elwardianschool


elwardianschool

مـنـتـدى مـــكـتـبــة مـدرسـة الـورديـان الـثـانـويـة * بـنـيـن...( تعليمى.متنوع.متطور )

 
الرئيسيةالبوابةبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول
نتمنى لكم قضاء وقت ممتعا و مفيدا فى المنتدى
شاطر | 
 

 الحياة العلمية في العصر الأموي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد بك
مشرف على قسم التاريخ
مشرف على قسم التاريخ






ذكر عدد المساهمات: 1907
نقاط: 4410
تاريخ التسجيل: 16/11/2009
الموقع: 29 شارع عين جالوت بالقباري

مُساهمةموضوع: الحياة العلمية في العصر الأموي   الإثنين 08 نوفمبر 2010, 6:41 am

الحياة العلمية في الخلافة الأموية

مقدمة زخر العصر الأموي بكثير من العلماء على امتداده الزماني والمكاني، يأتي في طليعتهم جيل الصحابة الكثيرين الذين عاصروا هذه الدولة، وتركوا آثارًا واضحة على الحياة السياسية والاجتماعية فيها، وجيل التابعين الذين أخذوا عنهم، وورثوا منهم، ونشروا علومهم وتراثهم..
ونلاحظ أن أبرز الخلفاء الأمويين كانوا من العلماء، بل من كبارهم وسادتهم مثل: معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ الصحابي الجليل كاتب الوحي ومن لا يُنكَر علمه وحِلمُه، ومروان بن الحكم وابنه عبد الملك بن مروان وعمر بن عبد العزيز وغيرهم.
وكان كثير ممن يحوط هؤلاء الخلفاء من العلماء والفقهاء الذين لم يقتصر دورهم على تعليم العلم وتدريسه، بل مارسوا السياسة، وعرفوا طرقها، فقلل ذلك من شهرتهم في مجال الفقه والدرس، وإن ظَلَّ بعضهم يحتفظ بمكانته في ذلك الميدان ومن هؤلاء العلماء بعض الصحابة الذين كانوا قريبين من معاوية ـ رضي الله عنه ـ أثناء حكمه مثل: حبيب بن مسلمة الفهري، والنعمان بن بشير الأنصاري، والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص، ومسلمة بن مخلد الأنصاري وفضالة بن عبيد الأنصاري وغيرهم ـ رضوان الله عليهم ـ كما كان من القريبين من معاوية بعض أبناء الصحابة الأعلام مثل: الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وابن الزبير ـ رضي الله عنهم ..
ومن جيل التابعين اشتُهِرَ من العلماء في العصر الأموي جماعة من النابهين لا يُحْصَوْن كثرة مثل: خارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، ونافع مولى عبد الله بن عمر، وعاصم بن عمر بن قتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وسعيد بن يسار، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وابن سيرين، والزهري، والشعبي، ورجاء بن حيوة، وعطاء بن رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وميمون بن مهران، وطاووس اليمني وكثير غيرهم..
وبعض هؤلاء العلماء من التابعين كانوا من القريبين من الحكام ومن المشيرين عليهم، والواعظين لهم، والناصحين والمنكرين عليهم.. كما تولى بعض هؤلاء العلماء وظائف الحكم والإدارة والقضاء، وكان بعضهم بمثابة الوزراء والمشيرين عند بعض الخلفاء، رغم تعدد محاولات بعض هؤلاء العلماء الفرار من قربهم من الخلفاء، وكانت مكانة الآخرين عظيمة عند بني أمية حتى كان عبد الملك بن مروان يقول: إني لأهم بالشيء أفعله بأهل المدينة لسوء أثرهم عندنا؛ فأذكر أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي فأستحي منه، فأدع ذلك الأمر، وكان عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ يريد أن ينقل الخلافة إلى أحد هؤلاء العلماء البارزين القاسم بن محمد بن أبي بكر أو ميمون بن مهران، وحرص هشام بن عبد الملك على أن يصلي على اثنين من هؤلاء العلماء تصادفت وفاتهما أثناء رحلة حجه: طاووس اليمني وسالم بن عبد الله بن عمر..
إن هذه المكانة الرفيعة التي نالها العلماء في العصر الأموي لا تنفي أن بعضهم كان ينتقد الحُكم الأموي أو يثور عليه، وأن عددًا منهم قد لقي في عصرهم إساءةً أو تعذيبًا، ولكن ظلت هذه الإساءات محصورة في نطاق ضيق دائمًا، ومعظمها كان من نصيب هؤلاء الخارجين على سلطان الدولة والمشايعين لأعدائهما مثلما حدث مع سعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى اللذين شاركا في ثورة ابن الأشعث فقتلهما الحجاج، وقد تكرر الأمر نفسه ـ فيما بعدُ في العصر العباسي ـ على نحو أشد، فلقي بعض البارزين من عظماء علماء الإسلام عنتًا وتعذيبًا كأبي حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، وأحمد بن حنبل وغيرهم..
ولم تقتصر رعاية الأمويين العلم على رعاية العلماء وإجلالهم، وإنما امتدت لتترك آثارًا خالدة على تطور بعض العلوم الإسلامية ذاتها، حيث كان لبني أمية دور بارز في ازدهارها ونموها كما سنرى فيما بعد إن شاء الله تعالى..

عمق التأثير الاجتماعي للعلماء في العصر الأموي وكما كانت تأثيرات العلماء ومعارضتهم الأمويين أحيانًا، أو قربهم منهم أحيانًا أخرى دليلاً على حيوية هذه الجماعة وتأثيرها الكبير في المجتمع الإسلامي فقد كان التصاقها بالجماهير وتعلق الناس بها وتجاوبهم معها دليلا آخر على أن المجتمع الإسلامي في العصر الأموي لم يكن على ما يصوره بعض المؤرخين لهوًا وعبثًا فإنه لما توفي طاووس اليمني بمكة، وصلَّى عليه هشام بن عبد الملك، لم يتهيأ إخراج جنازته لكثرة الناس حتى وجَّه أمير مكة بالحرس، ولقد كان عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي يضع سرير طاووس على كاهله، وقد سقطت قلنسوة كانت على رأسه، ومُزِّق رداؤه من خلفه..
ولما مات الحسن البصري تتبع الناس جنازته، حتى لم تقم صلاة العصر بالمسجد الجامع بالبصرة في وقتها لانشغال الخلق بدفنه، وما علم أنها تركت منذ كان الإسلام إلا يومئذ..
وامتد نشاط الحركة العلمية وتأثير العلماء آنذاك إلى شتى أنحاء الدولة الإسلامية ففي خراسان " كان الضحاك بن مزاحم الهلالي صاحب التفسير الفقيه له مكتب عظيم فيه ثلاثة آلاف صبي، وكان يركب حمارًا يدور عليهم إذا أعيى"..

محاربة الأمويين المذاهب الضالة بذل الأمويون جهودًا كبيرة من أجل الحفاظ على نصاعة العقيدة الإسلامية وبساطتها وصحتها دون تحريف أو مغالاة، غير أن اختلاط العرب بغيرهم من شعوب البلاد المفتوحة صاحبة العقائد المختلفة، والأديان المتعددة، والتصورات الدينية المتباينة كان لابد أن يترك أثرًا سلبيًا على التصور الصحيح للإسلام عند بعض أبنائه، كما أننا نتوقع منذ البداية أن هذه الحضارات المهزومة والأمم المدحورة، وإن فاتها النصر في ساحات القتال لن تعدم وسيلة ما للدس والكيد والتآمر، ومحاولة تخريب عقائد المسلمين والتشويش عليها..
وبالتجاوز عن مواجهة الأمويين حركات الخوارج التي تعتمد على سابقة تاريخية منذ حاربهم علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وبافتراض أن تفكير الخوارج كان انحرافًا في "فهم الإسلام" وغلوًا فيه، وليس حربًا له، أو مكرًا به، فقد واجه الأمويون بعد ذلك عديدًا من المذاهب العقدية الضالة والخطيرة على الإسلام وأمته..
وقد تركز ظهور معظم هذه الحركات الهدامة في الجزء الشرقي من الدولة الإسلامية في العراق وفارس وخراسان، حيث كان التأثر واضحًا بالديانات الفارسية القديمة، كما ظهرت بعض هذه المذاهب الضالة في الشام حيث نجد بعض المؤثرات النصرانية، ولكننا نلاحظ كذلك أن هذه المذاهب المنحرفة لم تكن خطيرة التأثير، إذ لم تتح لها الفرصة للانتشار والذيوع، كما أنها كانت تفتقر بشكل واضح إلى التعاطف الجماهيري الذي ظل ملتصقًا بقيم الإسلام وتصوراته الصحيحة..
ولعل أسبق هذه الضلالات إلى الظهور ما نُسِبَ إلى المختار بن أبي عبيد المنتزِي على العراق في فترة ضعف الحكم الأموي التي تلت موت يزيد بن معاوية وتنازل ابنه معاوية عن الخلافة، وفي سنة 79هـ اكتشف عبد الملك بن مروان أمر رجل يدعي النبوة بالشام يدعي الحارث بن سعيد فألقى القبض عليه، وأمر رجالاً من أهل العلم والفقه بمحاورته وإقامة الحُجَّة عليه لعله يتوب، فلما لم يقبل منهم أمر بقتله..
وظهر في العراق في فترة مبكرة معبد الجهني الذي كان من أوائل القدرية في الإسلام، وهم منكرو القدر، و قد جاء بهذه الأفكار فيما يبدو من مصادر نصرانية، ثم لم يلبث أن ثار على الأمويين مع ابن الأشعث، فلما فشلت هذه الثورة ألقى الحجاج القبض عليه وقتله بعد عام 80 هـ.
وقد أخذ الأفكار القدرية لمعبد أحد رجال الشام واسمه غيلان الدمشقي وكان مولى لآل عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ وقد أدخل على هذه الأفكار مزيدًا من التأصيل الجدلي، وقد ناظره عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ لما علم ببدعته، وأبان له ضلاله فأظهر التراجع عن فكره أكثر من مرة، وأمر عمر بالكتاب إلى سائر العمال بخلاف ما يقول هؤلاء القدرية، وقد أمسك غيلان عن الكلام حتى مات عمر، فسال منه بعد ذلك السيل، فاستدعاه هشام بن عبد الملك بعد توليه الخلافة، وقال له: ويحك، قل ما عندك، إن كان حقًا اتبعناه وإن كان باطلاًَ رجعتَ عنه، فناظره ميمون بن مهران والأوزاعي، فلما استبان خطؤه ومكره وإصراره على ضلالته، أمر هشام بقتله..
ويبدو أن بعض الناس أرجف بالخليفة بعد صنيعه ذاك حتى أشفق أن يكون أخطأ بقتله غيلان، فكتب إليه رجاء بن حيوة فقيه أهل الشام يقول: بلغني يا أمير المؤمنين أنه دخلك شيء من قتل غيلان وصالح (أحد أصحاب غيلان) وأقسم لك يا أمير المؤمنين إن قتلهما أفضل من قتل ألفين من الروم أو الترك..
ثم ظهر في الشام الجعد بن درهم مولى بني الحكم وكان معلمًا لمروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، وهو أول من تكلم بخلق القرآن من أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد قيل إنه أخذ ذلك من أصول يهودية، فلما أظهر ذلك القول طُلِبَ بالشام، فهرب إلى الكوفة حيث حبسه عاملها خالد القسري وأمره هشام بن عبد الملك بقتله..

نهضة الثقافة والعلوم في العصر الأموي ظل كثير من الناس يظنون أن العرب في العصر الأموي كانوا يشتاقون إلى البداوة، ويحنون إلى الحفظ والتلقين، يتناقلون به العلوم فلا يكتبون، ولا يدونون ويصنفون، غير أنه يتضح أن الدراسات الحديثة قد أثبتت أن العرب آنذاك عرفوا الكتابة وتأليف الكتب وتصنيف العلوم، بل أنهم اهتموا بالترجمة إلى لغتهم، والتفتوا إلى معارف الآخرين ينهلون منها..
كما أثبتت هذه الدراسات أن بني أمية كان لهم نصيب كبير في تشجيع ذلك ورعايته، وضربوا بسهم وافر في النهضة الثقافية والمعرفية للأمة الإسلامية، وأن هذه النهضة لم تكن قاصرة على رواية الشعر أو حفظ الأمثال أو معرفة القرآن والحديث فقط، بل امتدت لتشمل جوانب شتى من العلوم النظرية والطبيعية على السواء..
وفيما يلي سوف نلقي نظرة فاحصة وسريعة ـ أيضًا ـ على هذه الجوانب المختلفة ودور الأمويين الثقافي والحضاري في هذه الحقبة من تاريخنا، والذي يُعَدُّ -بحق- واحدًا من مآثرهم الخالدة، وإنجازاتهم العظمى حيث لم يكونوا مجرد حكام أو ساسة، ولم يكونوا محض فاتحين أو غزاة، بل كانوا أيضًا مساهمين بنشاط في بناء الحضارة الثقافية الإسلامية والإنسانية.

نهضة العلوم الشرعية والعربية شهد العصر الأموي نهضة كبيرة في التفسير وعلوم القرآن والفقه لعقيدة وعلم الكلام، وتألق فيه نجم عديد من العلماء الذين ظلَّ المسلمون بعد ذلك يأخذون من علومهم، ويستشهدون بأقوالهم واجتهاداتهم، وليست ذلك بمستغرب على عصر عاش فيه جماعة من كبار الصحابة والتابعين، وعدد وفير من العلماء على امتداد الدولة الإسلامية المترامية الأطراف آنذاك على اختلاف نواحي نبوغهم وتفوقهم..
فظهر منهم في التفسير أمثال ابن عباس وتلاميذه كسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر وغيرهم، والضحاك بن مزاحم ومحمد بن كعب القرظي وقتادة بن دعامة السدوسي وغيرهم..
وبلغ الاهتمام بالقرآن وعلومه شأوا بعيدًا حتى ظهر في عصرهم عدد من أصحب القراءات القرآنية المشهورين، وكان معظمهم من الموالي مما يدل على مدى تغلغل الإسلام في نفوس بعضهم فمنهم عبد الله بن عامر بن زيد اليحبصي (ت 118هـ) وعاصم بن أبي النجود مولى بني جذيمة (ت127هـ) وأبو عمرو بن العلاء (ت 155هـ) وحمزة بن حبيب الزيات (ت 156هـ) وقد توفي العالمان الأخيران في العصر العباسي ولكن كان لهما عطاؤهما في العصر الأموي، وفيه كانت جهودهم لتلقي العلم حتى نبغا فيه، وعلى شيوخ ذلك العصر تعلما، وكان لهؤلاء العلماء تلاميذهم ومجالسهم، وكانت لهم أيضًا كتبهم في القراءات مثل كتاب: "اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق" لعبد الله بن عامر، و"المقطوع والموصول" له أيضًا، و"الوقف والابتداء" لأبي عمرو بن العلاء..
وبرز جماعة من الفقهاء مثل: شريح بن الحارث الكندي القاضي، وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي الذي تولى الكتابة لعبد الملك بن مروان وكان مقربًا منه، وإبراهيم النخعي ومكحول بن أبي مسلم الدمشقي، وحماد بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، وربيعة بن أبي عبد الرحمن التيمي المعروف بربيعة الرأي..
كما ظهر آخرون في علم الكلام والجدل مثل: الحسن البصري الذي تعددت نواحي نبوغه والحسن بن محمد بن الحنيفة وغيلان الدمشقي القدري، وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء إمامي المعتزلة، وجهم بن صفوان رأس الجهمية، بل إنه يروي أن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز كان له جهد في بحث العقائد الإسلامية فألف رسالة في الرد على القدرية..
دور الأمويين في هذه النهضة الثقافية:

الاهتمام بالقرآن واللغة شهد العصر الأموي دخول كثير من الأعاجم في الإسلام تعربهم، مما كان له أثره الواضح على نطقهم اللغة العربية، وانحراف ألسنتهم بها، فاقتضى ذلك عملاً مضاعَفًا للحفاظ على اللغة، وتقويم ألسنة الناطقين الجدد بها، وتيسير اطلاعهم على علوم الإسلام المكتوبة..
وقد رُويَ أن زياد بن أبيه هو الذي أشار على أبي الأسود الدؤلي بوضع بدايات علم النحو، وقيل إن معاوية ـ رضي الله عنه ـ هو الذي طلب من عامله على العراق ذلك لما دخل عليه أحد أبناء زياد فسمعه يلحن، فأرسل إلى أبيه يلومه، فتفق ذهن زياد عن ضرورة وضع قواعد اللغة العربية ويبدو أن إعجام المصحف بالنقط والشكل يرجع إلى نفس العصر، فقد ذكر أبو داود السجستاني أن عبيد الله بن زياد والي البصرة كَلَّفَ كاتبه يزيد الفارسي بهذا العمل، ولما ولى الحجاج العراق طلب من عاصم بن أبي النجود وضع النقط المميزة للحروف المتشابهة في القرآن لييسر على قارئيه، وبخاصة من غير العرب، فوضع بذلك أسس الإعجام في العربية، ثم وضع النحوي نصر بن عاصم علامات الأخماس والأعشار في القرآن، فتم بذلك تقسيم كتاب الله إلى أجزاء مختلفة في عصر الحجاج..
وفي هذا المقام لا ينبغي أن ننسى الإشارة إلى تعريب الدواوين.. الذي قام به الأمويون وولاتهم في الدفع بالعربية والتعريب إلى آفاق جديدة..

تدوين الحديث والفقه اشتد حرص الأمويين على تدوين العلوم الإسلامية وبخاصة الحديث الشريف، وقد لاقوا في سبيل ذلك عدة صعوبات نشأت في الأساس من تحرُّج العرب من التدوين واحتمالات الخطأ أو التحريف في الحديث بماله من أهمية تشريعية قصوى..
وقد بدأ ذلك الاهتمام الأموي بالتدوين وحفظ تراث الإسلام منذ سنين ولايتهم الأولى، فقد كان مروان بن الحكم أثناء ولايته على المدينة في خلافة معاوية ـ رضي الله عنه ـ حريصًا على العلم وتدوينه خشيةً عليه من الضياع، فقد أراد أن يحفظ معارف مشاهير الصحابة؛ فاستقدم زيد بن ثابت إليه وطرح عليه عددًا من الأسئلة بينما كان الكُتَّاب الجالسون خلف سترٍ يدونون الإجابات، فلما لحظ زيد ذلك تحرَّج وقال: يا مروان عذرًا إنما أقول برأيي..
وأرسل عبد العزيز بن مروان عندما كان واليًا على مصر إلى التابعي كثير بن مرة الحضرمي (ت70هـ) راجيًا منه أن ينسخ عن الصحابة أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لم يروها أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ إذ كانت أحاديث أبي هريرة لديه..
وكانت الدفاتر المدوَّنة عن علم الزهري كثيرة جدًا في خزانة الوليد بن عبد الملك، وكان عمر بن عبد العزيز عالمًا مرهف الحس عظيم الوعي، فقد أراد أن يوقف تيار الكذب على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي فشا، فرأى أن يسجل الحديث الصحيح من تلك الثروة الهائلة، فكتب إلى عامله على المدينة أبي بكر بن محمد بن حزم الأنصاري يأمره أن يدون حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل أن يدرُس العلم ويفنى العلماء، ويحضه على الجلوس للناس ونشر العلم كيلا يكون سرًا فيضيع، فقال له: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم وَلْتُفْشُوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا.. وقد كتب ابن حزم بعض ذلك ولكن ضاع منه، وتوفي الخليفة ولم يَرَ نِتاجَه، وقد وضع هشام بن عبد الملك من يكتب أخبار الزهري عنه..

تدوين التاريخ والاهتمام به يشير بعض الباحثين إلى معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ على أنه كان المؤسس الأول لعلم التاريخ الإسلامي، أو على الأقل كان الراعي الذي عمل على أول تدوين باللغة العربية "للتاريخ" بمعناه العام لا على أنه المغازي النبوية وقصص الأنبياء، ولا على أنه الأنساب وأيام العرب، ولكن على أنه تاريخ الأمم السالفة وسير الملوك والحروب وأنواع السياسات مما هو جدير بالقراءة على الملوك..
وهذا الحكم يعتمد على مبررات تاريخية حقيقية، فقد روى المسعودي أن معاوية ـ رضي الله عنه : كان ينام ثلث الليل، ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكائد فيقرأ ذلك غلمان له مرتبون، وقد وُكِّلُوا بحفظها وقراءتها فتمر بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار والآثار وأنواع السياسات".. وقد استقدم معاوية إلى دمشق أحد علماء اليمن البارزين في التاريخ وهو عبيد بن شرية الذي أَلَّفَ عدة كتب منها "كتاب الملوك وأخبار الماضين" ولم يكن عبيد هذا هو العالم الوحيد الذي استقدمه معاوية ـ رضي الله عنه ـ إلى دمشق فكتب عنه روايات وصيرها كتبًا، بل إن كثيرًا من الإخباريين أهل الدراية بأخبار الماضين وسِيَر الغابرين من العرب، وغيرهم من المتقدمين وفدوا على معاوية أيضًا..

الاهتمام بالشعر والشعراء استمر الشعر العربي في تألقه في العصر الأموي، وقد ساعدت ظروف الحياة ومنجزات الدولة آنذاك على توسيع مجالات القول وإثراء اللغة فقد وجد الشعراء في تعداد الآراء السياسية وتباين الأحزاب والجماعات وإيمان القادة بدور الشعر وأهميته، وجدوا في ذلك كله سبيلاً إلى الاهتمام بأمور الدولة؛ فظهر الشعر السياسي الذي يُعَدُّ من أبرز ملامح التطور الشعري في العصر الأموي، ووجدوا مجالاً جديدًا للإبداع الفني في معارك الفتح ومواطن الظفر والنصر وساعات القتال والخوف، وكان الشعراء يواكبون هذه الحياة الثرية بمشاركتهم الفعلية أو إسهاماتهم الفنية، ثم جاءت مظاهر الرفاهية التي وفدت على العالم الإسلامي مع اتساع مساحته ومشاركة غير العرب في نواحي نشاطه ووفرة الغنائم وكثرة الأموال، جاءت هذه الرفاهية لتهيج بلابل الشعر عند جماعة من الشعراء توهجت عواطفهم وتيسرت حياتهم، فأفرغوا جهودهم في شعر الغزل الصريح، يلقونه واثقين من عفتهم، وتَفَهُّم المجتمع الإسلامي لهم مع ما نالهم أحيانًا من سوء ظن وكدر صفو.. بينما أطلق آخرون لأنفسهم الخيال وراء غزل عفيف يتغنون به وينسجون حوله القصص والخيالات عن عشاق عشقوا وماتوا ضحايا الهوى مخلصين لمن أحبوا..
والأمويون شريحة من ذلك المجتمع النابض بالحياة، ولكنها شريحة فعالة ومؤثرة، وهم الحاكمون الموجهون دولاب النشاط السياسي والاجتماعي في ذلك العصر، ونحن نرصد بعض إسهاماتهم في تقدم مسيرة الشعر العربي الذي حظي دائمًا في هذه الفترة بالرعاية والاهتمام..
علاقة الأمويين بالشعراء:
لقد أدرك الأمويون أهمية الشعراء في الدعاية السياسية لهم إزاء الأحزاب السياسية الأخرى، وأهميتهم في إبراز منجزات الدولة ودحض حجج الخصوم، ولذلك فقد جمعوا حولهم جماعة من أكابر الشعراء في ذلك العصر، منهم من اختص بهم وانقطع إليهم، ومنهم من مدحهم بين الحين والآخر، وكان ذلك دأب ولاتهم أيضً، وبعض هؤلاء الشعراء ظل على ولائه لبني أمية حتى في أيام محنتهم أوتسلط خصومهم، كأبي صخر الهذلي الذي عانى اضطهاد ابن الزبير ـ رضي الله عنه ـ له وسجنه إياه، وكذلك أبي العباس الأعمى الذي نفاه ابن الزبير ـ رضي الله عنه ـ إلى الطائف، ثم لم يزحزحه ذلك عن ولائه للأمويين، حتى إذا جاء سلطان بني العباس عرفوا ذلك فيه فتنكروا له، وكذلك فعل العباسيون مع أبي عطاء السندي لعلمهم بميله إلى بني أمية، حتى هجاهم وأنشد شعرًا يترحم فيه على أيام الأموين وعزهم..
وَوُجِدَ بالمثل شعراء آخرون منحرفون عن الأمويين منحازون لأعدائهم، وكم لاقى الأمويون من لسانهم وقولهم فإذا انهزمت أحزابهم وأتوا إلى الأمويين من جديد عرفوا لهم قدرهم وخطرهم فغفروا لهم، وكان هناك فريق آخر من الشعراء الذين لا ينتمون إلى حزب بعينه، فإذا لم يعجبهم من أحد شيئًا سلقوه بألسنة حداد كما فعل يزيد بن مفرغ الحميري مع ابن زياد حيث هجاه هجاءً مقذعًا، فلما خاف تبعة عمله استجار بمعاوية ـ رضي الله عنه ـ فأجاره ثم صفح عنه ابن زياد، وكذلك صفح الحجاج عن العديل بن الفرخ، وتناسى هجاءه إياه واستهانته بوعيده، وكان ابن قيس الرقيات شاعر الزبيريين محاربًا في صفوفهم مع مصعب بن الزبير، فلما انتصر عليه عبد الملك عفا عن الشاعر ونال مدائحه، وبالمثل فعل هشام بن عبد الملك مع الكميت بن زيد شاعر الشيعة بعد أن كان أمر بالتنكيل به وسجنه لما أسرف في هجاء بني أمية، ثم عفا عنه في النهاية، والأمثلة على ذلك كثيرة..
وبصورة عامة فإن حلم الأمويين قد امتد ليشمل كثيرًا من الشعراء المعارضين، اللهم إلا في حالات قليلة كان فيها الشاعر خارجًا عن الجماعة محاربًا للدولة، مثلما حدث مع أعشى همدان الذي اشترك في ثورة ابن الأشعث فقتله الحجاج..
وهكذا استطاع الأمويون تجميع كثير من هذه الألسنة الحداد، وجعلها خادمة لأهدافهم ورؤيتهم وساعدهم على ذلك ثراؤهم، وظنوا أن إعطاء هؤلاء من بيت المال ليس حرامًا إذ أنهم يدعون إلى تمكين سلطان الإمام وحرب الخارجين عليه، وتمجيد منجزات الدولة، فهم بمثابة جهاز إعلامي خطير لابد من وجوده، ولا ضير من معاونته وتقويته..
اهتمام الأمويين بالدور الاجتماعي والتربوي للشعر:
ومن ناحية أخرى كان الأمويون تواقين للشعر، مدركين أهميته ودوره الاجتماعي بغَضِّ النظر عن نفعه السياسي..
فقد كتب معاوية ـ رضي الله عنه ـ إلى زياد أن أوفد إليَّ بنك، فلما قدم عليه لم يسأله عن شئ إلا نفذ منه، حتى سأله عن الشعر فلم يعرف منه شيئًا؛ فقال له: ما منعك من تعلُّم الشعر؟ فقال: يا أمير المؤمنين إني كرهت أن أجمع في صدري كلام الرحمن مع كلام الشيطان؛ فقال معاوية ـ رضي الله عنه: اُغْرُب فو اللهِ ما منعني من الفرار يوم صفِّين إلا قول ابن الأطنابة حيث قال:
أبت لي عفتي وأبى بــلائي وأخذي الحمد بالثمن الربيحِ
وإعطائي على الإعـدام مالي وإقدامي على البطل المشيحِ
وقولي كلما جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحي
ثم كتب إلى أبيه أن رَوِّه الشعر، فَرَوَّاه حتى كان لا يسقط عنه شيء منه..
وروى ابن عساكر بإسناده إلى أبي العباس أحمد بن يحيى بن تغلب قال: قال معاوية ـ رضي الله عنه ـ لعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص: قد رأيتك تعجب بالشعر (وكان عبد الرحمن شاعرًا) فإذا فعلت فإياك والتشبيب بالنساء فتُعِرَّ الشريفة، وترمي العفيفة، وتقدر على نفسك بالفضيحة، وإياك والهجاء فإنك تحنق به كريمًا وتستثير به ليئمًا، وإياك والمدح الوقاح وطعمة السؤال، ولكن افْخَر بمفاخر قومك، وقُلْ من الأمثال ما تُزيِّن به نفسك وشِعْرَك، وتؤدب به غيرك..
تذوق الأمويين للشعر وعنايتهم بتدوينه:
كان عبد الملك بن مروان خبيرًا بالشعر ناقدًا له، وقد أحس أن مدح بعض الشعراء له جافٍ يصدر عن عاطفة باردة فقال: تشبهوننا مرة بالأسد الأبخر، ومرة بالجبل الأوعر، ومرة بالبحر الأجاج، ألا قلتم فينا كما قال أيمن بن خريم في بني هاشم:
نهاركم مكابدة وصوم وليلكم صلاة واقتراء
إلى آخر الأبيات..
وعندما وفد عليه ذو الرمة ومدحه بقصيدة أطال فيها وصف الناقة، ولم يذكر الخليفة إلا في بيتين اثنين قال له عبد الملك: ما مدحت بهذه القصيدة إلا ناقتك؛ فخذ منها الثواب..
بل كان عبد الملك بن مروان يختبر رعيته في الشعر، ويحزنه تضييع بعضهم له؛ فقد رووا أنه كان مُعجَبًا بشعر عبد الله بن جحش فكتب إليه بالقدوم، فورد كتابه وقد مات فجاءه ابنه يرجو ثوابه، فلما سأله عن بعض شعر أبيه لم يعرف فقال: أُفٍّ لك، ورحم اللهُ أباك، فقد ضيعت أدبه، وعققته إذ لم تروِ شعره، اخرج فلا شيء لك عندي..
وعندما قدمت عليه قبيلة عدوان تقدمهم رجل وسيم عفيف، وكان فيهم معبد بن خالد الجدلي، وكان دميمًا فتأخر فيهم؛ فأنشد عبد الملك بعض أبيات ذي الأصبع العدواني وسأل عنها الرجل الوسيم فلم يجد جوابًا، وكان معبد يجيب في كل مرة، فأنقص عطاء الجميل من سبعمائة إلى ثلاثمائة، وزاد عطاء معبد من ثلاثمائة إلى سبعمائة..
وهكذا كان كثير من خلفاء بني أمية يطرب للشعر ويجزي عليه، وكان هذا دأب أمرائهم، حتى لقد أوصى مسلمة بن عبد الملك بثلث ماله لأهل الأدب وقال:"إنها صنعة جُحِفَ بأهلها"..
بل كان بعضهم شعراء معروفين بجودة شعرهم، مثل: يزيد بن معاوية، والوليد بن يزيد من الخلفاء، وعبد الرحمن بن الحكم من الأمراء..
ومن الجدير بالذكر هنا أن اهتمام الأمويين بالشعر لم يقتصر على هذه الجوانب المتعددة بل امتد أيضًا إلى محاولة جمعه وتدوينه، حيث كلف الوليد بن عبد الملك حمادًا الراوية بجمع الشعر الجاهلي في ديوان..

اهتمام الأمويين بالعلوم التجريبية والترجمة ورثت الدولة الأموية علوم الأعاجم من الفرس والروم بعد انهيار دولتهم، وكان لابد ـ للإفادة من ذلك التراث ـ من ترجمته ونقله إلى العربية بعد أن غدا "تراثًا تقليديًا تداولته أيدي الشارحين والمحترفين ممن أجادوا اليونانية أو السريانية"..
وقد كان بعض هذه الترجمات حافزًا على الاهتمام بالعلوم التجريبية وربما كان العكس صحيحًا أحيانًا.. ومعلوم أن كل ذلك يحتاج إلى جهد كبير تعجز عنه إمكانات الأفراد العاديين؛ ولذا فقد وقف الأمويون يشجعون على ذلك حتى تحققت أعمال جيدة على نحو ما نرى..
فقد كان معاوية ـ رضي الله عنه ـ سبَّاقًا إلى رعاية العلوم وأهلها فأنشأ بيتًا للحكمة "أي مركز للبحث" ومكتبة، واستمر المروانيون يُعْنَون بهذا البيت حتى في أسفارهم وحروبهم، يسألون عنه ويهتمون به..
كما بنى الأمويون مرصدًا في دمشق، والمراصد تدل على قوس عريض في العلم لما تقتضيه من أدوات وتقنية، ومن خبرة ومن علم..

علم الطب في العصر الأموي لقد بذل الأمويون مجهودًا عظيمًا في نشر الإسلام، فوصلت فتوحاتهم إلى الصين شرقًا وإلى شواطيء المحيط الأطلسي غربًا، وبفضلهم استعملت جميع البلدان المفتوحة اللغة العربية كلغة رسمية، كما حافظ الأمويون على المؤسسات العلمية في البلدان المفتوحة، وبقيت كما كانت قبل الفتح الإسلامي؛ لذا استمر العطاء العلمي في جميع المجالات، مما دفع طلاب العلم من البلاد العربية إلى أن ينضموا إلى هذه المؤسسات العلمية لكي يتعلموا العلوم التجريبية باختلاف أنواعها وفي مقدمتها علم الطب..
يقول محمد زهير البابا في كتابه "تاريخ وتشريع وآداب الصيدلة": (اتسعت رقعة الدولة الإسلامية زمن الحكم الأموي كثيرًا، وكان العرب على درجة عالية من الوعي، فلم يمسوا المؤسسات العلمية والدينية التي كانت قائمة في البلاد المفتوحة بأي سوء، لهذا تابعت مدرسة جنديسابور رسالتها في نشر العلم زمن الخلافة الأموية، وانطلق منها العلماء وخاصة الأطباء إلى دمشق بِناءً على دعوة الخلفاء والأمراء أوطلبًا للرزق، وقد قام بعضهم إلى جانب ممارسة المهنة بترجمة بعض الكتب من اللغة السريانية، وهي لغة العلم في ذلك الوقت إلى اللغة العربية، وهي لغة الدولة )..
بقى الطب العربي والإسلامي في أول فترة الحكم الأموي معتمًدا على إرشادات الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى الأعشاب والنباتات الطبية والكي، والفصد والحجامة والختانة، وبعض العمليات الجراحية البسيطة، ولكن سرعان ما بدأ أطباء العرب والمسلمين يتعرفون على الطب اليوناني عبر مدرسة الإسكندرية ومدرسة جنديسابور، ومن هنا اتجه الأطباء الأمويون إلى ترجمة الكتب الطبية إلى اللغة العربية، وكان أول نقل في الإسلام من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية على يد حكيم بني أمية الأمير خالد بن يزيد المتوفي سنة 85هـ..
ويقول كمال السامرائي في كتابه "مختصر تاريخ الطب العربي" ـ الجزء الأول ـ يعتبر العصر الأموي بداية التفاتة العرب على المستوى الحكومي إلى دراسة العلوم الدنيوية التي كانت تزخر بها البلاد التي افتتحوها وخضعت لحكمهم، منها الطب، وخصوصًا تلك التي كانت تنطق باللغة اليونانية، وكانت الإسكندرية وأنطاكية وجنديسابور مراكز ثقافية في العلوم عامة وفي الطب خاصة، فاعتمد خلفاء هذا العصر على الأطباء الروم في هذه المدن، فكانوا بذلك أول الحكام العرب الذين أدخلوا الأطباء الأعاجم إلى حاشيتهم، ولما لمس الشباب ما يكسبه الإنسان المزود بالثقافة والصناعة الطبية تطلعوا إلى اقتناء تلك المعارف والارتحال إلى مراكزها للتزود منها..
ويعتبر أعظم ما حدث في العصر الأموي من الناحية الحضارية هو ترجمة بعض الكتب اليونانية إلى اللغة العربية، إذ فتحت هذه الحركة نافذةً أَشْرَفَ منها العلماء العرب لأول مرة على ما لدى اليونانيين من معارف لم تكن بعدُ في أفكارهم"..
كانت المستشفيات معروفة منذ الأزل، ولكن يُزْعَمُ أن الخليفة معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ أول من أقام مستشفى نظاميًا في الإسلام ثم تبعه الوليد بن عبد الملك المتوفى سنة 96 هـ، فطَوَّر في نوعية المستشفيات، فبنى سنة 88هـ مستشفى نموذجيًا زوده بالطعام والأدوية والملابس وعَمَّره بالأطباء والصيادلة، وقد احتُرِمَت في هذا المستشفى الأخلاق الإسلامية، حيث كان فيه جناحان: أحدهما للرجال والآخر للنساء، وألحق بهذا المستشفى النموذجي صيدلية تحتوي على مختلف أنواع الأدوية من الشراب والمعاجين، والجدير بالذكر أن بعض المؤرخين للعلوم العلمية يعتبرون أن أول من بنى في الإسلام مستشفى هو الخليفة الوليد بن عبد الملك ونميل إلى هذا الاعتبار، وهناك بعض المستشفيات التي نالت شهرة عظيمة في العصر الأموي هي: البيمارستان الصغير بدمشق، وبيمارستان الوليد بن عبد الملك بدمشق، وبيمارستان زقاق القناديل بمصر..
وفي العصر الأموي برزت بعض الشخصيات العربية في ميدان علم الطب، ولكنهم لم يتركوا آثارهم مكتوبة حتى نتمكن من معرفة أسمائهم، ولكن الواضح أن عائلة أبي الحكم الدمشقي كانت المسيطرة على مهنة الطب في العصر الأموي، لأنهم توارثوها، وكان في مقدمتهم أبو الحكم الدمشقي الذي استطبه الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ ومن الأطباء العرب والمسلمين المعروفين في العصر الأموي على سبيل المثال لا الحصر:
ـ الأمير خالد بن يزيد بن معاوية الذي تلقى الطب على يد أستاذه الكبير مريانوس الذي استقدمه من مدرسة الإسكندرية..
ـ ابن آثال: اختاره معاوية ـ رضي الله عنه ـ طبيبًا خاصًا به، حيث كان خبيرًا بالعقاقير، كما كان يدين بالنصرانية يومئذ..
ـ تياذوق: من الأطباء الذين اشتهروا بقوة الرأي في مجال الطب، وقد كان قريبًا من الحجاج بن يوسف الثقفي..
ـ زينب طبيبة بني أود: وهي طبيبة عارفة بالأعمال الطبية، ولها خبرة عظيمة في أمراض العيون..
ـ عبد الملك بن أبجر الكناني: كان أستاذًا بمدرسة الإسكندرية، له باع طويل في علم الطب، استطبه الخليفة الزاهد ـ عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله، واعتنق الإسلام على يده..
ـ بدارقس: كان طبيبًا روميًا، نال سمعة مرموقة بين زملائه في حقل الجراحة العامة..
ـ أحمد بن إبراهيم: له مكانة عالية في حقل الطب وكان طبيب الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك..
وخلاصة القول: يتضح للقاريء أن الأمويين ركزوا جهدهم للفتوحات، وتوسيع رقعة مملكتهم الإسلامية، ونشر اللغة العربية بين سكان البلدان المفتوحة، ولكنهم لم يهملوا العلوم العلمية، بل قاموا بجمع المخطوطات اليونانية وتحقيقها وترجمتها إلى اللغة العربية، لذا صارت اللغة العربية في العصر العباسي لغة العلوم والفنون، ولا شك أن للأمويين اليد الطولى في إيصال العرب والمسلمين إلى مكانة مرموقة في الحضارة العربية الإسلامية..
والحقيقة إن معلومات أطباء العرب والمسلمين في العصر الأموي كانت محصورة في الحفاظ على الصحة، ومنهج الوقاية من الأمراض الوبائية، وعمل بعض العمليات الجراحية البسيطة، ولكنهم وصلوا بكل نجاح إلى التراث اليوناني عن طريق مصادره المعروفة وهي: كل من مدرسة الإسكندرية ومدرسة جنديسابور، ومدارس الحيرة وأنطاكية وغيرها، وبدأوا حركة الترجمة على يد الأمير خالد بن يزيد بن معاوية، فصار جهابذة الفكر في علم الطب يأتون إلى دمشق عاصمة الخلافة الأموية من كل حدب و صوب، للقيام بعمل الترجمة من اللغات المختلفة وتنوعت الاجتهادات وانطلقت الحركة الفكرية العلمية التي طورها وعززها بنو العباس في البلاد العربية والإسلامية..

الترجمة يشير بعض المؤرخين إلى دور ابن أثال النصراني طبيب معاوية ـ رضي الله عنه ـ في نقل بعض معارف الطب إلى العربية، وكان يحيى الدمشقي النصراني من علماء دينه والقادرين على الترجمة إلى العربية، وكان صديقًا ليزيد بن معاوية، واتسع له حلم الخليفة ووزرائه حتى ألف عدة مؤلفات في العقيدة المسيحية والدفاع عنها، وفي التاريخ والفلسفة والخطابة والشعر، منها كتاب لإرشاد النصارى في جدالهم مع المسلمين، وكانت بعض مناقشاته تحدث في مجلس الخليفة نفسه..
على أن بداية الجهود الحقيقية في الترجمة بدأت مع خالد بن يزيد بن معاوية حكيم بني أمية، وقد تتلمذ للراهب الرومي مريانوس وتعلم منه صنعة الطب والكيمياء، وله ثلاث رسائل في الصنعة، ذكر في إحداها ما كان بينه وبين مريانوس، وكيف تعلم منه الرموز التي أشار إليها، ويعتبر خالد بن يزيد أول من عُنِيَ بنقل الطب والكيمياء إلى العربية، فقد أمر بإحضار جماعة من اليونانين ممن درسوا بمدرسة الإسكندرية في مصر، وتفصحوا العربية كذلك، فطلب منهم نقل كثير من الكتب من اللسان اليوناني والقبطي إلى اللسان العربي، وكان هذا أول نقل في الإسلام كما طلب منهم أن يترجموا كتب جالينوس في الطب، فوضع بذلك أساس العلوم الطبية، وهو أول من أعطى االمترجمين والفلاسفة وقرَّب أهل الحكمة ورؤساء أهل كل صناعة، وتُرجمت له كتبُ النجوم والطب والكيمياء والحروب والآلات والصناعات، وهو أول من جمعت له الكتب وجعلها في خزانة الإسلام.. ففي دمشق إذًا أنشئت أول دار للكتب في العالم العربي..
وفي عهد مروان بن الحكم ترجم طبيب يهودي فارسي الأصل اسمه ماسرجويه كتابًا كتابًا في الطب عن السيريانية، وكان قد ألفه باليونانية راهب نصراني في الإسكندرية يدعى أهرون..
أما عبد الملك بن مروان فقد قام بأعظم هذه الأعمال جميعها في الترجمة وأكثرها خطرًا وأثرًا حين أمر بتعريب الدواوين؛ ففتح للعربية بابًاً واسعًا للانتشار والثراء.. وفي عهد عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ أمر الخليفة بنقل معاهد الطب من الإسكندرية إلى أنطاكية وحرَّان، وأشار عمر على بعض الروم الذين كانوا في قصره، وكانوا يعرفون العربية أن يترجموا له بعض كتب اليونان، فترجموا له كتابًا في الطب أخرجه للناس بعد أن استخار الله أربعين يومًا..
وكان الخليفة هشام بن عبد الملك شغوفًا بالإطلاع على الآثار الأدبية الخاصة بالأمم الأخرى، فقد أمر بترجمة كتاب عن تاريخ فارس يحتوي على صور الأكاسرة الذين ورد ذكرهم فيه، وذلك سنة 113 هـ، ويخبرنا المسعودي أنه رأى هذا الكتاب سنة 303 هـ في اصطخر، وتسرب هذا الشغف إلى المحيطين بالخليفة، فترجم سالم مولاه بعض كتب أرسطو إلى العربية، كما ورث ابنه جبلة بن سالم عن أبيه كثيرًا من معارفه وعلومه؛ فترجم بعض الآثار التاريخية الفارسية إلى العربية، ثم جاء ابن المقفع الأديب الفارسي الأصل بعد ذلك في أواخر العصر الأموي فترجم آثاره الجليلة مثل: كليلة ودمنة وغيرها عن الأدب الفارسي..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 

الحياة العلمية في العصر الأموي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» تطور الدواوين في العصر العباسي
» توصيات مؤسسة الأبحاث العلمية SRF لحماية البيئة من تأثيرالمبيدات
» الحياة ما بعد الموت
» أقوال مأثورة عن الحياة 1
» قائمة أفضل 125 لاعب على قيد الحياة

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
elwardianschool ::  ::  ::  ::  :: -