin
avatar

ذكر عدد المساهمات : 15070
نقاط : 25155
تاريخ الميلاد : 22/05/1966
تاريخ التسجيل : 17/04/2009
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه ..123   الثلاثاء 12 نوفمبر 2013, 7:46 pm





الثلاثاء 8 من محرم 1435 هــ 12  نوفمبر 2013 السنة 138 العدد 46362
 
 الرأي عندي أن الحضارة الإنسانية‏,‏ في مسارها التاريخي‏,‏ تنتقل من الفكر الأسطوري إلي الفكر العقلاني‏,‏ وهي في هذا الانتقال تواجه عوائق ليس من الميسور تجاوزها بحكم تمكن الأسطورة من العقل‏.‏ يشهد علي صحة هذا الرأي ما حدث مع بداية القرن العشرين‏,‏ إذ اهتزت ما قيل في حينها إنها حقائق مطلقة‏.‏
فالذرة لم تعد جزءا لا يتجزأ, إذ ارتأي عالم الفيزياء ماكس بلانك في عام1900 أن الذرة بها جسيمات أي إلكترونات, ومعني ذلك أنها قابلة للتجزئة. كما ارتأي أينشتين في عام1905 أن كلا من الزمان والمكان ليس مطلقا, وهذا الذي ارتآه أينشتين كان علي الضد مما كان يعلنه نيوتن في القرن السابع عشر بأن كلا من الزمان والمكان مطلق. وبناء عليه بزغت الأصولية المسيحية في عام1909 لتمنع هذا التدهور للحقيقة المطلقة وذلك بتكفير من يناقضها أو يدمرها, فأصدرت كتيبات بين عامي1909-1915 تحت عنوان الأصول وبلغ توزيعها بالمجان ثلاثة ملايين نسخة. ترفض فيها نقد الانجيل كما ترفض النظريات العلمية التي لا تستقيم مع حرفية النص الديني, ومن ثم ترفض إخضاع النص الديني للعقل. وفي عام1979 تأسس الحزب المسيحي الأصولي بقيادة القس جيري فولول وأطلق عليه اسم الغالبية الأخلاقية. وأعلن بعد ذلك أن الأب الروحي للأصولية المسيحية فيلسوف ايرلندي اسمه ادموند بيرك من القرن الثامن عشر. ألف كتابا عنوانه تأملات في الثورة في فرنسا صدر بعد الثورة الفرنسية بعام أوضح فيه أنه يرفض الفصل بين الكنيسة والدولة, إذ هما كيان واحد لأن الدين هو مصدر التشريع, ومن ثم فليس من حق أحد غير الله تغيير التشريع. والعدالة أيضا مصدرها النظام الإلهي, وبذلك يهز بيرك عصر التنوير أو عصر الجهل كما كان يسميه.
وفي عام1979 نفسه قامت الثورة الأصولية الاسلامية في ايران بقيادة روح الله الموسوي الخميني. وقد جمعت محاضراته التي كان قد ألقاها في النجف فيما بين8 يناير,21 يناير1970 وصدرت في كتاب تحت عنوان الحكومة الاسلامية مفادها أن الأمر الإلهي له سلطان مطلق علي جميع الأفراد وعلي الحكومة الاسلامية, وأن الفقهاء أنفسهم هم الحكام الحقيقيون, وأن الفقيه العادل يلزم المؤسسات الحكومية بتنفيذ شريعة الله لتأسيس النظام الإسلامي العادل, وبذلك يمكن القول إن المطلق الأصولي, عند خميني, متجسد في الفقيه العادل. ومن شأن ذلك أن يتطابق النسبي مع المطلق وذلك بإحالة النسبي إلي المطلق, أو بالأدق بمطلقة النسبي, وأي نسبي يتبقي بعد هذه المطلقة لابد من ازالته لأنه يشكل, عندئذ, نتوءا في عملية المطلقة. والازالة ليست ممكنة من غير حرب ضارية.
أما الأصولية اليهودية فقد تأسست في عام1967 ممثلة في حركة جوش أمونيم التي تري أن اسرائيل دولة مقدسة. ومن ثم فالتنازل عن أي جزء من الأرض هرطقة لأن أي جزء هو منحة من الله. وقد ترتب علي هذه القداسة رؤيتها لما تبقي من العالم علي أنه ملوث الأمر الذي يفرض عليها اعتزال ثقافة العصر, إلا أنه اعتزال مغموس في مقولة العنف باعتبارها المكون الرئيسي للحركة من أجل فرض رؤيتها.
بيد أن هذه الأصوليات الثلاث ليست هي الأصوليات الوحيدة, فقد شاعت معها أصوليات أخري في أديان أخري غير الأديان الثلاثة في النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين. وتأسيسا علي ذلك عقدت ندوة دولية أثناء انعقاد المؤتمر العالمي الفلسفي الثامن عشر في عام1988 ببرايتون إحدي ضواحي لندن تحت عنوان الأصولية والعلمانية في الشرق الأوسط المعاصر. الغاية منها بيان أن الصراع بين الأصولية والعلمانية في الشرق الأوسط هو نموذج للصراع القائم والقادم علي مستوي كوكب الأرض. وكان المقصود من لفظ معاصر القوي المهددة للأصوليات وهي ثلاث: العقلانية العلمانية, والتسامح الديني الذي ينطوي علي مفهوم النسبية, والنزعة الفردية. وهذه الأصوليات في صراعها تهدد بإشعال الحروب. وبسبب هذا الضرب من التهديد نشأت علاقة عضوية بين الأصوليات الدينية والارهاب.ولا أدل علي صحة هذه الرؤية من أن الأكاديمية الأمريكية للآداب والعلوم قد قررت دراسة هذه الأصوليات تحت عنوان مشروع الأصوليات الدينية المعاصرةولمدة خمس سنوات. وقد صدرت الدراسة في خمسة مجلدات برعاية جامعة شيكاغو.
وإذا أردت مزيدا من الفهم فانظر إلي حال الاخوان في مصر مع بداية ثورة مصر في25 يناير.2011 لقد قضوا عليها في28 يناير عندما خرجوا من السجون بالقوة المسلحة. وبعد ذلك انفردوا بالسلطة مستعينين في ذلك الانفراد بالعنف الذي انتهي بتأليه الحاكم. وعندما انتهي سلطانهم في ثورة30 يونيو أو بالأدق ثورة الثلاثين مليونا من المصريين قرروا تدمير الدولة بإحداث ارهاب في محافظات مصر بوجه عام ومحافظة شمال سيناء بوجه خاص. ومع ذلك فان الارهاب لم يعد محصورا في منطقة محددة بل قد امتد إلي سكان كوكب الأرض. وإذا كان ذلك كذلك فمعني ذلك أن الارهاب هو مدخل من عدة مداخل إلي رؤية القرن الحادي والعشرين.

 





الإنسان أنفاس معدودة فى أماكن محدودة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
رؤيتى للقرن العشرين - مراد وهبه من 101 : إلخ
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
elwardianschool :: المكتبة :: تحميل كتب :: العلوم الاجتماعية (300)-
انتقل الى: